ويدخلهم الجنة فضلا منه وإحسانا إذ أخلصوا له واستقاموا على أمره وتركوا الرفث والفسوق كما قال ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » والرفث هو الجماع قبل التحلل، وما يدعو إلى ذلك من قول وعمل مع النساء كله رفث، والفسوق: جميع المعاصي القولية والفعلية يجب على الحاج تركها والحذر منها، وهكذا الجدال يجب تركه إلا في خير، كما قال جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) الحج كله دعوة إلى طاعة الله ورسوله، دعوة إلى تعظيم الله وذكره، دعوة إلى ترك المعاصي والفسوق، دعوة إلى ترك الجدال الذي يجلب الشحناء والعداوة ويفرق بين المسلمين، أما الجدال بالتي هي أحسن فهذا مأمور به في كل زمان ومكان كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وهذا طريق الدعوة في كل زمان ومكان في البيت العتيق وغيره. يدعو إخوانه بالحكمة وهي العلم؛ قال الله تعالى وقال رسوله، وبالموعظة الحسنة الطيبة اللينة التي ليس فيها عنف ولا إيذاء، ويجادل بالتي هي أحسن عند الحاجة لإزالة الشبهة وإيضاح الحق. فيجادل بالتي هي أحسن بالعبارات الحسنة والأساليب الجيدة المفيدة التي تزيل الشبهة وتوجه إلى الحق دون عنف وشدة.
فالحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه إلى الخير والإعانة على الحق، فإذا التقى مع إخوانه من سائر أقطار الدنيا وتذاكروا فيما يجب عليهم وما شرع الله لهم كان ذلك من أعظم الأسباب في توحيد كلمتهم واستقامتهم على دين الله وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى. فالحج فيه منافع
стр. 2102
عظيمة، فيه خيرات كثيرة، فيه دعوة إلى الله وتعليم وإرشاد وتعارف وتعاون على البر والتقوى بالقول والفعل المعنوي والمادي، هكذا يشرع لجميع الحجاج والعمار أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى، متناصحين حريصين على طاعة الله ورسوله، مجتهدين فيما يقربهم إلى الله، متباعدين عن كل ما حرم الله.
وأعظم ما أوجبه الله توحيده وإخلاص العبادة له في كل مكان وفي كل زمان ولا سيما في هذه البقعة العظيمة المباركة، فإن من الواجب إخلاص العبادة لله وحده في كل مكان وفي كل زمان، وفي هذا المكان أعظم وأوجب، فيخلص لله عملا وقولا من طواف وسعي ودعاء وغير ذلك، وهكذا بقية الأعمال كلها لله وحده جل وعلا مع الحذر من معاصي الله ، ومع الحذر من ظلم العباد وإيذائهم بقول وعمل، فالمؤمن يحرص كل الحرص على نفع إخوانه والإحسان إليهم وتوجيههم إلى الخير، وبيان ما قد يجلهون من أمر الله وشرعه مع الحذر من إيذائهم وظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله بل يحب له كل خير ويكره له كل شر أينما كان ولا سيما في بيت الله العتيق وفي حرمه الأمين وفي بلد رسوله ﷺ ، فإن الله جعل هذا الحرم آمنا، جعله آمنا من كل ما يخافه الناس، فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون مع أخيه في غاية من الأمانة ينصحه ويرشده ولا يغشه ولا يخونه ولا يؤذيه لا بقول ولا بعمل، فقد جعل الله هذا الحرم آمنا كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ (٢)
стр. 2103
فالمؤمن يحرص كل الحرص على تحقيق هذا الأمن، وأن يكون بنفسه حريصا على الإحسان لأخيه وإرشاده إلى ما ينفعه ومساعدته دنيا ودينا على كل ما فيه راحة ضميره وإعانته على أداء المناسك، كما أنه يحرص كل الحرص على البعد عن كل ما حرم الله من سائر المعاصي، ومن جملة ذلك إيذاء العباد فإن ذلك من أكبر المحرمات، وإذا كان مع حجاج بيت الله الحرام ومع العمار صار الظلم أكثر إثما، وأشد عقوبة، وأسوأ عاقبة.
فالحج والعمرة نسكان عظيمان من أعظم العبادة التي يترتب عليها خير عظيم، ومنافع جمة، وعواقب حميدة، لسائر المسلمين في سائر أقطار الدنيا.
فالصلوات الخمس يجتمع فيها العباد في كل بلد يتعارفون ويتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى، لكن الحج يجتمع فيه العالم كله من كل مكان، فإذا كانت الصلوات هي من الخير العظيم لاجتماعهم عليها في أوقات خمسة، فهكذا الحج في كل عام فيه خير عظيم والأمر فيه أوجب وأعظم من جهة دعوة الناس إلى الخير لأنهم يأتون من كل فج عميق، وقد لا تلقى أخاك الذي تراه في الحج بعد ذلك، وهكذا المرأة عليها أن تحرص وأن تبذل وسعها في إرشاد أخواتها في الله مما علمها الله.
فالرجل يرشد لإخوانه وأخواته في الله من حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله ﷺ ، والمرأة كذلك ترشد لإخوانها وأخواتها في الله مما تعلم من الحجاج والعمار، هكذا يكون الحج وهكذا تكون العمرة فيهما التعاون والتواصي بالحق والتناصح والإرشاد إلى الخير وبذل المعروف وكف الأذى أينما كان الحجاج والعمار، في المسجد الحرام وفي خارج المسجد، في الطواف وفي السعي وفي رمي الجمار وفي غير ذلك، يحرص كل واحد على كل ما ينفع أخاه ويدرأ عنه الأذى في جميع أرجاء البلد الكريم، وفي جميع مشاعر الحج يرجو من الله المثوبة ويحذر مغبة الظلم والأذى لإخوانه المسلمين، وهذا كله داخل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)
стр. 2104
وإنما كان مباركا وهدى للعالمين لما يحصل لقاصديه من الخير العظيم في هذا البيت العتيق من الطواف والسعي والتلبية والأذكار العظيمة يهتدون بها إلى توحيد الله وطاعته، ويحصل لهم من التعارف والتلاقي والتواصي والتناصح ما يهتدون به إلى الحق، ولهذا سمى الله بيته مباركا وهدى للعالمين لما يحصل فيه من البركة والخير العظيم من تلبية وأذكار وطاعة عظيمة، تبصر العباد بربهم وتوحيده وتذكرهم بما يجب عليهم نحوه سبحانه، ونحو رسوله ﵊، وتذكرهم بما يجب عليهم نحو إخوانهم الحجاج والعمار من تناصح وتعاون وتواص بالحق ومواساة للفقير ونصر للمظلوم وردع للظالم وإعانة على كل وجوه الخير.
هكذا ينبغي لحجاج بيت الله الحرام ولعماره أن يوطنوا أنفسهم لهذا الخير العظيم وأن يستعدوا لكل ما ينفع إخوانهم وأن يحرصوا على بذل المعروف وكف الأذى، كل واحد مسئول عما حمله الله حسب طاقته كما قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه رضاه وصلاح عباده، وأن يوفق حجاج بيته العتيق وعماره لما فيه صلاحهم ونجاتهم ولما فيه قبول حجهم وقبول عمرتهم ولكل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، كما أسأله سبحانه أن يرد جميع الحجاج إلى بلادهم سالمين موفقين مسترشدين مستفيدين من حجهم ما يسبب نجاتهم من النار ودخولهم الجنة واستقامتهم على الحق أينما كانوا.
كما أسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا في هذه
стр. 2105
البلاد لكل خير، ولكل ما يعين الحجاج على أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وقد فعلت الدولة وفقها الله الشيء الكثير من المشاريع والأعمال التي تساعد الحجاج على أداء مناسكهم، وتؤمنهم في رحاب هذا البيت العتيق، فجزاها الله خيرا وضاعف مثوبتها.
ولا شك أن الواجب على الحجاج أن يبتعدوا عن كل ما يسبب الأذى والتشويش من سائر الأعمال كالمظاهرات والهتافات والدعوات المضللة والمسيرات التي تضائق الحجاج وتؤذيهم، إلى غير ذلك من أنواع الأذى التي يجب أن يحذرها الحجاج.
وسبق أن أوضحنا الواجب على الحاج بأن يكون كل واحد منهم حريصا على نفع أخيه وتيسير أدائه مناسكه، وأن لا يؤذيه لا في طريق ولا في غيره، كما أسأله أن يوفق الحكومة وأن يعينها على كل ما فيه نفع الحجيج وتسهيل أداء مناسكهم، وأن يبارك في جهودها وأعمالها، وأن يوفق القائمين على شئون الحج لكل ما فيه تيسير أمور الحجيج ولكل ما فيه إعانتهم على أداء مناسكهم على خير حال.
كما أسأله أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعينهم على تحكيم شريعة الله في عباد الله، وأن يعيذنا وإياهم من اتباع الهوى ومن مضلات الفتن، إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 2106
حكم التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية
стр. 2107
من عبد العزيز بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لمعرفة الحق واتباعه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد.
فالداعي لهذا هو الإجابة عن أمور سأل عنها بعض الإخوة الناصحين في المملكة حيث ذكر أنه يوجد في قبيلته، وفي قبائل أخرى عادات قبلية سيئة ما أنزل الله بها من سلطان منها:
ترك التحاكم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، إلى عادات قبلية وأعراف جاهلية.
ومنها كتمان الشهادة، وعدم أدائها حمية وتعصبا، أو الشهادة زورا وبهتانا حمية وعصبية أيضا. إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تدعو بعض الناس إلى مخالفة الشرع المطهر.
ولوجوب النصيحة لله ولعباده أقول وبالله التوفيق: يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ في كل شيء لا إلى القوانين الوضعية والأعراف والعادات القبلية. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١)
стр. 2108
وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) فيجب على كل مسلم أن لا يقدم حكم غير الله على حكم الله ورسوله كائنا من كان، فكما أن العبادة لله وحده، فكذلك الحكم له وحده، كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢) فالتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أعظم المنكرات وأقبح السيئات، وفي كفر صاحبه تفصيل، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)
فلا إيمان لمن لم يحكم الله ورسوله ﷺ في أصول الدين وفروعه، وفي كل الحقوق، فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله، فقد تحاكم إلى الطاغوت.
وعلى هذا يجب على مشايخ القبائل، ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها في الدين، وما أنزل الله بها من سلطان. بل يجب عليهم أن يردوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية، ولا مانع من الإصلاح بين المتنازعين بما لا يخالف الشرع المطهر بشرط الرضا وعدم الإجبار. لقوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما (٤) » . كما يجب على القبائل جميعا ألا يرضوا إلا بحكم الله ورسوله.
أما الشهادة فيحرم على من علمها أن يكتمها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٥)
стр. 2109
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١)
فأداء الشهادة على وجهها إذا احتيج إلى ذلك واجب؛ لأنها وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق، وكتمها ذنب عظيم، وإثم كبير لما فيه من ضياع الحقوق وإلحاق الضرر بالآخرين، ولما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.
وكما أن كتمان الشهادة حرام، فكذلك الإتيان بها على غير وجهها الصحيح أو التزوير فيها لأي سبب من الأسباب فهو حرام أيضا، بل ومن الكبائر للذنوب، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور (٣) » متفق على صحته.
وبهذا يعلم أن كتمان الشهادة حرام، وشهادة الزور حرام أيضا، بل ومن الكبائر، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
فليتق الله أولئك الذين تجري بينهم تلك العادات السيئة، ويعتبرونها من العادات الحسنة، وعليهم أن يلتزموا بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأن يحذروا ما خالف ذلك، وأن يتوبوا إلى الله ، مما سلف منهم من المخالفة لشرع الله، وأن يرفعوا ما تنازعوا فيه إلى المحاكم الشرعية والقضاة في
стр. 2110
بلدهم، ليحكموا فيهم بحكم الله، ويلزموهم بما تقتضيه شريعة الإسلام، ولا يعدلوا عنه إلى غيره.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وأعاذنا جميعا من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2111
القبيلي والخضيري
стр. 2112
س: ما معنى قولهم قبيلي وخضيري؟
ج: هذه مسألة جزئية، وهي معروفة بين الناس. القبيلي هو الذي له قبيلة معروفة ينتمي إليها كقحطاني وسبيعي وتميمي وقرشي وهاشمي وما أشبه ذلك، هذا يسمى قبيلي؛ لأنه ينتمي إلى قبيلة، ويقال قبلي على القاعدة، مثل أن يقال حنفي وربعي وما أشبه ذلك نسبة إلى القبيلة التي ينتمي إليها.
والخضيري في عرف الناس في نجد خاصة - ولا أعرفها إلا في نجد - هو الذي ليس له قبيلة معروفة ينتمي إليها، أي ليس معروفا بأنه قحطاني أو تميمي أو قرشي لكنه عربي ولسانه عربي ومن العرب وعاش بينهم ولو كانت جماعته معروفة.
والمولى في عرف العرب هو: الذي أصله عبد مملوك ثم أعتق. والعجم هم الذين لا ينتسبون للعرب يقال: عجمي، فهم من أصول عجمية وليسوا من أصول عربية، هؤلاء يقال لهم أعاجم.
والحكم في دين الله أنه لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى سواء سمي قبليا أو خضيريا أو مولى أو أعجميا كلهم على حد سواء. لا فضل لهذا على هذا ولا هذا على هذا إلا بالتقوى؛ كما قال ﷺ «لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى ولا فضل لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى (١) » ، وكما قال الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)
لكن من عادة العرب قديما أنهم يزوجون بناتهم
стр. 2113
للقبائل التي يعرفونها ويقف بعضهم عن تزوج من ليس من قبيلة يعرفها، وهذا باق في الناس. وقد يتسامح بعضهم، يزوج الخضيري والمولى والعجمي، كما جرى في عهد النبي ﷺ ، فإن النبي ﵊ زوج أسامة بن زيد بن حارثة ﵂ وهو مولاه وعتيقه زوجه فاطمة بنت قيس ﵂ وهي قرشية، وكذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وهو من قريش زوج مولاه سالما بنت أخيه الوليد بن عتبة ولم يبال لكونه مولى عتيقا.
وهذا جاء في الصحابة ﵃ وبعدهم كثير، ولكن الناس بعد ذلك خصوصا في نجد وفي بعض الأماكن الأخرى قد يقفون عن هذا ويتشددون فيه على حسب ما ورثوه عن آباء وأسلاف، وربما خاف بعضهم من إيذاء بعض قبيلته إذا قالوا له: لم زوجت فلانا، هذا قد يفضي إلى الإخلال بقبيلتنا وتختلط الأنساب وتضيع إلى غير ذلك، قد يعتذرون ببعض الأعذار التي لها وجهها في بعض الأحيان ولا يضر هذا، وأمره سهل.
المهم اختيار من يصلح للمصاهرة لدينه وخلقه، فإذا حصل هذا فهو الذي ينبغي سواء كان عربيا أو عجميا أو مولى أو خضيريا أو غير ذلك، هذا هو الأساس، وإذا رغب بعض الناس أن لا يزوج إلا من قبيلته فلا نعلم حرجا في ذلك. والله ولي التوفيق.
стр. 2114
رسالة إلى العلماء المجاهدين في أفغانستان بشأن الفتن التي يثيرها أعداء الله بين صفوف المجاهدين (١) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى عموم إخواننا علماء المجاهدين الأفغان، وفقهم الله لكل خير وأقام بهم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
فتعلمون وفقني الله وإياكم أن الله تعالى قد أكرمكم بالعلم، وزينكم به، وأعلى به مقامكم، ورفع به درجاتكم، وجعلكم بذلك شهداء على الناس، وبكم يقتدي الناس، ومنكم يعرفون الأحكام والحلال والحرام، وقد أخذ الله تعالى العهد والميثاق على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يبينوا الحق للناس ولا يكتمونه، وذلك عهد واجب الوفاء، وميثاق يتحتم أداؤه وعدم نقضه، ومن أخل به أو تهاون في أدائه فقد عرض نفسه للوعيد الأكيد والعذاب الشديد، وبهذه الخصائص تأكدت الفضيلة وتوحد الواجب بين العلماء رغم تباعد ديارهم واختلاف أقطارهم، وجمع بينهم الإيمان والبحث عن الحق القائم على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما عليه أئمة الدين من الهدى والخير.
ولا يخفاكم - أعانني الله وإياكم - أن العلماء هم أهل الذكر، وأن عامة الناس متعلقون بذمة العلماء، والعالم يسأل عن نفسه وعن غيره، وهدي
стр. 2115
العالم هدي لغيره وصلاحه صلاح لغيره، إذ العلماء هم أهل البصيرة والحكمة والخشية من الله تعالى، والناس على آثارهم يقتدون، وبأقوالهم وأفعالهم يهتدون، وقد وفقكم الله تعالى لإقامة فريضة الجهاد في سبيل الله ضد أعداء الله، وكنتم بذلك أهلا للعلم الذي أعطاكم الله، وبرره بالميثاق الذي أخذه الله والوقوف معكم، ونحمد الله الذي أكرمنا بأن أفتينا الناس بوجوب الجهاد معكم ومناصرتكم ضد أعداء الدين والقيام بحق الأخوة الإسلامية، فهب المسلمون ولله الحمد من كل مكان يرجون الأجر والثواب ويطلبون الجنة وينصرون إخوانهم المستضعفين، وبذلك أخذ الجهاد صورته الإسلامية العالمية، وتأكدت في نفوس المسلمين جميعا حقيقة الرابطة الدينية والأخوة الإيمانية فأغاظ ذلك الكافرين على اختلاف مللهم، وأحبط خططهم في تفريق وحدة المسلمين وشتات كلمتهم، وكتب الله هزيمة الكافرين ونصر المجاهدين، فلجأ أعداء الدين إلى وسيلة أخرى لإيقاع الفرقة بين المسلمين عن طريق الخلافات المذهبية الموجودة بين الأمة منذ قديم الزمان، فأشعلوا الفتنة وأثاروا العامة، وأرادوا بذلك إيقاع الفساد بين المجاهدين الأفغان وبين إخوانهم المسلمين، وليس لهذه الفتنة من يدرؤها ويحبطها بعد الله إلا أنتم أيها الإخوة العلماء.
وأنتم تعلمون حفظكم الله أن الخلاف المذهبي في أمور الفروع واقع منذ قديم الزمان، ولم يؤد ذلك إلى البغضاء والتشاحن والشقاق؛ لأن الأمة الإسلامية متفقة في الأصول والقواعد، وقد وجد الخلاف الفقهي بين الأئمة الأربعة ابتداء بالإمام أبي حنيفة ﵀، والإمام مالك ﵀، ثم الإمام الشافعي ﵀، ثم الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولم يحدث بينهم - رغم ذلك - شيء من النفرة والفتنة، بل كانوا رغم اختلافهم في النظر والاجتهاد إخوة متحابين يثني كل واحد منهم على الآخر ويقدمه على نفسه وهذا هو الذي يجب أن يسود بين العلماء وإن اختلفت آراؤهم في مسائل الفروع.
стр. 2116
وأنتم أيها الإخوة العلماء المجاهدون الأفغان تعلمون أن المسلمين قد نفروا للجهاد معكم من مختلف البلدان، وهم على مذاهب مختلفة فمنهم الحنفي ومنهم المالكي ومنهم الشافعي ومنهم الحنبلي، وأنتم وفقنا الله وإياكم أولى من يبين للعامة ذلك ويحذرهم من خطر الوقوع في حبائل كيد الكافرين بما يشيعونه بين العامة من أن المجاهدين من العرب خاصة جاءوا لهدم المذهب الحنفي، وأنتم تدركون أن هذا من دس الكافرين للتفريق بين المسلمين وبذر الفتنة بينهم، ولا يخفاكم أن أتباع الأئمة المجتهدين لم يكونوا يفسقون من يخالفهم فضلا عن أن يكفروه، ولم يكونوا يروا اتباع إمام غير إمامهم منكرا تجب محاربته، وهذه هي عقيدة علماء المسلمين جميعا، وواجبكم أيها الإخوة أن تحولوا دون وقوع الفتن بين المسلمين، وذلك ببيان الحق وتبصير العامة ودرء المفسدة والاعتصام بالكتاب والسنة، وبيان أن أتباع الأئمة الأربعة كلهم إخوة في الله يصلي بعضهم خلف بعض ويعرف له حقه وفضله، وإن اختلفوا في بعض المسائل الفرعية، وأتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كلهم من الحنابلة ويعترفون بفضل الأئمة الأربعة ويعتبرون أتباع المذاهب الأربعة إخوة لهم في الله، فأرجو إيضاح هذا الأمر للناس حتى لا ينجح العدو فيما أراده من التفرقة بين المجاهدين الأفغان وإخوانهم من العرب وغيرهم من أتباع الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) ﵏.
سدد الله رأيكم، وبارك في جهودكم ونصر بكم الحق، وجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين الناصرين لدين الله، والذائدين عن شريعته والدعاة إليه على بصيرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2117
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في لقاء مع " المجاهد " (١) .
стр. 2118
س١: نرجو من سماحتكم إعطاء كلمة الفصل حول فرضية الجهاد؟
ج١: الجهاد الأفغاني جهاد شرعي لدولة كافرة، فالواجب دعمه ومساعدة القائمين به بجميع أنواع الدعم، وهو على إخواننا الأفغان فرض عين للدفاع عن دينهم وإخوانهم ووطنهم، وعلى غيرهم فرض كفاية، لقول الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تعم إخواننا المجاهدين في أفغانستان وجميع المجاهدين في سبيل الله في فلسطين والفلبين وغيرهم.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٣) » . ونسأل الله أن يوفق إخواننا المجاهدين في سبيله في بلاد الأفغان وغيرها
стр. 2119
للنصر المؤزر وأن يعينهم على جهاد أعداء الله ويثبت قلوبهم وأقدامهم ويجمع كلمتهم على الحق، وأن يخذل أعداء الله أين ما كانوا ويجعل الدائرة عليهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 2120
س٢: هل يتابع سماحتكم أخبار المجاهدين بنفسه، وهل تتصلون بهم شخصيا أم أنكم تكتفون بالتقارير المرسلة إليكم؟
ج٢: نفعل هذا وهذا، نتابع أخبار الجهاد حسب الإمكان ونقرأ ما تيسر من التقارير عن جهادهم.
стр. 2121
س٣: ما هو تقويمكم لمدى انتشار مذهب أهل السنة والجماعة في صفوف المسلمين في جميع أنحاء العالم؟ .
ج٣: الذي بلغني من طرق كثيرة أن الحركة الإسلامية بحمد الله قوية وواسعة في جميع أنحاء المعمورة، وأن الداخلين في الإسلام في أول هذا القرن وفي آخر القرن الرابع عشر الماضي كثيرون وذلك يبشر بخير والحمد لله.
وقد علمت من طرق كثيرة أن نشاط الدعاة إلى الله قد أثمر ثمارا كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا وأوربا وأستراليا، وهذا يبشر بخير والحمد لله، ويوجب مضاعفة الجهود من جميع الدعاة كما يوجب حسن الظن بالله وسؤاله سبحانه العون والتوفيق حتى تكون الفائدة أكثر والعاقبة أحسن.
стр. 2122
س٤: هناك طائفة من المنتسبين للدعوة الإسلامية يرون عدم التحدث عن توحيد الأسماء والصفات بحجة أنه يسبب فرقة بين المسلمين ويشغلهم عن واجبهم وهو الجهاد الإسلامي، ما مدى صحة تلك النظرة؟ .
ج٤: هذه النظرة خاطئة، فقد أوضح الله في كتابه الكريم
стр. 2123
أسماءه وصفاته ونوه بذلك ليعلمها المؤمنون ويسموه بها ويصفوه بها ويثنوا عليه بها . قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ في خطبه وفي أحاديثه مع أصحابه بذكره لأسماء الله وصفاته وثنائه على الله بها وحثه على ذلك ﵊.
فالواجب على أهل العلم والإيمان أن ينشروا أسماءه وصفاته وأن يذكروها في خطبهم ومؤلفاتهم ووعظهم وتذكيرهم؛ لأن الله سبحانه بها يعرف وبها يعبد، فلا تجوز الغفلة عنها ولا الإعراض عن ذكرها بحجة أن بعض العامة قد يلتبس عليه الأمر أو لأن بعض أهل البدع قد يشوش على العامة في ذلك، بل يجب كشف هذه الشبهة وإبطالها وبيان أن الواجب إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله جل وعلا من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل حتى يعلم الجاهل الحكم في ذلك وحتى يقف المبتدع عند حده وتقام عليه الحجة.
وقد بين أهل السنة والجماعة في كتبهم أن الواجب على المسلمين ولا سيما أهل العلم إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، وعدم تأويلها وعدم تكييف صفات الله بل يجب أن تمر كما جاءت مع الإيمان بأنها حق وأنها صفات لله وأسماء له سبحانه وأن معانيها حق موصوف بها ربنا على الوجه اللائق به كالرحمن والرحيم والعزيز والحكيم والقدير والسميع والبصير إلى غير ذلك.
فيجب أن تمر كما جاءت مع الإيمان بها واعتقاد أنه سبحانه لا مثيل له ولا شبيه له ولا كفو له ولكن لا نكيفها؛ لأنه لا يعلم كيفية صفاته إلا هو، فكما أنه سبحانه له ذات لا تشبه الذوات ولا يجوز تكييفها فكذلك له صفات لا تشبه الصفات ولا يجوز تكييفها. فالقول في الصفات كالقول في الذات يحتذى حذوه ويقاس عليه، هكذا
стр. 2124
قال أهل السنة جميعا من أصحاب الرسول ﷺ ومن بعدهم ﵃ جميعا، قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) وقال : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٧) الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 2125
س٥: هل يشرع للمجاهد تأخير البيان عن وقت الحاجة عندما يرى بعض المجاهدين يخالفون بعض أنواع التوحيد؟ .
ج٥: القاعدة الكلية: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإذا وجد من يجهل الحق وجب أن يعلم ممن يعلم الحق ولا يجوز تأخيره من أجل مراعاة خاطر فلان.
فإذا سمع المؤمن من يشرك بالله أو رأى بدعة تخالف شرع الله أو معصية ظاهرة وجب الإنكار على أهل البدع والمعاصي بالأسلوب الحسن ووجب بيان الحق المتعلق بتوحيد الله أو بإنكار البدعة أو بإنكار المعصية بالأسلوب الذي يرجو فيه النفع مع مراعاة الرفق والحكمة في ذلك كله.
أما السنن فأمرها أوسع، ولو ترك التنبيه على بعضها إذا كان في ذلك مصلحة شرعية فلا بأس، كالجهر بالتأمين ورفع اليدين في الصلاة وما أشبه ذلك من السنن إذا كان تأخير الكلام عنها إلى وقت
стр. 2126
آخر أو إلى اجتماع آخر يراه أصلح فالأمر أوسع في ذلك؛ لأنها سنن وليست من الفرائض.
стр. 2127
س٦: فضيلة الشيخ: كثير من الخلاف الذي ينشأ بين العاملين في حقل الدعوة إلى الله والذي يسبب الفشل وذهاب الريح - كثير منه ناشئ بسبب الجهل بأدب الخلاف. فهل لكم من كلمة توجيهية في هذا الموضوع؟ .
ج٦: نعم، الذي أوصي به جميع إخواني من أهل العلم والدعوة إلى الله هو تحري الأسلوب الحسن والرفق في الدعوة وفي مسائل الخلاف عند المناظرة والمذاكرة في ذلك وأن لا تحمله الغيرة والحدة على أن يقول ما لا ينبغي أن يقول مما يسبب الفرقة والاختلاف والتباغض والتباعد، بل على الداعي إلى الله والمعلم والمرشد أن يتحرى الأساليب النافعة والرفق في كلمته حتى تقبل كلمته وحتى لا تتباعد القلوب عنه، كما قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١)
وقال سبحانه لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) والله يقول سبحانه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤) الآية.
стр. 2128
ويقول ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (١) » ويقول ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٢) » .
فعلى الداعي إلى الله والمعلم أن يتحرى الأساليب المفيدة النافعة وأن يحذر الشدة والعنف؛ لأن ذلك قد يفضي إلى رد الحق وإلى شدة الخلاف والفرقة بين الإخوان، والمقصود هو بيان الحق والحرص على قبوله والاستفادة من الدعوة، وليس المقصود إظهار علمك أو إظهار أنك تدعو إلى الله أو أنك تغار لدين الله، فالله يعلم السر وأخفى، وإنما المقصود أن تبلغ دعوة الله وأن ينتفع الناس بكلمتك. فعليك بأسباب قبولها وعليك الحذر من أسباب ردها وعدم قبولها.
стр. 2129
س٧: من خلال معرفة سماحتكم بتاريخ الرافضة، ما هو موقفكم من مبدأ التقريب بين أهل السنة وبينهم؟ .
ج٧: التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة غير ممكن؛ لأن العقيدة مختلفة، فعقيدة أهل السنة والجماعة توحيد الله وإخلاص العبادة لله ، وأنه لا يدعى معه أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأن الله هو الذي يعلم الغيب، ومن عقيدة أهل السنة محبة الصحابة ﵃ جميعا والترضي عنهم والإيمان بأنهم أفضل خلق الله بعد الأنبياء وأن أفضلهم أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عن الجميع، والرافضة خلاف ذلك فلا يمكن الجمع بينهما، كما أنه لا يمكن الجمع بين اليهود والنصارى والوثنيين وأهل السنة، فكذلك لا يمكن التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة لاختلاف العقيدة التي أوضحناها.
стр. 2130
س٨: وهل يمكن التعامل معهم لضرب العدو الخارجي كالشيوعية وغيرها؟ .
ج٨: لا أرى ذلك ممكنا، بل يجب على أهل السنة أن يتحدوا وأن يكونوا أمة واحدة وجسدا واحدا وأن يدعوا الرافضة أن يلتزموا بما دل عليه كتاب الله وسنة الرسول ﷺ من الحق، فإذا التزموا بذلك صاروا إخواننا وعلينا أن نتعاون معهم، أما ما داموا مصرين على ما هم عليه من بغض الصحابة وسب الصحابة إلا نفرا قليلا وسب الصديق وعمر وعبادة أهل البيت كعلي ﵁ وفاطمة والحسن والحسين، واعتقادهم في الأئمة الاثنتي عشرة أنهم معصومون وأنهم يعلمون الغيب؛ كل هذا من أبطل الباطل وكل هذا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 2131
س٩: ما هو موقف المسلم من الخلافات المذهبية المنتشرة بين الأحزاب والجماعات؟ .
ج٩: الواجب عليه أن يلزم الحق الذي يدل عليه كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وأن يوالي على ذلك ويعادي على ذلك، وكل حزب أو مذهب يخالف الحق يجب عليه البراءة منه وعدم الموافقة عليه.
فدين الله واحد، وهو الصراط المستقيم وهو عبادة الله وحده واتباع رسوله محمد ﵊.
فالواجب على كل مسلم أن يلزم هذا الحق وأن يستقيم عليه؛ وهو طاعة الله واتباع شريعته التي جاء بها نبيه محمد ﵊ مع الإخلاص لله في ذلك وعدم صرف شيء من العبادة لغيره ، فكل مذهب يخالف ذلك وكل حزب لا يدين بهذه العقيدة يجب أن يبتعد عنه وأن يتبرأ منه وأن يدعو أهله إلى الحق بالأدلة
стр. 2132
الشرعية مع الرفق وتحري الأسلوب المفيد ويبصرهم بالحق.
стр. 2133
س١٠: ما حكم الأفغانيين المقيمين بين الشيوعيين؟ .
ج١٠: هذا فيه تفصيل؛ فإن كانت إقامتهم بين الشيوعيين لعجزهم عن الهجرة فهم معذورون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣)
وعليهم أن يبادروا بالهجرة من حين يقدرون عليها إلى بلاد يظهرون فيها دينهم ويأمنون فيها على أنفسهم. أما إذا قدر أحد على الهجرة وتساهل فهو آثم، وهو على خطر عظيم؛ لأن الهجرة واجبة بإجماع المسلمين مع الاستطاعة، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير الآيات المذكورة، فقد أوضح ﵀ أن الهجرة واجبة مع القدرة من كل بلد يظهر فيها الكفر، ولا يستطيع المسلم إظهار دينه فيها.
стр. 2134
س١١: يلحظ فضيلتكم وكل أحد، انتشار الصحوة الإسلامية لدى المسلمين وفي صفوف الشباب خاصة. فما رأي فضيلتكم في ترشيد هذه الصحوة، وما هي المحاذير التي تخافونها على هذه الصحوة؟
ج١١: تقدم في جواب بعض الأسئلة أن الحركة الإسلامية التي نشطت في
стр. 2135
أول هذا القرن وفي آخر القرن السابق أنها تبشر بخير وأنها بحمد الله حركة منتشرة في أرجاء المعمورة وأنها - في مزيد وتقدم.
وأن الواجب على المسلمين دعمها ومساندتها والتعاون مع القائمين بها ولا شك أن القائمين بها يجب أن يدعموا ويساعدوا وأن يحذروا من الزيادة والنقص، فإن كل دعوة إسلامية وكل عمل إسلامي، للشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى جفا وإما إلى غلو.
فعلى أهل العلم والبصيرة أن يدعموا هذه الدعوة وأن يوجهوا القائمين بها إلى الاعتدال والحذر من الزيادة حتى لا يقعوا في البدعة والغلو، والحذر من النقص، وحتى لا يقعوا في الجفا والتأخر عن حق الله، وأن تكون دعوتهم وحركتهم إسلامية مستقيمة على دين الله، ملتزمة بالصراط المستقيم الذي هو الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ من غير غلو ولا جفا، وبذلك تستقيم هذه الحركة وتؤدي ثمارها على خير وجه. وعلى قادتها بوجه أخص أن يهتموا بهذا الأمر وأن يعتنوا به غاية العناية حتى لا تزل الأقدام إلى جفا أو غلو. والله ولي التوفيق.
стр. 2136
س١٢: تسمعون عن جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة، فما هي انطباعاتكم نحوها؟ .
ج١٢: الذي بلغنا عنها هو الخير والاستقامة وأن دعوتها بحمد الله مؤثرة ونافعة ومفيدة، وأنها تسير على منهح السلف الصالح فنسأل الله لها وللقائمين عليها المزيد من الخير.
стр. 2137
س١٣: أثبتت مجلة " المجاهد " بعدم إخراجها للصور الفوتوغرافية وغيرها من الأنواع المحرمة - أنه يمكن الإخراج المتميز بدون اللجوء إلى هذه الأمور المحرمة هل لكل من كلمة تحثون فيها المجلات الإسلامية كي تحذو حذوها في هذا الأمر؟ .
ج١٣: لا ريب أن إخراج المجلات والصحف اليومية وغيرها بدون تصوير هو الواجب؛ لأن الرسول ﷺ لعن المصورين وأخبر أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وهذا يعم التصوير الشمسي والتصوير الذي له ظل، ومن فرق فليس عنده دليل على التفرقة. وإذا كان التصوير للنساء صار الأمر أشد حرمة وأسوأ عاقبة وأكثر فسادا، فالواجب منع الجميع، والذي يجب على محرري الصحف والمجلات هو تقوى الله ، والتقيد بشرعه والحذر مما يخالف أمره والحرص على الوقوف عند حدوده.
стр. 2138
س١٤: ما هو تقويم سماحتكم للإعلام الإسلامي؟ هل أدى الدور الملقى عليه تجاه القضية الأفغانية؟
ج١٤: أنا بسبب شغلي الكثير وضيق أوقاتي لست ممن يستمع الأخبار إلا قليلا، فلا أستطيع أن أحكم على وسائل الإعلام في هذا الباب. ولكني أقول إن الواجب على وسائل الإعلام الإسلامية العناية بدور المجاهدين والجهاد في أفغانستان والتشجيع على دعمهم ومساعدتهم والحرص على كل ما من شأنه جمع كلمتهم واستمرارهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم.
س١٥: ختاما هل من كلمة توجهونها لأسرة مجلة "المجاهد"؟
ج١٥: نعم، نوصي القائمين عليها بالاستمرار في إصدارها والعناية بنشر
стр. 2139
المقالات المفيدة للمسلمين عموما وللمجاهدين خصوصا، وبيان الحق في مسائل الخلاف التي تنتشر بين المجاهدين بأدلته الشرعية حتى يزول الخلاف ويلتزم الجميع بالحق، وذلك بمراسلة علماء السنة في ذلك ونشر أجوبتهم. وأن يلتزموا بعدم نشر الصور عملا بالأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، كما قد سارت مشكورة على ذلك في أعدادها السابقة.
وأسأل الله لجميع القائمين عليها وعلى رأسهم أخونا المجاهد صاحب الفضيلة الشيخ جميل الرحمن كل توفيق وتسديد إنه سميع قريب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2140
دعم المجاهدين والمهاجرين الأفغان من أفضل القربات وأعظم الصدقات (١) .