← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

مم خلق الله الملائكة وإبليس ؟ (١) س: لقد خلق الله آدم من طين وخلق قبله الملائكة وكان ضمن الملائكة إبليس وخلقه من النار، فلماذا خلقه من النار ومن أي شيء خلق الله الملائكة؟ ج: ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث عائشة ﵂ قالت: «خلقت الملائكة من النور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم (٢) » (يعني من الطين) خرجه مسلم في صحيحه أما الحكمة في ذلك فالله أعلم بها وهو الحكيم العليم في كل ما يخلقه ويشرع لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. وهو على كل شيء قدير.

стр. 1612

لا يجوز للمسلم أن يكره ما لم يكره الله ترك المباح تقربا إلى الله هل يعتبر من البدع الشركية أم لا؟ حيث يوجد أناس يلتزمون ذلك ويرون أنه من الورع وقد يطلقون التحريم أو الكراهة على بعض الأشياء المباحة بلا دليل ولا برهان ومن ثم يجتنبونها وقد يعادون ويخاصمون من أجل ذلك. أرجو التوضيح بارك الله فيكم. ع - ص - القصيم - الجواب: لا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحل الله ولا أن يكره ما لم يكره الله ولا أن يحل ما حرم الله لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (١) الآية. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فجعل سبحانه في هذه الآية الكريمة القول عليه بغير علم فوق مرتبة الشرك لما يترتب عليه من الفساد العظيم. وأخبر سبحانه في آية أخرى من سورة البقرة أن ذلك من أمر الشيطان حيث قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤)

стр. 1613

أما ترك المباحات تقربا إلى الله سبحانه ليستعين بذلك على طاعة الله ورسوله من غير أن يحرم ذلك على نفسه أو على الناس، كترك الملابس الرفيعة بعض الأحيان تواضعا وحذرا من الكبر وكسرا للنفس عما يخشى عليها من الفخر والخيلاء والتكبر على الناس فهذا شيء لا بأس به ويؤجر عليه إن شاء الله.

стр. 1614

نشرات مكذوبة يروجها بعض الناس (١) وردتنا رسالة من معلمة بالمدرسة الثانوية الثالثة بالرياض تسأل فيها عن نشرات توزع في بعض المدارس، ونص تلك النشرات: قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) ، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) . ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) . ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥) . قم بإرسال هذه الآيات لتكون جالبة خير وحسن طالع وفلاح، فقم بتوزيعها حول العالم تسع مرات وستجلب لك الخير والفلاح بعد أربعة أيام بإذن الله، وليس الأمر بلهو ولعب أو لاتخاذ آيات الله الكريمة هزوا بك، وسترى ما يصلك خلال أربعة أيام. فعليك أن ترسل نسخا من هذه الرسالة وقد سبق أن وصلت هذه الرسالة إلى أحد رجال الأعمال فوزعها فورا فجاءته أخبار نجاح صفقة تجارية بسبعة آلاف دينار زيادة عما كان متوقعا، ووصلت إلى طبيب وأهملها فلقي مصرعه في حادث سيارة أدى إلى تشويهه كاملا وبقي جثة هامدة مبعثرة تحدث عنها الجميع. وذلك لأنه أهمل توزيع الرسالة، وفوجئ أحد المقاولين بإحالة عطاء مجز إليه، ولكنه أهمل توزيعها فتوفي ابنه الأكبر في حادث سيارة في بلد عربي شقيق. لذا

стр. 1615

يرجى إرسال ٢٥ نسخة وستبشر بما يصلك في اليوم الرابع. وإياك أن تهملها، فهناك من ربح الآلاف لدى التزامه، وأما من أهمل كان خطرا على حياته وأمواله. وفقنا الله وإياكم لتبليغ هذه الرسالة والله ولي التوفيق) . ولما اطلعت على هذه الرسالة كتبت ما يأتي: هذه النشرة وما يترتب عليها من الفوائد بزعم من كتبها وما يترتب على إهمالها من الخطر كذب لا أساس له من الصحة، بل هي من مفتريات الكذابين اللعابين، ولا يجوز توزيعها لا في الداخل ولا في الخارج، بل ذلك منكر يأثم من فعله ويستحق عليه العقوبة العاجلة والآجلة؛ لأن البدع شرها عظيم وعواقبها وخيمة، وهذه النشرة على هذا الوجه من البدع المنكرة ومن الكذب على الله سبحانه وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق عليه، وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » رواه مسلم في صحيحه ... فالواجب على جميع المسلمين الذين تقع في أيديهم أمثال هذه النشرة تمزيقها وإتلافها وتحذير الناس منها، وقد أهملناها وأهملها غيرنا من أهل الإيمان فما رأينا إلا خيرا، ومثلها النشرة التي ينسبونها إلى خادم الحجرة النبوية. ونشرة أخرى مثل النشرة المذكورة آنفا لكنها مبدوءة بقول الله سبحانه ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (٤) بدلا من قول الله سبحانه ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥) وكلها نشرات مكذوبة لا أساس لها من الصحة ولا يترتب

стр. 1616

عليها خير ولا شر، ولكن يأثم من افتراها ومن وزعها ومن دعا إليها ومن روجها بين الناس؛ لأن ذلك كله من باب التعاون على الإثم والعدوان، ومن باب ترويج البدع والترغيب في الأخذ بها. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من كل شر وحسبنا الله على من وضعها، ونسأل الله أن يعامله بما يستحق لكذبه على الله وترويجه الكذب وإشغاله الناس بما يضرهم ولا ينفعهم، وللنصيحة لله ولعباده جرى التنبيه على ذلك.

стр. 1617

مع الصحف والإذاعة (١) نشرت بعض الصحف لبعض الكتاب والكاتبات كلمات لا تهدف إلى صالح المجتمع بل تضره وتفضي به إلى أسوأ العواقب، وقد يكون ذلك الكاتب وتلك الكاتبة لا يشعران بمدى خطورة ما كتبا ولا يعلمان عظيم جنايتهما على المجتمع الإسلامي الذي يعيشان فيه ولا سيما في هذا العصر الرهيب الذي استحكمت فيه غربة الإسلام وظهر فيه الإلحاد والإباحية وانتشر أنصارهما والدعاة إليهما، تارة باسم التقدم والرقي والقومية العربية، وتارة باسم الحرية والاشتراكية، وطورا بأسماء أخرى، شعارات براقة وأساليب خداعة لا تمت إلى الخير بصلة ولا تهدف إلى الحق بأدنى وسيلة، يغتر بها السذج والسفهاء ويخدع بها الجهال والحمقى ويربح من ورائها الأعداء. وكان الواجب على كتابنا من الرجال والنساء أن يتحروا الحق فيما يكتبون وأن يزنوا كلماتهم وأهدافهم بالميزان الذي لا يجور وهو ميزان الشريعة الإسلامية الكاملة المعروف من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وأن لا يغتروا بالشعارات المضللة والدعايات الجوفاء والأساليب الساحرة التي انتحلها أعداؤهم وقصدوا من ورائها تضليل المسلمين وتلبيس دينهم عليهم ودعوتهم إلى التملص منه والخروج على أحكامه بشتى الأساليب وأنواع المغريات. وهكذا وسائل الإعلام يجب على القائمين عليها أن يتحروا الخير فيما يوجهونه للناس، وأن يزودوها بالمقالات النافعة البناءة والأحاديث الهادفة والتوجيهات السديدة التي تنفع المجتمع في دينه ودنياه وتأخذ بيده إلى الطريق القويم وتنبهه على أخطائه ومواضع الزلل من سيرته، حتى يرجع

стр. 1618

عن الخطأ ويستقيم على سواء السبيل. وبذلك تؤدي واجبها وتساهم في الإصلاح الديني والدنيوي ويتحقق بها نفع الأمة وتوجيهها إلى الصالح العام في المشارق والمغارب وتكون بذلك قد استغلت الوقت فيما يفيد وأحسنت سمعة بلدها وأخذت بأيدي مستمعيها إلى أسباب الرقي الصالح والتقدم السليم والحضارة الكريمة التي تصان بها الكرامة وتحفظ بها الحقوق وتزكى بها النفوس وترشد بها العقول إلى طرق السلامة ووسائل البناء والإصلاح والابتعاد عن أسباب الغي والضلال والتخريب والإفساد. ولقد كان مما أخذ على الإذاعات واستاء له كل مسلم غيور ما تمليه على الناس عبر الأثير ليل نهار من الأغنيات الخليعة وما يضاف إلى ذلك من آلات العزف والطرب، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إفساد القلوب ومرضها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة وإشغالها بأغنية فلان وفلانة وصوت علان وعلانة عن استماع القرآن الكريم وأحاديث النبي الأمين والمواعظ المفيدة والمقالات البناءة إلى غير ذلك من أنواع الفساد والتخريب، ولا ريب أن ذلك كله من لهو الحديث الذي أخبر الله في كتابه أنه يضل أهله عن سبيل الله ويفضي بهم إلى اتخاذ آيات الله هزوا كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (٢) » أخرجه البخاري في صحيحه، والحر: بالحاء والراء المهملتين هو الفرج الحرام يعني بذلك الزنى، وأما الحرير والخمر فمعروفان، وأما المعازف فهي آلات اللهو كلها كالطنبور والعود والكمان والطبل وشبه ذلك. وقد ظهر مصداق هذا الحديث الشريف في العصور المتأخرة، فقد

стр. 1619

استحل الكثير من الناس الفرج الحرام والخمر والمعازف، واستحل الكثير من الرجال لبس الحرير، وكل ذلك يدل على ضعف في الإيمان وقلة في العلم وفساد في المقصد وإقبال على الشهوات وإعراض عظيم عن التفقه في الشريعة الإسلامية والعمل بها، وهذا كله في المنتسبين إليها والمحسوبين عليها، وقد حاربوها وابتعدوا عن تعاليمها واستهزأوا بمن تمسك بها أو دعا إليها إلا من شاء الله وهم القليل. ولا ريب أن بلادنا من أحسن البلاد الإسلامية وأقومها بشعائر الله على ما فيها من نقص وضعف، فالواجب علينا جميعا من مسئولين ومذيعين وكتاب وكاتبات أن نتقي الله جميعا في أنفسنا ومجتمعنا، وأن نتكاتف ونتعاون على نصر دينه وحماية شريعته وترك ما خالف ذلك حتى نكون أسوة صالحة ومثالا أعلى لجميع البلدان الإسلامية، ولا سيما ونحن في مهبط الوحي ومطلع شمس الرسالة وقبلة المسلمين في المشارق والمغارب، ولا ريب أن هذا كله يقتضي مضاعفة الجهود والعناية بعظم المسئولية، ولا يخفى ما في ذلك من جزيل المثوبة إذا قمنا بواجبنا، ويقتضى كبر الجريمة وشدة الخطر إذا تخلينا عنه وتساهلنا بالمسئولية الملقاة على عواتقنا. وقد علم كل ذي بصيرة وعلم بأحوال الناس أن فشو الغناء والملاهي في المجتمع من أعظم الأسباب لزوال النعم وحلول النقم وخراب الدولة وزوال الملك وكثرة الفوضى والتباس الأمور. فالجد الجد والبدار البدار قبل أن يحل بنا من أمر الله ما لا طاقة لنا به، وقبل أن تنزل بنا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منا خاصة بل تعم الصالح والطالح ويهلك بها الحرث والنسل ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد استنكر أهل العلم والإيمان ما تنشره الصحف وغيرها وما تسير عليه الإذاعات حاليا مما أشرنا إليه آنفا وكتبوا في ذلك ما شاء الله أن يكتبوا مما نشر بعضه في الصحف وأكثره لم ينشر. حفزهم إلى ذلك

стр. 1620

الغيرة لله والنصيحة له ولعباده وما أوجب عليهم مولاهم سبحانه من إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وممن كتب في ذلك أخونا العلامة الناصح لله ولعباده الشيخ محمد أحمد باشميل، فقد نشرت له صحيفة الندوة في عددها الصادر في ٢٠ \ ٢ \ ١٣٨٣هـ كلمة قيمة بعنوان: (اضربوا على أيدي السفهاء) ، أنكر فيها ما كتبه بعض من قل علمه وضعفت بصيرته من الدعوة إلى السفور والغناء والعزف والطرب وبروز المرأة واختلاطها مع الرجل في المصنع والمتجر والمكتب ونحو ذلك. وأوضح ما يترتب على ذلك من الفساد. ودعا المسئولين إلى الضرب على أيدي السفهاء. ولا ريب أن هذا هو الواجب عليه وعلى غيره من أهل العلم أن ينصحوا لله ولعباده وأن ينكروا المنكر على من فعله وأن يحذروا الناس من مغبة ظهور المنكرات والتساهل في إنكارها. ولا شك أن من دعا الناس إلى ما يفسد مجتمعهم ويضرهم في دينهم ويوجب غضب الله عليهم ويسبب حلول النقم. حقيق بأن يسمى سفيها وأن يطلب من المسئولين من ولاة الأمر وغيرهم من أعيان الناس وأرباب الغيرة والدين أن يضربوا على يديه وأن يمنعوه من أسباب الخطر، وأن يوقفوه عند حده ويبصروه بعيبه وخطئه، وهذا هو الواجب عليهم كما قال النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (١) » الحديث، فعلى السلطان واجبه مع الرعية بتقويم أخلاقهم وإلزامهم بالحق ومنعهم مما حرم الله حسب الطاقة، وعلى كل إنسان من والد وزوج وأمير وكبير عشيرة ونحوهم واجبهم من إنكار المنكر والأخذ على يد السفيه حسب الطاقة، وإذا كان الله سبحانه قد سمى من لا يحسن التصرف في ماله سفيها. ولو كان شيخا كبيرا في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢) الآية، فالذي لا يحسن التصرف في دينه ولا يقف عند الحد الذي حده الله له أولى بهذه

стр. 1621

التسمية وأحق بهذا اللقب، ولا ريب أن سفور النساء بحضرة الرجال غير المحارم وإبدائهن مفاتنهن من أعظم السفه سواء كان ذلك في الطريق أو الطائرة أو السيارة أو المتجر أو المكتب أو المصنع أو القطار أو غير ذلك. وهكذا إعلان الأغاني وآلات العزف ودعوة الناس إلى ذلك وتحبيذه لهم من أعظم السفه. فيجب على ولاة الأمر القضاء على ذلك والمنع منه والضرب على أيدي من يدعو إليه أو يفعله، وبذلك تصلح الأحوال ويؤدي الواجب ويزول المنكر ويؤخذ على يد السفيه، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ «أنه تلا الآية الكريمة من قول الله ثم قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (٣) » وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٤) » . وإني لأعجب كثيرا من استنكار بعض كتابنا كلمة أخينا الشيخ محمد أحمد باشميل التي أشرنا إليها وغضبهم منها ومناقشتهم إياها وهم يعلمون نصح الرجل وغيرته العظيمة وكتاباته المفيدة، فما كان ينبغي لهم أن يغضبوا من كلمة الحق بل كان الواجب عليهم أن يؤيدوه ويؤازروه في الصدع بالحق والدعوة إليه وإنكار المنكر والتحذير منه، والواجب أيضا أن يحملوا كلامه على أحسن المحامل وأن يظنوا به الظن الحسن وأن لا يرموه بما لا يليق به، فالمؤمنون أخوة وجسد واحد وبناء واحد سواء كانوا عربا أو عجما وسواء نبتوا في هذه البلاد وعاشوا فوق أرضها وتحت سمائها أو هاجروا إليها من بعيد. فكل مسلم يعبد الله وحده وينقاد

стр. 1622

لشريعته أخونا وحبيبنا، سواء كان في المشرق أو المغرب، وسواء كان عربيا أو عجميا، وسواء تجنس بالجنسية الرسمية أم لم يتجنس بها، هكذا علمنا ربنا وأدبنا أحسن تأديب، وهكذا أرشدنا رسوله ﷺ ووجهنا أكمل توجيه، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٢) » . فاتقوا الله يا إخواني وأنصفوا من أنفسكم وحققوا الأخوة الإيمانية التي أمر الله بها، وقولوا للمحق: أحسنت وأجملت ووجهوه واشكروه وأعينوه، وقولوا للمسيء: أسأت وأخطات برفق وحكمة ووجهوه وأرشدوه، وبذلك تستحقون الثواب الجزيل من الله سبحانه والثناء الحسن من الناس والسمعة الطيبة في الداخل والخارج، واحذروا طاعة الهوى والتعصب المقيت والتقليد الأعمى تربحوا وتسلموا وتفوزوا بالعاقبة الحميدة. والله أسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل، وأن يوفق حكومتنا وولاة أمرنا لما فيه صلاح المجتمع وسعادته في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا جميعا ممن يقول الحق ويعمل به لا يخاف في الله لومة لائم إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

стр. 1623

لقاء مع صحيفة الراية السودانية [أسئلة مقدمة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من مندوبي صحيفة الراية السودانية وهما: الأستاذ مهدي إبراهيم محمد، والأستاذ محمد وقيع الله أحمد. . وقد تفضل سماحته فأجاب عليها بما يلي:] . س١: هل لسماحتكم مذهب فقهي خاص وما هو منهجكم في الفتوى والأدلة؟ . . ج١: مذهبي في الفقه هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وليس على سبيل التقليد ولكن على سبيل الاتباع في الأصول التي سار عليها. أما مسائل الخلاف فمنهجي فيها هو ترجيح ما يقتضي الدليل ترجيحه والفتوى بذلك سواء وافق ذلك مذهب الحنابلة أم خالفه؛ لأن الحق أحق بالاتباع. وقد قال الله : ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)

стр. 1624

س٢: لقد قامت في السودان جبهة إسلامية بين مختلف الاتجاهات الحركية والصوفية والسلفية وقامت بعمل سياسي ومجابهة واسعة مع الشيوعية والتغريبيين عموما. هل يمكن أن نعرف رأيكم في مثل هذا العمل الذي يضم تيارات مثل هذه؟ . ج ٢: لا ريب أن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدامة

стр. 1625

والدعوات المضللة والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي من أهم الواجبات ومن أعظم الجهاد في سبيل الله، لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليهود في خيبر وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام وأن يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، وقال له ﷺ : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤) » وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥) » وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٦) » ، وروى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٧) » . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فنسأل الله أن يوفق الجبهة لما فيه نصر الحق وظهوره على ما سواه وقمع الباطل وخذلان الدعاة إليه. ونصيحتي للجبهة أن تنقي صفوفها من كل ما يخالف شرع الله المطهر

стр. 1626

وأن تتناصح وتتواصى بالاستقامة على شرع الله والثبات عليه، ورد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) يبين سبحانه في هذه السورة العظيمة أن أسباب الربح والسعادة والسلامة من الخسران هي هذه الأمور الأربعة المذكورة في هذه السورة وهي: الإيمان الصادق بالله ورسوله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. فنسأل الله أن يمنح أعضاء الجبهة التخلق بهذه الأخلاق والاستقامة عليها حتى يفوزوا بالنصر المبين والربح العظيم والعاقبة الحميدة.

стр. 1627

س٣: السابقون رجال ونحن رجال هذه قولة فقهية شجاعة، أي أن السابقين لهم قضايا عصرهم ونحن لنا قضايانا المتجددة. ألا ترى أن الذين يقفون ضد الدعوة إلى التجديد للفقه يجنون على هذا الأدب الأصولي نفسه؟ . . ج ٣: هذه العبارة فيها إجمال واحتمال، فإن أريد بها أن الواجب على المتأخرين أن يجتهدوا في نصر دين الله وتحكيم شريعته، وتأييد ما عليه السلف الصالح من العقيدة والأخلاق فهذا حق. والواجب على جميع

стр. 1628

المسلمين أن يسيروا على نهج سلفهم الصالح في اتباع الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شيء، ورد ما تنازع فيه الناس إليهما، عملا بقول الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) الآية أما إن أريد بهذه العبارة أن المتأخرين لهم أن يجددوا في دين الله ما يخالف ما عليه سلف الأمة في العقيدة والأخلاق أو في الأحكام: فهذا أمر منكر لا يجوز فعله لأنه مخالف لقول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣) وقوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥) ومن خالفهم وسلك غير سبيلهم، لم يتبعهم بإحسان، فلا يدخل في أتباعهم المرضي عنهم؛ لأنه ليس للمتأخرين أن يخالفوا ما أجمع عليه العلماء قبلهم؛ لأن الإجماع حق، وهو أحد الأصول الثلاثة التي يجب الرجوع إليها، ولا تجوز مخالفتها وهي الكتاب والسنة والإجماع؛ ولأن العلماء إذا أجمعوا على شيء دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي أخبر النبي ﷺ أنها لا تزال على الحق. أما التفقه في الدين والتماس حل المشكلات بالطرق الشرعية في المسائل التي جدت بين المسلمين ولم يتكلم فيها الأوائل

стр. 1629

فهذا حق وليس فيه مخالفة للسابقين؛ لأن العلماء السابقين واللاحقين كلهم يوصون بتدبر الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما، والاجتهاد فيما يعرض من المسائل المشكلة على ضوء الكتاب والسنة. وليس هذا تجديدا مخالفا للسابقين، ولكنه تجديد سائر على منهج السابقين وعلى أصولهم، وقد صح في هذا المعنى قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق على صحته، وقوله ﷺ «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. والله ولي التوفيق.

стр. 1630

س٤: تنشب بين الدعاة بعض الاختلافات التي تكاد تطغى على نقاط الالتقاء الكثيرة، وكثيرا ما تؤدي إلى تعطيل العمل الإسلامي وإلى أنواع من الفتن والانشقاقات والخصومات. ما هو تعليقكم ونصيحتكم للدعاة حول هذا الأمر؟ . ج٤: نصيحتي للدعاة أن يخلصوا أعمالهم لله وحده وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتفقوا على تحكيم الكتاب والسنة فيما شجر بينهم عملا بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وبذلك يتحد الهدف وتجتمع الجهود وينصر الحق ويهزم الباطل، ولا يتم هذا كله إلا بالاستعانة بالله والتوجه إليه بطلب التوفيق، والحذر من اتباع الهوى، وقال الله : ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية، وقال يخاطب نبيه ورسوله داود ﵊: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) الآية.

стр. 1631

س٥: وما هي نصيحتكم عموما لتيار الصحوة الإسلامية الشبابية المتعالية الآن في العالم الإسلامي؟ . ج٥: هذه الصحوة التي تسر كل مؤمن - ويصح أن تسمى حركة إسلامية وتجديدا إسلاميا ونشاطا إسلاميا - يجب أن تشجع وأن توجه إلى الاعتصام بالكتاب والسنة وأن يحذر قادتها وأفرادها من الغلو والإفراط عملا بقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٢) » وقوله ﷺ : «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون (٣) » . ويجب عليهم أن يتوجهوا إلى الله دائما بطلب التوفيق وصلاح القلوب والأعمال، والثبات على الحق، وأن يعنوا عناية تامة بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتعقلا، وعملا بالسنة المطهرة؛ لأنها الأصل الثاني؛ ولأنها المفسرة لكتاب الله كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) كما يجب على الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذه الحركة الإسلامية بالتعاون مع القائمين عليها والمذاكرة معهم والحرص على إزالة الشبه التي قد تعرض لبعضهم عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦)

стр. 1632

س٦: ما رأيكم في مجتمع إسلامي طبقت فيه الحدود لفترة عام وأكثر ثم تراجع عن هذه الحدود ليطبق القوانين الوضعية الغربية؟ ج٦: الواجب على جميع حكام المسلمين هو تطبيق شريعة الله بين عباده

стр. 1633

والثبات على ذلك والدعوة إليه والإلزام به؛ لقول الله سبحانه يخاطب نبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) والواجب على أمته تنفيذ ذلك. قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦) فلا يجوز لحكام المسلمين أن يخالفوا هذه الآيات الكريمات، بل عليهم أن يلتزموا بما دلت عليه، ويلزموا شعوبهم به، ولهم في ذلك العزة والكرامة والنصر والتأييد وحسن العاقبة والفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٨) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٩) وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١٠) الآية.

стр. 1634

ولا ريب أن تحكيم شريعة الله في شئون عباده من جملة النصر لله، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن الإيمان والعمل الصالح اللذين وعد الله أهلهما الاستخلاف في الأرض والتمكين في دينهم ومنحهم الأمن بعد الخوف، فنسأل الله أن يوفق حكام المسلمين للتمسك بشريعته والحكم بها والرضى بها وترك ما خالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1635

س ٧: ما رأيكم في الدعوة إلى القومية التي تعتقد أن الانتساب إلى العنصر أو اللغة مقدم على الانتساب إلى الدين، وهذه الجماعات تدعي أنها لا تعادي الدين ولكنها تقدم القومية عليه. ما رأيكم في هذه الدعوى؟ . ج٧: هذه دعوة جاهلية لا يجوز الانتساب إليها ولا تشجيع القائمين بها، بل يجب القضاء عليها؛ لأن الشريعة الإسلامية جاءت بمحاربتها والتنفير منها، وتفنيد شبههم ومزاعمهم والرد عليها بما يوضح الحقيقة لطالبها؛ لأن الإسلام وحده هو الذي يخلد العروبة لغة وأدبا وخلقا، وأن التنكر لهذا الدين معناه القضاء الحقيقي على العروبة في لغتها وأدبها وخلقها، ولذلك يجب على الدعاة أن يستميتوا في إبراز الدعوة إلى الإسلام بقدر ما يستميت الاستعمار في إخفائه. ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات دعوة باطلة وخطأ عظيم ومنكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد للإسلام وأهله، وذلك لوجوه قد أوضحناها في كتاب مستقل سميته: (نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع) (١) وإليكم نسخة منه لتنقلوا منه ما شئتم وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 1636

نداء لجميع المسلمين وغيرهم لمساعدة السودان وشعبها بالدعم والمواساة بسبب الكارثة العظيمة التي نزلت بهم (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وغيرهم في المملكة العربية السعودية وغيرها، وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات وجعلنا جميعا من المسارعين إلى الباقيات الصالحات. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فلا يخفى على الجميع ما حل بحكومة السودان وشعبها من الكارثة العظيمة بسبب الأمطار والفيضانات الغزيرة التي تسببت في أضرار عظيمة على العاصمة السودانية وما جاورها من المدن والقرى، مما تسبب في إتلاف الكثير من أموالهم، وتشريد أكثر من مليون من المواطنين، وموت العديد من الناس، وتهدم الآلاف من المساكن، وقد أصبح أهلها يعيشون في العراء بدون مأوى. وقد تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أنباء هذه الكارثة العظيمة، وشاهد الكثير من الناس على شاشة التلفاز الخراب والدمار الذي حل ببلادهم، كما شوهد المشردون وهم في العراء لا شيء يكنهم من الشمس والمطر والريح، ولا شك أن ما حصل لهم من الابتلاء والامتحان الذي يبتلي الله به من يشاء من عباده فيه عظة وذكرى واختبار وامتحان. قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥)

стр. 1637

وقال جل وعلا: ﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٤) وكل هذه الآيات وغيرها كثير يبين الله سبحانه فيها أنه لا بد أن يبتلي عباده ويمتحنهم في هذه الحياة الدنيا، فإذا صبروا على هذا الابتلاء وأنابوا إلى الله ورجعوا إليه في كل ما يصيبهم، وتابوا إليه من سيئات أعمالهم، أثابهم الله رضاه ومغفرته وكشف عنهم الكربة، وأحسن لهم العاقبة، وعوضهم خيرا مما فاتهم. ونظرا لعظم المصيبة التي حلت بإخواننا في السودان، وما ترتب عليها من الخسائر العظيمة في النفوس والأموال فإني أهيب بجميع المسلمين وغيرهم من الأمراء والوزراء والأغنياء وغيرهم ممن يحب الخير ويعين عليه في المملكة العربية السعودية وغيرها من سائر المعمورة أن يبادروا إلى مد يد العون لإخوانهم في السودان، وأن تكون المساعدة عامة لكل ما يحتاجون إليه من نقود وأطعمة وملابس وخيام وأدوية وغير ذلك. كما أهيب بجميع العلماء والدعاة إلى الله سبحانه وجميع الأمراء وأئمة المساجد وجميع الأعيان أن يحثوا المسلمين على الوقوف بجنب إخوانهم في السودان بالدعم والمساعدة استجابة لأوامر الله سبحانه وأوامر رسوله ﷺ بالحث على الإنفاق في وجوه الخير والتعاون على البر والتقوى، والمساعدة في تخفيف المصائب، قال الله : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٥)

стр. 1638

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وقال سبحانه ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٣) وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) وقال ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧) وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٨) » متفق على صحته، وقال ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٩) » وقال ﵊: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (١٠) » رواه مسلم في صحيحه، وقال ﵊: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (١١) » متفق

стр. 1639

على صحته. وقد كان النبي ﷺ يهتم غاية الاهتمام بأمر المحتاجين وذوي الفاقة، ويستاء لحاجتهم ويبادر لمساعدتهم، وهكذا ينبغي لأتباعه أن يتأسوا به في ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: والآية التي في الحشر: تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره " حتى قال: " ولو بشق تمرة "، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ تهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزوها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقص مال من صدقة (٤) » رواه مسلم والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه

стр. 1640

حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها قال أبو هريرة ﵁: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلقد رأيته يوسعها ولا تتسع (١) » أخرجه البخاري ومسلم. فعلينا جميعا أيها المسلمون المبادرة بمد يد العون والمساعدة لإخواننا المنكوبين في السودان وبذل ما نستطيع مما أنعم الله به علينا لنحقق معنى الأخوة الإسلامية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه الكريم وذكرها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، ونحقق معنى الاستجابة لله ورسوله التي أمرنا بها الله في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) الآية، وفي قوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣) وفي قوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) ودعا إليها رسوله ﷺ في قوله: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٥) » وقوله ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٦) » وقوله ﷺ «من لا يرحم لا يرحم (٧) » في أحاديث كثيرة تحث المؤمنين على التعاون على الخير ودعم المنكوبين ومواساتهم، وجبر مصابهم، رغبة فيما عند الله ورجاء لثوابه ورحمة لعباده، وإحسانا إليهم؛ وبذلك تتحقق الأخوة الإيمانية والتعاون على الخير، ولفوز الجميع بجزيل ثواب الله، وعظيم إحسانه. واعلموا أيها الإخوة في الله أنه كلما كانت الحاجة إلى المساعدة أشد كان الأجر عليها من الله أعظم، ولا شك أن حاجة إخواننا في السودان شديدة وعظيمة، تستدعى منا المبادرة والمسارعة إلى مساعدتهم، والوقوف

стр. 1641

بجانبهم، وتخفيف آلامهم. وفق الله المسلمين عموما وإخواننا في السودان خصوصا للصبر والاحتساب، والتعاون على الخير، وضاعف لنا ولهم الأجر، وأنزل على المصابين السكينة والطمأنينة وأحسن للجميع العاقبة في الدنيا والآخرة، ووفق الجميع للتوبة النصوح، والاستقامة على الحق، والحذر من أسباب غضب الله وعقابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ولا يفوتني في ختام كلمتي هذه أن أشكر حكومة المملكة العربية السعودية وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين على مبادرتها بمد يد العون والمساعدة للسودان حكومة وشعبا؛ للتخفيف من آثار هذه الكارثة، كما أشكر كل من بادر بمساعدتهم من حكام المسلمين وشعوبهم وغيرهم ممن ساهم في تخفيف هذه المصيبة بالعون والإحسان. وأسأل الله أن يجعل ذلك عملا خالصا لوجهه الكريم، وأن يثقل به موازين الجميع يوم القيامة ويرفع به درجاتهم في دار الكرامة، ويخلف عليهم ما أنفقوا بخير منه وأفضل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد والله وصحبه وسلم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية

стр. 1642

" الإهابة بالمسلمين لمساعدة إخوانهم في أفريقيا " وهي نصيحة صدرت مني في تاريخ ٢٥ \ ٣ \ ١٤٠٥هـ. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيا معشر إخواني المسلمين هذه كلمة أوجهها إليكم للحث والترغيب في مساعدة إخوانكم المسلمين في أفريقيا المنكوبين بالجفاف والجدب والجوع. طاعة لله ، وطاعة لرسوله ﷺ وتعاونا معكم على البر والتقوى عملا بقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقوله جل وعلا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) وتعلمون بارك الله فيكم ما حل بالكثير من إخوانكم المسلمين في أفريقيا وفي السودان بوجه خاص منذ سنوات من جفاف وقحط لاحتباس الأمطار عنهم مما جعل المنظمات التبشيرية تتحرك نحوهم باسم الإنسانية مع أن لها أهدافا أخرى، خفية ومعلنة، وهي دعوة المسلمين هناك إلى التحول عن دينهم إلى النصرانية استغلالا لحاجتهم وعوزهم وجوعهم. وأنتم أيها المسلمون أولى الناس بمد يد العون إليهم؛ لأنكم تسمعون

стр. 1643

وتقرأون كما أسمع وأقرأ عن أخبار جفاف وهلاك المحاصيل والحيوانات، وعن عدد الذين يموتون جوعا كل يوم من الرجال والأطفال والنساء، وأغلبهم من المسلمين، وهؤلاء إخوة لنا في الدين وجيران لنا في الأوطان، وقد قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (١) » متفق على صحته. ثم اعلموا بارك الله فيكم أن المال الذي في أيديكم إنما هو مال الله وأنتم مستخلفون فيه، وقد أمركم الله بالإنفاق منه ووعدكم بالخلف فقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣) ومن بخل أيها الإخوة بماله، أو استغنى عن الأجر من ربه، فليس بمأمن من عقاب الله، وقد يحل به ما حل بإخوانه في أفريقيا والعياذ بالله من فجاءة نقمته، وما ذلك على الله بعزيز فهو القائل وقوله الحق: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٤) فيا أيها المسلمون استجيبوا لنداء ربكم، وابذلوا من أموالكم في سبيله، واشكروا نعم الله عليكم بأداء حقها، ومن حقها إنقاذ الأنفس المؤمنة، وهو حق لو تعلمون عظيم، فقد روى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ واقعة حدثت في عهد رسول الله تهيب بالمسلم إلى المبادرة

стр. 1644

لمواساة إخوانه الفقراء ورحمتهم حيث قال ﵁: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاء قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقه، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: الآية، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه، من صاع بره من صاع تمره (٣) » حتى قال: «ولو بشق تمرة "، فجاء رجل من الأنصار بتمرة من فضة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٤) » رواه مسلم. وأنتم أيها المسلمون قد رأيتم بأعينكم وقرأتم بأنفسكم ما يقال عن هذه المحنة القاسية والمجاعة الأليمة التي تتعرض لها أنفس من إخوانكم المسلمين في أفريقيا، فتصدقوا عليهم مما أفاء الله عليكم أسوة برسول الله في حبه للخير ودعوته للصدقة، وإنفاقه في سبيل الله، وأسوة بأصحابه ﵃ في مسارعتهم للإنفاق في وجوه الخير، ففي كل نفس رطبة صدقة، ولا يحقرن أحدكم ما يبذل في نفع إخوانه من نقد أو متاع أو طعام واقطعوا بمسارعتكم طريق الرجعة على الكفار الذين انتهزوا هذه المجاعة لغزو المسلمين في عقر دارهم بالتنصير والتضليل، وذلك بما تبذلونه وتنفقونه

стр. 1645

في سبيل الله لمواساة إخوانكم والإحسان إليهم وإغنائهم عن عدوهم المتربص بهم الدوائر. واعلموا أن الصدقة تدفع ميتة السوء وتذهب البلاء، وتطفئ الخطيئة، كما روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وكما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (١) وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢) وإنها لمبادرة كريمة ومباركة إن شاء الله تلك التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، إذ أهمه ما يلقاه إخوانه المسلمون وغيرهم في أفريقيا من جوع وعري وعطش وموت فأمر جلالته - حفظه الله - بتشكيل لجان في سائر أنحاء المملكة لإغاثة الجياع ومساعدة المحتاجين هناك، فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته ونصر به الحق. ولقد نشرت الصحف ووسائل الإعلام أخبار هذه اللجان التي نرجو لها التوفيق بإذن الله، وهي أهداف جليلة حيث تعمل على إنقاذ الأنفس من الهلاك، والمساعدة لاجتياز المحنة، بما تجود به نفوس طالبي الأجر والمثوبة من الله. فأهيب بكم - أيها الإخوة في الله - للمساعدة والتعاون مع هذه اللجان في جمع المساعدات والتشجيع عليها، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وقد صح عن رسول الله في أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٣) » ، وقال ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٤) » . وقال ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة (٥) »

стр. 1646

وقال ﷺ : «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (١) » وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون أعظم من الجبل (٢) » . والآيات والأحاديث في فضل الصدقة ومساعدة فقراء المسلمين ومواساتهم كثيرة معلومة. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للمسابقة لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنكم، وأن يجزل مثوبتكم ويخلف عليكم ما تنفقون في سبيل الخير بأحسن الخلف، وأن يرحم إخواننا المسلمين في أفريقيا وغيرها، وأن يغيثهم من فضله، ويرفع عنهم ما نزل بهم من بلاء ومصيبة. إنه جواد كريم وبالإجابة جدير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1647

تهنئة لحكومة الباكستان لإعلانها تطبيق الشريعة الإسلامية (١) فخامة رئيس حكومة باكستان الإسلامية محمد ضياء الحق. نصر الله به دينه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد سمعنا ما تناقلته الإذاعات والصحف من إعلان فخامتكم تحكيم الشريعة الإسلامية في باكستان فسرنا ذلك كثيرا كما سر كل مسلم على وجه الأرض، وإنه ليسرني أن أعرب لفخامتكم عن شكري وعظيم تقديري لهذا العمل الجليل الذي يرضاه الله ورسوله، ويرضاه كل مسلم وهو الواجب عليكم وعلى جميع حكام المسلمين فجزاكم الله خيرا وأمدكم بتوفيقه ونصركم بالحق ونصر الحق بكم. وإنا وجميع المسلمين نشارك الشعب الباكستاني بالفرحة العظيمة والسرور البالغ بهذا النبأ العظيم الذي أنشئت من أجله الباكستان، ولم يزل أبناؤها المخلصون ينتظرون ذلك ويبذلون في تحقيقه كلما أمكنهم من الوسائل حتى يسره الله على يد فخامتكم مهنئا لكم بهذه المنحة العظيمة والنعمة الكبرى، ويحق لنا جميعا أن نفرح بذلك ونسر به ونشكر الله عليه عملا بقول الله سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) فسيروا على بركة الله والله ناصركم ومؤيدكم ما دمتم تنصرون دينه وتحكمون شريعته كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥)

стр. 1648

ولا شيء أحسن من حكم الله العالم بأحوال عباده ومصالحهم في العاجل والآجل كما قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) وفقكم الله وثبتكم على الحق وأكثر أعوانكم فيه إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1649

كلمة في مناسبة إجازة الربيع (١) الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فبمناسبة هذه الإجازة - إجازة الربيع - فإني أوصي جميع أبنائي الطلبة والطالبات وجميع المسلمين بتقوى الله في جميع الأحوال، وحفظ الأوقات عما يغضب الله وشغلها بما يرضيه ويقرب لديه، ومن ذلك شغلها بحلقات العلم وكتابة العلم والمذاكرة في العلم ومطالعة الكتب المفيدة فإن هذا كله مما ينفع الله به العبد في دنياه وأخراه ويحفظ عليه وقته مما يضره، وأخص جميع أبنائي الطلبة والطالبات بالتحذير من السفر إلى بلاد الكفرة؛ لأن ذلك يضرهم في العقيدة والأخلاق وفي سائر أحوالهم ولا يخفى على كل من له أدنى بصيرة بأحوال العالم أن السفر إلى الخارج يخشى منه الشر الكثير، وقل من يسلم من هذه الأسفار في عقيدته وأخلاقه، اللهم إلا من كان من أهل العلم والبصيرة والاستقامة وسافر للدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، فهذا له شأن آخر، والدعوة إلى الله مطلوبة في كل زمان ومكان. أما من كان ليس بهذه الصفة فإن الواجب عليه الحذر من السفر إلى بلاد الكفر والضلال والفساد والإفساد، فإن في ذلك خطرا عليه في عقيدته وأخلاقه، وقد قال النبي ﵊: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (٢) » وروي عنه ﷺ أنه قال: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله (٣) » وقال أيضا ﵊: «لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين (٤) » والمعنى حتى يفارق

стр. 1650

المشركين. وهذه الأحاديث وما جاء في معناها محمولة عند أهل العلم على من ليس عنده علم وبصيرة واستقامة، بحيث يأمن على نفسه الوقوع فيما حرم الله، وبحيث يدوم بالدعوة إلى الله والتوجيه إليه وإرشاد الناس إلى أسباب النجاة عملا بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وعملا بقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) الآية، وحرصا على ما وعد الله به الدعاة من الأجر، وما يترتب على دعوتهم من الخير العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال ﵊ لما بعث عليا ﵁ إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤) » وقال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥) » . فالدعاة إلى الله الذين قد تفقهوا في الدين وعرفوا وجه الدعوة لا خطر عليهم إن شاء الله في السفر إلى بلاد الكافرين لدعوتهم إلى الله وتوجيههم إلى الخير وإرشادهم إلى ما خلقوا له، أما عامة الناس وأشباه العامة من الشباب والطلبة الذين لم يتفقهوا في الدين ولم يتخرجوا من الجامعات والكليات الدينية التي تبصروا فيها وتعلموا فيها ما يجب عليهم وما ينبغي لهم من الدعوة إلى الله والالتزام بما أوجب الله عليهم فهؤلاء عليهم في سفرهم خطر عظيم، فنصيحتي لهم ولغيرهم ممن ليس بالصفة التي ذكرنا أنفا من أهل العلم والإيمان. وصيتي لهم جميعا أن لا يسافروا إلى بلاد الكفرة وأن يحذروا ذلك، وأن تكون إجازتهم وسيلة إلى قوة إيمانهم وكثرة علمهم، وذلك
следующие страницы →