وما هن يا رسول الله؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١) » ، أما الشيخ الذي أعطاك الدواء فالظاهر أنه ساحر كالمرأة؛ لأنه لا يطلع على أعمال السحر إلا السحرة وهو أيضا من العرافين والكهنة المعروفين بادعاء الغيب في كثير من الأمور، والواجب على المسلم أن يحذرهم وألا يصدقهم فيما يدعون من الغيب لقول النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه، وقال ﷺ أيضا: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٣) » فالواجب عليك التوبة والندم على ما قد حصل منك وإخبار رئيس الهيئة ورئيس المحكمة بالشيخ المذكور وزوجتك القديمة حتى تعمل المحكمة والهيئة ما يردعهم، وإذا عرض لك مثل هذا الحادث فاسأل علماء الشرع حتى يخبروك بالعلاج الشرعي، وإذا كان الذي أصابك قد زال فالحمد لله وإلا فأخبرنا حتى نخبرك بالعلاج الشرعي رزقنا الله وإياك الفقه في الدين والثبات عليه والسلامة مما يخالفه إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1927
العمل في مصانع الخمر (١)
س: من جامبيا يسأل ويقول: ما حكم المسلم الذي يبيع الخمر أو المخدرات، وهل نسميه مسلما أم لا؟ وما حكم المسلم الذي يعمل في مصنع الخمر، وهل يجب عليه ترك عمله إذا لم يجد سواه؟
الجواب: بيع الخمر وسائر المحرمات من المنكرات العظيمة، وهكذا العمل في مصانع الخمر من المحرمات والمنكرات لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) ولا شك أن بيع الخمر والمخدرات والدخان من التعاون على الإثم والعدوان، وهكذا العمل في مصانع الخمر من الإعانة على الإثم والعدوان وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤)
وصح «عن رسول الله ﷺ أنه لعن الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها (٥) » .
وصح عنه أيضا ﵊ أنه قال: «إن على الله عهدا لمن مات وهو يشرب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال قيل يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال عصارة أهل النار أو قال عرق أهل النار (٦) » .
стр. 1928
أما حكمه فهو عاص وفاسق بذلك وناقص الإيمان وهو يوم القيامة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عاقبه إذا مات قبل التوبة عند أهل السنة والجماعة لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)
وهذا الحكم إذا لم يستحلها، أما إن استحلها فإنه يكفر بذلك ولا يغسل ولا يصلى عليه إذا مات على استحلالها عند جميع العلماء؛ لأنه بذلك يكون مكذبا لله ولرسوله ﵊.
وهكذا الحكم فيمن استحل الزنا أو اللواط أو الربا أو غير ذلك من المحرمات المجمع عليها كعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وقتل النفس بغير حق.
أما من فعلها أو شيئا منها وهو يعلم أنها حرام ويعلم أنه عاص لله بذلك فهذا لا يكون كافرا بل هو فاسق تحت مشيئة الله سبحانه في الآخرة إذا لم يتب قبل الموت كما تقدم في حكم شارب الخمر والله ولي التوفيق.
стр. 1929
أكل ذبائح الكفار واستعمال أوانيهم
س: سؤال من طالب صومالي يدرس في الصين يقول فيه (١) :
إنني طالب صومالي أدرس في الصين وأواجه صعوبات كثيرة في الطعام عامة واللحوم بصفة خاصة والمشاكل هي:.
١ - إنني أسمع قبل مجيئي للصين أن الحيوانات التي ذبحها الملحدون أو بالأحرى قتلوها لا يجوز للمسلم أكلها، وعندنا في الجامعة مطعم صغير للمسلمين وتوجد فيه لحوم غير أنني لست على يقين أنها مذبوحة على الطريقة الإسلامية ومتشكك في ذلك، مع العلم أن زملائي غير متشككين مثلي ويأكلون منها، أهم على حق أم يأكلون حراما؟
٢ - بالنسبة لأواني الطعام ليس هناك تمييز بين أواني المسلمين وغيرهم، ماذا ينبغي علي أن أفعل حيال هذه الأمور؟
الجواب: لا يجوز أكل ذبائح الكفار غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى سواء كانوا مجوسا أو وثنيين أو شيوعيين أو غيرهم من أنواع الكفار ولا ما خالط ذبائحهم من المرق وغيره؛ لأن الله سبحانه لم يبح لنا من أطعمة الكفار إلا طعام أهل الكتاب في قوله : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٢) الآية من سورة المائدة، وطعامهم هو ذبائحهم كما قال ابن عباس وغيره، أما الفواكه ونحوها فلا حرج فيها؛ لأنها غير داخلة في الطعام المحرم، أما طعام المسلمين فهو حل للمسلمين
стр. 1930
وغيرهم إذا كانوا مسلمين حقا لا يعبدون إلا الله ولا يدعون معه غيره من الأنبياء والأولياء وأصحاب القبور وغيرهم مما يعبده الكفرة.
أما الأواني فالواجب على المسلمين أن يكون لهم أوان غير أواني الكفرة التي يستعمل فيها طعامهم وخمرهم ونحو ذلك، فإن لم يجدوا وجب على طباخ المسلمين أن يغسل الأواني التي يستعملها الكفار ثم يضع فيها طعام المسلمين؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ «أنه سأل النبي ﷺ عن الأكل في أواني المشركين، فقال له النبي ﷺ : لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها (١) » . وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 1931
الحكم الشرعي في فتاة شيعية يمنعها المأذون من عقد القران (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرمة الآنسة ف. ح. ع. وفقها الله لما فيه رضاه ويسر أمرها وأصلح شأنها آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد وصلني كتابك المتضمن الإفادة أنك فتاة تبلغين الثالثة والعشرين من العمر وأنك على مذهب الشيعة أتباع داود بوهراوان ممثل مرجع الطائفة المذكورة المقيم في كينيا وأنه يمنع مأذون مدينة ممباسا من عقد قرانك ورغبتك في بيان الحكم الشرعي في ذلك. .
والجواب: لا ريب أن الواجب على المسئولين في جميع الطوائف المنتسبة للإسلام أن يلتزموا حكم الإسلام في جميع الأمور وأن يحذروا ما يخالف ذلك وقد علم من الشريعة الإسلامية أن الواجب على الأولياء تزويج مولياتهم إذا خطبهن الأكفاء لقول الله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)
ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (٣) » خرجه الإمام الترمذي وغيره.
وبناء على ذلك فإذا زوجك الأقرب من أوليائك على أحد أكفائك فليس لممثل طائفة البهرة اعتراض عليك ويكون النكاح بذلك صحيحا إذا توافرت
стр. 1932
شروطه وينبغي أن يكون ذلك بواسطة المحكمة الشرعية في ممباسا حتى لا يتأتى لممثل طائفة البهرة اعتراض على النكاح، وإذا صدر النكاح على الوجه المذكور فإن أولادك يكونون أولادا شرعيين ليس لطائفة البهرة ولا غيرهم حق في إنكار ذلك. وإذا امتنع أقاربك من تزويجك على الكفء إرضاء لممثل طائفة البهرة فإن ولايتهم تبطل بذلك ويكون للقاضي الشرعي إجراء عقد القران لك على من خطبك من الأكفاء، لقول النبي ﷺ : «السلطان ولي من لا ولي له (١) » .
والقاضي هو نائب السلطان فيقوم مقامه في ذلك. والولي العاضل، حكمه حكم المعدوم.
هذا ونصيحتي لك ولأمثالك ترك الانتساب لمذهب البهرة أو غيره من مذاهب الشيعة لكونها مذاهب مخالفة للطريقة المحمدية الإسلامية من وجوه كثيرة فالواجب تركها والانتقال عنها إلى مذهب أهل السنة والجماعة السائرين على مقتضى الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان، وأسأل الله أن يهدي هذه الطائفة وغيرها من الطوائف المنحرفة عن طريق الصواب، وأن يأخذ بأيديهم إلى طريق الحق، وأن يوفقنا وإياك وسائر المسلمين لما فيه النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1933
توضيح عن فرقة الشيعة (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم. وفقه الله لكل خير آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فقد تلقيت كتابكم الكريم وفهمت ما تضمنه. وأفيدكم بأن الشيعة فرق كثيرة وكل فرقة لديها أنواع من البدع، وأخطرها فرقة الرافضة الخمينية الاثني عشرية لكثرة الدعاة إليها ولما فيها من الشرك الأكبر كالاستغاثة بأهل البيت واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ولا سيما الأئمة الاثني عشر حسب زعمهم ولكونهم يكفرون ويسبون غالب الصحابة كأبي بكر وعمر ﵄ نسأل الله السلامة مما هم عليه من الباطل.
وهذا لا يمنع دعوتهم إلى الله وإرشادهم إلى طريق الصواب وتحذيرهم مما وقعوا فيه من الباطل على ضوء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.
وأسأل الله لك ولإخوانك من أهل السنة المزيد من التوفيق لما يرضيه مع الإعانة على كل خير، وأوصيكم بالصبر والصدق والإخلاص والتثبت في الأمور والعناية بالحكمة والأسلوب الحسن في ميدان الدعوة والإكثار من تلاوة القرآن الكريم والتدبر في معانيه ومدارسته ومراجعة كتب أهل السنة فيما أشكل من ذلك كتفسير ابن جرير وابن كثير والبغوي، مع العناية بحفظ ما تيسر من السنة كبلوغ المرام للحافظ ابن حجر وعمدة الأحكام في الحديث للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ولا يخفى أنه يجب على الإنسان أن يسأل عما يشكل عليه في أمر دينه كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وإليكم برفقه بعض الكتب أسأل الله أن ينفعكم بما فيها وأن يعم بنفعكم إخوانكم المسلمين كما أسأله سبحانه أن يثبتنا وإياكم على الحق وأن يجعلنا جميعا من أنصار دينه وحماة شريعته والداعين إليه على بصيرة إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1934
ما حكم الخجل من الإنكار على أهل الغيبة والنميمة (١)
س: أنا فتاة أكره الغيبة والنميمة وأكون أحيانا في وسط جماعة يتحدثون عن أحوال الناس ويدخلون في الغيبة والنميمة وأنا في نفسي أكره هذا وأمقته، ولكوني شديدة الخجل فإنني لا أستطيع أن أنهاهم عن ذلك، وكذلك لا يوجد مكان حتى ابتعد عنهم، ويعلم الله أنني أتمنى أن يخوضوا في حديث غيره، فهل علي إثم في جلوسي معهم؟
وما الذي يتوجب فعله؟ وفقكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين. .
ج: عليك إثم في ذلك إلا أن تنكري المنكر فإن قبلوا منك فالحمد لله، وإلا وجب عليك مفارقتهم وعدم الجلوس معهم؛ لقول الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٤) » خرجه الإمام مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والله ولي التوفيق.
стр. 1935
إجبار الطالب العسكري على حلق لحيته (١)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعده يا محب كتابك الكريم المؤرخ في ٩\١٠\١٩٨٨ م وصل وصلك الله بهداه وما تضمنه من الإفادة بأنك قد التحقت بالكلية الأكاديمية العربية للنقل البحري في جمهورية مصر العربية وأن النظام لديها يجبر الطالب على حلق لحيته.
وطلبك النصيحة والتوجيه حول الموضوع. إلخ كان معلوما، وعليه نشكرك على حسن عنايتك وسؤالك عما يهمك من أمر دينك، ونسأل الله لنا ولك الفقه في دينه والثبات عليه. ونفيدك بأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين (٢) » متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٣) » ، وبناء على ذلك أوصيك بترك الكلية المذكورة والانتقال إلى غيرها إذا أجبرت على حلق لحيتك وسوف يجعل الله لك فرجا ومخرجا لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥)
وعليك أن تلتزم التقوى والتوبة من حلق لحيتك وألا تعود إلى ذلك ومن تاب تاب الله عليه، لقوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٦) ونوصيك أيضا بالالتحاق بإحدى الجامعات السعودية كالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أو جامعة الملك عبد العزيز في جدة أو جامعة أم القرى بمكة. أو غيرها من الجامعات والكليات الأخرى في المملكة.
стр. 1936
ونحن مستعدون لمساعدتك في ذلك إذا كتبت إلينا بذلك وأرفقت صورة من مؤهلاتك وتزكية من صاحب الفضيلة رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة الشيخ محمد علي عبد الرحيم.
هذا ونسأل الله لنا ولك وللمسلمين التوفيق لما يرضيه وحسن العاقبة وصلاح النية والعمل إنه سبحانه خير مسئول.
стр. 1937
حكم من يساوي لحيته
س: ما حكم من يساوي لحيته يجعلها متساوية مع بعضها البعض؟ .
ج: الواجب إعفاء اللحية وتوفيرها وإرخاؤها وعدم التعرض لها بشيء، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين (١) » متفق على صحته عن ابن عمر ﵄، وروى البخاري في صحيحه رحمة الله عليه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين (٢) » وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٣) » .
وهذه الأحاديث كلها تدل على وجوب إعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها وعلى وجوب قص الشوارب، هذا هو المشروع وهذا هو الواجب الذي أرشد إليه النبي ﵊ وأمر به.
وفي ذلك تأس به ﷺ وبأصحابه ﵃ ومخالفة للمشركين وابتعادا عن مشابهتهم وعن مشابهة النساء، وأما ما رواه الترمذي ﵀ عن النبي ﷺ «أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها (٤) » فهو خبر باطل عند أهل العلم لا يصح عن النبي ﷺ ، وقد تشبث به بعض الناس، وهو خبر لا يصح؛ لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متهم بالكذب.
فلا يجوز للمؤمن أن يتعلق بهذا الحديث الباطل ولا أن يترخص بما يقوله بعض أهل العلم فإن السنة حاكمة على الجميع والله يقول جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٦)
صحة الحديث «من رآني فقد رآني حقا (١) »
س: ما مدى صحة الحديث المروي عن رسول الله ﷺ والذي معناه «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي (٢) » والحديث الآخر الذي معناه: «من رآني فقد حرمت عليه النار» أرجو إفادتي حول هذين الحديثين. .
جـ: أما الحديث الأول وهو قوله ﷺ : «من رآني فقد رآني حقا (٣) » فهذا حديث صحيح وله ألفاظ منها قوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي (٤) » ومنها قوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل بي (٥) » في عدة ألفاظ وردت عنه ﵊، وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي ﷺ فمن رأى النبي في المنام فقد رأى الحقيقة، وقد رآه ﵊، إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم وهو ﵊ ربعة من الرجال حسن الصورة أبيض مشرب بحمرة كث اللحية سوداء وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊، فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊.
وأما الحديث الثاني: «من رآني فقد حرمت عليه النار» فهذا لا أصل له وليس بصحيح.
تم - ولله الحمد - الجزء الرابع
من مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز.
ويليه - إن شاء الله - الجزء الخامس في التوحيد وما يلحق به
стр. 1940
صفحة فارغة
стр. 1941
صفحة فارغة
стр. 1942
صفحة فارغة
стр. 1943
صفحة فارغة
стр. 1944
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيان حقيقة العبادة وتوحيدها للخالق سبحانه (١)
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله صفوته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله جل وعلا أوجب على عباده أن يعبدوه ويتقوه ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) فنبه سبحانه أنه خلق الثقلين الجن والإنس ليعبدوه وحده، وعبادته هي طاعة أوامره وترك نواهيه عن إيمان به سبحانه وإيمان برسله وعن إخلاص له في العبادة وعن إيمان بكل ما أخبرت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن هذه العبادة التي من أجلها خلق الثقلان أن يعظموا أوامره ونواهيه، وأن يصرفوا العبادة له سبحانه وحده دون كل ما سواه، وأن يطيعوا أوامره وأن ينتهوا عن نواهيه متبعين في ذلك ما دل عليه كتابه وجاءت به سنة نبيه ﵊، فقد أمر الله بذلك عباده في آيات كثيرات كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فبين سبحانه أنه خلقهم ليعبدوه ويتقوه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٥)
стр. 1945
أي وحدوه، كما قال ابن عباس وغيره: كل عبادة في القرآن فمعناها التوحيد، ثم أكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) أي تتقونه جل وعلا بفعل أوامره وترك نواهيه ، ثم بين سبحانه شيئا من الدلائل على استحقاقه للعبادة فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فهو سبحانه خالق الأرض وما فيها من جبال وأشجار وأنهار وبحار وحيوان وغير ذلك، وجعلها فراشا لعباده ليستعين بذلك عباده على أداء حقه فهو خلقهم ليعبدوه ويتقوه، وخلق لهم ما في الأرض من النعم وأنزل لهم المطر من السماء ليستعينوا بذلك على طاعته كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣) فالأرض مهاد، والسماء سقف محفوظ، وأنزل من السماء المطر وهو الماء الذي أخرج به سبحانه أنواع الثمرات وأنواع الخيرات رزقا للعباد ليستعينوا بذلك على أداء حقه وعلى ترك ما نهى عنه وعلى موالاة أوليائه وعلى معاداة أعدائه . وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤)
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٧) الآية
стр. 1946
وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه ربهم وإلههم ومعبودهم الحق جل وعلا، والدالة على أن المؤمنين به سبحانه هم أولى الناس بأن يعظموه ويتقوه وينقادوا لأمره وقد أنزل سبحانه الكتب على أيدي الرسل لبيان هذا الحق العظيم الذي من أجله خلقهم وأمرهم بالتقوى والعبادة، فأنزل الله الكتاب العظيم القرآن على محمد ﷺ بين فيه حقه على عباده وأوضح فيه تفاصيل ما شرع وأمر نبيه محمدا ﷺ ببيان ذلك والإرشاد إليه وتفصيل أحكامه كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فالله أنزل إليه الذكر وهو القرآن ليبين للناس ما أنزل إليهم ويشرح لهم ما قد يشكل عليهم، فقام ﵊ بالبيان والبلاغ أكمل قيام وأوضح للأمة دينها وشرح لها ما تحتاج إليه، فما من خير إلا دلها عليه، وما من شر إلا حذرها منه، كما صح عنه ﵊ أنه قال:
стр. 1947
«ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلم لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا بهذا الأمر ليدلوا الناس على خير ما يعلمون لهم، وينذروهم شر ما يعلمون لهم. ونبينا ﷺ هو أكمل الأنبياء رسالة، وأكملهم بلاغا، وأعظمهم نصحا، فقد بلغ وأرشد وحذر، ودل على كل خير، وحذر من كل شر ﵊ ومن ذلك أن الله سبحانه أمر عباده بالاتحاد والتعاون على البر والتقوى وأن يكونوا جسدا واحدا وبناء واحدا ضد أعدائه، وأن يتميزوا عن عدو الله الذي لم ينقد لأمره، ولم يعظم أوامره ونواهيه، ولم يخصه بالعبادة ، حتى يتميز حزب الله من حزب عدوه الشيطان، وحتى يتميز أولياؤه عن أولياء عدوه الشيطان وحتى يتميز المطيعون له سبحانه المتبعون لشرعه المنقادون لأمره والواقفون عند حدوده عن أعدائه الذين خالفوا أمره وتولوا أعداءه وتعدوا حدوده ولم ينقادوا لما جاء به الرسل، فقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) هكذا وصف سبحانه عباده المؤمنين الذين امتثلوا أمره وحققوا عبادته التي خلقوا لها فقال عنهم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) بينهم المحبة والموالاة والنصح فيما بينهم ليسوا أعداءه ولكنهم أولياؤه كل واحد يحب لأخيه الخير ويكره له الشر وينصحه ويدعوه إلى الخير ويعينه على البر والتقوى ولا يغتابه ولا ينم عليه ولا يكذب عليه ولا يشهد عليه بالزور ولا يخونه في المعاملة ولا يغشه في ذلك بل هو وليه وحبيبه والناصح
стр. 1948
له هكذا المؤمنون والمؤمنات بالله وصفهم سبحانه بأنهم أولياء، فالمؤمن ولي أخيه والمؤمنة ولية أختها في الله والمؤمنون والمؤمنات فيما بينهم جميعا أولياء، رجالا ونساء كلهم أولياء، وهذا يميزهم عن أعدائهم أعظم تمييز لتمسكهم بدينهم وتناصحهم في ذلك وكمال قيامهم بحق مولاهم كما مدحهم سبحانه في آية أخرى من سورة الأحزاب فقال سبحانه ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)
هكذا يصف سبحانه أولياءه من الرجال والنساء بصفات عظيمة وأخلاق كريمة، ويخبر سبحانه أنه أعد لهم مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما منه بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار لإسلامهم وإيمانهم وتقواهم وقيامهم بحقه بخلاف أعدائه سبحانه فقد قال فيهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٤) فأعداؤه بعضهم من بعض وبعضهم أولياء بعض في الباطل والفساد أما
стр. 1949
أولياؤه فهم ممتازون عن أعدائه ومنحازون عنهم وهم فيما بينهم أولياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يمنعهم من ذلك قرابة ولا صداقة ولا حظ عاجل، ولا يحملهم ما بينهم من المحبة والولاية أن يسكتوا عن المنكر أو الأمر بالمعروف؛ لأن مقتضى هذه الولاية أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
وهكذا النصح لله ولعباده حتى يصلح مجتمعهم وتستقيم أحوالهم وحتى يتميزوا عن أعدائهم، والمعروف ما أمر به الله ورسوله، والمنكر ما نهى عنه الله ورسوله، فالمؤمنون والمؤمنات فيما بينهم هكذا شأنهم متناصحون متحابون في الله يوالي بعضهم بعضا وينصح بعضهم بعضا ويحب كل واحد لأخيه الخير ويكره له الشر، ومع ذلك هم أيضا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فالولاية شأنها عظيم.
ومن جملة ما توجبه الموالاة في الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يرضى من أخيه أن يعمل ما يغضب الله سبحانه عليه ويجره إلى دخوله النار بل يحب له كل خير ويكره له كل شر ويأمر بما يرضي الله ويقربه إليه وينهاه عما يغضب الله عليه ويجره إلى سوء المصير.
ومن صفات المؤمنين والمؤمنات العظيمة أنهم يقيمون الصلاة كما شرع الله يحافظون عليها ويدعون إليها ويؤدونها كما أمر الله عن صدق وإخلاص وعن طمأنينة وخشوع ومداومة عليها وأداء حقها، ليسوا كالمنافقين لا يؤدونها إلا رياء أو لغرض دنيوي. أما المؤمنون والمؤمنات فهم يؤدونها لله يرجون ثوابه ويخشون عقابه ويقيمونها كما أمرهم سبحانه، وهكذا أداؤهم للزكاة كما أمر الله، ويعلمون أن ذلك حق عليهم وأن ذلك من نعم الله عليهم وقد أحسن إليهم ووسع عليهم وأعطاهم المال وأوجب عليهم الشيء اليسير شكرا له سبحانه ومواساة لإخوانهم ثم قال بعد ذلك ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) وهذا تمام الإيمان وكمال الاتباع طاعة الله ورسوله في كل شيء فإن المعاصي تنقص الإيمان وتضعفه، فأهل الإيمان الكامل يطيعون الله ورسوله في كل شيء ويبتعدون عن معصية الله ورسوله في كل شيء، وذلك
стр. 1950
من كمال إيمانهم وتقواهم لله ، ومتى زلت القدم وجاءت الغفلة وحصل ما حصل مما يحصل من الإنسان من بعض الزلات بادروا بالتوبة والإصلاح، وكل فرد من المؤمنين والمؤمنات ليس معصوما ما عدا الرسل عليهم الصلاة والسلام، فمتى زلت قدم الإنسان فحصل منه هفوة وزلة من المعاصي بادر بالتوبة والإصلاح بادر بالإنابة إلى الله حتى تزول تلك الهفوة وحتى يزول ذلك الضعف وحتى يعود إلى كمال إيمانه وكمال تقواه لله .
فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وبذكر الله وينقص بالمعاصي والغفلة عن ذكر الله. ومن كمال أولياء الله المؤمنين ومقتضى إيمانهم الموالاة في الله والمعاداة في الله، وهم يتحرزون غاية التحرز من الاختلاط بأعداء الله ويحذرون مغبة ذلك، فإن الاختلاط بأعداء الله وهم الكفار من اليهود والنصارى والشيوعيين والوثنيين وسائر المعتقدات وغيرهم من سائر فرق الكفر خطير جدا وقد حصل بسبب ذلك بلاء عظيم وشر مستطير في العصور المتأخرة على المسلمين إلا من عصمهم الله ورحمهم فسلمهم من شرهم بسبب إيمانهم وتقواهم، وحذرهم من موالاة أعداء الله والركون إليهم فالخلطة تجر شرا كثيرا وفسادا عظيما وخاصة عند قلة العلم وقلة الغيرة وضعف الإيمان وكثرة المغريات وقلة الناصحين والموجهين فإن المخالط في الغالب يجره عدو الله إلى ما يحصل به له سخط الله وبعده عن أسباب رحمته وإيقاعه له فيما يبعده من دينه؛ فتارة بتزيين الشرك له والكفر بالله حتى يسلخه من دينه، وتارة بتزيين المعاصي والمخالفات حتى يقع فيما ينقص دينه ويضعف إيمانه.
والمعاصي كما قال أهل العلم بريد الكفر ووسيلة لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك فأعداء الله لا يفترون عن أسباب تزيين الباطل لأهل الإيمان ودعوتهم إليه وتشكيكهم في دينهم وإدخال الشبهة عليهم حتى يتزعزع إيمانهم وإسلامهم ويبقوا حيارى أو ينتقلوا من
стр. 1951
دين الحق إلى دين الباطل كما قال في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣)
والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومن ذلك قول الله جل وعلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) يعني بالإقامة بين المشركين ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (٥) أي قالت لهم الملائكة. . . ﴿فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٦) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٧) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٨)
فبين في هذه الآية العظيمة خطر المشاركة والإقامة بين المشركين والمخالطة لهم وأن المخالطة تؤدي إلى خطر عظيم، وهذه نزلت في قوم من المسلمين كانوا بمكة فخرجوا مع أعداء الله في بدر وقتل منهم من قتل مع المشركين، والمشهور أنهم كانوا مكرهين ولو خرجوا مقاتلين طائعين كانوا مرتدتين ولكن بسبب
стр. 1952
إقامتهم بين المشركين اجترءوا عليهم وساقوهم إلى ما ساقوهم إليه من المشاركة في قتال المسلمين.
وقال بعض السلف: إنهم كفروا بذلك لأنهم ظاهروا المشركين وساعدوهم فصاروا بذلك مثلهم؛ لأن من ظاهر المشركين وساعدهم على المسلمين صار مرتدا عن دينه لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) فهم بين أمرين: من كان مواليا لهم مساعدا لهم موافقا لهم على قتال أولياء الله كفر، ومن كان مكرها لم يرض بذلك وإنما أكره عليه فقد أساء بإقامته بينهم وعدم بداره بالهجرة فكانت إقامته وسيلة وذريعة إلى أن خرج مقاتلا ومساعدا لأعداء الله، وبهذا يتبين خطر الإقامة بين المشركين والمخالطة لأعداء الله، فهو إن ساعدهم وظاهرهم على المسلمين ارتد عن دينه وكفر بذلك، وإن سلم من ذلك صارت إقامته وسيلة إلى أن يوافقهم في بعض الباطل أو على ترك بعض الحق، وربما خرج عن دينه بتشكيكهم له ودعوتهم له إلى الباطل وأنواع الكفر، فوجب على المسلم أن يحذر المخالطة لأعداء الله ويتميز عنهم ويبتعد عن مكائدهم حذرا من شرهم، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية قال ما نصه: " كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع " انتهى كلام الحافظ ﵀.
لأن المخالطة لهم والإقامة بينهم من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة في حق من لا يظهر دينه، ولهذا قال الحافظ ﵀: ارتكب محرما بالإجماع؛ لأن بقاءه بينهم وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من كفره بالله وموافقته
стр. 1953
لهم على باطلهم. وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي أن النبي ﷺ قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (١) » وما ذلك إلا لأن إقامته بينهم وسيلة إلى كفره بالله أو إلى نقص دينه وضعف قيامه بحق مولاه .
وخرج النسائي ﵀ بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال «لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين (٢) » والمعنى: حتى يفارق المشركين.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، لكن من رزق الإيمان والعلم والبصيرة وخالطهم للدعوة إلى الله وبيان الحق والإرشاد إليه وإنكار الباطل فهذا لا شيء عليه لإظهاره دينه بدعوته لهم إلى الحق والهدى كما دعا الرسل وأولياء الله صنوف الكفار إلى الحق والهدى، فإذا خالطهم لهذا الأمر عن علم وعن بصيرة وعن قصد لإنقاذهم من الباطل وإخراجهم من الظلمات إلى النور فهذا له أجر عظيم لأنه دعا إلى الله وأظهر دينه وتميز عن أعداء الله بانضمامه إلى أولياء الله ودعوته إلى حزب الله واتباع رسوله ﷺ ، فالدعاة إلى الله الذين تأهلوا لذلك وحصلوا من العلم على ما يعينهم على ذلك وتميزوا عن أعداء الله بإظهار الحق والدعوة إليه لهم أجر عظيم؛ لأنهم إنما خالطوهم للدعوة إلى الله وبيان الحق لهم، فهولاء على خير عظيم وعلى هدى من الله كما فعلت الرسل ومن نصرهم من أولياء الله.
وأما من خالطهم من غير علم ولا توجيه فهو على خطر عظيم من وجوه كثيرة:
خطر من جهة ولايتهم عليه، وخطر من جهة عدم إنكاره الباطل عليهم وخطر من جهة قلة علمه، فقد يظل بسبب ما يلقون عليه من الشبه التي تحيره في دينه أو تسلخه من دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب على كل مسلم
стр. 1954
أن يحذر خلطتهم والتساهل في القرب منهم وأكثر من ذلك وأكبر أن يسافر إلى بلادهم فإن السفر إلى بلادهم مع قلة العلم وقلة البصيرة فيه ضرر كبير وخطر عظيم فإن الشرك بالله بينهم ظاهر والمعاصي بينهم ظاهرة من الزنا وشرب الخمور وغير ذلك، فالسفر إلى بلادهم ولا سيما مع قلة العلم وقلة الرقيب من أعظم الأسباب في الوقوع في الباطل واتباع ما يدعو إليه الشيطان من الشبهات الباطلة والشهوات المحرمة.
وقد سافر كثير إليهم من أجل الدراسة أو السياحة أو العمل أو غير ذلك فرجعوا بشر عظيم وانحراف شديد وربما رجع بعضهم بغير دينه إلا من سلمه الله ورحمه وهم القليل، فالواجب على المسلمين أن يكون عندهم نفور من أعداء الله وحذر من مكائدهم أينما كانوا وأن لا يقربوهم إلا دعاة إلى الحق وموجهين إلى الخير وناصحين حتى يتميز هؤلاء عن هؤلاء وحتى يحذر المؤمن شرهم وشبههم وما يدعون إليه من الباطل، وقد كان الصحابة ﵃ في مكة مع ضعفهم وخوفهم ومع أذى الكفار لهم يقومون بهذا الأمر ويدعون إلى الله ويوجهون إليه، ومنهم من خاف واستتر بإيمانه حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا.
ولا يخفى ما قد حصل في هذا العصر من الاختلاط الكثير، فالواجب على المؤمن أن يهتم بهذا الأمر وأن يحذر ما وقع فيه كثير من الناس من مخالطة أعداء الله والأنس بهم، وأن تكون المخالطة للبيان والإيضاح والدعوة إلى الحق والتوجيه والنصح لا للمودة والصداقة والتساهل بأمر الله ، فإن هذا فيه شر عظيم وعواقب وخيمة والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعداءه، وأن يوفق المسلمين في كل مكان للفقه في دين الله والاستقامة عليه وموالاة أوليائه ومعادات أعدائه وأن يوفق قادة المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه
стр. 1955
وصلاحهم وصلاح شعوبهم وأن ينصر بهم الحق وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله والدعوة إليها والحذر مما يخالفها، وأن يوفق ولاة أمرنا وأن يعينهم على ما فيه رضاه وأن يصلح لهم البطانة وينصر بهم الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
стр. 1956
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من جوابي لفضيلة الشيخ: أبي الأعلى المودودي
فيما يتعلق بالفرق بين العبادة والطاعة
كان أبو الأعلى المودودي قد بعث إلي برسالة رقمها ١٥٢٦ وتاريخ ٢\٤\١٣٩٢ هـ شرح فيها حاله وحال الأستاذ طفيل الذي خلف فضيلته في إمرة الجماعة الإسلامية، وقد أجبته برسالة عندما كنت رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في نفس العام. . ومنها:
قال لي بعض الإخوان المقيمين في البلاد من أهل مليبار عن فضيلتكم إنكم ترون أن العبادة تفسر بالطاعة وأن كل من أطاع أحدا فقد عبده، كما تفسر بالرق والتأله. وكتب إلي الشيخ عمر بن أحمد المليباري، أي صاحب مجلة السلسبيل في هذا الموضوع جازما بما ذكر عن فضيلتكم وعن الجماعة وأرسل إلي نسخة من استفتاء تعميمي في هذه المسألة أرسل إليكم نسخة منه.
وقد استغربت هذا الأمر وعزمت على الكتابة إليكم فيه من قبل مجيء كتابكم المجاب للاستفسار منكم عن صحة ما نسب إليكم. وبهذه المناسبة فإني أرجو من فضيلتكم الإفادة عما لديكم في هذا الموضوع، والذي يظهر لأخيكم أن الطاعة أوسع من العبادة، فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمى طاعة وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمى عبادة، بل في ذلك تفصيل؛ أما بالنسبة إلى الله سبحانه فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه، لكن قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة على حسب اشتمالها على الشروط المرعية في العبادة وتخلف بعض الشروط عنها.
فأرجو من فضيلتكم الإفادة المفصلة عما ترونه في هذه المسألة ومما يزيد الأمر وضوحا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك
стр. 1957
يستحق أن تنفي عنه العبادة. كما قال الله سبحانه في حق المشركين ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (١) فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد وبالحج والعمرة وبالصدقات في بعض الأحيان ونحو ذلك.
ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء وعدم الإيمان بالآخرة إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها. ومما يزيد الأمر بيانا أيضا أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله لا يسمى عابدا لهم إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله وإنما أطاعهم خوفا من شرهم أو اتباعا للهوى، وهو يعلم أنه عاص لله في ذلك فإن مثل هذا يعتبر عاصيا بهذه الطاعة ولا يعتبر مشركا إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية، كما لو أطاعهم في ضرب أحد بغير حق أو قتل أحد بغير حق أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك، والأمثلة في هذا الباب كثيرة، وما أظن هذا الأمر يخفى على من دونكم من أهل العلم، لكن لما كان هذا الأمر قد أشاعه عنكم من أشاعه، وجب علي أن أسألكم عنه وأطلب من فضيلتكم تفصيل القول فيه حتى ننفي عنكم ما يجب نفيه، وندافع عنكم على بصيرة ونوضح الحق لطالبه فيما يتعلق بالجماعة الإسلامية
وإن كان ما نسب عنكم هو كما نسب تذاكرنا فيه وبحثناه من جميع وجوهه وناقشنا مواضيع الإشكال بالأدلة، والحق هو ضالة الجميع.
فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يجعل الحق ضالتنا أينما كنا إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنني أحمد الله على ما يسره من هذا اللقاء من إخوة في الله كرام وأبناء أعزاء في سبيل التعاون على البر والتقوى والتناصح في الحق والدعوة إلى الخير، وأسأله أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل الأعداء.
ثم أشكر القائمين على هذه المؤسسة وعلى رأسهم سمو الأمير محمد بن فهد بن فيصل آل سعود على هذه الدعوة وأسأل الله أن يجعل دعوته إلى هذا اللقاء مباركة كما أسأله سبحانه أن يبارك في جهود الجميع وأن يصلح أعمالهم وأقوالهم وأن يمنحهم الفقه في الدين والصدق والصبر والمصابرة والاستقامة على الحق وأن ينفع بجهودهم وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح المسلمين وسعادتهم في العاجل والآجل إنه خير مسئول.
أيها الإخوة في الله: أيها الأبناء الكرام: إن الله قد بين في كتابه العظيم صفات المسلمين وأخلاق المؤمنين في مواضع كثيرة وحث عليها ورغب
стр. 1960
فيها وأمر بها في مواضع وأثنى على أهلها في مواضع ووعدهم على ذلك الخير الكثير والعاقبة الحميدة والفوز بالجنة والكرامة.
ومن ذلك قوله تعالى في آخر سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٢) الآيات.
هذه الآيات العظيمات كان نبينا محمد ﷺ يقرؤها إذا أستيقظ من نومه ﵊ إلى آخر السورة ويمسح النوم عن وجهه بعدها، ويرتل هذه الآيات ويرفع بصره إلى السماء وهو يقرأ هذه الآيات ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣) والآيات بعدها. وأولوا الألباب هم أولوا العقول الصحيحة، والألباب جمع لب وهو العقل الصحيح النير وهم لصلاح عقولهم وسلامتها وصحتها وصفهم الله بهذه الصفات، وهي أنهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى وجنوبهم ويتفكرون في هذه الآيات التي أوجدها سبحانه.
ومنها خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، فإن آيات الله كثيرة ومن جملتها خلق هذه السماوات في ارتفاعها وسعتها وخلق هذه الأرض في انبساطها وسعتها واستقرارها وما فيهما من الآيات العظيمات الكثيرات.
وهكذا اختلاف الليل والنهار من جملة آياته العظيمة ، فلذا أخبر أن في ذلك آيات لأولي الألباب، ثم ذكر بعض أعمالهم من ذكر الله قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم بالقلب واللسان والعمل، فيذكرون الله في قلوبهم محبة وتعظيما وخوفا ورجاء وخشية له سبحانه، وبألسنتهم بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والقراءة والدعاء والاستغفار وغير ذلك.
ومن أعمالهم الصلاة ليلا ونهارا والتهجد بالليل والصدقات والأمر
стр. 1961
بالمعروف والنهي عن المنكر وغير هذا من أعمالهم الصالحة.
ثم ذكر أنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض وما فيها من العجائب والغرائب والآيات العظيمة قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (١) بل لحكمة عظيمة وغايات حميدة ثم يقولون ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) فأقروا أن الله سبحانه خلق هذا لحكمة أرادها وليس ذلك باطلا ولا عبثا، ثم سألوه أن يقيهم عذاب النار ونزهوه عما لا يليق به .
وقال جل وعلا في آيات أخرى من أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٥) هذه من صفات أهل الإيمان الكمل الخلص. وفي آيات أخرى في سورة التوبة يقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) وهذه صفات المؤمنين الصادقين من جنود الإسلام وغيرهم.
فالمؤمنون والمؤمنات حقا هذه صفاتهم وهذه أخلاقهم فالواجب على جنود الإسلام أن يهتموا بهذه الصفات ويتخلقوا بها لأنهم قدوة لغيرهم ولأنها من أعظم أسباب النصر على الأعداء ولأنهم معدون للجهاد في سبيل الله والرباط في ثغور البلاد فهم أولى الناس بأن يتخلقوا بهذه الصفات ويستقيموا عليها.
стр. 1962
وبذلك يحققون نسبتهم إلى الإسلام على خير وجه.
والإسلام هو دين الله الذي بعث به جميع الرسل كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) سمى دينه إسلاما لما فيه من الاستسلام لله والخضوع لأمره ونهيه والالتزام بطاعته والوقوف عند حدوده.
يقال في اللغة العربية: أسلم فلان لفلان إذا انقاد له، وأسلم العبد لله إذا انقاد لأمره وخضع لطاعته، فالإسلام خضوع لله وانقياد لأوامره وترك لنواهيه ووقوف عند حدوده .
وسمي إيمانا؛ لأن المسلم يفعل ذلك عن إيمانه بالله ورسوله لا عن رياء ولا عن سمعة ولا عن نفاق ولكنه يخضع لله ويسلم لله وينقاد لأوامره سبحانه ويقف عند حدوده عن إيمان وتصديق وطمأنينة، وعلم فيعلم أن الله واحد لا شريك له وهو رب السماوات والأرض وهو الخلاق العليم وهو مخلص لله معظم لحرمات الله مؤمن به سبحانه ربا وإلها وخالقا ورازقا ومعبودا بالحق كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٤) » .
فديننا يسمى إسلاما لما فيه من الانقياد لله والإخلاص له والذل له
стр. 1963
والتعظيم، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه من التصديق بأخبار الله ووحدانيته وأنه الإله الحق وأنه المستحق للعبادة دون كل ما سواه مع الإيمان بما أمر به ونهى عنه وما شرع لعباده وما أباح لهم وما حرم عليهم، كل ذلك داخل في مسمى الإيمان وفي مسمى الإسلام، فيسمى إسلاما للانقياد لله وطاعة أوامره والوقوف عند حدوده، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه قلب المؤمن من التصديق المتضمن الانقياد للعمل الصالح والقول السديد.
ولهذا لما سأل جبرائيل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلا (١) » ثم قال عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٢) » فذكر له أصول الإيمان التي ينبثق منها الإسلام والدين، وذكر له أصول الإسلام الظاهرة التي بني عليها وهي أركانه الخمسة المذكورة آنفا.
فالإسلام أركانه الظاهرة هذه الخمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وهذه أركانه الظاهرة.
أما أركانه الباطنة فهي أصول الإيمان الستة التي ينبني عليها الإسلام في الباطن، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره "؛ فلا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له، فلا بد من هذا وهذا.
لا بد من الإيمان الذي ينبثق عنه الإسلام والانقياد لله وأداء حقه، ولا بد من الإسلام الذي هو تصديق بالأعمال ويدل على الإيمان المستقر في القلب ويشهد له بالصحة حتى يخرج بذلك عن صفات المنافقين وأعمال المنافقين الذين يقولون بالأفواه ما ليس في القلوب ويعملون بالظواهر خلاف ما في القلوب، كما قال عنهم سبحانه في كتابه العظيم في سورة النساء ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٤)
стр. 1964
فليس لهم ثبات بل هم مذبذبون حائرون تارة مع المؤمنين وتارة مع الكافرين والعياذ بالله.
وقال عنهم جل وعلا في أول سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) والمعنى: أنهم يقولون باللسان ويعملون في الظاهر ما ليس في القلوب فصاروا كاذبين. وقرئ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) من التكذيب لأنهم يقرون في الظاهر بشعائر الإسلام ولكنهم في الباطن لا يقرون بذلك بل يكذبون الرسول ﵊ ويكذبون ما جاء به، فلهذا أخبر الله عنهم أنهم تحت الكفار في النار يوم القيامة، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٥) فأهل الإيمان الصادق والإسلام الصادق هم المؤمنون حقا وهم الذين جمعوا بين الخضوع لله والذل له سبحانه والإسلام له والجهاد في سبيله والإخلاص له مع الإيمان الصادق في القلوب الذي ينتج عنه ويتفرع عنه الأقوال الصادقة والأعمال الصالحة وأعمال القلوب من خوف ورجاء وإخلاص ومحبة وشوق إلى الله وإلى جنته وحذرا من عقابه .
فالمؤمن الصادق هو المذكور في قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦) وفي قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٧) والآية بعدها.
стр. 1965
فجدير بنا أيها الإخوة أن نحقق هذه الصفات العظيمة وأن نتخلق بها وعلى رأسها الإخلاص لله، فإن شهادة أن لا إله إلا الله توجب إخلاص العبادة لله وحده، وصرف العبادة له وحده دون كل ما سواه، وأن يكون القلب معمورا بمحبته والإخلاص له والشوق إليه والأنس بمناجاته والذكر له تعالى كما قال ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) وقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٥)
هذا الإخلاص أساس كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي وتثبت، تنفي العبادة وهي الألوهية عن غير الله وتثبتها له وحده دون ما سواه فلا يستقيم دين ولا يصح ولا يثبت ولا يسمى المرء مسلما ولا مؤمنا إلا بالإخلاص لله وتخصيصه بالعبادة ثم بالإيمان برسول الله ﷺ والشهادة بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهذه الشهادة لا بد لها من ثمرة ونتيجة، وهي متابعة شرعه والاستقامة على دينه والوقوف عند حدوده التي جاء بها ﵊.
وهاتان