← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقال ﷺ : «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (١) » وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون أعظم من الجبل (٢) » . والآيات والأحاديث في فضل الصدقة ومساعدة فقراء المسلمين ومواساتهم كثيرة معلومة. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للمسابقة لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنكم، وأن يجزل مثوبتكم ويخلف عليكم ما تنفقون في سبيل الخير بأحسن الخلف، وأن يرحم إخواننا المسلمين في أفريقيا وغيرها، وأن يغيثهم من فضله، ويرفع عنهم ما نزل بهم من بلاء ومصيبة. إنه جواد كريم وبالإجابة جدير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1647

تهنئة لحكومة الباكستان لإعلانها تطبيق الشريعة الإسلامية (١) فخامة رئيس حكومة باكستان الإسلامية محمد ضياء الحق. نصر الله به دينه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد سمعنا ما تناقلته الإذاعات والصحف من إعلان فخامتكم تحكيم الشريعة الإسلامية في باكستان فسرنا ذلك كثيرا كما سر كل مسلم على وجه الأرض، وإنه ليسرني أن أعرب لفخامتكم عن شكري وعظيم تقديري لهذا العمل الجليل الذي يرضاه الله ورسوله، ويرضاه كل مسلم وهو الواجب عليكم وعلى جميع حكام المسلمين فجزاكم الله خيرا وأمدكم بتوفيقه ونصركم بالحق ونصر الحق بكم. وإنا وجميع المسلمين نشارك الشعب الباكستاني بالفرحة العظيمة والسرور البالغ بهذا النبأ العظيم الذي أنشئت من أجله الباكستان، ولم يزل أبناؤها المخلصون ينتظرون ذلك ويبذلون في تحقيقه كلما أمكنهم من الوسائل حتى يسره الله على يد فخامتكم مهنئا لكم بهذه المنحة العظيمة والنعمة الكبرى، ويحق لنا جميعا أن نفرح بذلك ونسر به ونشكر الله عليه عملا بقول الله سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) فسيروا على بركة الله والله ناصركم ومؤيدكم ما دمتم تنصرون دينه وتحكمون شريعته كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥)

стр. 1648

ولا شيء أحسن من حكم الله العالم بأحوال عباده ومصالحهم في العاجل والآجل كما قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) وفقكم الله وثبتكم على الحق وأكثر أعوانكم فيه إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1649

كلمة في مناسبة إجازة الربيع (١) الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فبمناسبة هذه الإجازة - إجازة الربيع - فإني أوصي جميع أبنائي الطلبة والطالبات وجميع المسلمين بتقوى الله في جميع الأحوال، وحفظ الأوقات عما يغضب الله وشغلها بما يرضيه ويقرب لديه، ومن ذلك شغلها بحلقات العلم وكتابة العلم والمذاكرة في العلم ومطالعة الكتب المفيدة فإن هذا كله مما ينفع الله به العبد في دنياه وأخراه ويحفظ عليه وقته مما يضره، وأخص جميع أبنائي الطلبة والطالبات بالتحذير من السفر إلى بلاد الكفرة؛ لأن ذلك يضرهم في العقيدة والأخلاق وفي سائر أحوالهم ولا يخفى على كل من له أدنى بصيرة بأحوال العالم أن السفر إلى الخارج يخشى منه الشر الكثير، وقل من يسلم من هذه الأسفار في عقيدته وأخلاقه، اللهم إلا من كان من أهل العلم والبصيرة والاستقامة وسافر للدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، فهذا له شأن آخر، والدعوة إلى الله مطلوبة في كل زمان ومكان. أما من كان ليس بهذه الصفة فإن الواجب عليه الحذر من السفر إلى بلاد الكفر والضلال والفساد والإفساد، فإن في ذلك خطرا عليه في عقيدته وأخلاقه، وقد قال النبي ﵊: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (٢) » وروي عنه ﷺ أنه قال: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله (٣) » وقال أيضا ﵊: «لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين (٤) » والمعنى حتى يفارق

стр. 1650

المشركين. وهذه الأحاديث وما جاء في معناها محمولة عند أهل العلم على من ليس عنده علم وبصيرة واستقامة، بحيث يأمن على نفسه الوقوع فيما حرم الله، وبحيث يدوم بالدعوة إلى الله والتوجيه إليه وإرشاد الناس إلى أسباب النجاة عملا بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وعملا بقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) الآية، وحرصا على ما وعد الله به الدعاة من الأجر، وما يترتب على دعوتهم من الخير العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال ﵊ لما بعث عليا ﵁ إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤) » وقال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥) » . فالدعاة إلى الله الذين قد تفقهوا في الدين وعرفوا وجه الدعوة لا خطر عليهم إن شاء الله في السفر إلى بلاد الكافرين لدعوتهم إلى الله وتوجيههم إلى الخير وإرشادهم إلى ما خلقوا له، أما عامة الناس وأشباه العامة من الشباب والطلبة الذين لم يتفقهوا في الدين ولم يتخرجوا من الجامعات والكليات الدينية التي تبصروا فيها وتعلموا فيها ما يجب عليهم وما ينبغي لهم من الدعوة إلى الله والالتزام بما أوجب الله عليهم فهؤلاء عليهم في سفرهم خطر عظيم، فنصيحتي لهم ولغيرهم ممن ليس بالصفة التي ذكرنا أنفا من أهل العلم والإيمان. وصيتي لهم جميعا أن لا يسافروا إلى بلاد الكفرة وأن يحذروا ذلك، وأن تكون إجازتهم وسيلة إلى قوة إيمانهم وكثرة علمهم، وذلك

стр. 1651

بصرفها في حلقات العلم والمذاكرة في العلم في بلادهم وفي المجالات البعيدة عن الخطر حتى تكون هذه الإجازة فرصة لهم في المزيد من العلم والمذاكرة والدعوة إلى الله والسلامة مما يضيع عليهم هذا الوقت الثمين. رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وأعاذنا وجميع إخواننا المسلمين من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان، ووفق الجميع لما فيه صلاح القلوب وصلاح الأعمال وحسن العاقبة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 1652

الشباب والإجازة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد. فبمناسبة الإجازة الحالية فإنه يسرني أن أوصي الشباب خاصة والمسلمين عامة بتقوى الله أينما كانوا واستغلال هذه الإجازة فيما يرضي الله عنهم ويعينهم على أسباب السعادة والنجاة، ومن ذلك شغل هذه الإجازة بمراجعة الدروس الماضية والمذاكرة فيها مع الزملاء لتثبيتها والاستفادة منها في العقيدة والأخلاق والعمل، كما أوصي جميع الشباب بشغل هذه الإجازة بالاستكثار من قراءة القرآن الكريم بالتدبر والتعقل وحفظ ما تيسر منه؛ لأن هذا الكتاب العظيم هو أصل السعادة لجميع المسلمين، وهو ينبوع الخير ومنبع الهدى، أنزله الله سبحانه تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وجعله سبحانه هاديا للتي هي أقوم ورغب عباده في تلاوته وتدبر معانيه كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) وقال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤) فنصيحتي للشباب ولجميع المسلمين أن يكثروا من تلاوته وتدبر معانيه وأن يتدارسوه بينهم للعلم والاستفادة وأن يعملوا به أينما كانوا، كما أوصي الشباب وجميع المسلمين بالعناية بسنة رسول الله ﷺ ، وحفظ ما تيسر منها ولا سيما في هذه الإجازة مع العمل بمقتضاها؛ لأنها الوحي الثاني والأصل الثاني من أصول الشريعة.

стр. 1653

كما أوصي جميع الشباب بالحذر من السفر إلى بلاد غير المسلمين لما في ذلك من الخطر على عقيدتهم وأخلاقهم؛ ولأن بلاد المسلمين في أشد الحاجة إلى بقائهم فيها للتوجيه والإرشاد والتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بينهم بالحق والصبر عليه. وأوصي جميع المدرسين في هذه الإجازة باستغلالها في إقامة الحلقات العلمية في المساجد والمحاضرات والندوات لشدة الحاجة إلى ذلك، كما أوصيهم جميعا بالتجول للدعوة إلى الله في البلدان المحتاجة لذلك حسب الإمكان، وزيارة المراكز الإسلامية والأقليات الإسلامية في الخارج للدعوة والتوجيه، وتعليم المسلمين ما يجهلون من دينهم وتشجيعهم على التعاون فيما بينهم والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع الطلبة الموجودين هناك على التمسك بدينهم والعناية بما ابتعثوا من أجله والحذر من أسباب الانحراف، مع وصيتهم بالعناية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا، وعملا بالسنة المطهرة حفظا ومذاكرة وعملا بمقتضاها. وأسأل الله أن يوفق المسلمين شيبا وشبابا وأساتذة وطلابا وعلماء وعامة لكل ما فيه صلاحهم وسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وصفوته من خلقه نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1654

التحذير من السفر إلى بلاد الكفرة وخطره على العقيدة والأخلاق الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد أنعم الله على هذه الأمة بنعم كثيرة وخصها بمزايا فريدة وجعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده شريعة ومنهج حياة وأتم به على عباده النعمة وأكمل لهم به الدين قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) ولكن أعداء الإسلام قد حسدوا المسلمين على هذه النعمة الكبرى فامتلأت قلوبهم حقدا وغيظا وفاضت نفوسهم بالعداوة والبغضاء لهذا الدين وأهله وودوا لو يسلبون المسلمين هذه النعمة أو يخرجونهم منها، كما قال تعالى في وصف ما تختلج به نفوسهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٤) وقال جل وعلا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٥)

стр. 1655

والآيات الدالة على عداوة الكفار للمسلمين كثيرة. والمقصود أنهم لا يألون جهدا ولا يتركون سبيلا للوصول إلى أغراضهم وتحقيق أهدافهم في النيل من المسلمين إلا سلكوه ولهم في ذلك أساليب عديدة ووسائل خفية وظاهرة، فمن ذلك ما تقوم به بين وقت وآخر بعض مؤسسات السفر والسياحة من توزيع نشرات دعائية تتضمن دعوة أبناء هذا البلد لقضاء العطلة الصيفية في ربوع أوربا وأمريكا بحجة تعلم اللغة الإنجليزية ووضع برامج شاملة لجميع وقت المسافر. وهذه البرامج تشتمل على فقرات عديدة منها ما يلي: أ - اختيار عائلة كافرة لإقامة الطالب لديها مع ما في ذلك من المحاذير الكثيرة. ب - حفلات موسيقية ومسارح وعروض مسرحية في المدينة التي يقيم فيها. جـ - زيارة أماكن الرقص والترفيه. د - ممارسة رقصة الديسكو مع فتيات كافرات ومسابقات في الرقص. هـ - جاء في ذكر الملاهي الموجودة في إحدى المدن الكافرة ما يأتي: (أندية ليلية. مراقص ديسكو. حفلات موسيقى الجاز والروك. الموسيقى الحديثة. مسارح ودور سينما وحانات كافرة تقليدية) ، وتهدف هذه النشرات إلى تحقيق عدد من الأغراض الخطيرة منها ما يلي: ١ - العمل على انحراف شباب المسلمين وإضلالهم. ٢ - إفساد الأخلاق والوقوع في الرذيلة عن طريق تهيئة أسباب الفساد وجعلها في متناول اليد. ٣ - تشكيك المسلم في عقيدته. ٤ - تنمية روح الإعجاب والانبهار بحضارة الكفرة. ٥ - دفع المسلم للتخلق بالكثير من تقاليد الكفار وعاداتهم السيئة. ٦ - التعود على عدم الاكتراث بالدين وعدم الالتفات لآدابه وأوامره. ٧ - تجنيد الشباب المسلم ليكونوا من دعاة السفر إلى بلد الكفر بعد

стр. 1656

عودتهم من هذه الرحلة وتشبعهم بأفكار الكفرة وعاداتهم وطرق معيشتهم. إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد الخطيرة التي يعمل أعداء الإسلام لتحقيقها بكل ما أوتوا من قوة وبشتى الطرق والأساليب الظاهرة والخفية وقد يتسترون ويعملون بأسماء عربية ومؤسسات وطنية إمعانا في الكيد وإبعادا للشبهة وتضليلا للمسلمين عما يرومونه من أغراض في بلاد الإسلام. لذلك فإني أحذر إخواني المسلمين في هذا البلد خاصة وفي جميع بلاد المسلمين عامة من الانخداع بمثل هذه النشرات والتأثر بها وأدعوهم إلى أخذ الحيطة والحذر وعدم الاستجابة لشيء منها فإنها سم زعاف ومخططات من أعداء الإسلام تفضي إلى إخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم في عقيدتهم وبث الفتن بينهم كما ذكر الله عنهم في محكم التنزيل، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) الآية كما أنصح أولياء أمور الطلبة خاصة بالمحافظة على أبنائهم وعدم الاستجابة لطلبهم السفر إلى الخارج؛ لما في ذلك من الأضرار والمفاسد على دينهم وأخلاقهم وبلادهم كما أسلفنا، وفي بلادنا بحمد الله من التعليم لسائر أنواع العلوم ما يغني عن ذلك، وإن إرشادهم إلى أماكن النزهة والاصطياف في بلادنا وهي كثيرة بحمد الله والاستغناء بها عن غيرها، مما يتحقق بذلك المطلوب وتحصل السلامة لشبابنا من الأخطار والمتاعب والعواقب الوخيمة والصعوبات التي يتعرضون لها في البلاد الأجنبية. هذا وأسأل الله جل وعلا أن يحمي بلادنا وسائر بلاد المسلمين وأبناءهم وبناتهم من كل سوء ومكروه وأن يجنبهم مكائد الأعداء ومكرهم وأن يرد كيدهم في نحورهم، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمور المسلمين لكل ما فيه القضاء على هذه الدعايات الضارة والنشرات الخطيرة، وأن يوفقهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1657

حكم السفر خارج الدول الإسلامية س١: كثير من الناس ابتلي بالأسفار خارج الدول الإسلامية التي لا تبالي بارتكاب المعصية فيها ولا سيما أولئك الذين يسافرون من أجل ما يسمونه شهر العسل. أرجو من سماحة الشيخ أن يتفضل بنصيحة إلى أبنائه وإخوانه المسلمين وإلى ولاة الأمر كيما يتنبهوا لهذا الموضوع. . ج١: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فلا ريب أن السفر إلى بلاد الكفر فيه خطر عظيم لا في وقت الزواج وما يسمى بشهر العسل ولا في غيره من الأوقات، فالواجب على المؤمن أن يتقي الله ويحذر أسباب الخطر فالسفر إلى بلاد المشركين وإلى البلاد التي فيها الحرية وعدم إنكار المنكر فيه خطر عظيم على دينه وأخلاقه وعلى دين زوجته أيضا إذا كانت معه، فالواجب على جميع شبابنا وعلى جميع إخواننا ترك هذا السفر وصرف النظر عنه والبقاء في بلادهم وقت الزواج وفي غيره لعل الله جل وعلا يكفيهم شر نزغات الشيطان. أما السفر إلى تلك البلاد التي فيها الكفر والضلال والحرية وانتشار الفساد من الزنى وشرب الخمر وأنواع الكفر والضلال - ففيه خطر عظيم على الرجل والمرأة، وكم من صالح سافر ورجع فاسدا، وكم من مسلم رجع كافرا، فخطر هذا السفر عظيم، وقد قال النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (١) » وقال ﵊: «لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين (٢) » والمعنى: حتى يفارق المشركين. فالواجب الحذر من السفر إلى بلادهم لا في شهر العسل ولا في غيره، وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك والتحذير منه، اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وشرح محاسن الإسلام لهم

стр. 1658

وتعليم المسلمين هناك أحكام دينهم مع تبصيرهم وتوجيههم إلى أنواع الخير، فهذا وأمثاله يرجى له الأجر الكبير والخير العظيم، وهو في الغالب لا خطر عليه لما عنده من العلم والتقوى والبصيرة، فإن خاف على دينه الفتنة فليس له السفر إلى بلاد المشركين حفاظا على دينه وطلبا للسلامة من أسباب الفتنة والردة وأما الذهاب من أجل الشهوات وقضاء الأوطار الدنيوية في بلاد الكفر في أوروبا أو غيرها فهذا لا يجوز، لما فيه من الأخطار الدنيوية والعواقب الوخيمة والمخالفة للأحاديث الصحيحة التي أسلفنا بعضها نسأل الله السلامة والعافية. وهكذا السفر إلى بلاد الشرك من أجل السياحة أو التجارة أو زيارة بعض الناس أو ما أشبه ذلك فكله لا يجوز لما فيه من الخطر العظيم والمخالفة لسنة الرسول ﷺ الناهية عن ذلك، فنصيحتي لكل مسلم هو الحذر من السفر إلى بلاد الكفر وإلى كل بلاد فيها الحرية الظاهرة والفساد الظاهر وعدم إنكار المنكر، وأن يبقى في بلاده التي فيها السلامة، وفيها قلة المنكرات فإنه خير له وأسلم وأحفظ لدينه. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1659

لا لهذه الرحلات الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وآله وصحبه، وبعد: فقد نشرت إحدى الصحف في عددها رقم ٢٥٠٨ وتاريخ ١ \ ٧ \ ١٣٩٩ هـ الصفحة (٨) إعلانا من مؤسسة أمريكية يتضمن دعوة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين سن ١٠ - ١٨ سنة إلى الاشتراك في رحلة صيفية لمدة ستة وستين يوما لزيارة كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك. وأداء لواجب المسئولية وقياما بواجب النصح للأمة نوضح لإخواننا المسلمين وكافة المواطنين ما تنطوي عليه مثل هذه الرحلات من الخطر العظيم على أخلاق أبنائهم ودينهم، فإن القائمين على هذه الرحلات هم من الكفار الذين لا يراعون خلقا ولا دينا إلا الكسب المادي، هذا إذا خلوا من أهداف تبشيرية أو أغراض سيئة أخرى. كما أن هذه الرحلات إلى بلاد انتشرت فيها كل أنواع الرذائل والأخلاق السافلة والدعوات الهدامة، والذين وجهت إليهم الدعوة للاشتراك هم أطفال وشباب في سن المراهقة ومرحلة التأثر بالتوجيه والقدوة والانبهار بالمظاهر مع قلة العلم وضعف التمييز بين الخير والشر، إن دلوا على الخير سلكوا طريقه، وإن دلوا على الشر أسرعوا إليه إلا من شاء الله. والناتج عن ذلك من الأضرار لا يحصى، فمنها: ابتعاد الابن عن إشراف أبيه وتوجيهه في سن هو في أمس الحاجة إلى الرعاية والتأديب فيه، ومنها: ما يخشى من هجره لفرائض الدين وتركه لأدائها وفي مقدمتها الصلاة والصيام. إذ أن موعد الرحلة يصادف شهر رمضان الذي يجب على كل مسلم بالغ صيامه، وكيف يصوم هذا الفتى وهو يجر إلى الملاهي

стр. 1660

والشهوات؟ ! ومنها: التأثر بالأخلاق الفاسدة التي يعايشها ويشاهدها مما يضعف في نفسه الالتزام بالأخلاق الإسلامية ويؤدي به إلى الاستهانة بها وعدم احترامها، ومنها: وقوعه تحت توجيه الكفار وإشرافهم وولايتهم. والحكم في هذه الحالة أنه لا يجوز للمسلم السفر إلى بلاد المشركين أو الإقامة بين ظهرانيهم من غير ضرورة إلا لعارف بدينه بأدلته الشرعية يستطيع الدعوة إليه والذب عن الشبه التي ترد عليه ويقوم بأداء واجباته، وعموم الأدلة يؤيد ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣) وقوله ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (٤) » وقوله: «لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يزايل المشركين (٥) » ولأن في ذلك وسيلة إلى ارتكاب المحرم وترك الواجب وما أفضى إليهما فحكمه التحريم. والخلاصة أن هذه الرحلة لا تجوز من شبابنا وأوليائهم الاستجابة إليها بل يجب على ولاة الأمور وعلى الآباء بذل جميع الوسائل الممكنة لعدم اشتراك الشباب في مثل هذه الرحلات وإحباطها وعدم إنفاذها، حماية لشباب المسلمين مما يهدد عقيدتهم وأخلاقهم. ولا يفوتني هنا أن أنبه إخواني المسلمين إلى ما يحيكه لهم أعداؤهم من الدسائس والمؤامرات لفتنهم عن دينهم وإبعادهم عنه وإضعاف التزامهم به التي تبينها خطط التبشير التي كشفها الكثير من علماء المسلمين ومفكريهم وفي حملات التشكيك المستمرة. ويغلط غلطا عظيما من ينفي ذلك ويحسن الظن بهم، فأمامنا من البراهين الجلية ما لا ينكره إلا مغفل أو

стр. 1661

فاسق أو مكابر، وما الغزوات والحملات التبشيرية المركزة على بلاد المسلمين في أندونيسيا والفلبين وبنغلادش وأوغندا والسودان وغيرها من البلاد إلا براهين على ذلك، ومن الوسائل التي يسلكها أعداء الإسلام إلى ذلك إنشاء المستشفيات والمدارس والملاجئ وإقامة الاجتماعات الترفيهية والجمعيات الإنسانية، وغايتهم في ذلك تدمير أخلاق المسلمين وعقولهم وقطع صلتهم بالله وإطلاق شهواتهم وهل هناك أنجح من حضنهم للمراهقين في مثل هذه الرحلات وغسل أدمغتهم بما يلقونه عليهم من توجيه. فتيقظوا أيها الإخوان لهذه الخطط الخبيثة ولا تسلموا أولادكم لأعدائكم فتلقوا بهم إلى التهلكة وتدفعوهم إلى طرق الضلال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) كما نذكر إخواننا المسلمين بواجبهم تجاه أبنائهم من تربيتهم التربية الصالحة وأمرهم بأداء الشعائر والتحلي بالآداب الإسلامية ونهيهم عن المحرمات وعن الرذائل ووسائلها وغرس الأخلاق الفاضلة في نفوسهم وصيانتهم عن رفقاء السوء وعن المجتمعات الفاسدة. وننبه القائمين على الصحف المحلية إلى المزيد من التيقظ والغيرة على الدين والمجتمع، وعدم نشر مثل هذه الإعلانات الضارة التي تخدم أعداء الدين وتعود بالضرر على المجتمع وأبنائه في دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم، بل الواجب عليهم أن يكونوا وسائل مساعدة في الإصلاح والتوجيه إلى الخير والحق. رزق الله الجميع السلامة في الدين والدنيا، وأرانا الحق حقا ورزقنا اتباعه، وأرانا الباطل باطلا ورزقنا اجتنابه، وأصلح ولاة أمر المسلمين ونصر بهم الحق، وكتب لجميع المسلمين في كل مكان أسباب الخير والعزة إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1662

التحذير من القمار وشرب المسكر وبيوع الغرر (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. أما بعد: فإن الله سبحانه أحل لعباده الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمعاملات لحاجة العباد إليها وعظيم نفعها وسلامتها من الضرر، وحرم عليهم جميع الخبائث من المطاعم والمشارب والملابس والمعاملات لعظم ضررها وعدم نفعها أو قلته في جنب المضرة الغالبة، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) وقال تعالى في السورة المذكورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥) وقال تعالى في سورة الأعراف في وصف نبينا وسيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦) أوضح الله سبحانه في هذه الآيات أنه أحل لعباده الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وبين سبحانه أن من جملة الخبائث الخمر لعظم مضرتها وسلبها العقول وجلبها الشحناء والعداوة بين المتعاطين لها وغيرهم وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، فهي أم الخبائث ووسيلة

стр. 1663

الرذائل، وهي من أقبح الكبائر وأعظم الجرائم، وقد وعد الله من مات عليها أن يسقيه من طينة الخبال وهي عصارة أهل النار نستجير بالله من ذلك. ومن جملة الخبائث الكسبية: الميسر وهو القمار وما ذاك إلا لما يترتب عليه من الأضرار العظيمة التي منها سلب الثروات وأكل المال بغير حق وجلب الشحناء والعداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وكثير من الناس اليوم يتعاطى الميسر ولا يبالي بما قاله الله ورسوله في تحريمه والنهي عنه ولا بما يترتب عليه من المفاسد والأضرار وذلك لما جبلت عليه القلوب من الجشع والطمع والحرص على استحصال المال بكل وسيلة ولو كان في ذلك غضب الله وعقابه، بل ولو كان في ذلك ذهاب ماله وتلف نفسه في العاقبة إلا من شاء الله من العباد، وما ذاك إلا لسكر القلوب بحب المال والحرص عليه ونسيان ما يترتب على وسائله المحرمة كالقمار وبيع الغرر من العواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه «نهى عن بيع الغرر (١) » ومن المعاملة الداخلة في القمار وفي بيع الغرر ما حدث في هذا العصر من وضع بعض الشركات والتجار جوائز خفية في بعض السلع التي يراد بيعها طمعا في استنزاف ثروات المسلمين وترغيبا لهم في شراء السلع المشتملة على الجوائز بأغلى من ثمنها المعتاد والاستكثار من تلك السلع. رجاء الظفر بتلك الجوائز، ولا ريب أن هذه المعاملات من الميسر ومن بيع الغرر؛ لأن المشتري يبذل ماله الكثير رجاء مال مجهول لا يدري هل يظفر به أم لا وهذا من الميسر وبيع الغرر الذي حذر الله ورسوله منه، وهكذا بيع البطاقات ذوات الأرقام ليفوز مشتريها ببعض الجوائز إذا حصل على الرقم المطلوب، ولا شك أن هذا العمل من الميسر الذي حرمه الله لما فيه من المخاطرة وأكل الأموال بالباطل. فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا هذه المعاملات المحرمة وحذروا منها إخوانكم واحرصوا على حفظ أموالكم وعدم صرفها إلا فيما تتحققون منفعته وسلامته مما يخالف شرع الله، وإياكم أن تساعدوا

стр. 1664

أعداءكم وأرباب الجشع من التجار والشركات بما يسلب أموالكم ويغضب الله عليكم، ويجب على الحكومة وفقها الله لكل خير أن تمنع هذه المعاملات وأن تمنع ورود هذه السلع المشتملة على الجوائز التي توقع الناس في القمار وتسلب الأموال وتضر المجتمع، نسأل الله أن يوفق الحكومة والمسلمين لما فيه صلاح البلاد والعباد وأن يهدينا وتجارنا وشركاتنا وسائر المسلمين لما يرضي الله ويقرب لديه وينفع المسلمين إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1665

هذه المعاملة من القمار (١) السؤال: في مدينتنا جمعية تعاونية قامت بعرض سيارة أمام مدخلها بحيث من يشتري منها بضائع بالسعر المادي بمائة درهم فأكثر تصرف له مجانا قسيمة مرقمة مطبوعا فيها " قيمتها عشرة دراهم " ويتم فيما بعد سحب يفوز فيه صاحب الحظ السعيد - كما يقولون - بتلك السيارة المعروضة. وسؤالي هو: ١ - ما حكم الاشتراك في هذا السحب بتلك القسيمة المصروفة بدون مقابل ولا يخسر المشترك شيئا في حالة عدم الفوز؟ ٢ - ما حكم الشراء من تلك الجمعية بغرض الحصول على القسيمة المذكورة للتمكن من الاشتراك في القرعة؟ وبما أن الناس هنا بما فيهم المثقفون مترددون ومحتارون قبل هذا الأمر، أرجو من سماحتكم الإجابة على السؤالين المرفقين بما تيسر من الدليل ليكون المسلمون على بينة في دينهم. جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. م. ع. د الفجيرة - الإمارات العربية المتحدة. الجواب: هذه المعاملة تعتبر من القمار وهو الميسر الذي حرمه الله والمذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣) فالواجب على ولاة الأمر وأهل العلم في الفجيرة وغيرها إنكار هذه المعاملة والتحذير منها، لما في ذلك من مخالفة كتاب الله العزيز وأكل أموال الناس بالباطل، رزق الله الجميع الهداية والاستقامة على الحق.

стр. 1666

تعليق موجز على ما كتبه بعض الكتاب في مجلة اليمامة الصادرة بعدد ٦٨٤ وتاريخ ٢٠ \ ٣ \ ١٤٠٢ هـ لإيضاح الحق. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فقد اطلعت على القصة المنقولة من تاريخ ابن جرير الطبري ﵀ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال ما نصه: (فاتبعته فدخل دارا ثم دخل حجرة فاستأذنت وسلمت فأذن لي فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح (بساط) متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلي بإحداهما فجلست عليها وإذا بهو في صفة فيها بيت عليه ستير فقال: يا أم كلثوم غداءنا، فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا. قالت: إني أسمع عندك حس رجل قال: نعم ولا أراه من أهل البلد، قالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته، قال: أو ما يكفيك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر. فقال: كل فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا) اهـ. وهذه القصة باطلة لا تثبت رواية ولا دراية. أما الرواية: فلأن مدارها على جماعة من الضعفاء وبعضهم متهم بالكذب وتنتهي القصة إلى مبهم لا يعرف من هو ولا تعرف حاله وهو الذي رواها عن عمر وبذلك يعلم بطلانها من حيث الرواية.

стр. 1667

وأما من حيث الدراية فمن وجوه: ١ - شذوذها ومخالفتها لما هو معلوم من سيرة عمر ﵁ وشدته في الحجاب وغيرته العظيمة وحرصه على أن يحجب النبي ﷺ نساءه حتى أنزل الله آية الحجاب. ٢ - مخالفتها لأحكام الإسلام التي لا تخفى على عمر ولا غيره من أهل العلم، وقد دل القرآن والسنة النبوية على وجوب الاحتجاب وتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه يسبب الفتنة ودواعيها. ٣ - ما في متنها من النكارة الشديدة التي تتضح لكل من تأملها. وبكل حال فالقصة موضوعة على عمر بلا شك للتشويه من سمعته أو للدعوة إلى الفساد بسفور النساء للرجال الأجانب واختلاطهن بهم، أو لمقاصد أخرى سيئة. نسأل الله العافية. ولقد أحسن الشيخ أبو تراب الظاهري، والشيخ محمد أحمد حساني، والدكتور هاشم بكر حبشي فيما كتبوه في رد هذه القصة وبيان بطلانها وأنه لا يصح مثلها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، جزاهم الله خيرا وضاعف مثوبتهم وزادنا وإياهم علما وتوفيقا وجعلنا وإياهم وسائر إخواننا من أنصار الحق. وللمشاركة في بيان الحق وإبطال الباطل رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة ليزداد القراء علما ببطلان هذه القصة، وأنها في غاية السقوط للوجوه السالف ذكرها وغيرها، والله المسئول أن يهدينا جميعا إلى سواء السبيل، وأن يعيذنا وسائر إخواننا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1668

احذروا الصحف الخليعة (١) لقد أصيب العالم الإسلامي عامة وسكان الجزيرة العربية خاصة بسيل من الصحف التي تحمل بين طياتها أشكالا كثيرة من الصور الخليعة، المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، الداعية للدعارة، الفاتنة للشباب والشابات، وكم حصل في ضمن ذلك من أنواع الفساد لكل من يطالع تلك الصور العارية وأشباهها، وكم شغف بها من الشباب من لا يحصى كثرة، وكم هلك بسمومها من شباب وفتيات استحسنوها ومالوا إليها وقلدوا أهلها، وكم في طيات تلك الصحف من مقالات إلحادية تنشر الأفكار المسمومة والقصائد الباطلة وتدعو إلى إنكار الأديان ومحاربة الإسلام، وإن من أقبح تلك الصحف وأكثرها ضررا: المصور، وآخر ساعة، والجيل، وروز اليوسف، وصباح الخير، ومجلة (العربي) ... فالواجب على حكومتنا - وفقها الله - منع هذه الصحف منعا باتا لما فيها من الضرر الكبير على المسلمين في عقائدهم وأخلاقهم ودينهم ودنياهم. ولا ريب أن ولاة الأمر أول مسئول عن حفظ دين الرعية وأخلاقهم، ولا شك أن هذه الصحف مما يفسد الدين والأخلاق، ويضر المسلمين ضررا ظاهرا في الدين والدنيا ويزلزل عقائدهم ويحدث الشكوك والمشاكل الكثيرة بينهم والله يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤) ولا ريب أن القضاء على هذه الصحف ومنع دخولها البلاد من أعظم نصر الله وحماية دينه، وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «كلكم راع

стр. 1669

وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (١) » وقال ﷺ : «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة (٢) » . رواه مسلم. فيا ولاة أمر المسلمين اتقوا الله في المسلمين وحاربوا هذه الصحف الهدامة وخذوا على أيدي السفهاء، وأغلقوا أبواب الفساد تفوزوا بالنجاة والسعادة وتنتشلوا بذلك جما غفيرا من الفتيان والفتيات من وهدة هذا التيار الجارف وحمأة هذه الصحف الخبيثة المدمرة، ويا معشر المسلمين حاربوا هذه الصحف الخبيثة المدمرة، ولا تشتروها بقليل ولا كثير، فإن بيعها وثمنها حرام، وإنما الواجب إتلافها أينما وجدت دفعا لضررها وحماية للمسلمين من شرها، أراح الله منها العباد والبلاد ووفق ولاة أمر المسلمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم وسلامة عقائدهم، وأخلاقهم، إنه على كل شيء قدير..

стр. 1670

جواب حول: إصدار المجلات الخليعة (١) يسأل قارئ من جدة قائلا: ما حكم إصدار مجلات تظهر فيها النساء سافرات وبطريقة مغرية. وتهتم بأخبار الممثلين والممثلات؟ وما حكم من يعمل في هذه المجلة ومن يساعد على توزيعها. ومن يشتريها. الجواب: لا يجوز إصدار المجلات والصحف التي تشتمل على نشر الصور النسائية أو الداعية إلى الزنا والفواحش أو اللواط أو شرب المسكرات أو نحو ذلك مما يدعو إلى الباطل ويعين عليه، ولا يجوز العمل في مثل هذه المجلات لا بالكتابة ولا بالترويج؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ونشر الفساد في الأرض والدعوة إلى إفساد المجتمع ونشر الرذائل، وقد قال الله في كتابه المبين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣) » خرجه مسلم في صحيحه. وقال ﷺ أيضا: «صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات

стр. 1671

مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا (١) » خرجه مسلم في صحيحه أيضا، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. نسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه صلاحهم ونجاتهم، وأن يهدي القائمين على وسائل الإعلام وعلى شئون الصحافة لكل ما فيه سلامة المجتمع ونجاته، وأن يعيذهم من شرور أنفسهم ومن مكائد الشيطان إنه جواد كريم.

стр. 1672

حكم التصوير السؤال: ما قولكم في حكم التصوير الذي قد عمت به البلوى وانهمك فيه الناس؟ تفضلوا بالجواب الشافي عما يحل منه وما يحرم، أثابكم الله تعالى. . الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في الصحاح والمسانيد والسنن دالة على تحريم تصوير كل ذي روح، آدميا كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور ولعن المصورين، وبيان أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة. وأنا أذكر لك جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب، وأذكر بعض كلام العلماء عليها، وأبين ما هو الصواب في هذه المسألة إن شاء الله. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة (١) » لفظ مسلم. وفيهما أيضا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون (٢) » . ولهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذين

стр. 1673

يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم (١) » لفظ البخاري. وروى البخاري في الصحيح عن أبي جحيفة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور (٢) » . وعن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ (٣) » متفق عليه. وخرج مسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال: (ادن مني) فدنا منه، ثم قال: (ادن مني) فدنا منه، حتى وضع يده على رأسه فقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا تعذبه في جهنم وقال: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له (٤) » . وخرج البخاري قوله: إن كنت لا بد فاعلا ... إلخ في آخر الحديث الذي قبل بنحو ما ذكره مسلم. وخرجه الترمذي في جامعه وقال: حسن صحيح عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت ونهى أن يصنع ذلك (٥) » . وعن عائشة ﵂ قالت: «دخل علي النبي ﷺ وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه هتكه وتلون وجهه وقال: يا عائشة أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين (٦) » . رواه مسلم.

стр. 1674

وعن عائشة ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيه تماثيل فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وقال: أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين (١) » خرجه البخاري ومسلم، وزاد مسلم بعد قوله: (هتكه) : (وتلون وجهه) . اهـ. وعنها قالت: «قدم النبي ﷺ من سفر وعلقت درنوكا فيه تماثيل فأمرني أن أنزعه فنزعته (٢) » . رواه البخاري، ورواه مسلم بلفظ: «وقد سترت على بابي درنوكا فيه الخيل ذوات الأجنحة فأمرني فنزعته (٣) » . وعن القاسم بن محمد عن عائشة أيضا قالت: «اشتريت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ما أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة (٤) » رواه البخاري ومسلم، زاد مسلم من رواية ابن الماجشون قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (٥) » متفق عليه واللفظ لمسلم. وخرج مسلم عن زيد بن خالد عن أبي طلحة مرفوعا قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل (٦) » . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ «عن النبي ﷺ أن جبريل ﵇ قال: (إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة) (٧) » . وخرج مسلم عن عائشة وميمونة مثله.

стр. 1675

وخرج مسلم أيضا عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي علي ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (١) » وخرج أبو داود بسند جيد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها. وخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صورا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: «قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون» قال الحافظ: إسناده جيد. قال: وخرج عمر بن شبه من طريق عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة «أن النبي ﷺ دخل الكعبة فأمرني فأتيته بماء في دلو فجعل يبل الثوب ويضرب به على الصور ويقول: قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون» . اهـ. وخرج البخاري في صحيحه عن عائشة «أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه (٢) » . ورواه الكشميهني بلفظ " تصاوير " وترجم عليه البخاري ﵀ بـ " باب نقض الصور " وساق هذا الحديث. وفي الصحيحين عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة (٣) » قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب؟ وفي رواية لهما من طريق عمرو بن الحارث عن بكير الأشج عن بسر: فقلت لعبيد الله

стр. 1676

الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال إنه قال: إلا رقما في ثوب. ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال بلى قد ذكر ذلك. وفي المسند وسنن النسائي «عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته، فقال له سهل: لم تنزع؟ قال: لأنه فيه تصاوير وقد قال فيها رسول الله ﷺ ما قد علمت. قال: ألم يقل: إلا رقما في ثوب؟ قال بلى ولكنه أطيب لنفسي (١) » . اهـ وسنده جيد، وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حسن صحيح. وخرج أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال لي أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب لحسن أو لحسين كان تحت نضد لهما فأمر به فأخرج (٢) » . هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي نحوه. ولفظ النسائي: «استأذن جبريل على النبي ﷺ فقال ادخل فقال كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رءوسها أو تجعل بساطا يوطأ فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تصاوير (٣) » اهـ. وفي الباب من الأحاديث غير ما ذكرنا كثير. وهذه الأحاديث وما جاء في معناها دالة دلالة ظاهرة على تحريم التصوير لكل ذي روح، وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار. وهي عامة لأنواع التصوير سواء كان للصورة ظل أم لا، وسواء كان

стр. 1677

التصوير في حائط أو ستر أو قميص أو مرآة أو قرطاس أو غير ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يفرق بين ما له ظل وغيره، ولا بين ما جعل في ستر أو غيره، بل لعن المصور، وأخبر أن المصورين أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن كل مصور في النار، وأطلق ذلك ولم يستثن شيئا. ويؤيد العموم «أنه لما رأى التصاوير في الستر الذي عند عائشة هتكه وتلون وجهه وقال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله (١) » وفي لفظ أنه قال عندما رأى الستر: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم (٢) » فهذا اللفظ ونحوه صريح في دخول المصور للصور في الستور ونحوها في عموم الوعيد. وأما قوله في حديث أبي طلحة وسهل بن حنيف: " إلا رقما في ثوب " فهذا استثناء من الصور المانعة من دخول الملائكة لا من التصوير، وذلك واضح من سياق الحديث، والمراد بذلك إذا كان الرقم في ثوب ونحوه يبسط ويمتهن، ومثله الوسادة الممتهنة كما يدل عليه حديث عائشة المتقدم في قطعها الستر وجعله وسادة أو وسادتين. وحديث أبي هريرة «وقول جبريل للنبي ﷺ : " فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن " ففعل ذلك النبي ﷺ (٣) » . ولا يجوز حمل الاستثناء على الصورة في الثوب المعلق أو المنصوب على باب أو جدار أو نحو ذلك؛ لأن أحاديث عائشة صريحة في منع مثل هذا الستر، ووجوب إزالته أو هتكه كما تقدم ذكرها بألفاظها. وحديث أبي هريرة صريح في أن مثل هذا الستر مانع من دخول الملائكة، حتى يبسط أو يقطع رأس التمثال الذي فيه فيكون كهيئة الشجرة، وأحاديثه ﵊ لا تتناقض بل يصدق بعضها

стр. 1678

بعضا، ومهما أمكن الجمع بينها بوجه مناسب ليس فيه تعسف وجب وقدم على مسلكي الترجيح والنسخ كما هو مقرر في علمي الأصول ومصطلح الحديث، وقد أمكن الجمع بينها هنا بما ذكرناه فلله الحمد. وقد رجح الحافظ في الفتح الجمع بين الأحاديث بما ذكرته آنفا وقال: (قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن) . اهـ. وقال الخطابي أيضا رحمه الله تعالى: (إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله؛ ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل) . اهـ. وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: " باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وإن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتا فيه صورة أو كلب ". (قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير. وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام ... إلى أن قال: ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.

стр. 1679

هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة) . اهـ. قال الحافظ بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا: (قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها (١) » أي طمسها. الحديث. وفيه «من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) » . اهـ. قلت: ومن تأمل الأحاديث المتقدمة تبين له دلالتها على تعميم التحريم، وعدم الفرق بين ما له ظل وغيره كما تقدم توضيح ذلك. فإن قيل: قد تقدم في حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة أن بسر بن سعيد الراوي عن زيد قال: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فظاهر هذا يدل على أن زيدا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور. فالجواب: أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، وإذا صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ لم تجز

стр. 1680

معارضتها بقول أحد من الناس ولا فعله كائنا من كان، ووجب على المؤمن اتباعها والتمسك بما دلت عليه، ورفض ما خالفه كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) فقد ضمن الله سبحانه في هذه الآية الهداية لمن أطاع الرسول، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) ولعل زيدا ﵁ لم يعلم الستر المذكور، أو لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي ﷺ : إلا رقما في ثوب فيكون معذورا لعدم علمه بها. وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها. ومتى خالف العبد الأحاديث الصحيحة الصريحة اتباعا للهوى، أو تقليدا لأحد من الناس استوجب غضب الرب ومقته، وخيف عليه من زيغ القلب وفتنته، كما حذر الله سبحانه من ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٤) الآية. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٦) الآية. وتقدم في حديث أبي هريرة الدلالة على أن الصورة إذا قطع رأسها جاز تركها في البيت؛ لأنها تكون كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن تصوير

стр. 1681

الشجر ونحوه مما لا روح فيه جائز، كما تقدم ذلك صريحا من رواية الشيخين عن ابن عباس موقوفا عليه. ويستدل بالحديث المذكور أيضا على أن قطع غير الرأس من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة؛ لأن النبي ﷺ أمر بهتك الصور ومحوها وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغا لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﵊. ولأن النبي ﷺ أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات، والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه، ولأن في الوجه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده. وبذلك يتبين لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع. ولا فرق في هذا بين الصور المجسدة وغيرها من المنقوشة في ستر أو قرطاس أو نحوهما، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم، بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظمين أشد؛ لأن الفتنة بهم أعظم ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله، كما وقع ذلك لقوم نوح، وتقدم في كلام الخطابي الإشارة إلى هذا. وقد كانت الصور في عهد الجاهلية كثيرة معظمة معبودة من دون الله

стр. 1682

حتى بعث الله نبيه محمدا ﷺ فكسر الأصنام، ومحى الصور وأزال الله به الشرك ووسائله، فكل من صور صورة أو نصبها أو عظمها فقد شابه الكفار فيما صنعوا، وفتح للناس باب الشرك ووسائله، ومن أمر بالتصوير أو رضي به فحكمه حكم فاعله في المنع واستحقاق الوعيد؛ لأنه قد تقرر في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم تحريم الأمر بالمعصية والرضا بها كما يحرم فعلها وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢) فدلت الآية على أن من حضر المنكر ولم يعرض عن أهله فهو مثلهم. فإذا كان الساكت عن المنكر مع القدرة على الإنكار أو المفارقة مثل من فعله، فالآمر بالمنكر أو الراضي به يكون أعظم جرما من الساكت، وأسوأ حالا، وأحق بأن يكون مثل من فعله. والأدلة في هذا المعنى كثيرة يجدها من طلبها في مظانها. وبما ذكرناه في هذا الجواب من الأحاديث وكلام أهل العلم يتبين لمريد الحق أن توسع الناس في تصوير ذوات الأرواح في الكتب والمجلات والجرائد والرسائل خطأ بين ومعصية ظاهرة يجب على من نصح نفسه الحذر منها وتحذير إخوانه من ذلك، بعد التوبة النصوح مما قد سلف. ويتبين له أيضا مما سلف من الأدلة أنه لا يجوز بقاء هذه التصاوير المشار إليها على حالها بل يجب قطع رأسها أو طمسها ما لم تكن في بساط

стр. 1683

ونحوه مما يداس ويمتهن فإنه لا بأس بتركها على حالها كما تقدم الدليل على ذلك في أحاديث عائشة وأبي هريرة، وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه. وقد ثبت في الصحيحين «عن عائشة قالت كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي يلعبن معي (١) » . قال الحافظ في الفتح: (استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحكى عن ابن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ. وقد ترجم ابن حبان: " الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب " وترجم له النسائي: " إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات " فلم يقيد بالصغر، وفيه نظر. قال البيهقي بعد تخريج الأحاديث: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي. إلى أن قال: وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر) ، فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها، قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة - لعب - فقال ما هذا يا عائشة؟ قالت بناتي قالت ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان فقال: ما هذا؟ قلت: فرس له جناحان قلت ألم

стр. 1684

" تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة "؟ فضحك (١) » إلى أن قال: قال الخطابي: في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة. قلت: وفي الجزم به نظر، لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال: " في خيبر " ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض) . انتهى المقصود من كلام الحافظ. إذا عرفت ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حلها شكا لاحتمال أن يكون إقرار النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور، فيكون ذلك منسوخا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهنا كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، ومال إليه ابن بطال، ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان، ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها يكون الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسما لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملا بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢) » وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٣) » والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 1685

حكم تعليق الصور س ١: ما حكم تعليق الصور في المنازل وفي غيرها؟ (١) . الجواب: الحمد لله وحده وبعد: حكم ذلك التحريم إذا كانت الصور من ذوات الأرواح من بني آدم أو غيرهم لقول النبي ﷺ لعلي ﵁: «ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢) » رواه مسلم في صحيحه، ولما ثبت عن عائشة ﵂ أنها علقت على سهوة لها سترا فيه تصاوير فلما رآه النبي ﷺ هتكه وتغير وجهه ﷺ وقال: «يا عائشة إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم (٣) » أخرجه مسلم وغيره. لكن إذا كانت الصورة في بساط يمتهن أو وسادة يرتفق بها فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان على موعد من جبرائيل فلما جاء جبرائيل امتنع عن دخول البيت فسأله النبي ﷺ فقال: «إن في البيت تمثالا وسترا فيه تصاوير وكلبا فمر برأس التمثال أن يقطع وبالستر أن يتخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن ومر بالكلب أن يخرج (٤) » ففعل ذلك النبي ﷺ فدخل جبرائيل ﵇. أخرجه النسائي وغيره بإسناد جيد، وفي الحديث المذكور أن الكلب كان جرو للحسن أو الحسين تحت نضد في البيت. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب (٥) » متفق عليه، وقصة جبرائيل هذه تدل على أن الصورة في البساط ونحوه لا تمنع من دخول الملائكة، ومثل ذلك ما ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها اتخذت من الستر المذكور وسادة يرتفق بها النبي ﷺ .
следующие страницы →