وقت وليس قول أحدهما بأولى من الآخر، وتسلم لنا الأدلة الشرعية ليس لها معارض، وليس في شرع الله سبحانه ولا في قدرته فيما نعلم ما يمنع وقوع الخسوف والكسوف في كل وقت؛ لأن الله له القدرة الكاملة على كل شيء، وله الحكمة البالغة في جميع ما يقدره ويشرعه لعباده، وقد أخبر نبيه ﷺ أن كسوف الشمس وخسوف القمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، والعباد في أشد الحاجة إلى التخويف والإنذار من أسباب العذاب في كل وقت، وهذا المعنى نفسه من الأدلة الدالة على صحة قول من قال من العلماء: بجواز وقوع الخسوف والكسوف في جميع الأوقات، والرؤية لهلال رمضان هذا العام- أعني عام ١٤٠٧ هـ ليلة الثلاثاء (قد ثبتت لدى مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية بهيئته الدائمة، فهي رؤية شرعية- يجب الاعتماد عليها لموافقتها للأدلة الشرعية وبطلان ما يعارضها، وبموجبها يكون يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان؛ للأحاديث السابقة، ولقوله ﷺ : «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون (١) » أخرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن.
стр. 16172
ولو فرضنا أن المسلمين أخطأوا في إثبات الهلال دخولا أو خروجا، وهم معتمدون في إثباته على ما صحت به سنة نبيهم ﷺ لم يكن عليهم في ذلك بأس، بل كانوا مأجورين ومشكورين من أجل اعتمادهم على ما شرعه الله لهم وصحت به الأخبار عن نبيهم ﷺ ، ولو تركوا ذلك من أجل قول الحاسبين أو من أجل وقوع الكسوفات مع قيام البينة الشرعية برؤية الهلال دخولا وخروجا لكانوا آثمين وعلى خطر عظيم من عقوبة الله ؛ لمخالفتهم ما رسمه لهم نبيهم وإمامهم محمد بن عبد الله ﷺ التي حذر الله منها في قوله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ، وفي قوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣) .
وأرجو أن يكون فيما ذكرته مقنع لطالب الحق، وكشف
стр. 16173
للشبهة التي ذكرها الدكتور أ. ع. ل وغيره ممن يعتمد على أقوال الحاسبين.
والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والدكتور وجميع المسلمين لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، والتمسك بشرع الله المطهر، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن القول على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ بغير علم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على رسوله نبينا محمد وآله وصحبه ومن عظم سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
ورئيس المجلس التأسيسي
لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
стр. 16174
٢٠١ - الكسوف والخسوف
يقعان تخويفا من الله تعالى لعباده
س١: سماحة الشيخ: طالعتنا الصحف بخبر مفاده:
أن القمر سوف يخسف خسوفا كليا بعد غروب الشمس بقليل، وذلك قبل خسوفه بثلاثة أيام، وقد شرح الكاتب أسباب الخسوف وبدايته ونهايته مما يثير النفس عدة تساؤلات بعد الحقائق التالية:
أ- إن خسوف القمر والشمس شيء طبيعي؛ لأن أصحاب المراصد الفلكية أخبروا عنه قبل وقوعه بعدة أيام وحددوا قدره وبدايته ونهايته بكل دقة.
ب- إن الرسول ﷺ «أمرنا فيما رواه مسلم عن عائشة أن نفزع في حالة الخسوف إلى الصلاة وقال: "فصلوا حتى يفرج الله عنكم (١) » .
جـ- وما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة- أي العتق (٢) » -.
د- ورد في فتح الباري: «إن الشمس والقمر آيتان من
стр. 16175
آيات الله يخوف الله بهما عباده (١) » .
فلماذا يفزع العباد والخسوف شيء طبيعي معلوم من قبل حدوثه؟ (٢)
ج: أولا: ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر أن الكسوف والخسوف للشمس والقمر يقعان تخويفا من الله لعباده، وحثا لهم على مراعاة هذه الآيات والخوف من الله والفزع إلى ذكره وطاعته، وأخبر ﵊ أنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته، وإنما هما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وقال: «إذا رأيتم الخسوف فافزعوا إلى ذكره ودعائه (٣) » ، وقال أيضا ﵊: «إذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم (٤) » .
стр. 16176
وأمر في ذلك بالتكبير والعتاقة والصدقة، كل هذا مشروع عند الكسوف، الصلاة والذكر والاستغفار والصدقة والعتق والخوف من الله- والحذر من عذابه.
وكونها آية تعرف بالحساب لا يمنع كونها تخويفا من الله جل وعلا، وأنها تحذير منه ، فإنه هو الذي أجرى الآيات، وهو الذي رتب أسبابها كما تطلع الشمس وتغرب الشمس في أوقات معينة، وهكذا القمر، وهكذا النجوم، وكلها آيات من آيات الله ، فكون الله جعل لها أسبابا كما ذكر الفلكيون يعرفون الخسوف بها لا يمنع من كونها تخويفا وتحذيرا من الله ، كما أن آياته المشاهدة من شمس وقمر ونجوم وحر وبرد كلها آيات فيها التخويف والتحذير من عصيان الله على هذه النعم، وأن يحذروه وأن يخافوه وأن يخشوه سبحانه، حتى يستقيموا على أمره، وحتى يدعوا ما حرم عليهم، فوجود الآيات في السماء من خسوف وكسوف وغير ذلك، وكون الفلكيين والحسابين يعرفون أسباب ذلك في الغالب، لا يمنع كونها آيات، والحساب قد يغلط، والفلكي قد يغلط في بعض الأحيان، وقد يصيب، ولكنه- في الغالب- إذا كان متقنا للحساب يدرك
стр. 16177
هذا الشيء، وليس هو من علم الغيب؛ لأن له أسبابا معلومة يسبرها الحسابون بتنقل الشمس والقمر، ويعرفون منازل الشمس والقمر، ويعرفون المنزلة التي فيها الخسوف والكسوف، وهذا لا ينافي ما أمر الله به على لسان رسوله ﷺ من الخوف من الله أو الصدقة أو غيرها، هذا كله من مصلحة العباد، حتى يخافوا ويحذروا ويستقيموا، وكونها تعرف بالحساب لا يمنع ذلك.
стр. 16178
س٢: ألا يقلل نشر مثل هذه الأخبار من أهمية الخسوف؟
ج: لو ترك النشر لكان أحسن وأفضل؛ حتى يفجأ الناس الخسوف، ويكون ذلك أقرب إلى فزعهم وخوفهم واجتهادهم في طاعة الله ، لكن بعض الحسابين يرى أن في ذلك حثا على التهيؤ والاستعداد وعدم الغفلة؛ لأنه قد يأتي غفلة وهم لا يشعرون ولا ينتبهون، فإذا نشر في الصحف انتبه الناس لهذا الشيء وأعدوا له عدته في وقته، هذا مقصود من نشر ذلك في الأغلب.
стр. 16179
س ٣: أليس التنبؤ بمثل خسوف القمر والشمس من مسابقة الأحداث ومصادمة الأدلة الشرعية، والله يحفظكم ويرعاكم؟
ج: لا، قال أهل العلم: إنه ليس من أمور الغيب، وهذا مدرك بالحساب، كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من الأولين، ومعروف عند أهل الفلك والحسابين لمنازل القمر والشمس، يعرفون هذا بطرق سبروها ودرسوها وعرفوها، وليس من علم الغيب.
стр. 16180
باب صلاة الاستسقاء
٢٠٢ - فضل صلاة الاستسقاء
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات ومن علي وعليهم بالتوبة النصوح من جميع السيئات آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد (١) :
فتعلمون رحمني الله وإياكم أن ولي الأمر حفظه الله قد أمر بالاستسقاء صباح يوم الاثنين الموافق ٧ جمادى الأولى ١٤٠٨ هـ؛ لتأخر الغيث عن وقته في كثير من البلاد، ولشدة حاجة المسلمين، بل ضرورتهم إلى رحمة ربهم سبحانه وفضله وإحسانه، وقد
стр. 16181
أمرهم سبحانه أن يدعوه ويضرعوا إليه ويرفعوا إليه حاجاتهم، وقد وعدهم سبحانه بالإجابة حيث قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) ، وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ادعوا ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) .
وكان النبي ﷺ والمسلمون إذا اشتدت بهم الأمور لجأوا إلى الله سبحانه واستغاثوا به، فيغيثهم ويجبرهم بإحسانه وجوده، كما قال في قصة غزوة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٥) .
стр. 16182
ولما اشتد الجدب في المدينة وما حولها طلب المسلمون من النبي ﷺ أن يستغيث لهم فرفع ﷺ يديه في خطبة الجمعة واستغاث ربه وكرر الدعاء وخرج بهم مرة أخرى إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد، واستغاث ربه ودعاه، ورفع يديه وألح في الدعاء وحول رداءه، ورفع المسلمون أيديهم؛ تأسيا به ﷺ فأغاثهم الله ورحمهم وأزال شدتهم وأنزل عليهم الغيث الكثير، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) ، ومن أعظم أسباب الرحمة ونزول الغيث تقوى الله ، والتوبة إليه من جميع الذنوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والتناصح في الله، والتواصي بالحق والصبر عليه، ورحمة الفقراء والمساكين ومواساتهم، والإحسان إليهم؛ كما قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) الآية، وقال
стр. 16183
سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٢) ، وقال : ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) ، وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) .
فأبان سبحانه في هذه الآيات الكريمات أن التقوى والإحسان إلى عباد الله والاستقامة على أمر الله من أسباب رحمته عباده، وإحسانه إليهم، وإنزال الغيث عليهم، وإزالة المشقة عنهم؛ فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا إلى عباده، وتواصوا بالحق، واصبروا عليه، وتعاونوا على البر والتقوى، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، وتوبوا إلى الله من جميع الذنوب؛ يرحمكم مولاكم سبحانه، ويمن عليكم بالغيث المبارك، ويعطكم
стр. 16184
ما تحبون، ويصرف عنكم ما تكرهون، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ، وقال ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم (٢) » ، وقال ﵊: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (٣) » .
والآيات والأحاديث الشريفة في الحث على التقوى والاستقامة، ورحمة العباد، والإحسان إليهم كثيرة معلومة. وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمن عليهم بالتوبة النصوح من جميع الذنوب، وأن يغيثهم من فضله، وأن يجمع قلوبهم على التقوى والعمل الصالح، وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل، ومن مضلات الفتن، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل ما فيه صلاح
стр. 16185
العباد والبلاد، وأن يصلح لهم البطانة، ويعينهم على كل خير، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16186
٢٠٣ - الربا وخطره
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد سمعنا جميعا هذه الندوة المباركة التي تولاها صاحبا الفضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ: عبد الله بن زايد في موضوع خطير، والناس في أشد الحاجة إلى التنبيه عليه، والتحذير منه، وهو موضوع الربا، ولقد أجادا وأفادا وأوضحا ما ينبغي إيضاحه في هذا الموضوع، فجزاهما الله خيرا وضاعف مثوبتهما، وزادهما وإيانا وإياكم علما وهدى، وتوفيقا.
لا شك أن هذا الموضوع جدير بالعناية، وقد تورط فيه كثير من الناس، وإن كان هناك بحمد الله من هو يحذر الربا، ولكنه قد عم وطم، وقل من يسلم منه، وقد جاء في الحديث الصحيح: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا،
стр. 16187
قيل يا رسول الله: الناس كلهم. قال: من لم يأكله، ناله من غباره (١) » . فالأمر خطير بسبب كثرة البنوك وكثرة التساهل وضعف الإيمان، وشدة الجشع في تحصيل الدنيا، وقد سمعتم في هذه الندوة الخير الكثير والفوائد الجمة، وأن الواجب على المؤمن أن يتقي الله -في تحصيل المال- قبل كل شيء يجب أن يعتني بهذا الأمر، حتى لا يقع فيما حرم الله.
حب المال كما سمعتم غريزة في النفوس، ولكن يجب على المؤمن أن يحوط هذه الغريزة بما جاء به الشرع، حتى لا ينفلت فيقع فيما حرم الله، فقد قال جل وعلا: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) يعني المال، فلما كان المال محبوبا للنفوس، وبه تقضى الحاجات، وبه يستغني الإنسان عن الحاجة إلى الغير، وفوائده كثيرة، لكن يجب على المسلم أن يحذر ما حرم الله عليه، وأن لا يحمله حب المال على تعاطيه، من غير طريقه
стр. 16188
الشرعي، وقد جاء الحديث الصحيح عن النبي ﵊: «أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه (١) » فهو مسئول، وقد ذم الله من ألهاه التكاثر حتى زار المقابر، قال : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (٢) ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٣) يعني حتى انتقلتم إلى القبور بالموت، يسمى الموت زيارة؛ لأن القبور ليست هي المقر الأخير، بل وراء القبور شيء آخر، فالناس حين ينقلون إلى القبور إنما ينقلون إليها للإقامة، إقامة مؤقتة ثم يخرجون منها إلى الوقوف بين يدي الله، والحساب والجزاء ثم إلى الجنة أو النار، فذاك هو المقر الأخير: إما الجنة وهي للمتقين، وإما النار وهي للكافرين والعصاة، فالناس على خطر: بين وبين، فالعاصي على خطر من ذلك، وإن كان العاصي لا يخلد في النار، إذا كان مات على التوحيد والإيمان كما قاله أهل السنة والجماعة، لكنه على خطر من دخولها بمعاصيه، التي مات
стр. 16189
عليها. فليحذر من جملة ذلك الربا الذي توعد الله أهله بالنار، كما قال : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) يعني من عاد إلى الربا بعد ما جاءته الموعظة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، هذا وعيد عظيم أن صاحب الربا يخلد في النار، وهذا على حالين: إحداهما أن يكون استحله، فيكفر بذلك. نعوذ بالله، ويخلد في النار مع الكفار. من استحل الربا ورآه حلالا وأنكر تحريم الله له، فإنه يكون كافرا، ويكون أتى بناقض من نواقض الإسلام؛ لأنه استحل ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، فصار من الكافرين وانتقض إسلامه. فإذا استحل الزنا مثلا أو الربا أو اللواط، أو العقوق أو السرقة أو ما أشبه ذلك، انتقض إسلامه، وصار في حكم المرتدين، إذا كان ممن يعلم ذلك أو أقيمت عليه الحجة بذلك، إذا كان بعيدا عن بلاد المسلمين لا يشعر بهذا الأمر.
والحال الثاني: أن يكون ما استحل، ولكن حمله حب المال، والجشع حتى فعل الربا بعد العلم فهو متوعد بالنار وبالخلود فيها
стр. 16190
أيضا، لكنه خلود غير خلود الكفار، خلود مؤقت له نهاية.
فإن الخلود خلودان: خلود لا نهاية له، وهذا هو خلود الكفار نعوذ بالله، لا يخرجون منها أبدا كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١) ، ويقول : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) ، نسأل الله العافية.
الخلود الثاني: خلود مؤقت، له نهاية، وهو خلود بعض العصاة، كالقاتل لنفسه والزاني والمرابي ونحو ذلك، كما سمعتم في قوله جل وعلا في قراءة هذه الليلة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٣) ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٤) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٥) .
فالخلود هنا يشمل المشرك والقاتل والزاني، فالمشرك خلوده دائم. نسأل الله العافية، والقاتل والزاني خلودهما مؤقت،
стр. 16191
إذا كانا لم يستحلا القتل، والزنا، وهو خلود له نهاية.
فالواجب على المؤمن أن يتقي الله وأن يراقبه وأن يحذر الربا الذي حذر الله عباده منه، وأذنهم بالحرب إن هم فعلوه كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) لا نعلم في المعاصي شيئا جاء فيه هذا الوعيد كما سمعتم في الندوة، لا نعلم ذنبا قال الله فيه بهذا المعنى -يعني المحاربة- إلا ذنب الربا نسأل الله العافية.
فيجب الحذر مما حذر الله منه، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس، يقول: الناس فعلوا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ، وقال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فليس الكثرة قدوة في الباطل. فالواجب اتباع الحق وإن قل أهله، ثم أيضا يجب أن لا يحمله حب المال والجشع في حب المال على تعاطي الربا أو الغش أو الخيانة، أو السرقة أو النهب أو غير ذلك، يجب أن
стр. 16192
يكون حب المال مقيدا بقيود الشريعة، ومن تقيد بها أفلح وبارك الله له فيما رزقه، وكفاه القليل عن الكثير يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه (١) » خرجه مسلم في صحيحه. فالجشع يضر ولا ينفع ويورد الموارد المعطبة، فيجب الحذر من هذا الجشع ويجب التقيد بقيود الشريعة، فيما أحل الله لك من المكاسب وغيرها، ولعظم هذا الأمر سمعتم ما جاء في الندوة من تلاوة فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله، قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (٢) فبدأ بالأكل من الطيبات قبل العمل، وهو الشكر، فالشكر هو العمل، لبيان عظم وخطر الأكل الحرام، فإن أكل الحرام يفضي إلى فساد القلب ومرضه، وقسوته أو إلى كفره، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب على المؤمن أن يتقي الله وأن يعتني بالحلال، وقال في حق الرسل وهم أشرف الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٣) . فالرسل أشرف الناس، لكن لينتفع
стр. 16193
الناس، وليمتثلوا وليستفيدوا عظم الأمر، فكان الرسل يخاطبون بهذا، وأن يبدءوا بالطيبات، فكيف بغيرهم؟
فالواجب أن يعنى المؤمن بأكله الطيبات، ويتوخى بأكله وشربه وغير ذلك من شئونه، مما أباح الله له، وليحذر ما حرم الله عليه من الربا وغيره، فكما حرم الله عليه الربا، كذلك يحذر أن يكون أكله من طريق الرشوة، أو من طريق الخيانة، أو من طريق السرقات، أو من طريق المعاملات الفاسدة، يجب الحذر من جميع أنواع الخبث، حتى لا يأكل إلا طيبا، وحتى لا يعمل إلا طيبا. وسمعتم أنواع الربا وأنه نوعان:
الربا يرجع إلى نوعين: ربا الفضل، وربا النسيئة؛ ربا الفضل: بيع الشيئين من جنس واحد، بزيادة في أحدهما، يسمى ربا الفضل، جنيه بجنيهين، درهم بدرهمين، صاع رز بصاعين، صاع حنطة بصاعين، هذا يقال له ربا الفضل، ولا يجوز مطلقا لا يدا بيد ولا نسيئة، فالجنس الواحد من أموال الربا إذا بيع متفاضلا، فهذا هو ربا الفضل: صاع من الحنطة بصاع ومد، صاع بصاع ونصف، أو صاع من الرز بصاع ونصف أو صاعين، أو درهم بدرهمين أو جنيه بجنيهين، أو حلية تزن عشرة جنيهات بحلية تزن أحد عشر، أو اثني عشر من الذهب، وما
стр. 16194
أشبه ذلك، هذا يقال له ربا الفضل، وهو محرم سواء كان يدا بيد، أو بالنسيئة، إذا باعه بالنسيئة، اجتمع فيه الربا بنوعيه إذا باعه صاع حنطة بصاعين، اجتمع فيه الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، أو باع حلية فيها عشرة جنيهات، بحلية فيها عشرون أو خمسة عشر نسيئة، هذا فيه الربا بنوعيه، هذا ربا الفضل وربا النسيئة جميعا.
وربا النسيئة مثل ما سمعتم أن يبيع ربويا بربوي نسيئة، من غير جنسه يقال له ربا النسيئة، كأن يبيع الفضة بالذهب نسيئة، هذا يقال له: ربا النسيئة؛ لأنهما جنسان، هذا ربا النسيئة، فإذا باع فضة بذهب نسيئة أو صاعا من بر بصاعين من الشعير نسيئة، أو صاعا من بر بصاعين من الأرز نسيئة، هذا يقال له: ربا النسيئة ومع هذا دخل في ضمنه ربا الفضل. هذا إذا باع يعني: ذهبا وحده أو رزا وحده، أما إذا باع صاعا من الأرز بصاعين من الشعير نسيئة، فهذا فيه ربا النسيئة فقط؛ لأنه يجوز بيع الصاع من البر بصاعين من الشعير يدا بيد، فلا بأس، لكن إذا كان نسيئة فهذا فيه ربا النسيئة، وإذا كان صاعا من البر الطيب، بصاعين من البر الردي، نسيئة اجتمع فيه الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسيئة جميعا، وإذا أعطاه قرضا ألف ريال بألف وعشرة، صار
стр. 16195
فيه ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنه لم يقبضه من المؤجل، وإذا حل الدين فقال: إما أن تربي، وإما أن تقضي، إما تعطيني حقي ولا أزيدك، قال: ما عندي شيء أنا ما أستطيع الآن، أن أسلم لك ألفا أو ألفين على حسب دينه، ولكن لا مانع أمهلني وزد فيمهله في الألف إلى ستة أشهر، أو إلى سنة مع زيادة خمسين ريالا أو مائة ريال أو أكثر أو أقل من أجل إمهاله.
وهذا كله محرم بالإجماع ربا النسيئة وربا الفضل، وقد روي خلاف عن بعض السلف في ربا الفضل، ولكنه زال. فربا الفضل وربا النسيئة كله محرم بالإجماع؛ لأن النصوص فيه متكاثرة -عن النبي ﷺ يقول ﵊: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (١) » فبين ﷺ أن الجنس الواحد لا يجوز بيعه بجنسه إلا يدا بيد مع التماثل، أما إذا اختلف الجنس، مثل: باع ذهبا بفضة، أو برا بشعير أو بملح، أو برا بتمر جاز التفاضل لكن مع القبض، مع كونه يدا بيد إذا
стр. 16196
اختلف الجنس، هذه أمور بحمد الله واضحة، فيجب على المسلم أن يعنى بها وأن يحذرها.
والواقع اليوم هو أكثر ما يتعلق بالديون، وهي التي تتعاطاها البنوك في إقراضهم للناس، وفي أخذهم البيع على الناس، في اقتراضهم وإقراضهم، فأخذهم الودائع اقتراض، ودفعهم المال لغيرهم إقراض، فالربا في هذا وفي هذا كله ممنوع، فلا يجوز لصاحب البنك ولا لغيره من التجار أن يقرض بزيادة ولا يقترض بزيادة، كله ربا، محل إجماع، ومحل وفاق بين أهل العلم، فإذا أعطوه الودائع على أنه يعطيه في المائة خمسة، أو في المائة عشرة بعد شهر، أو بعد سنة أو أقل أو أكثر، هذا هو الربا المحرم، وهو في الحقيقة عند التحقيق اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنه أعطاهم ألفا وزيادة مؤجلة، فصار فيه ربا الفضل وربا النسيئة جميعا.
أما ما يتعلق بالبنوك الإسلامية بحمد الله لها وجود، وقد كثرت ونسأل الله أن يزيدها كثرة، وأن يوفق القائمين عليها لإصابة الحق، وأن يعيذهم من نزغات الشيطان ومن دعاة النار، وينبغي أن يعلم أن لها أعداء، ولها خصوم؛ لأن أصحاب البنوك الربوية لا يرضون عنها ويحبون أن يشوهوا سمعتها مهما قدروا، حتى تبقى لهم مآكلهم في هذه البنوك الربوية، فهذه البنوك
стр. 16197
الإسلامية مهما أمكن، ينبغي أن تساعد وينبغي أن تشجع، ومتى وقع منها خطأ أو زلل وجب أن يصلح، وأن يوجهوا إلى الخير وأن يساعدوا على وجوه الإصلاح، حتى يستغنى بهم عن البنوك الربوية وحتى يرتاح المسلمون من هذه البنوك الربوية، ويضعوا أموالهم في البنوك الإسلامية، وقد اطلعنا على نظام بعضها، ودرسه أيضا مجلس هيئة كبار العلماء في هذه البلاد، واتضح له بالأكثرية سلامتها من الربا، وأنها جيدة، هذه بعض البنوك التي اطلعنا عليها، ولها لجنة فقهية تشاور، وتعرض عليها المعاملات وتقر ما يوافق الشرع، وتمنع ما يخالف الشرع، وليست معصومة، هم فقهاء أو علماء وليسوا معصومين، قد يقع الخطأ منهم ومن غيرهم، لكنها في الجملة بنوك تتحرى الأمر الإسلامي، وتتحرى المعاملة الإسلامية، وهي تعمل بمضاربات، بمضاربة تشتري السلع وتبيعها بفائدة، وما تجمع يقسم بين المشتركين، لهم نظام في ذلك معروف. فالحاصل أن هذه البنوك لها أعداء ولها خصوم، فالواجب أن تشجع وأن يعتنى بها وأن يوصى القائمون عليها بالعناية والاجتهاد، والحذر مما يخالف الشرع المطهر، ومتى عثر على شيء من ذلك، وعلم طالب العلم شيئا من ذلك، أرشدهم ونصحهم ووجه إليهم ما بلغه في ذلك، حتى
стр. 16198
يكون التعاون على البر والتقوى، وقد سمعتم أيضا ما يتعلق بالتورق، مسألة التورق، وهي ما يسميها بعض العامة الوعدة، معاملة الوعدة، ويقال لها: التورق عند الفقهاء، وهي كما سمعتم جائزة عند جمع من أهل العلم، والقول بجوازها هو قول جمهور أهل العلم، وهي في الحقيقة تعين على البعد عن الربا، وتساعده على قضاء حاجته من غير ربا، وهي معاملة واضحة في حلها من الشرع، داخلة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) .
والمحتاج قد يضطر إليها، أو إلى الربا، ليس كل أحد يجد من يقرضه، أو يهبه فيضطر صاحب الحاجة في قضاء دين ألجئ إليه، أو لزواج أو لعمارة مسكن، أو غير هذا من الحاجات، فيشترى هذه السلعة المعينة، سيارة، أو أرضا، أو سكرا، أو خاما، أو غير ذلك، يشتري من هذه السلع إلى أجل معلوم، ثم يبيعها هو بالنقود ليقضي حاجته، فهو لم يقصد السلعة نفسها، وإنما قصد بيعها ليستفيد من ثمنها في حاجته التي عرضت له، وهذا البيع قد يقع، حتى من التجار، وقد يشتري
стр. 16199
التاجر السلع، ما أراد السلعة وإنما أراد بيعها لحاجات أخرى؛ لأن عنده زبونا يشتري هذه السلعة، ويريدها، وهو إنما أرادها ليبيعها، وليس في هذا محذور، يشتري السلعة للبيع، فالتاجر يشتري السلع لا ليستعملها، يشتريها ليبيعها، فهذا الذي محتاج، اشتراها ليبيعها أيضا، لكن الملاحظ مثل ما سمعتم في الندوة، أن بعض الناس لا يحسن شراءها ولا يحسن بيعها، هذا هو الخطأ الذي يقع في مسألة التورق، فالواجب على البائع أن يبيع ما قد ملك، لا يبيع ما لا يملك، يبيع الشيء عند التجار؛ لأن الرسول ﵊ يقول: «لا تبع ما ليس عندك (١) » ويقول: «لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس عندك (٢) » فلا يبيعها وهي عند التاجر، أو يقبض الثمن، يقول له: أعطني ثمنها، لا، هذا ما يجوز أيضا، هذا منكر، فلا بد للمشتري أن يقبضها ويحوزها، ثم يبيعها بعد ذلك في يومه أو في غد أو بعد أيام، هذا هو الطريق السليم، فالخلل يقع من البائع أو من المشتري في الكيفية، وإلا
стр. 16200
فأصل المبايعة والمعاملة لا بأس بها، على الصحيح، وإن كان بعض أهل العلم قد أبى ذلك، ولكن الصواب هو حلها، كما قال جمهور أهل العلم، ولكن يجب على البائع أن لا يبيع إلا ما كان عنده مقبوضا محيوزا، ثم المشتري كذلك لا تحمله العجلة على أن يبيع قبل القبض، يقبض ويحوز، ثم بعد هذا يتصرف بعد ذلك، ولا يبيعها على من اشتراها منه، فيقع في العينة، ولكن يبيعها على الناس، على الآخرين، من غير تواطؤ بينهم وبين البائع، يشتريها ويحوزها، ثم يبيعها في السوق، يبيعها في بيته، يبيعها في أي مكان بما يسر الله له، ويقضي حاجته، هذه هي التورق، وهذه هي الوعدة، وقد يقع بعض الناس أيضا في مسألة الوعدة في منكر، إذا لم يقضه المشتري تحيل في الزيادة عليه، لا يستطيع أن يقول أنا أمهلك، لكن بزيادة فيقع في ربا الجاهلية، ويفتضح بين إخوانه المسلمين، فيتحيل إما بعقد وهمي ما له حقيقة، يكتبان بينهما عقدا بزيادة، الدين ثلاثة آلاف فيكتبان عقدا ليس له حقيقة بأن عنده له ثلاثة آلاف وستمائة، فيستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، والله يعلم ما في القلوب، وما هي الحقيقة، هذا أعظم في الخداع والإثم، نعوذ بالله، وتارة بعقد يسمى
стр. 16201
التصحيح، يعقدون عقدا جديدا يسمى التصحيح، ويسمى قلب الدين، فيقول: يا فلان ما أعطيتني، حل الدين ما أوفيتني، قال: ما عندي شيء، أنا عاجز، أمهلني، يقول: لا، اشتر مني سلعة أخرى إلى أجل ثم بعها وأوفني الدين الأول، حتى يقلب عليه الدين، ويزداد الدين، فالدين عليه ثلاثة آلاف، أو أربعة آلاف فيبيعه سلعته مثلا إلى أجل معلوم بخمسة آلاف، بستة آلاف، ثم هذا المشتري يبيعها ويعطيه ثمنها عن دينه الأول، وهذا أيضا منكر؛ لأنه ألجأه إليه، وهو الذي يسمونه التصحيح والتسديد، هو تسديد في الحقيقة إلا أنه تحيل؛ لأنه تحيل على الربا، وتحيل على ظلم أخيه، وعدم إنظاره، والله يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) ثم مثل ما سمعتم في الندوة، ينبغي لمن يعامل الناس أن يرفق بهم، وهذا من أسباب أن الله جل وعلا يحفظ عليه ماله، ومن أسباب أن المدين يوفي بنفس سامحة، بنفس طيبة، فالرفق بالناس وعدم التثقيل عليهم، وعدم الزيادة في الربح الكثير، هذا مما يشرع، ومما يحبه الله، ومما يسهل على المدين قضاء الدين، ومما يجعل نفسه طيبة ليس فيها شيء على
стр. 16202
أخيه، فالتسامح في هذا، وجعل الربح ليس بالكثير، كثلاثة في المائة واثنين في المائة، وما يقارب ذلك، هذا مما يسهل على المدين قضاء الدين، ويجعله يحرص على قضاء الدين بنفس طيبة، أما إذا تذكر أنه حمله شيئا كثيرا، ثقل عليه وصار في قلبه عليه شيء، لكونه استغل عجزه وحاجته، وإن كان أصل الزيادة لا حد لها، الأرباح ليس لها حد، والناس يختلفون في الربح، الناس يختلفون: منهم من هو سريع الوفاء، فيكتفي التجار منه بالشيء القليل من الربح، ومنهم من هو معروف بالمماطلة، وقلة الوفاء فيزيدون عليه، ثم الأجل يختلف: قد يكون الأجل قليلا فيقل الربح، وقد يكون الأجل طويلا فيزيد الربح، يختلف، وقد ثبت عن الرسول ﷺ ، أنه اشترى بعيرا ببعيرين، من إبل الصدقة.
فالحاصل أن هذا يختلف باختلاف الناس، لكن المداين أو صاحب المال مأمور ومشروع له أن يرفق بإخوانه، وأن ينفس لهم، ويسهل عليهم، وأن يجعل الربح قليلا مناسبا حتى ينشطوا في القضاء وحتى يشكروا له عمله، وحتى يوفوه بنفس طيبة، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، ونسأل الله لإخواننا المسلمين صلاح القلوب، وصلاح الأعمال، وأن يعيذهم من شر أنفسهم
стр. 16203
والشيطان، وأن يعينهم على اتباع الشريعة، وأن يكفينا شر البنوك، وأن يهدي أهلها للرجوع إلى الحق، وترك ما حرم الله عليهم من الربا، وأن يوفق ولاة الأمور للقضاء على هذا الربا، بكل عناية وأن يسهل للمسلمين البنوك الإسلامية الموفقة، التي تعينهم على طاعة الله، وتحول بينهم وبن محارم الله، إنه جل وعلا جواد كريم. وأعود فأشكر للأخوين الشيخين ما بذلا في هذه الندوة، من جهود مشكورة، وكلام طيب نافع، فجزاهم الله خيرا وزادهما من كل خير، ووفقنا جميعا لما فيه صلاحنا، وهدايتنا وسلامتنا من كل سوء، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 16204
٢٠٤ - الوصية بتقوى الله
تعالى والاستقامة على دينه (١)
لقاء هيئة تحرير "المسلمون" مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
نود من سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز كلمة توجيهية حول ما ترونه من واجبنا ومسؤولياتنا بما يعيننا على أداء رسالتنا وواجبنا بإذن الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فيسرني أن أوصي إخواني المسلمين في كل مكان، وخاصة صحيفة "المسلمون" أوصي الجميع بتقوى الله جل وعلا، وأن يستقيموا على دينه، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه أينما كانوا؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) ويقول جل وعلا:
стр. 16205
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)
فوصيتي لجميع المسلمين العمل بما دلت عليه هذه السورة العظيمة، فقد دلت على أن جميع الناس في خسران ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) هؤلاء هم الرابحون من الجن والإنس، من العرب والعجم، من الذكور والإناث. الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا الله فيما أخبر به عن الآخرة، والجنة والنار وغير ذلك وصدقوا الرسول ﷺ فيما أخبر به عن الله وعن الآخرة والجنة والنار وغير ذلك. ثم حققوا الإيمان بالعمل، فأدوا فرائض الله من صلاة وغيرها وابتعدوا عن محارم الله، وتناصحوا فيما بينهم، وتواصوا بالحق، ودعوا إلى الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتواصوا بالصبر على ذلك. هؤلاء هم الرابحون، وهؤلاء هم المؤمنون حقا، وهم الصادقون، وهذا هو التعاون على البر والتقوى، وهذا هو شأن المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥)
стр. 16206
هذا شأن المؤمنين أولياء متحابون في الله متناصحون، متعاونون على البر والتقوى، لا يظلم بعضهم بعضا ولا يخون بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يغش بعضهم بعضا. هؤلاء هم أولياء. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتواصون بالحق والصبر عليه. هكذا المؤمنون.، وهكذا أولياء الله.
فوصيتي لجميع المسلمين في كل مكان من العرب والعجم، من الجن والإنس وصيتي للجميع أن يتقوا الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يكونوا أولياء متحابين في الله آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر متواصين بالحق صابرين عليه أينما كانوا. يرجون فضل الله وإحسانه ويخافون عقاب الله ومقته. هكذا المؤمنون، هكذا الصادقون أينما كانوا. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتفقهون في الدين، وينصحون لله ولعباده، ومما يعين على هذا التفقه في الدين والتعلم.. يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) .
стр. 16207
فالواجب التعلم؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) والمعنى إنما يخشى الله خشية كاملة هم العلماء وهم الرسل وأتباعهم.
فالواجب عليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله التعلم والتفقه في الدين، ثم العمل لأداء فرائض الله وترك محارم الله، والتواصي بالحق والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أهم ذلك العناية بالأهل، بأولادك وزوجتك وجميع أهل بيتك تنصحهم لله. تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتصبر على ذلك. كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٤) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٥) فالواجب على كل مؤمن العناية
стр. 16208
بالأهل والحرص على صلاحهم وعلى توجيههم إلى الخير، وعلى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وهكذا المرأة في بيتها تتقي الله، عليها أن تتقي الله وأن تقوم على أهل بيتها ولا سيما إذا كانت هي المسئولة وليس معها رجل. بينما الواجب عليها أعظم، وإذا كان يوجد رجل فالواجب التعاون معه على ذلك مع زوجها، ومع أبيها ومع أخيها حتى يصلح أهل البيت، وحتى يستقيموا على دين الله؛ وحتى يؤدوا ما أوجب الله من صلاة وغيرها وحتى يبتعدوا عن محارم الله، وحتى يقفوا عند حدود الله. وأوصي صحيفة "المسلمون" أوصي الصحيفة والقائمين عليها بتقوى الله وأن يجتهدوا في نشر ما ينفع الناس، وأن يحذروا نشر ما يضر الناس.
فالواجب على جميع العاملين في الصحف أن يتقوا الله. وأن ينشروا ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وأن يحذروا نشر ما يضر الناس في دينهم أو دنياهم.
نسأل الله للجميع التوفيق والهداية ونسأل الله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم. كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير
стр. 16209
وأن ينصر بهم الحق، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين. إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
رئيس التحرير:
سماحة الوالد باسم إخواني وباسم جريدة "المسلمون" نشكرك على إتاحة الفرصة لنا للسماع منكم والاستفادة، وأيضا لنعرض لكم ما نواجهه في الحقيقة من خلال اتصالنا بجمهور القراء في العالم الإسلامي، ونرجو الله أن يكتب هذا في ميزان حسناتكم يوم القيامة.
سماحة الوالد: تعودنا على هذا اللقاء في كل عام. نرجو من الله أن يمتعكم بالصحة والعافية وأن يطيل عمركم في طاعته بإذن الله وأن ينفعنا بكم.
ولذلك الإخوة في الحقيقة لديهم بعض التساؤلات التي يريدون أن يطرحوها على سماحتكم، ولعل في إجابتكم إن شاء الله ما ينير الطريق للتعامل مع قضايا المسلمين المختلفة، فإذا أذنت لنا ولإخواني قدمنا الأسئلة:
س: سماحة الوالد: نحن نعلم أن صلاح الأمة بشكل عام مرتبط بصحة العقيدة، إلا أن الأمر يحتاج من سماحتكم إلى
стр. 16210
نوع من التوضيح، كيف أن صحة المعتقد وصفاءه من شأنه أن يؤدي إلى الصلاح في شأن الأمة، الصلاح الشامل لأمور الدنيا والآخرة؟
ج: متى صلحت العقيدة استقام أمر الخلق جميعا، كل إنسان إذا صلحت عقيدته واستقام على أمر الله تمت له أسباب السعادة، والعقيدة معناها أن يؤمن بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة، وأنه لا إله إلا الله. لا معبود بحق سواه جل وعلا، وأن يؤمن بأنه رب الجميع، وخالق الجميع، وأنه رازقهم، وأنه العليم بكل شيء ، وأنه فوق العرش، ورب جميع الخلق. لا شبيه له ولا نظير له . كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فهو سبحانه في العلو، وهو العلي العظيم كما قال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٣)