← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

بالمعروف والنهي عن المنكر وغير هذا من أعمالهم الصالحة. ثم ذكر أنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض وما فيها من العجائب والغرائب والآيات العظيمة قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (١) بل لحكمة عظيمة وغايات حميدة ثم يقولون ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) فأقروا أن الله سبحانه خلق هذا لحكمة أرادها وليس ذلك باطلا ولا عبثا، ثم سألوه أن يقيهم عذاب النار ونزهوه عما لا يليق به . وقال جل وعلا في آيات أخرى من أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٥) هذه من صفات أهل الإيمان الكمل الخلص. وفي آيات أخرى في سورة التوبة يقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) وهذه صفات المؤمنين الصادقين من جنود الإسلام وغيرهم. فالمؤمنون والمؤمنات حقا هذه صفاتهم وهذه أخلاقهم فالواجب على جنود الإسلام أن يهتموا بهذه الصفات ويتخلقوا بها لأنهم قدوة لغيرهم ولأنها من أعظم أسباب النصر على الأعداء ولأنهم معدون للجهاد في سبيل الله والرباط في ثغور البلاد فهم أولى الناس بأن يتخلقوا بهذه الصفات ويستقيموا عليها.

стр. 1962

وبذلك يحققون نسبتهم إلى الإسلام على خير وجه. والإسلام هو دين الله الذي بعث به جميع الرسل كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) سمى دينه إسلاما لما فيه من الاستسلام لله والخضوع لأمره ونهيه والالتزام بطاعته والوقوف عند حدوده. يقال في اللغة العربية: أسلم فلان لفلان إذا انقاد له، وأسلم العبد لله إذا انقاد لأمره وخضع لطاعته، فالإسلام خضوع لله وانقياد لأوامره وترك لنواهيه ووقوف عند حدوده . وسمي إيمانا؛ لأن المسلم يفعل ذلك عن إيمانه بالله ورسوله لا عن رياء ولا عن سمعة ولا عن نفاق ولكنه يخضع لله ويسلم لله وينقاد لأوامره سبحانه ويقف عند حدوده عن إيمان وتصديق وطمأنينة، وعلم فيعلم أن الله واحد لا شريك له وهو رب السماوات والأرض وهو الخلاق العليم وهو مخلص لله معظم لحرمات الله مؤمن به سبحانه ربا وإلها وخالقا ورازقا ومعبودا بالحق كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٤) » . فديننا يسمى إسلاما لما فيه من الانقياد لله والإخلاص له والذل له

стр. 1963

والتعظيم، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه من التصديق بأخبار الله ووحدانيته وأنه الإله الحق وأنه المستحق للعبادة دون كل ما سواه مع الإيمان بما أمر به ونهى عنه وما شرع لعباده وما أباح لهم وما حرم عليهم، كل ذلك داخل في مسمى الإيمان وفي مسمى الإسلام، فيسمى إسلاما للانقياد لله وطاعة أوامره والوقوف عند حدوده، ويسمى إيمانا لما يشتمل عليه قلب المؤمن من التصديق المتضمن الانقياد للعمل الصالح والقول السديد. ولهذا لما سأل جبرائيل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلا (١) » ثم قال عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٢) » فذكر له أصول الإيمان التي ينبثق منها الإسلام والدين، وذكر له أصول الإسلام الظاهرة التي بني عليها وهي أركانه الخمسة المذكورة آنفا. فالإسلام أركانه الظاهرة هذه الخمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وهذه أركانه الظاهرة. أما أركانه الباطنة فهي أصول الإيمان الستة التي ينبني عليها الإسلام في الباطن، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره "؛ فلا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له، فلا بد من هذا وهذا. لا بد من الإيمان الذي ينبثق عنه الإسلام والانقياد لله وأداء حقه، ولا بد من الإسلام الذي هو تصديق بالأعمال ويدل على الإيمان المستقر في القلب ويشهد له بالصحة حتى يخرج بذلك عن صفات المنافقين وأعمال المنافقين الذين يقولون بالأفواه ما ليس في القلوب ويعملون بالظواهر خلاف ما في القلوب، كما قال عنهم سبحانه في كتابه العظيم في سورة النساء ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٤)

стр. 1964

فليس لهم ثبات بل هم مذبذبون حائرون تارة مع المؤمنين وتارة مع الكافرين والعياذ بالله. وقال عنهم جل وعلا في أول سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣) والمعنى: أنهم يقولون باللسان ويعملون في الظاهر ما ليس في القلوب فصاروا كاذبين. وقرئ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤) من التكذيب لأنهم يقرون في الظاهر بشعائر الإسلام ولكنهم في الباطن لا يقرون بذلك بل يكذبون الرسول ﵊ ويكذبون ما جاء به، فلهذا أخبر الله عنهم أنهم تحت الكفار في النار يوم القيامة، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٥) فأهل الإيمان الصادق والإسلام الصادق هم المؤمنون حقا وهم الذين جمعوا بين الخضوع لله والذل له سبحانه والإسلام له والجهاد في سبيله والإخلاص له مع الإيمان الصادق في القلوب الذي ينتج عنه ويتفرع عنه الأقوال الصادقة والأعمال الصالحة وأعمال القلوب من خوف ورجاء وإخلاص ومحبة وشوق إلى الله وإلى جنته وحذرا من عقابه . فالمؤمن الصادق هو المذكور في قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦) وفي قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٧) والآية بعدها.

стр. 1965

فجدير بنا أيها الإخوة أن نحقق هذه الصفات العظيمة وأن نتخلق بها وعلى رأسها الإخلاص لله، فإن شهادة أن لا إله إلا الله توجب إخلاص العبادة لله وحده، وصرف العبادة له وحده دون كل ما سواه، وأن يكون القلب معمورا بمحبته والإخلاص له والشوق إليه والأنس بمناجاته والذكر له تعالى كما قال ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) وقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٥) هذا الإخلاص أساس كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي وتثبت، تنفي العبادة وهي الألوهية عن غير الله وتثبتها له وحده دون ما سواه فلا يستقيم دين ولا يصح ولا يثبت ولا يسمى المرء مسلما ولا مؤمنا إلا بالإخلاص لله وتخصيصه بالعبادة ثم بالإيمان برسول الله ﷺ والشهادة بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهذه الشهادة لا بد لها من ثمرة ونتيجة، وهي متابعة شرعه والاستقامة على دينه والوقوف عند حدوده التي جاء بها ﵊. وهاتان

стр. 1966

الشهادتان هما أصل الدين وهما أساس الملة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ومتى صدق فيهما العبد وأدى حقهما فإنه يؤدي ما أوجب الله من الأقوال والأعمال وينتهي عما حرم الله من القول والعمل ويقف عند حدود الله ومتى فرط في شيء من ذلك صار نقصا في إيمانه وتوحيده وضعفا في إيمانه وتوحيده، فعلم من ذلك أن هاتين الشهادتين لهما حقوق وهي أداء فرائض الله، وترك محارم الله، والوقوف عند حدود الله كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (١) » ، وقد احتج أبو بكر ﵁ بهذا الحديث على قتال مانعي الزكاة، وقال: (إن الزكاة من حق لا إله إلا الله) ، فسلم له الصحابة ﵃ وتابعوه في جهادهم. وفي آية براءة بيان تلك الحقوق وهي قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) وهؤلاء المؤمنون والمؤمنات هم المصدقون بالله والموحدون له الذين أقروا له بالتوحيد والإخلاص له وحده وصدقوا رسوله ﷺ بعضهم أولياء بعض، فهم فيما بينهم أولياء متحابون في الله متناصحون فيه متواصون بالحق والصبر عليه متعاونون على البر والتقوى. فهذه أوصاف المؤمنين والمؤمنات وهذه أخلاقهم العظيمة لا غل ولا حقد ولا حسد ولا غش ولا خيانة ولا شهادة بالزور ولا كذب فيما بينهم، لا يحسد بعضهم بعضا ولا يغش بعضهم بعضا ولا يشهدون بالزور ولا يظلمون أحدا ولا يخذلون أخاهم في الله ولا يخونون الأمانة بل هم إخوة في الله

стр. 1967

صادقون. هكذا المؤمنون. والمؤمنات الذين عمرت قلوبهم بالإيمان واستقر حب الله في قلوبهم. فإذا رأيت من نفسك خيانة لأخيك أو رأت المرأة المؤمنة في نفسها خيانة لأختها في الله أو لأخيها في الله فذلك نقص في الإيمان، ومن ضعف الإيمان ومن ضعف الإخلاص لله ، إذ لو كان الإيمان كاملا لما وقع هذا النقص الذي هو خيانة أو ظلم أو غير ذلك مما حرم الله ، فالحسد والخيانة والغش في المعاملة والشهادة بالزور والظلم للعباد كل ذلك نقص في الإيمان وضعف في الإخلاص والإسلام. وهكذا ما سوى ذلك من سائر المعاصي، وقد يفضي ذلك إلى زوال الإيمان بالكلية كترك الصلاة فإنها كفر أكبر وردة عن الإسلام وإن لم يجحد التارك وجوبها في أصح قولي العلماء، وأما في جحد وجوبها فإنه يكفر بالإجماع من العلماء. وهكذا لو جحد وجوب الزكاة أو جحد وجوب صيام رمضان أو جحد وجوب الحج إلى بيت الله الحرام مع الاستطاعة أو جحد مشروعية الجهاد في سبيل الله أو جحد شيئا من الأمور الظاهرة الإسلامية المعلومة من الدين بالضرورة فإنه يكون بذلك كافرا ومرتدا بإجماع المسلمين. وهكذا لو جحد بعض ما حرم الله من المحرمات المعروفة من الدين بالضرورة؛ كأن يقول إن الزنا حلال أو الخمر حلال أو عقوق الوالدين حلال أو الربا حلال فإن هذا وأمثاله كفر وردة عن الإسلام والعياذ بالله من ذلك. وبذلك يعلم أن المعاصي والمخالفات منها ما يزيل الإيمان بالكلية ويكون صاحبها مرتدا مفارقا للإسلام كما سمعتم في الأمثلة؛ وقد بين ذلك أهل العلم في كل مذهب من المذاهب الأربعة وعقدوا لذلك بابا خاصا سموه باب حكم المرتد وهو باب عظيم تنبغي مراجعته والعناية به. ومنها ما يضعف الإيمان ويجعل

стр. 1968

صاحبه ناقص الإيمان كتعاطي بعض المحرمات من المسكر وعقوق الوالدين أو أحدهما وتعاطي الربا أو الغيبة والنميمة أو الحسد والبغي والظلم من دون استحلال لذلك. فكل ذلك نقص في الإيمان وضعف في الدين. والإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. والضعف يختلف فيعظم بكثرة المعاصي ويقل بقلتها. ومن ذلك تعاطي ما حرم الله من الإسبال في الملابس وحلق اللحية، وغير ذلك مما حرم الله وكثير من الناس يتهاون بهذه الأمور ولا يبالي بملابسه ولا بلحيته بل يحلقها أو يقصها ويسبل ثيابه وكل ذلك من المنكرات التي تضعف الإيمان وتنقص الدين كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين (١) » متفق على صحته، وقال ﵊: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٢) » رواه مسلم في صحيحه، والأحاديث في النهي عن التشبه بالكفار والأمر بمخالفتهم كثيرة. والمقصود أنه ﷺ بين كل خير ودعا إلى كل خير وحذر من كل شر، وقال ﵇: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار (٣) » خرجه البخاري في صحيحه. فالإزار والسراويل والقميص والبشت كلها يجب ألا تنزل عن الكعبين فما نزل عن ذلك ففيه الوعيد المذكور في حق الرجال. أما النساء فعليهن أن يرخين الملابس حتى تستر أقدامهن؛ لأنهن عورة؛ فلا يجوز للرجل أن يتشبه بالنساء في إرخاء الثياب ولا في غير ذلك.

стр. 1969

ومما يجب التنبيه عليه أن كثيرا من الناس قد يتساهل بالصلاة وهي عمود الإسلام وأهم الفرائض بعد الشهادتين. فالواجب العناية بها والمحافظة عليها في أوقاتها وأداء الرجال لها مع إخوانهم في بيوت الله. وكثيرا من الناس قد يصلي في البيت، وربما صلى وقتا دون وقت، وهذا خطأ عظيم ومنكر خطير، وقد قال

стр. 1970

عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصين ﵁ وقال ﵊: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁. وقد هم ﵊ أن يحرق على من تخلف عن الصلاة في الجماعة بيوتهم، فقال ﵊: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق علهم بيوتهم (٣) » متفق عليه. وهذا يدل على تعين أداء الصلاة بالجماعة في بيوت الله وأن من تخلف عنها يستحق العقوبة، ويقول ﵊: «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر (٤) » أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم بإسناد على شرط مسلم. وسئل ابن عباس عن العذر فقال: خوف أو مرض. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : هل تسمع النداء للصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب (٥) » ؛ فكيف يجوز بعد هذا لمن يخاف الله ويرجوه أن يصلي في بيته ويتشبه بأهل النفاق الذين قال فيهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) وقال فيهم النبي ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا (٧) » متفق على صحته. . وقال

стр. 1971

عبد الله بن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - يعني الصلاة في الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يعني من الصحابة يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف أخرجه مسلم في صحيحه. وقد قال الله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) ويقول : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) ومن أهم الأمور في الصلاة الخشوع فيها والإقبال عليها بالقلب والقالب حتى يؤديها المصلي خاشعا مطمئنا خاضعا لربه محضرا قلبه بين يديه يرجو رحمته ويخشى عقابه، لا ينقرها كالمنافقين ولا يذهب قلبه ها هنا وها هنا بل يجمع قلبه على الصلاة حتى يفرغ منها ويستحضر أنه بين يدي الله يرجو رحمته ويخشى عقابه. يقول الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) ثم ذكر صفات جليلة للمؤمنين ثم قال في آخرها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (٧) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٨) ولا يجوز للمسلم ولا للمسلمة التشبه بأعداء الله المنافقين في التساهل

стр. 1972

بالصلاة والتثاقل عنها وعدم الطمأنينة فيها، بل الواجب العناية بها والمحافظة عليها في الجماعة في أوقاتها كما شرع الله وكما أوجب سبحانه وتأسيا بالنبي ﷺ وبأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان. أما زكاة المال فهي من أعظم الفرائض وهي الركن الثالث من أركان الإسلام. فالواجب العناية بأدائها وصرفها في أهلها المستحقين لها. وهكذا صوم رمضان تجب العناية به في وقته والمحافظة عليه وهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، وتجب صيانة الصيام عن ما حرم الله حتى يؤديه العبد كما شرع الله، وحتى تكفر به خطاياه، كما قال النبي ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١) » متفق على صحته. وهكذا الحج لمن استطاع السبيل إليه. فالواجب على كل مسلم ومسلمة البدار بحج بيت الله الحرام مرة في العمر مع الاستطاعة لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) الآية. وهو من أسباب المغفرة وتكفير الذنوب دخول الجنة كما قال النبي ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٣) » وقال ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٤) » متفق على صحتهما. ومن أهم الفرائض بعد أركان الإسلام الخمسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من صفات المؤمنين والمؤمنات وأعمالهم العظيمة كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٥) الآية. . وقدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي

стр. 1973

عن المنكر على الصلاة في هذه الآية لعظم شأنه وكونه من المصلحة الهامة للمسلمين، كما قدم ذكره على الإيمان في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) فالواجب على جميع المؤمنين والمؤمنات التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر عليه؛ عملا بهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث وعملا بقوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) فالواجب على مسلم رأى من أخيه تقصيرا في الصلاة أو ارتكابا لبعض المحرمات أن ينصحه بالرفق والأسلوب الحسن كما قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥) وقال النبي ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٦) » وقال ﷺ : «عليكم بالرفق فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٧) » فإذا رأيت من أخيك تكاسلا وتثاقلا عن الصلاة في الجماعة فانصح له باللين وبالرفق وبالحكمة. وإذا رأيته سيء الخلق مع إخوانه فانصح له حتى يتواضع ويحسن خلقه مع إخوانه، وإذا رأيته يعق والديه أو أحدها أو علمت ذلك من طريق الثقات فانصحه وأمره بتقوى الله وببر والديه، أو رأيته يسيء إلى أقاربه أو إلى زوجته وأهل بيته فانصح له وقل: يا أخي اتق الله خيركم خيركم لأهله، ووضح له أن الواجب النصيحة للأهل وإكرامهم وعدم إيذائهم بالكلام السيئ أو الفعل السيئ وعليه أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالحكمة

стр. 1974

والكلام الطيب والأسلوب الحسن كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات ومن أعظم الفرائض في حق الرجال والنساء جميعا، لما دل عليه كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم مثل قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٤) » رواه مسلم في صحيحه. فهذا هو الواجب بين المؤمنين والمؤمنات. وإذا تركوا هذا الواجب فشا بينهم المنكر وخشي عليهم من حلول العقوبات العامة ولا حول ولا قوة إلا بالله، لقول المصطفى ﵊: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده (٥) » خرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁، ويقول الله في كتابه العظيم عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧) وروي عن النبي ﷺ أنه لما تلا هذه الآية قال: «كلا والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه وفي رواية

стр. 1975

الظالم - ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (١) » أخرجه أبو داود فنسأل الله السلامة والعافية من كل شر وفتنة. ولا شك أن الأمر عظيم وجدير بالعناية من المسلمين؛ لأن التناصح بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات العظيمة ومن أسباب صلاح العامة والخاصة. وقد قال الله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) فبين سبحانه أن هذه الصفات الأربع هي أخلاق الرابحين وهي صفات المؤمنين الناجين من عذاب الله في الدنيا والآخرة. وقد حكم ربنا سبحانه أن غيرهم في خسران وأقسم على هذا بقوله ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) وهو الصادق سبحانه وإن لم يقسم جل وعلا، ولكنه سبحانه أقسم بالعصر لتأكيد المقام والتحذير من أسباب الخسران، والعصر هو الزمان؛ الليل والنهار، ويقال لهما: العصران، ويقال لآخر النهار: العصر،. والمراد هذا الليل والنهار لأنهما محل أعمال العباد، وهو سبحانه يقسم بما شاء من خلقه كما أقسم بالسماء والطارق وبالسماء ذات البروج وبالشمس وضحاها وبالضحى وبالتين إلى غير ذلك، فهو يقسم سبحانه بما شاء من مخلوقاته الدالة على عظمته وكبريائه واستحقاقه للعبادة ، أما العباد فليس لهم أن يحلفوا إلا بالله وحده سبحانه كما قال النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٦) » وقال ﵊: «من حلف بغير الله فقد أشرك (٧) » فليس لأحد أن يحلف إلا بالله وحده . ولا يجوز الحلف بغير الله لا بالأنبياء ولا بالصالحين ولا بالملائكة ولا بالأمانة ولا بغير ذلك بل يجب أن يكون القسم بالله ، أما هو سبحانه فله أن يقسم بما شاء لكونه الحكم العدل المالك لكل

стр. 1976

شيء المتصرف في خلقه كيف يشاء ولا أحد يحجر عليه في ملكه، ولأن في إقسامه بما أقسم به من مخلوقاته دلائل على عظمته واستحقاق للعبادة دون كل ما سواه. وقد أقسم سبحانه بالعصر أن الإنسان لفي خسر، فجميع الناس في خسارة ونقص وعواقب وخيمة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) فهؤلاء هم الرابحون والسعداء. فجدير بنا أيها الإخوة أن نتخلق بهذه الأخلاق الإيمانية الصادقة وأن نتواصى بها ونصبر عليها حتى يستقر حبها والإيمان بها في القلوب. ومعلوم أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولأهل السنة عبارة أخرى في هذا الباب وهي أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكلتا العبارتين صحيحة، فهو قول وعمل، يعني قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح وهو قول وعمل واعتقاد؛ قول باللسان وعمل بالجوارح واعتقاد بالقلب، فالجهاد في سبيل الله والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال المشروعة كلها أعمال خيرية، وهي من شعب الإيمان التي يزيد بها الإيمان وينقص بنقصها عند أهل السنة والجماعة؛ وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإلاحسان. فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد في سبيل الله وسائر الأعمال المشروعة كلها من شعب الإيمان التي يزيد بها الإيمان وينقص بنقصها. كما قال النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٢) » متفق على صحته. فلا يربح الناس ولا يسعدون ولا تحصل لهم النجاة في الدنيا والآخرة

стр. 1977

إلا بهذه الصفات الأربع: الإيمان الصادق والعمل الصالح وهو من الإيمان وإنما عطفه عليه لمزيد التأكيد والإيضاح ولأنه نتيجته وثمرته، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وكلاهما أيضا من الإيمان، وإنما نبه عليهما سبحانه لعظم شأنهما ولشدة الحاجة إليها، فالرابحون هم الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا وآمنوا بأن الله معبودهم الحق وآمنوا برسوله محمد ﷺ وبجميع المرسلين وآمنوا بكتب الله وملائكته ورسله وآمنوا باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وآمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله. هؤلاء هم الناجون والرابحون، ثم قال بعد هذا وتواصوا بالحق وهذه صفة ثالثة وهي من جملة العمل الصالح ومن جملة الإيمان ولكن الله سبحانه نبه عليه لعظم شأنه؛ لأن التواصي معناه التناصح والتعاون على الخير والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذا من جملة التناصح والتواصي كما قال ﵊: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » . ثم ذكر سبحانه الخصلة الرابعة وهي التواصي بالصبر لشدة الحاجة إليه. فهكذا المؤمنون والرابحون والسعداء من الرجال والنساء يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانا صادقا مستقرا في القلوب، وقد أخلصوا لله في أعمالهم ووحدوه سبحانه وآمنوا به وبما أخبر به في كتابه وبما أخبر به رسوله ﵊ وحققوا هذا الإيمان بالعمل الصالح. فأدوا الصلاة وأدوا الزكاة وصاموا وحجوا واجتهدوا وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إلى غير هذا من أعمال الإيمان. ومن جملة ذلك الخصلة الثالثة التواصي بالحق وهو عمل من أعمال الإيمان، لكنه لما كان له شأن عظيم خصه بالذكر كما تقدم ليتناصح الناس وليتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويتعاونوا على البر والتقوى ويدعوا إلى الله ويرشدوا إليه، وهكذا الخصلة الرابعة

стр. 1978

وهي التواصي بالصبر نبه عليها سبحانه لعظم شأنها وشدة الضرورة إليها؛ لأن الأمور كلها لا تحصل إلا بالله سبحانه ثم بالصبر. فالواجب على أهل الإيمان الصبر على أداء الحق والكف عن الباطل والاستعانة بالله في ذلك وبذلك يفوزون بالربح العظيم والعاقبة الحميدة والفلاح في الدنيا والآخرة كما قال لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فالعباد في أشد الحاجة والضرورة إلى الضراعة إلى الله وسؤاله الهداية. فإنه الهادي الموفق ، فمن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالمؤمن والمؤمنة يضرعان إلى الله ويسألانه الهداية والتوفيق ويعملان بإيمان صادق وإخلاص تام وتواص بالحق وتواص بالصبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤) فالمؤمن يتضرع إلى الله والمؤمنة تتضرع إلى الله ويسألانه سبحانه أن يوفقهما وأن يعينهما حتى يؤديا ما أوجب الله عليهما من الحقوق له سبحانه ولعباده.

стр. 1979

فالإيمان كما تقدم بضع وسبعون شعبة أعلاها وأفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق كحجر أو شوك أو نحوهما. والحياء من الإيمان وهو خلق كريم يقوم بالقلب يمنع من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كما قال ﷺ : «الحياء لا يأتي إلا بخير (١) » وفي لفظ آخر «الحياء خير كله (٢) » خرجهما مسلم في صحيحه. أما ما يدعو إلى الجبن والضعف عن القيام بأمر الله والغيرة لدينه والنصح لعباده فإنه ليس بحياء ولكنه خور وضعف لا يليق بالمؤمن التخلق به. هذا وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه وأن يجعلنا وإياكم من المسارعين إلى مراضيه والمستقيمين على أمره والمتحابين في جلاله والمتواصين بالحق والصبر عليه، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويعيذهم من شرارهم، كما أسأله أن يوفق حكومتنا لكل خير وأن يعينها على كل خير ويصلح لها البطانة وأن يجعلها موفقة في كل أعمالها وأقوالها وسيرتها وأن ينفع بها البلاد والعباد، وأن يكثر أعوانها في الخير، كما أسأله أن يبارك في هذه المؤسسة وينفع بها المسلمين وأن يعين القائمين عليها على كل خير وأن ينفع بهم الأمة إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 1980

أسئلة وأجوبة بعد محاضرة عمل المسلم س١: بعض الموظفين والعاملين لا يعطون عملهم الحماسة اللازمة، فتجد بعضهم يمر عليه عام فأكثر وهو لا يأمر بخير ولا ينهي عن شر ويتأخر عن العمل ويقول: أنا مأذون من رئيسي فلا علي شيء. فمن كانت هذه حاله فهل عليه شيء في دينه ما دام على هذه الحال؟ أفتونا جزاكم الله خيرا. جـ١: أولا المشروع لكل مسلم ومسلمة التبليغ عن الله لما سمع من الخير كما دل على ذلك قول الرسول ﷺ : «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها (١) » وقال ﵊: «بلغوا عني ولو آية (٢) » وكان إذ خطب الناس وذكرهم يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع (٣) » فأنا أوصيكم جميعا أن تبلغوا ما سمعتم من الخير عن بصيرة وتثبت. فكل من سمع علما وحفظه يبلغ أهل بيته وإخوانه ومجالسيه ما يرى فيه الخير من ذلك مع العناية بضبط ذلك وعدم التكلم بشيء لم يحفظه حتى يكون من المتواصين بالحق ومن الدعاة إلى الخير. أما الموظفون الذين لا يؤدون أعمالهم أو لا ينصحون فيها فقد سمعتم أن من خصال الإيمان أداء الأمانة ورعايتها كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) فالأمانة من أعظم خصال الإيمان والخيانة من أعظم خصال النفاق، كما قال الله سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦)

стр. 1981

فالواجب على الموظف أن يؤدي الأمانة بصدق وإخلاص وعناية، وحفظا للوقت حتى تبرأ الذمة ويطيب الكسب ويرضي ربه وينصح لدولته في هذا الأمر أو للشركة التي هو فيها أو لأي جهة يعمل فيها، هذا هو الواجب على الموظف أن يتقي الله وأن يؤدي الأمانة بغاية الإتقان وغاية النصح، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه ويعمل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) ومن خصال أهل النفاق الخيانة في الأمانات كما قال النبي ﵊: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان (٢) » متفق عليه، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بأهل النفاق بل يجب عليه أن يبتعد عن صفاتهم وأن يحافظ على أمانته وأن يؤدي عمله بغاية العناية ويحفظ وقته ولو تساهل رئيسه ولو لم يأمره رئيسه فلا يقعد عن العمل أو يتساهل فيه بل ينبغي أن يجتهد حتى يكون خيرا من رئيسه في أداء العمل والنصح في الأمانة وحتى يكون قدوة حسنة لغيره.

стр. 1982

س٢: ما حكم الاختلاط، والاختلاط بالخادمات العاملات في كثير من بيوت المسلمين اليوم، وهل يجوز استقدام خادمة كافرة؟ جـ٢: الخادمات خطرهن عظيم والبلية بهن كبيرة. فلا يجوز للمسلم أن يخلو بالأجنبية سواء كانت خادمة أو غيرها كزوجة أخيه وزوجة عمه وأخت زوجته وزوجة خاله وغير ذلك، ولا يخلو بامرأة من جيرانه ولا غيرهن من أجنبيات. يقول النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة

стр. 1983

فإن الشيطان ثالثهما (١) » فليس له أن يخلو بامرأة أجنبية لا خادمة ولا غيرها وليس له أن يستقدم خدما كفارا ولا عمالا كفارا ولا خادمات كافرات في هذه الجزيرة. فهذه الجزيرة لا يستقدم لها إلا المسلمون من الرجال والنساء لأن الرسول ﷺ أمر بإخراح الكفار منها وأوصى عند موته بذلك. وأن لا يبقى فيها إلا الإسلام فقط. فهي معقل الإسلام وهي منبع الإسلام فلا يجوز أن يستقدم إليها الكفار، فالجزيرة العربية على طولها وعرضها لا يجوز أن يستقدم إليها الكفرة ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس فيما يفعلون من استقدام الكفرة؛ لأن أكثر الخلق لا يتقيدون بحكم الشرع كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٢) إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كحاجة المسلمين إلى طبيب اضطروا إليه أو عامل اضطروا إليه يرى ولي الأمر استقدامه لمصلحة المسلمين بصفة مؤقتة فلا حرج في ذلك، كما استخدم النبي ﷺ اليهود في خيبر للضرورة إليهم ثم أجلاهم عمر ﵁ لما استغنى عنهم. وكذلك إذا قدموا لمصلحة المسلمين بغير إقامة كالوافدين لبيع البضائع ثم يرجعون لمدة معلومة وأيام معدودة، وخلاصة القول: أنه لا يجوز استخدام غير المسلمين إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر.

стр. 1984

س٣: بعض المسلمين يسافرون للدراسة وغيرها إلى الخارج، فهل يجوز له أن يتزوج بنية الطلاق؟ وما الفرق بينه وبين زواج المتعة؟ أرجو توضيح هذا الأمر وفقكم الله. جـ٣: الزواج في الخارج فيه ضرر عظيم وخطر كبير، فلا يجوز السفر للخارج إلا بشروط مهمة؛ لأن السفر للخارج يعرضه للكفر بالله ويعرضه

стр. 1985

للمعاصي من شرب الخمر وتعاطي الزنا وغير هذا من الشرور. ولهذا نص العلماء على تحريم السفر إلى بلاد الكفار عملا بقول النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (١) » فالإقامة بينهم خطيرة جدا سواء كانت للسياحة أو للدراسة أو للتجارة أو غير ذلك. فهؤلاء المسافرون من الطلبة من الثانوي والمتوسط أو للدراسة الجامعية على خطر عظيم والواجب على الدولة - وفقها الله - أن تؤمن لهم الدراسة في الداخل وليس لها أن تسمح لهم بالسفر إلى الخارج لما فيه من الخطر العظيم. وقد نشأ عن ذلك شر كثير من الردة والتساهل بالمعاصي من الزنا وشرب الخمور وأعظم من ذلك ترك الصلوات، كما هو معلوم عند من سبر أحوال من يسافر للخارج إلا من رحم الله منهم وهم القليل. فالواجب منعهم من ذلك وأن لا يسافر إلا الرجال المعروفون بالدين والإيمان والعلم والفضل إذا كان ذلك للدعوة إلى الله أو التخصص لأمور تحتاجها الدولة الإسلامية. وعلى المسافر المعروف بالعلم والفضل والإيمان واجب الاستقامة حتى يدعو إلى الله على بصيرة ويتعلم ما بعث من أجله، وقد يستثنى من ذلك ما يضطر إليه من العلوم وليس له من يدرسه ولا يتيسر استقدام من يدرسه، وأن يكون المبتعث ممن عرف بالدين والإيمان والعلم والفضل كما ذكرنا آنفا. أما الزواج بنية الطلاق ففيه خلاف بين العلماء، منهم من كره ذلك كالأوزاعي ﵀ وجماعة وقالوا إنه يشبه المتعة فليس له أن يتزوج بنية الطلاق عندهم. وذهب الأكثرون من أهل العلم كما قال الموفق ابن قدامة ﵀ في المغني إلى جواز ذلك إذا كانت النية بينه وبين ربه فقط وليس بشرط، كأن يسافر للدارسة أو أعمال أخرى وخاف على نفسه فله أن يتزوج ولو نوى طلاقها إذا انتهت مهمته، وهذا هو الأرجح إذا كان ذلك بينه وبين ربه فقط من دون مشارطة ولا إعلام للزوجة ولا وليها بل بينه وبين الله. فجمهور أهل العلم يقولون لا بأس بذلك كما تقدم وليس من المتعة في شيء؛ لأنه بينه وبين الله، ليس في ذلك مشارطة.

стр. 1986

أما المتعة ففيها المشارطة شهرا أو شهرين أو سنة أو سنتين بينه وبين أهل الزوجة أو بينه وبين الزوجة. وهذا النكاح يقال له نكاح متعة وهو حرام بالإجماع ولم يتساهل فيه إلا الرافضة. وكان مباحا في أول الإسلام ثم نسخ وحرمه الله إلى يوم القيامة كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ . أما أن يتزوج في بلاد سافر إليها للدراسة أو لكونه سفيرا أو لأسباب أخرى تسوغ له السفر إلى بلاد الكفار فإنه يجوز له النكاح بنية الطلاق إذا أراد أن يرجع كما تقدم إذا احتاج إلى الزواج خوفا على نفسه. ولكن ترك هذه النية أولى احتياطا للدين وخروجا من خلاف العلماء، ولأنه ليس هناك حاجة إلى هذه النية؛ لأن الزوج ليس ممنوعا من الطلاق إذا رأى المصلحة في ذلك ولو لم ينوه عند النكاح.

стр. 1987

س٤: ما رأيكم في المجلات التي تباع في الأسواق وعليها صور النساء متبرجات فاتنات؟ وهل يجوز بيعها؟ جـ٤: جميع المجلات والصحف يجب أن تمنع إذا كانت تشتمل على صور النساء؛ لأنها فتنة. ووافقت الدولة والحمد لله على ذلك وكذا وزير الإعلام قد صدر منه الأمر بمنع ذلك. فالواجب على الجميع التعاون لحماية المسلمين من هذه المجلات والصحافة التي تنشر الرذائل والصور الخليعة سواء كانت داخلية أو خارجية؛ لأن ذلك منكر يجب القضاء عليه بواسطة المسئولين عن ذلك. والواجب على وزارة الإعلام والمراقبة الدينية متابعة ذلك وعمل ما يلزم للقضاء عليه. سدد الله خطاهم ووفقهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد إنه سميع قريب.

стр. 1988

س٥: توجد امرأة مريضة بمرض نفسي، وقال لها الناس إن المريض إذا أصابه مرض صعب تقرأ سورة الزلزلة في قراية أما شفي أو مات. وطلبت من يقرأ لها وشربت من القراءة، وبعد فترة حملت وشربت من القراءة فولد الطفل سليما. وبعد فطامه حملت بآخر. وفي الشهر التاسع جاءها المرض مرة أخرى وشربت من القراءة ولكن في نفس اليوم ولدت طفلا ميتا. وبعد فترة حملت بواحد آخر؛ وعاودها المرض وشربت من نفس القراءة، وفي الشهر الثامن شربت من القراءة وولد الولد ميتا. وبعد فترة حملت، في شهرها السابع أحست بمرض وشربت منها وفي الليلة التي بعدها ولدت طفلة حية. وقد سمعت من الناس أن سورة الزلزلة تسقط الأطفال وفي القراءة حبة سوداء أو الحبة السوداء تسقط الطفل وهي لا تعلم هذا. فهل يلحقها شيء من الأطفال الذين ماتوا؟ جـ٥: أولا: ما يقول الناس عن سورة الزلزلة أنها تشفي المريض أو يموت وما قالوه أنها تسقط الولد كله لا أصل له بل هو من خرافات العامة الباطلة. ثانيا: ليس على المرأة المذكورة فدية ولا كفارة؛ لأن عملها ليس سببا لموتهما.

стр. 1989

س٦: ما هي الأشياء التي تستطيع المرأة المسلمة كشفها أمام المرأة الكافرة كالبوذية مثلا وهل صحيح أنه لا يجوز لها إلا كشف وجهها؟ ج٦: الصحيح أن المرأة تكشف للمرأة سواء كانت مسلمة أو كافرة ما فوق السرة وتحت الركبة. أما ما بين السرة والركبة فهو عورة في حق الجميع لا تراه المرأة من المرأة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة قريبة أو بعيدة كالعورة للرجل مع الرجل. فللمرأة أن ترى من المرأة صدرها ورأسها

стр. 1990

وساقها ونحو ذلك كالرجل يرى من الرجل صدره وساقه ورأسه. وأما قول بعض أهل العلم أن المرأة الكافرة لا تكشف لها المؤمنة فهو قول مرجوح في أصح قولي العلماء لأن اليهوديات كن في عهد النبي ﷺ وهكذا الوثنيات يدخلن على أزواج النبي ﷺ لحاجتهن ولم يحفظ أنهن كن يتحجبن منهن وهن أتقي النساء وأفضلهن.

стр. 1991

س٧: من تجب تغطية الوجه عنه ؟ جـ٧: تجب تغطية الوجه عن الرجل الأجنبي وهو من ليس محرما للمرأة في أصح قولي العلماء سواء كان الأجنبي ابن عم وابن خال أو من الجيران أو من غيرهم لقوله تعالى يخاطب المسلمين في عهد رسول الله ﷺ ومن يأتي بعدهم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) وهذا يعم أزواج النبي ﷺ وغيرهن من المؤمنات كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٢) والجلباب ما يوضع على الرأس والبدن فوق الثياب وهو الذي تغطي به النساء الرأس والوجه والبدن كله وما يوضع على الرأس يقال له خمار. فالمرأة تغطي بالجلباب رأسها ووجهها وجميع بدنها فوق الثياب كما تقدم، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣) الآية، فقوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤) فسره ابن مسعود ﵁

стр. 1992

وجماعة بالملابس الظاهرة وفسره قوم بالوجه والكفين، والأول أصح لأنه هو الموافق للأدلة الشرعية وللآيتين السابقتين وحمل بعضهم قول من فسره بالوجه والكفين إن هذا كان قبل وجوب الحجاب؛ لأن المرأة كانت في أول الإسلام تبدي وجهها وكفيها للرجال ثم نزلت آية الحجاب فمنعن من ذلك ووجب عليهن ستر الوجه والكفين في جميع الأحوال ثم قال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) والخمر جمع خمار وهو ما يستر به الرأس وما حوله، سمي خمارا لأنه يستر ما تحته، كما سميت الخمر خمرا لأنها تستر العقول وتغيرها. والجيب: الشق الذي يخرج منه الرأس، فإذا ألقت الخمار على وجهها ورأسها فقد سترت الجيب وإذا كان هناك شيء من الصدر سترته أيضا ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) إلى آخر الآية، والزينة تشمل الوجه والرأس وبقية البدن فيجب على المرأة أن تغطي هذه الزينة حتى لا تفتن ولا تفتن، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما سمعت صوت صفوان بن معطل فخمرت وجهي وكان قد رآني قبل الحجاب فعلم بذلك أن النساء بعد نزول آية الحجاب مأمورات بستر الوجه وأنه من الحجاب المراد في الآية الكريمة وهي قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٣) الآية. وأما ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في شأن أسماء «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه (٤) » فهو حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به لعلل منها: انقطاعه بين عائشة والراوي عنها، ومنها: ضعف بعض رواته وهو سعيد بن بشير، ومنها: تدليس قتادة ﵀ وقد عنعن، ومنها: مخالفته للأدلة الشرعية من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب تحجب المرأة في وجهها وكفيها وسائر بدنها، ومنها: أنه لو صح وجب حمله على أن ذلك قبل نزول آية الحجاب جميعا بين الأدلة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1993

س٨: ما حكم ما أعلن في مؤتمر عقد في أمريكا ومن ضمن توصياته التنبيه على بعض المنتجات لأنها تحوي لحم الخنزير. ومن تلكم المنتجات صابون ومعجون وجبن. . إلخ مع رجاء التوجيه. وهل لديكم علم عن هذا المؤتمر، وعن تلكم المنتجات؟ جـ٨: قد وجه إلينا أسئلة عن هذه الأشياء التي ذكرها السائل من المنتجات وما حصل في هذا المؤتمر وأحيل إلى الجهات المختصة هنا في المملكة فذكرت أنه لم يرد إلى المملكة شيء من ذلك ولم يثبت لدينا شيء في ذلك يخالف ما ذكرته الجهات المختصة في المملكة مما يدعى أنه من لحم الخنزير أو من شحمه فيما يرد إلى هذه المملكة من طعام أهل الكتاب. والأصل الحل حتى يثبت ما يخالف ذلك لقول الله عز جل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) والله ولي التوفيق.

стр. 1994

تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)

стр. 1995

س: نرجو تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) جـ: هذه الآية آية عظيمة وهي تدل على أن العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم هم أشد الناس خشية لله وأكملهم خوفا منه سبحانه، فالمعنى: إنما يخشى الله الخشية الكاملة هم العلماء بالله الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه وتبصروا في شريعته وعرفوا ما عنده من النعيم لمن اتقاه والعذاب لمن خالفه وعصاه، فهم لكمال علمهم بالله هم أشد الناس خشية لله وأكمل الناس خوفا من الله وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أكمل الناس خشية لله سبحانه وتعظيما له ثم خلفاؤهم العلماء بالله وبدينه. وهم على مراتب في ذلك متفاوتة، وليس معنى الآية أن غيرهم لا يخشى الله فكل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة يخشى الله لكن خشية الله فيهم متفاوتة فكلما كان المؤمن أبصر بالله وأعلم به وبدينه كان خوفه لله أكثر كلما قل العلم وقلت البصيرة قل الخوف من الله وقلت الخشية منه سبحانه، فالناس متفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما حتى العلماء متفاوتون في خشيتهم لله كما تقدم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله ولهذا يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٢) ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤)

стр. 1996

والآيات في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق.

стр. 1997

شرح معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) س: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) ما المقصود بالمنافقين والنفاق في هذه الآية الكريمة وأرجو أن تتفضلوا بإيضاح المعنى. جـ: المراد بالمنافقين هم الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام يدعون أنهم مسلمون وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون الرسول ﵊، هؤلاء هم المنافقون سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر كما في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٥) (أي شك وريب) ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٦) والآيات بعدها من سورة البقرة. هؤلاء هم المنافقون وهم يكفرون بالله ويكذبون رسله في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٧) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٨)

стр. 1998

والمعنى أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين تارة مع الكفار إذا ظهر الكفار وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إن ظهروا وانتصروا، فليس عندهم ثبات ولا دين مستقيم ولا إيمان ثابت بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان وبين الكفار والمسلمين، وقد صرح الله بكفرهم في قوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢) هؤلاء هم المنافقون. نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 1999

إثبات اليد والقدرة جميعا لله

стр. 2000

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ ع. أ. م وفقه الله آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعده: اطلعت على ما ذكرتم في الرسالة المرفقة من جهة كلام الحافظ ابن حجر على قول عبد الله بن مسعود؛ والذي نفسي بيده. . إلخ؛ وأن المراد باليد القدرة وفهمته. ولا شك أنه كلام ناقص مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة. والصواب: أن ما ورد في هذا من الأحاديث والآثار يراد به إثبات اليد والقدرة جميعا فهي تدل على أن بيده كل شيء سبحانه وله القدرة الكاملة، كما تدل على إثبات اليد له سبحانه على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته. وقد دل على هذا المعنى قوله تعالى في سورة المائدة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١) الآية، وقوله سبحانه في سورة (ص) : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وقوله ﷺ «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل (٣) » وقوله ﷺ : «يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ (٤) » والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ٢ - وأما السؤال عن قول الحافظ في الرد على من قال إن حرف (لا) في قوله، (لا أقسم) أنها زائدة، وتعقب بأنها لا تزاد إلا في أثناء الكلام، وأجيب
следующие страницы →