← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

س١٢: تسمعون عن جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة، فما هي انطباعاتكم نحوها؟ . ج١٢: الذي بلغنا عنها هو الخير والاستقامة وأن دعوتها بحمد الله مؤثرة ونافعة ومفيدة، وأنها تسير على منهح السلف الصالح فنسأل الله لها وللقائمين عليها المزيد من الخير.

стр. 2137

س١٣: أثبتت مجلة " المجاهد " بعدم إخراجها للصور الفوتوغرافية وغيرها من الأنواع المحرمة - أنه يمكن الإخراج المتميز بدون اللجوء إلى هذه الأمور المحرمة هل لكل من كلمة تحثون فيها المجلات الإسلامية كي تحذو حذوها في هذا الأمر؟ . ج١٣: لا ريب أن إخراج المجلات والصحف اليومية وغيرها بدون تصوير هو الواجب؛ لأن الرسول ﷺ لعن المصورين وأخبر أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وهذا يعم التصوير الشمسي والتصوير الذي له ظل، ومن فرق فليس عنده دليل على التفرقة. وإذا كان التصوير للنساء صار الأمر أشد حرمة وأسوأ عاقبة وأكثر فسادا، فالواجب منع الجميع، والذي يجب على محرري الصحف والمجلات هو تقوى الله ، والتقيد بشرعه والحذر مما يخالف أمره والحرص على الوقوف عند حدوده.

стр. 2138

س١٤: ما هو تقويم سماحتكم للإعلام الإسلامي؟ هل أدى الدور الملقى عليه تجاه القضية الأفغانية؟ ج١٤: أنا بسبب شغلي الكثير وضيق أوقاتي لست ممن يستمع الأخبار إلا قليلا، فلا أستطيع أن أحكم على وسائل الإعلام في هذا الباب. ولكني أقول إن الواجب على وسائل الإعلام الإسلامية العناية بدور المجاهدين والجهاد في أفغانستان والتشجيع على دعمهم ومساعدتهم والحرص على كل ما من شأنه جمع كلمتهم واستمرارهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم. س١٥: ختاما هل من كلمة توجهونها لأسرة مجلة "المجاهد"؟ ج١٥: نعم، نوصي القائمين عليها بالاستمرار في إصدارها والعناية بنشر

стр. 2139

المقالات المفيدة للمسلمين عموما وللمجاهدين خصوصا، وبيان الحق في مسائل الخلاف التي تنتشر بين المجاهدين بأدلته الشرعية حتى يزول الخلاف ويلتزم الجميع بالحق، وذلك بمراسلة علماء السنة في ذلك ونشر أجوبتهم. وأن يلتزموا بعدم نشر الصور عملا بالأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، كما قد سارت مشكورة على ذلك في أعدادها السابقة. وأسأل الله لجميع القائمين عليها وعلى رأسهم أخونا المجاهد صاحب الفضيلة الشيخ جميل الرحمن كل توفيق وتسديد إنه سميع قريب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2140

دعم المجاهدين والمهاجرين الأفغان من أفضل القربات وأعظم الصدقات (١) .

стр. 2141

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فيقول الله ﵎ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) الآية. ويقول رسول الله ﷺ «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٢) » . ويقول ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٣) » ويقول ﷺ «من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا (٤) » . فمساعدة المجاهدين والمهاجرين الأفغانيين من أفضل القربات ومن أعظم الأعمال الصالحات من الزكاة وغيرها، ومن حكمة الزكاة في الإسلام والصدقات أن يشعر المسلم برابطة تجذبه نحو أخيه لأنه يشعر بما يؤلمه ويحس بما يقع عليه من كوارث ومصائب فيرق له قلبه ويعطف عليه ليدفع مما آتاه الله بنفس راضية وقلب مطمئن بالإيمان. والمجاهدون الأفغان والمهاجرون منهم - وفقهم الله جميعا - يعانون مشكلات في حياتهم عظيمة فيصبرون عليها رغم أن عدوهم وعدو الدين الإسلامي يضربهم بقوته وأسلحته وبكل ما يستطيع من صنوف الدمار وهم

стр. 2142

بحمد الله صامدون ومصرون على مواصلة الجهاد في سبيل الله، كما تتحدث عنهم الأخبار والصحف ومن شاركهم في الجهاد من الثقات لم يضعفوا ولم تلن شكيمتهم إلا أن مشكلتهم نتجت من الدمار الذي حل بديارهم والتخريب الذي أحدثته أسلحة الروس وطائراتهم والفاقة التي حلت بأهليهم مما تسبب في هجرة جماعية إلى الباكستان وغيرها، فقد ذكرت الأنباء الأخيرة بأن عدد اللاجئين الأفغان قد وصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين في الباكستان وحدها كلهم هربوا من ديارهم وأماكن رزقهم وأصبحوا بدون مأوى ولا مصدر رزق إلا ما يسره الله ممن أفاء الله عليه بنعمه ليجود بما يستطيع. وإنها لدعوة أوجهها لإخواننا المسلمين في كل مكان بأن يقدموا لإخوانهم الأفغان مما آتاهم الله من الرزق، ومن ذلك الزكاة التي فرضها الله في أموالهم حقا لمن حددهم الله جل وعلا في سورة التوبة وهم ثمانية، قد دخل إخواننا المجاهدين والمهاجرون الأفغان في ضمنهم. والله ﵎ عندما فرض الحق في مال الغني لأخيه المسلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (١) ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) وقوله سبحانه ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) فإنه يثيب المسلم على ما يقدم لإخوانه ثوابا عاجلا وثوابا أخرويا يجد جزاءه عنده في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما أنه يدفع عنه في الدنيا بعض المصائب التي لولا الله سبحانه ثم الصدقات والإحسان لحلت به أو بماله أو بولده فدفع الله بلاءها بصدقته الطيبة وعمله

стр. 2143

الصالح، يقول الرسول ﷺ «ما نقص مال من صدقة (١) » ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (٢) » . ويقول ﷺ في الحديث الصحيح «اتقوا النار ولو بشق تمرة (٣) » . وإخوانكم الأفغان أيها المسلمون يقاسون آلام الجوع والغربة والحرب الضروس فهم في أشد الحاجة إلى الكساء والطعام وفي حاجة إلى الدواء، كما أن المجاهدين منهم في أشد الضرورة إلى هذه الأشياء وإلى السلاح الذي يقاتلون به أعداء الله وأعداءهم فجودوا عليهم أيها المسلمون مما أعطاكم الله وأعطفوا عليهم يبارك الله لكم وتأسوا برسول الله ﷺ في اهتمامه بمن في مثل حالة المهاجرين الأفغان الذين طردوا من ديارهم وبيوتهم كما جاء في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال والآية التي في الحشر تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ تهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده

стр. 2144

من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارها شيء (١) » رواه مسلم في صحيحه. ثم هذه النفقة تؤجرون عليها وتخلف عليكم كما قال الله سبحانه ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ : «يقول الله يا ابن آدم أنفق ننفق عليك (٤) » . مع العلم بأن الجهات التي تسلم لها المساعدة هي شركة الراجحي المصرفية للاستثمار ومصرف السبيعي وبنك الرياض والبنك الأهلي. ونسأل الله أن يضاعف أجركم ويتقبل منكم ما تجودون به وأن يعين المجاهدين الأفغان وغيرهم من المجاهدين في سبيله في كل مكان ويثبت أقدامهم في جهادهم وأن ينصرهم على عدو الإسلام وعدوهم إنه سميع قريب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2145

شكر النعمة حقيقته وعلاماته (١) .

стр. 2146

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. فمن المعلوم أن الله جل وعلا أسبغ علينا نعما كثيرة، ولم يزل يسبغ على عباده النعم الكثيرة، وهو المستحق لأن يشكر على جميع النعم. والشكر قيد النعم، إذا شكرت النعم اتسعت وبارك الله فيها وعظم الانتفاع بها، ومتى كفرت النعم زالت وربما نزلت العقوبات العاجلة قبل الآجلة. فالنعم أنواع منوعة: نعمة الصحة في البدن والسمع والبصر والعقل وجميع الأعضاء، وأعظم من ذلك وأكبر: نعمة الدين والثبات عليها والعناية بها والتفقه فيها، قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فأعظم النعم نعمة الدين، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب حتى أبان لعباده دينه العظيم ووضحه لهم ثم وفقك أيها المسلم وهداك حتى كنت من أهله. فهذه النعمة العظيمة التي يجب أن نشكر الله عليها غاية الشكر. وإنما يعرف قدرها وعظمتها من نظر في حال العالم وما نزل بهم من أنواع الكفر والشرك والضلال وما ظهر بين العالم من أنواع الفساد والانحراف وإيثار

стр. 2147

العاجلة والزهد في الآجلة. وما انتشر أيضا من أضرار الشيوعية والعلمانية وأفكار الدعاة لهما، ومعلوم ما تشتمل عليه هذه الأفكار من الكفر بالله وبجميع الأديان والرسالات والكتب المنزلة من السماء. وهكذا ما ابتلي به الكثير من الناس من عبادة أصحاب القبور والأوثان والأصنام وصرف خالص حق الله إلى غيره. وكذلك ما ابتلي به الكثير من البدع والخرافات وأنواع الضلال والمعاصي. وإنما تعرف النعم وعظم شأنها وما لأهلها من الخير عندما يعرف ضدها في هذه الشرور الكثيرة وما لأهلها من العواقب الوخيمة، فنعمة الإسلام عاقبتها الجنة والكرامة والوصول إلى دار النعيم بجوار الرب الكريم في دار لا يفنى نعيمها، ولا يبلى شباب أهلها، ولا تزول صحتهم ولا أمنهم، بل هم في صحة دائمة وأمن دائم وشباب لا يبلى وخير لا ينفد وجوار للرب الكريم، كما قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ (١) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢) ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٣) ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٤) ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ (٥) ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٦) ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما أهل الكفر والضلال فمصيرهم إلى دار الهون. إلى عذاب شديد وإلى جحيم وزقوم في دار دائمة لا ينتهي عذابها ولا يموت أهلها، كما قال الله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٨)

стр. 2148

فمن فكر في هذا الأمر وعرف نعمة الله عليه فإن الواجب عليه أن يشكر هذه النعمة بالثبات عليها، وسؤال الله سبحانه أن يوفقه للاستمرار عليها حتى الموت والحفاظ عليها بطاعة الله وترك معصيته والتعوذ بالله من أسباب الضلال والفتن ومن أسباب زوال النعم. وعليه أيضا شكر النعم الأخرى غير نعمة الإسلام مما يحصل للعبد من الصحة والعافية وغير ذلك من نعم الله الكثيرة كالأمن في الوطن والأهل والمال. وقد يكون سوقها إليك أيها العبد من أسباب إسلامك وإيمانك بالله، وقد يكون ذلك ابتلاء وامتحانا مع كفرك وضلالك. قد تمتحن بوجودك في محل آمن وصحة وعافية ومال كثير، وأنت مع ذلك منحرف عن الله وعن طاعته فهذا يكون من الابتلاء والامتحان وإقامة الحجة عليك ليزيد في عذابك يوم القيامة إذا مت على هذه الحالة السيئة.. فالشكر حقيقته أن تقابل نعم الله بالإيمان به وبرسله ومحبته والاعتراف بإنعامه وشكره على ذلك بالقول الصالح والثناء الحسن والمحبة للمنعم وخوفه ورجائه والشوق إليه والدعوة إلى سبيله والقيام بحقه. ومن الإيمان بالله ورسله الإيمان بأفضلهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ والتمسك بشريعته. فمن شكر الله أن تؤمن بالله إلها ومعبودا حقا وأنه الخلاق والرزاق العليم وأنه المستحق لأن يعبد وحده وتؤمن بأنه رب العالمين وأنه لا إله غيره ولا معبود بحق سواه، وتؤمن بأسمائه وصفاته وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته لا شريك له ولا شبيه له ولا يقاس بخلقه جل وعلا كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال تعالى:

стр. 2149

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) ومن الإيمان بالله سبحانه أن تؤمن بأنه هو المستحق للعبادة كما تقدم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وقال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦) إلخ، وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٧) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٨) إلخ، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٩) إلخ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١٠) إلخ، فالله هو المستحق لأن يعبد وحده بدعائنا ورجائنا وخوفنا وصلاتنا ونذورنا وذبحنا وغير ذلك من أنواع العبادة. وبهذا تعلم أن ما يفعله الجهلة حول القبور من الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر لأهلها - أن هذا هو الشرك الأكبر وأنه يناقضه قول لا إله إلا الله. وتعرف أيضا أن من أنكر اليوم الآخر والبعث والنشور والجنة والنار فهو من أكفر خلق الله ولم يؤمن بالله بل كافر بالله ودينه. إلخ. والشيوعيون الملحدون قد توافرت فيهم أنواع الكفر والضلال كما توافرت فيمن عبد غير الله وأشرك معه غيره من عباد القبور والأوثان وعباد الأنبياء والصالحين وعباد الأصنام والكواكب والشمس والقمر ونحو ذلك، كما قال تعالى:

стр. 2150

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (٢) إلخ، وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤) ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) ومن صرف العبادة لغير الله كمن صرفها للجن أو الملائكة أو للبدوي أو للحسين أو غيرهم من الخلق فقد أشرك بالله غيره وعبد مع الله سواه ونقض بذلك قوله (لا إله إلا الله) وكفر بنعم الله التي أنعم بها عليه بالصحة والعافية وبالرسل وبرسولنا محمد ﷺ ، وهذا أعظم كفر للنعم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٦) إلخ. وهذه العقيدة الصحيحة هي التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وجاء بها أكملهم وإمامهم وأفضلهم ونصيبنا منهم محمد ﷺ جاء يدعو إلى توحيد الله والإخلاص له. وأرسل رسله إلى القبائل تدعوهم إلى توحيد الله وإلى البلدان، كذلك كما بعث عليا ومعاذا وأبا موسى الأشعري ﵃ إلى اليمن. وأقام في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى توحيد الله وأقام في المدينة عشر سنين يدعو إلى توحيد الله واتباع شريعته وإنما بدأ بالدعوة إلى التوحيد

стр. 2151

لأنه هو الأساس، فهو أساس الإيمان والدين وأساس الشكر لله المنعم، وبه بدأ الرسل كلهم كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) الآية. فمن فاته توحيد الله والإخلاص له فإن جميع أعمالهم كلها باطلة لا تنفعه بشيء، كما قال تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) والشكر لله سبحانه على نعمة التوحيد وغيرها من النعم من أعظم الواجبات وأفضل القربات، وهو يكون بقلبك محبة لله وتعظيما له ومحبة فيه وموالاة فيه. شوقا إلى لقائه وجناته، فهو سبحانه العالي فوق خلقه والمستوي على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، وليس المعنى استولى كما تقول المبتدعة من الجهمية وغيرهم، بل هو بمعنى: ارتفع فوق عرشه كما قال السلف ﵏ بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه يعلم كل شيء وليس يخفى عليه شيء . ومما اشتهر في ذلك قول مالك ﵀ لما سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) كيف استوى؟ " فأجاب ﵀ بقوله: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " وبقوله قال أهل السنة والجماعة ﵏. والمراد بقوله: " والسؤال عنه بدعة " - يعني الكيف؛ لأنه لا يعلمه إلا الله ، أما الاستواء فمعلوم، وهو العلو والارتفاع، وروي هذا

стр. 2152

المعنى عن أم سلمة ﵂ وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما. ومن الشكر بالقلب لله أيضا محبة المؤمنين والمرسلين وتصديقهم فيما جاءوا به ولا سيما نبينا محمد ﷺ ، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) ومن الشكر بالقلب أيضا أن تعتقد جازما أن العبادة حق لله وحده ولا يستحقها أحد سواه. ومن الشكر لله بالقلب الخوف من الله ورجاؤه ومحبته حبا يحملك على أداء حقه وترك معصيته وأن تدعو إلى سبيله وتستقيم على ذلك. ومن ذلك الإخلاص له والإكثار من التسبيح والتحميد والتكبير. ومن الشكر أيضا الثناء باللسان وتكرار النطق بنعم الله والتحدث بها والثناء على الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الشكر يكون باللسان والقلب والعمل. وهكذا شكر ما شرع الله من الأقوال يكون باللسان. وهناك نوع ثالث وهو الشكر بالعمل. بعمل الجوارح والقلب؛ ومن عمل الجوارح أداء الفرائض والمحافظة عليها كالصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال كما قال تعالى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) الآية. ومن الشكر بالقلب الإخلاص لله ومحبته والخوف منه ورجاؤه كما تقدم

стр. 2153

والشكر لله سبب للمزيد من النعم كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١) ومعنى تأذن: يعني أعلم عباده بذلك وأخبرهم أنهم إن شكروا زادهم وإن كفروا فعذابه شديد، ومن عذابه أن يسلبهم النعمة، ويعاجلهم بالعقوبة فيجعل بعد الصحة المرض وبعد الخصب الجدب وبعد الأمن الخوف وبعد الإسلام الكفر بالله وبعد الطاعة المعصية. فمن شكر الله أن تستقيم على أمره وتحافظ على شكره حتى يزيدك من نعمه، فإذا أبيت إلا كفران نعمه ومعصية أمره فإنك تتعرض بذلك لعذابه وغضبه، وعذابه أنواع؛ بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة. ومن عذابه في الدنيا: سلب النعم كما قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٢) وتسليط الأعداء وعذاب الآخرة أشد وأعظم كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) فأخبر سبحانه أن الشاكرين قليلون وأكثر الناس لا يشكرون. فأكثر الناس يتمتع بنعم الله ويتقلب فيها ولكنهم لا يشكرونها بل هم ساهون لاهون غافلون كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٥) فلا يتم الشكر إلا باللسان واليد والقلب جميعا. وبهذا المعنى يقول الشاعر:

стр. 2154

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا والمؤمن من شأنه أن يكون صبورا شكورا كما قال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١) فالمؤمن صبور على المصائب شكور على النعم، صبور مع أخذه بالأسباب وتعاطيه الأسباب، فإن الصبر لا يمنع الأسباب، فلا يجزع من المرض ولكن لا مانع من الدواء. فلا يجزع من قلة المزرعة أو ما يصيبها ولكن يعالج المزرعة بما يزيل من أمراضها، فالصبر لازم وواجب، ولكن لا يمنع العلاج والأخذ بالأسباب. فالمؤمن يصبر على ما أصابه ويعلم أنه بقدر الله وله فيه الحكمة البالغة ويعلم أن الذنوب شرها عظيم وعواقبها وخيمة فيبادر بالتوبة من الذنوب والمعاصي. فعليك أيها المسلم أن تتوب إلى الله حتى يصلح لك ما كان فاسدا ويرد عليك ما كان غائبا. وقد صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (٢) » فقد يفعل الإنسان ذنبا يحرم به من نعم كثيرة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) وقال جل وعلا ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤) الآية، وقال سبحانه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥)

стр. 2155

فالمصائب فيها دعوة للرجوع إلى الله وتنبيه للناس لعلهم يرجعون إليه. فالعلاج الحقيقي للذنوب يكون بالتوبة إلى الله وترك المعاصي والصدق في ذلك، ومن جملة ذلك العلاج: ما شرع الله من العلاج الحسي فإنه من طاعة الله، كما قال النبي ﷺ : «عباد الله تداووا ولا تتداووا بحرام (١) » . فالمؤمن صبور عند البلايا في نفسه وأهله وولده شكور عند النعم بالقيام بحقه والتوبة إليه كما قال النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن فإن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له (٢) » رواه مسلم في الصحيح من حديث صهيب بن سنان ﵁. ومن الشكر لله لزوم السنة والحذر من البدع. فإن كثيرا من الناس قد يبتلى بالبدعة تقليدا وتأسيا بغيره، وأسبابها الجهل. والبدعة نوع من كفران النعم وعدم الشكر لله . ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس في كثير من البلدان من الاحتفال بمولد النبي ﷺ في ربيع الأول، ويعتقدون أن ذلك مستحب جهلا منهم وتقليدا لغيرهم، وذلك غلط لا أساس له في الشرع المطهر، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وقد يقع في هذا الاحتفال أشياء منكرة من شرب الخمور واختلاط النساء بالرجال بل قد يقع فيه قصائد بها شرك أكبر مثل ما قد وقع في البردة للبوصيري وذلك في قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وكما وقع في قصيدة البرعي اليمني وما فيها من الشرك الأكبر في دعاء النبي ﷺ .

стр. 2156

فالاحتفالات بالموالد سواء كان مولد النبي ﷺ أو الموالد الأخرى كمولد البدوي أو ابن علوان أو الحسين أو علي ﵄ كلها بدعة منكرة أحدثها الناس ولم تكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا في القرون المفضلة. وأول من أحدثها هم الشيعة الباطنية وهم بنو عبيد القداح المعروفون بالفاطميين الذين ملكوا مصر والمغرب في المائة الرابعة والخامسة، وأحدثوا احتفالات كثيرة بالموالد، كمولد النبي ﷺ والحسين وغيرهما، ثم تابعهم غيرهم بعد ذلك، وهذا فيه تشبه بالنصارى واليهود في أعيادهم، وفيه إحياء لاجتماعات فيها كثير من المعاصي والشرك بالله، حتى ولو فعلها كثير من الناس، ذلك لأن الحق لا يعرف بالناس وإنما يعرف الحق بالأدلة الشرعية في الكتاب والسنة. وقد نبه كثير من العلماء على ذلك منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي وآخرون رحمة الله عليهم، ومن استحسنها من بعض المنتسبين للعلم فقد غلط غلطا بينا لا تجوز متابعته عليه. فإن تعظيم الرسول ﷺ وإظهار فضله وشأنه لا يكون بالبدع بل باتباع شرعه وتعظيم أمره ونهيه والدعوة إلى سنته وتعليمها الناس في المساجد والمدارس والجامعات لا بإقامة احتفالات مبتدعة باسم المولد؛ لما تقدم من الأدلة الشرعية، ولما يقع فيها من الغلو والشرور الكثيرة، وربما صار فيها الاختلاط وشرب الخمور، بل قد يقع فيها ما هو أكثر من ذلك من الشرك الأكبر كما سبق التنبيه على ذلك. وقد وقع في الناس أيضا تقليد لهؤلاء، فقد احتفل الناس بعيد ميلاد أولادهم أو عيد الزواج، فهذا أيضا من المنكرات وتقليد للكفرة. فليس لنا إلا عيدان عيد الفطر وعيد النحر وأيام التشريق وعرفة والجمعة. فمن اخترع عيدا جديدا فقد تشبه بالنصارى واليهود. قال ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » وقال: «من أحدث

стр. 2157

في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » ، وقال ﵊: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٢) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على أهل الإسلام أن يسلكوا طريق النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وأتباعهم من السلف الصالح وأن يتركوا البدع المحدثة بعدهم. وهذا كله من شكر الله قولا وعملا وعقيدة. وأسأل الله أن يوفقنا جميعا للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا العمل بالسنة والاستقامة عليها وأن يوفقنا لشكر نعمه قولا وعملا وعقيدة مع الثبات على الحق. كما نسأله سبحانه أن يصلح جميع ولاة أمور المسلمين وأن يوفقهم لكل خير وأن يرزقهم البطانة الصالحة وأن يعينهم على إقامة أمر الله في أرض الله وعلى إقامة حدود الله على عباد الله وأن يولي على جميع أمور المسلمين خيارهم وأن يعيذهم من مضلات الفتن إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 2158

من برنامج نور على الدرب

стр. 2159

س١: سؤال من السودان: - يقول مرسله: قسم الشيخ النووي ﵀ في شرحه موضوع البدعة إلى خمسة أقسام: (١) بدعة واجبة. ومثالها: نظم أدلة المتكلمين على الملاحدة. (٢) المندوبة. ومثالها: تصنيف كتب العلم. (٣) المباحة. مثالها: التبسط في ألوان الطعام. (٤) (٥) الحرام والمكروه. وهما واضحان. والسؤال: يقول الرسول ﷺ : «كل بدعة ضلالة (١) » أرجو توضيح ذلك مع ما يقصده الشيخ النووي ﵀. بارك الله فيكم. ج١: هذا الذي نقلته عن النووي في تقسيمه البدعة إلى خمسة أقسام قد ذكره جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن البدعة تنقسم إلى أقسام خمسة: واجبة ومستحبة، ومباحة، محرمة، مكروهة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن البدعة كلها ضلالة وليس فيها تقسيم بل كلها كما قال النبي ﷺ ضلالة، قال عليه الصلاه والسلام «كل بدعة ضلالة (٢) » هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ؛ ومنها ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة ويقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٣) » وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث من حديث عائشة ومن حديث العرباض بن سارية وأحاديث أخرى.

стр. 2160

وهذا هو الصواب، أنها لا تنقسم إلى هذه الأقسام التي ذكر النووي وغيره بل كلها ضلالة، والبدعة تكون في الدين لا في الأمور المباحة، كالتنوع في الطعام على وجه جديد لا يعرف في الزمن الأول، فهذا لا يسمى بدعة من حيث الشرع المطهر وإن كان بدعة من حيث اللغة، فالبدعة في اللغة هي الشيء المحدث على غير مثال سبق، كما قال ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) يعني مبتدعها وموجدها على غير مثال سابق، لكن لا يقال في شيء أنه في الشرع المطهر بدعة إلا إذا كان محدثا لم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على شرعيته، وهذا هو الحق الذي ارتضاه جماعة من أهل العلم وقرروه وردوا على من خالف ذلك. أما تأليف الكتب وتنظيم الأدلة في الرد على الملحدين وخصوم الإسلام فلا يسمى بدعة؛ لأن ذلك مما أمر به الله ورسوله وليست ذلك بدعة، فالقرآن الكريم جاء بالرد على أعداء الله وكشف شبههم بالآيات الواضحات، وجاءت السنة بذلك أيضا بالرد على خصوم الإسلام، وهكذا المسلمون من عهد الصحابة إلى عهدنا هذا. فهذا كله لا يسمى بدعة بل هو قيام بالواجب وجهاد في سبيل الله وليس ببدعة، وهكذا بناء المدارس والقناطر وغير هذا مما ينفع المسلمين لا يسمى بدعة من حيث الشرع؛ لأن الشرع أمر بالتعليم، فالمدارس تعين على التعليم، وكذلك الربط للفقراء؛ لأن الله أمر بالإحسان إلى الفقراء والمساكن، فإذا بني لهم مساكن وسميت ربطا فهذا مما أمر الله به، وهكذا القناطر على الأنهار، كل هذا مما ينفع الناس وليس ببدعة، بل هو أمر مشروع، وتسميته بدعة إنما يكون من حيث اللغة؛ كما قال عمر ﵁ في التراويح لما جمع الناس على إمام واحد وقال: (نعمت البدعة هذه) ، مع أن التراويح سنة مؤكدة فعلها النبي ﷺ وحث عليها ورغب فيها، فليست بدعة بل هي سنة

стр. 2161

ولكن سماها عمر بدعة من حيث اللغة؛ لأنها فعلت على غير مثال سابق؛ لأنهم كانوا في عهد النبي ﷺ وبعده يصلون أوزاعا في المسجد ليسوا على إمام واحد، هذا يصلي مع اثنين وهذا يصلي مع ثلاثة، «وصلى بهم النبي ﵇ ثلاث ليال ثم ترك وقال: إني أخشى أن تفرض عليكم صلاة الليل (١) » فتركها خوفا على أمته أن تفرض عليهم، فلما توفي ﷺ أمن ذلك، ولذا أمر بها عمر ﵁. فالحاصل أن قيام رمضان سنة مؤكدة وليست بدعة من حيث الشرع. وبذلك يعلم أن كل ما أحدثه الناس في الدين مما لم يشرعه الله فإنه يسمى بدعة وهي بدعة ضلالة، ولا يجوز فعلها، ولا يجوز تقسيم البدع إلى واجب وإلى سنة وإلى مباح. إلخ؛ لأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية الثابتة عن النبي ﷺ كما سبق إيضاح ذلك. والله ولي التوفيق. س٢: سؤال من السودان أيضا: يقول السائل: قال الله تعالى في كتابه الكريم ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أخبر بأن والديه في النار. السؤال: ألم يكونا من أهل الفترة وأن القرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله. ج٢: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣) فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة، والحجة قد تقوم عليهم يوم القيامة، كما جاءت السنة بأن أهل الفترات يمتحنون ذلك اليوم، فمن أجاب وامتثل نجا

стр. 2162

ومن عصى دخل النار، والنبي ﷺ قال «إن أبي وأباك في النار لما سأله رجل عن أبيه قال: إن أباك في النار فلما رأى ما في وجهه من التغير قال: إن أبي وأباك في النار (١) » خرجه مسلم في صحيحه. وإنما قال له النبي ﷺ ذلك ليتسلى به ويعلم أن الحكم ليس خاصا بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة؛ أعني أبا الرجل وأبا النبي ﷺ ، فلهذا قال النبي ﵇: «إن أبي وأباك في النار (٢) » قالهما عن علم ﵊؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، قال الله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٣) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٤) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٥) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦) فلعل عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي ما قال، ﵊، وكان علم ذلك مما عرفته قريش من دين إبراهيم ﵊ فإنها كانت على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمرو بن لحي الخزاعي حين تولى مكة وسرى في الناس ما أحدثه عمرو المذكور من بث الأصنام والدعوة إلى عبادتها من دون الله، فلعل عبد الله قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل وهو ما سارت عليه قريش من عبادة الأصنام فتابعهم في باطله، فلهذا قامت عليه الحجة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار لأنه أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم (٧) » ومن هذا ما جاء في الحديث أنه ﷺ «استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له فاستأذن أن يزورها فأذن له (٨) » . أخرجه مسلم في صحيحه. فلعله بلغها ما تقوم به الحجة عليها من بطلان دين قريش كما بلغ زوجها عبد الله، فلهذا نهي ﷺ عن الاستغفار لها، ويمكن أن يقال: إن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم وأمرهم

стр. 2163

إلى الله في الآخرة. فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) فكل من كان في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة، والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم كأطفال الكفار؛ لأن الرسول ﷺ لما سئل عنهم قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين (٢) » فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فإن أجابوا جوابا صحيحا نجوا وإلا صاروا مع الهالكين. وقال جمع من أهل العلم: إن أطفال الكفار من الناجين؛ لكونهم ماتوا على الفطرة؛ ولأن النبي ﷺ رآهم حين دخل الجنة في روضة مع إبراهيم ﵇ هم وأطفال المسلمين. وهذا قول قوي لوضوح دليله. أما أطفال المسلمين فهم من أهل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة. والله أعلم وأحكم.

стр. 2164

س٣: له سؤال: وردت الأدلة على حصول الأجر من الله سبحانه في قراءة القرآن الكريم، فهل يحصل الأجر من الله على قراءة الأحاديث النبوية؟ ج٣: قراءة القرآن تقربا إلى الله سبحانه فيها أجر عظيم، وهكذا قراءة أحاديث رسول الله ﷺ وتحفظها فيها أجر عظيم؛ لأن ذلك عبادة لله وطريق لطلب العلم والتفقه في الدين، وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب التعلم والتفقه في الدين حتى يعبد المسلم ربه على بصيرة، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » وقوله

стр. 2165

صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » ، وقال ﵇: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده (٢) » . وجاء في قراءة القرآن أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة (٣) » رواه مسلم، وقال ذات يوم ﵊: «أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان [وادي في المدينة] فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: كلنا نحب ذلك يا رسول الله. قال: ألا يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين وثلاث خير من ثلاث وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل (٤) » أو كما قال ﵊، أخرجه مسلم في الصحيح. وهذا يدل على فضل قراءة القرآن وتعلمه. ومن ذلك حديث ابن مسعود المشهور المخرج في جامع الترمذي بإسناد حسن عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها (٥) » وهكذا السنة إذا تعلمها المؤمن بقراءة الأحاديث ودراستها وتحفظها ومعرفة الصحيح منها من غيره يكون له بذلك أجر عظيم؛ لأن هذا من تعلم العلم الذي قال فيه النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٦) » كما تقدم. وهذا يدل على أن قراءة الآيات وتدبرها ودراسة الأحاديث وحفظها والمذاكرة فيها رغبة في العلم والتفقه في الدين والعمل بذلك - من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وهكذا قول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٧) » المتفق على صحته يدل على فضل العلم وطلبه وأن ذلك من علامات الخير كما سبق. فالتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب ويكون من طريق السنة، فالتفقه في السنة من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، كما أن التفقه في القرآن

стр. 2166

يدل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة والحمد لله. اهـ. س٤: عندنا من المشايخ الصوفية من يهتمون بعمل القباب على الأضرحة والناس يعتقدون فيهم الصلاح والبركة، فإن كان هذا الأمر غير مشروع فما هي نصيحتكم لهم وهم قدوة في نظر السواد الأعظم من الناس. أفيدونا بارك الله فيكم. اهـ. ج٤: النصيحة للعلماء الصوفية ولغيرهم من أهل العلم أن يأخذوا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وأن يعلموا الناس ذلك وأن يحذروا اتباع من قبلهم فيما يخالف ذلك فليس الدين بتقليد المشايخ ولا غيرهم وإنما الدين ما يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أجمع عليه أهل العلم وعن الصحابة ﵃، هكذا يؤخذ الدين لا عن تقليد زيد أو عمرو ولا عن مشايخ الصوفية ولا غيرهم. وقد دلت السنة الصحيحة عن رسول الله ﵊ على أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا اتخاذ المساجد عليها، ولا اتخاذ القباب، ولا أي بناء؛ كل ذلك محرم بنص الرسول ﵊ ومن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » قالت: ﵂ يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما أنهما «ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور فقال ﷺ : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (٢) »

стр. 2167

فأخبر ﵊ أن الذين يتخذون المساجد على القبور هم شرار الخلق. وهكذا من يتخذ عليها الصور؛ لأنها دعاية إلى الشرك ووسيلة له؛ لأن العامة إذا رأوا هذا عظموا المدفونين واستغاثوا بهم ودعوهم من دون الله وطلبوهم المدد والعون، وهذا هو الشرك الأكبر وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ المخرج في صحيح مسلم ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (١) » هكذا رواه مسلم في الصحيح. فدل ذلك على فضل الصديق ﵁ وأنه أفضل الصحابة وخيرهم وأنه لو اتخذ النبي خليلا لاتخذه خليلا ﵁، ولكن الله جل وعلا منعه من ذلك حتى تتمخض محبته لربه ، وفي الحديث دلالة على تحريم البناء على القبور واتخاذ مساجد عليها وعلى ذم من فعل ذلك من ثلاث جهات: إحداها: ذمه من فعل ذلك، والثانية: قوله: «فلا تتخذوا القبور مساجد (٢) » ، والثالثة: قوله: «فإني أنهاكم عن ذلك (٣) » . فحذر من البناء على القبور بهذه الجهات الثلاث فوجب على أمته أن يحذروا ما حذرهم منه وأن يبتعدوا عما ذم الله به من قبلهم من اليهود والنصارى ومن تشبه بهم من اتخاذ المساجد على القبور والبناء عليها، وهذه الأحاديث التي ذكرنا صريحة في ذلك. والحكمة في ذلك كما قال أهل العلم: الذريعة الموصلة إلى الشرك الأكبر. فعبادة أهل القبور بدعائهم والاستغاثة والنذور والذبائح لهم وطلب المدد والعون منهم كما هو واقع الآن في بلدان كثيرة في السودان ومصر وفي الشام وفي العراق وفي بلدان أخرى - كل ذلك من الشرك الأكبر، يأتي الرجل العامي الجاهل فيقف على صاحب القبر المعروف عندهم فيطلبه المدد والعون كما يقع عند قبر البدوي والحسين وزينب

стр. 2168

والست نفيسة، وكما يقع في السودان عند قبور كثيرة وكما يقع في بلدان أخرى، وكما يقع في بعض الحجاج الجهال عند قبر النبي ﷺ في المدينة وعند قبور أهل البقيع وقبور أخرى يقع هذا من الجهال، فهم يحتاجون إلى التعليم والبيان والعناية من أهل العلم حتى يعرفوا دينهم على بصيرة. فالواجب على أهل العلم جميعا الذين من الله عليهم بمعرفة دينهم على بصيرة سواء كانوا من الصوفية أو غيرهم، أن يتقوا الله وأن ينصحوا عباد الله وأن يعلموهم دينهم وأن يحذروهم من البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب أو غير ذلك من أنواع البناء، وأن يحذروهم من الاستغاثة بالموتى ودعائهم فالدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده، كما قال الله سبحانه ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) يعني من المشركين، وقال ﵊: «الدعاء هو العبادة (٣) » وقال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (٤) » فالميت قد انقطع عمله وعلمه بالناس وهو في حاجة أن يدعى له ويستغفر له ويترحم عليه لا أن يدعى من دون الله، يقول النبي ﵇: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٥) » فكيف يدعى من دون الله؟ وهكذا الأصنام وهكذا الأشجار والأحجار والقمر والشمس والكواكب كلها لا تدعى من دون الله ولا يستغاث بها وهكذا أصحاب القبور وإن كانوا أنبياء أو صالحين وهكذا الملائكة والجن لا يدعون مع الله فالله سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) فالله لا يأمر باتخاذ

стр. 2169

الملائكة والنبيين أربابا من دونه؛ لأن ذلك كفر بنص الآية. وفي حديث جابر عند مسلم في صحيحه يقول ﵁: «نهى رسول الله عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها (١) » وما ذاك إلا لأن تجصيصها والبناء عليها وسيلة إلى الشرك بأهلها والغلو فيهم. أما القعود عليها فهو امتهان لها، فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز البول عليها والتغوط عليها، ونحو ذلك من أنواع الإهانة؛ لأن المسلم محترم حيا وميتا لا يجوز أن يداس قبره ولا أن تكسر عظامه ولا أن يقعد على قبره ولا أن يبال عليه ولا أن توضع عليه القمائم. كل هذا ممنوع، فالميت لا يمتهن ولا يعظم بالغلو فيه ودعائه مع الله والطواف بقبره ونحو ذلك من أنواع الغلو، وبذلك يعلم أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالأمر الوسط بشأن الأموات فلا يغلى فيهم ويعبدون مع الله ولا يمتهنون بالقعود على قبورهم ونحو ذلك وهي وسط في كل الأمور والحمد لله؛ لأنها تشريع من حكيم عليم يضع الأمور في مواضعها كما قال : ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) ومن هذا ما جاء في الحديث الصحيح يقول ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها (٣) » فجمعت الشريعة الكاملة العظيمة بين الأمرين؛ بين تحريم الغلو بدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم والصلاة إلى قبورهم وبين النهي عن إيذائهم وامتهانهم والجلوس على قبورهم أو الوطء عليها والاتكاء عليها، كل هذا ممنوع فلا هذا ولا هذه. وبهذا يعلم المؤمن ويعلم طالب الحق أن الشريعة جاءت بالوسط لا بالشرك ولا بالإيذاء. فالميت المسلم يدعى له ويستغفر له ويسلم عليه عند زيارته، أما أن يدعى من دون الله أو يطاف بقبره أو يصلى إليه فلا، أما الحي الحاضر فلا بأس بالتعاون معه فيما أباح الله؛ لأن له قدرة

стр. 2170

على ذلك، فيجوز شرعا التعاون معه بالأسباب الحسية، وهكذا الإنسان مع إخوانه ومع أقاربه يتعاونون في مزارعهم، وفي إصلاح بيوتهم، وفي إصلاح سياراتهم ونحو ذلك، يتعاونون بالأسباب الحسية المباحة المقدور عليها فلا بأس بذلك، وهكذا مع الغائب الحي عن طريق الهاتف أو عن طريق المكاتبة ونحو ذلك كل هذا تعاون حسي لا بأس به في الأمور المقدورة المباحة. كما أن الإنسان القادر الحي يتصرف بالأسباب الحسية فيعينك بيده ويبني معك أو يعطيك مالا، هدية أو قرضا، فالتعاون مع الأحياء شيء جائز بشروطه المعروفة أما الاستغاثة بالأموات أو بالغائبين بغير الأسباب الحسية فشرك أكبر بإجماع أهل العلم ليس فيه نزاع بين الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان وأهل البصيرة. والبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب كذلك منكر معلوم عند أهل العلم، جاءت الشريعة بالنهي عنه لكونه وسيلة إلى الشرك فالواجب على أهل العلم أن يتقوا الله أينما كانوا وأن ينصحوا عباد الله وأن يعلموهم شريعة الله وأن لا يجاملوا زيدا ولا عمرا، فالحق أحق أن يتبع بل عليهم أن يعلموا الأمير والصغير والكبير ويحذر الجميع مما حرم الله عليهم ويرشدوهم إلى ما شرع الله لهم، وهذا هو الواجب على أهل العلم أينما كانوا من طريق الكلام الشفهي ومن طريق الكتابة ومن طريق التأليف أو من طريق الخطابة في الجمعة وغيرها أو من طريق الهاتف أو من أي الطرق التي وجدت الآن والتي تمكن على تبليغ دعوة الله ونصح عباده. والله ولي التوفيق.

стр. 2171

حكم الإسلام في عيد الأم والأسرة

стр. 2172

اطلعت على ما نشرته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر بتاريخ ٣٠ \ ١١ \ ١٣٨٤ هـ تحت عنوان: (تكريم الأم. وتكريم الأسرة) فألفيت الكاتب قد حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعته الغرب من تخصيص يوم في السنة يحتفل فيه بالأم وأورد عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا اليوم وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما يرون زملاءهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم، واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد؛ لأن الشريعة الإسلامية قد أوجبت تكريم الأم وبرها في كل وقت فلم يبق هناك حاجة لتخصيص يوم من العام لتكريم الأم. ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا العيد التي قد غفل عنها من أحدثه، ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في الدين حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه، وحصل بسبب ذلك من اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق عليه وفي لفظ لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » والمعنى:

стр. 2173

فهو مردود على من أحدثه، وكان ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (١) » خرجه مسلم في صحيحه. ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته المرضيون فوجب تركه وتحذير الناس منه والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله. وقد سبق أن الكاتب أشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم الأم والتحريض على برها كل وقت، وقد صدق في ذلك، فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها، والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع وليس ذلك خاصا بالأم بل قد شرع الله للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما وصلة جميع القرابة، وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة وخص الأم بمزيد العناية والبر لأن عنايتها بالولد أكبر وما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته أكثر، قال الله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٥) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق

стр. 2174

الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور (١) » . «وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ثم الأقرب فالأقرب (٢) » وقال ﵊ «لا يدخل الجنة قاطع (٣) » يعني قاطع رحم. وصح عنه ﷺ أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه (٤) » والآيات والأحاديث في بر الوالدين وصلة الرحم، وبيان تأكيد حق الأم كثيرة مشهورة وفيما ذكرنا منها كفاية ودلالة على ما سواه وهي تدل من تأملها دلالة ظاهرة على وجوب إكرام الوالدين جميعا واحترامهما والإحسان إليهما، وإلى سائر الأقارب في جميع الأوقات وترشد إلى أن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم من أقبح الصفات والكبائر التي توجب النار وغضب الجبار، نسأل الله العافية من ذلك، وهذا أبلغ وأعظم مما أحدثه الغرب من تخصيص الأم بالتكريم في يوم من السنة فقط ثم إهمالها في بقية العام مع الإعراض عن حق الأب وسائر الأقارب. ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على هذا الإجراء من الفساد الكبير مع كونه مخالفا لشرع أحكم الحاكمين، وموجبا للوقوع فيما حذر منه رسوله الأمين. ويلتحق بهذا التخصيص والابتداع ما يفعله كثير من الناس من الاحتفال بالموالد وذكرى استقلال البلاد أو الاعتلاء على عرش الملك وأشباه ذلك، فإن هذه كلها من المحدثات التي قلد فيها كثير من المسلمين غيرهم من أعداء الله، وغفلوا عما جاء به الشرع المطهر من التحذير من ذلك والنهي عنه، وهذا مصداق الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن (٥) » . وفي لفظ آخر: «لتأخذن أمتي

стр. 2175

مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال فمن (١) » والمعنى فمن المراد إلا أولئك. فقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من متابعة هذه الأمة إلا من شاء الله منها لمن كان قبلهم من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة في كثير من أخلاقهم وأعمالهم حتى استحكمت غربة الإسلام وصار هدي الكفار وما هم عليه من الأخلاق والأعمال أحسن عند الكثير من الناس مما جاء به الإسلام، وحتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، عند أكثر الخلق؛ بسبب الجهل والإعراض عما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة المستقيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في الدين وأن يصلح أحوالهم ويهدي قادتهم وأن يوفق علماءنا وكتابنا لنشر محاسن ديننا والتحذير من البدع والمحدثات التي تشوه سمعته وتنفر منه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واتبع سنته إلى يوم الدين.
следующие страницы →