← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

حكم الإسلام في عيد الأم والأسرة

стр. 2172

اطلعت على ما نشرته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر بتاريخ ٣٠ \ ١١ \ ١٣٨٤ هـ تحت عنوان: (تكريم الأم. وتكريم الأسرة) فألفيت الكاتب قد حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعته الغرب من تخصيص يوم في السنة يحتفل فيه بالأم وأورد عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا اليوم وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما يرون زملاءهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم، واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد؛ لأن الشريعة الإسلامية قد أوجبت تكريم الأم وبرها في كل وقت فلم يبق هناك حاجة لتخصيص يوم من العام لتكريم الأم. ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا العيد التي قد غفل عنها من أحدثه، ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في الدين حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه، وحصل بسبب ذلك من اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق عليه وفي لفظ لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » والمعنى:

стр. 2173

فهو مردود على من أحدثه، وكان ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (١) » خرجه مسلم في صحيحه. ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته المرضيون فوجب تركه وتحذير الناس منه والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله. وقد سبق أن الكاتب أشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم الأم والتحريض على برها كل وقت، وقد صدق في ذلك، فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها، والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع وليس ذلك خاصا بالأم بل قد شرع الله للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما وصلة جميع القرابة، وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة وخص الأم بمزيد العناية والبر لأن عنايتها بالولد أكبر وما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته أكثر، قال الله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٥) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق

стр. 2174

الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور (١) » . «وسأله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ثم الأقرب فالأقرب (٢) » وقال ﵊ «لا يدخل الجنة قاطع (٣) » يعني قاطع رحم. وصح عنه ﷺ أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه (٤) » والآيات والأحاديث في بر الوالدين وصلة الرحم، وبيان تأكيد حق الأم كثيرة مشهورة وفيما ذكرنا منها كفاية ودلالة على ما سواه وهي تدل من تأملها دلالة ظاهرة على وجوب إكرام الوالدين جميعا واحترامهما والإحسان إليهما، وإلى سائر الأقارب في جميع الأوقات وترشد إلى أن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم من أقبح الصفات والكبائر التي توجب النار وغضب الجبار، نسأل الله العافية من ذلك، وهذا أبلغ وأعظم مما أحدثه الغرب من تخصيص الأم بالتكريم في يوم من السنة فقط ثم إهمالها في بقية العام مع الإعراض عن حق الأب وسائر الأقارب. ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على هذا الإجراء من الفساد الكبير مع كونه مخالفا لشرع أحكم الحاكمين، وموجبا للوقوع فيما حذر منه رسوله الأمين. ويلتحق بهذا التخصيص والابتداع ما يفعله كثير من الناس من الاحتفال بالموالد وذكرى استقلال البلاد أو الاعتلاء على عرش الملك وأشباه ذلك، فإن هذه كلها من المحدثات التي قلد فيها كثير من المسلمين غيرهم من أعداء الله، وغفلوا عما جاء به الشرع المطهر من التحذير من ذلك والنهي عنه، وهذا مصداق الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن (٥) » . وفي لفظ آخر: «لتأخذن أمتي

стр. 2175

مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال فمن (١) » والمعنى فمن المراد إلا أولئك. فقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من متابعة هذه الأمة إلا من شاء الله منها لمن كان قبلهم من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة في كثير من أخلاقهم وأعمالهم حتى استحكمت غربة الإسلام وصار هدي الكفار وما هم عليه من الأخلاق والأعمال أحسن عند الكثير من الناس مما جاء به الإسلام، وحتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، عند أكثر الخلق؛ بسبب الجهل والإعراض عما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة المستقيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في الدين وأن يصلح أحوالهم ويهدي قادتهم وأن يوفق علماءنا وكتابنا لنشر محاسن ديننا والتحذير من البدع والمحدثات التي تشوه سمعته وتنفر منه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واتبع سنته إلى يوم الدين.

стр. 2176

الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا .

стр. 2177

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد. فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء المبارك بإخوان لنا في الدين من حجاج بيت الله الحرام وغيرهم، ونسأله سبحانه أن يجعله اجتماعا مباركا نافعا للمسلمين معينا على طاعة الله ومعينا على كفاح الدعوات الهدامة والأفكار المنحرفة. كما أشكره سبحانه على ما من به من شرعيته سبحانه حج بيته الحرام الذي يتضمن لقاء المسلمين من أقطار الدنيا ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) وليعبدوه وحده ويخصوه بأنواع القربات ويرفعوا حوائجهم إليه سبحانه عند بيته العتيق وفي المشاعر المقدسة ويقفوا بين يديه ينادونه بعرفات، وفي المشعر الحرام ليغفر لهم ويقبل حجهم ويعتقهم وليطوفوا ببيته العتيق وبين الصفا والمروة يرجون رحمته ويخافون عذابه متأسين برسول الله ﷺ وصحابته الكرام. وقد جاءوا من كل فج عميق ليؤدوا هذا الواجب العظيم وليستفيدوا من

стр. 2178

حجهم أنواعا من طاعة الله وتناصحا بينهم وإخوانهم الحجاج والعمار وتعاونا على البر والتقوى ودراسات وافية لكل مشاكلهم وللنظر فيما ينفعهم في الدنيا والآخرة وليتواصوا بالحق ويدعوا إليه. ولا شك أن منافع الحج لا تحصى. وإن من نعم الله أن جعله كل عام ولم يوجبه في العمر إلا مرة واحدة، ولكن الله شرعه كل عام على سبيل التنفل والتقرب إليه ، أما الوجوب فمرة واحدة في العمر لمن استطاع السبيل إلى ذلك، وجعل هذا المسجد الكريم المسجد الحرام ومسجد نبيه ﷺ بالمدينة المنورة ملتقى أولياء الله والعلماء من عباده وملتقى المسلمين من جميع أقطار الدنيا ليستفيدوا من حجهم ومن زيارتهم مسجد نبيه ﷺ وليتقربوا إلى ربهم وليعبدوه وحده وليستفيدوا من العلماء والدعاة إلى الله ومن حلقات العلم في المسجدين الشريفين فإن ذلك من نعم الله على الحجاج وغيرهم من زائري المسجد الحرام والمسجد النبوي والمقيمين حولهما. وإن هذه الندوة المباركة تتعلق بالإسلام والمسلمين في جنوب شرق آسيا. ولا شك أن هذه المنطقة من الدنيا في أشد الحاجة إلى النشاط الإسلامي وتكاتف الدعاة إلى الله وإنشاء الجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية والجامعات الإسلامية والمدارس والمعاهد الإسلامية وتوفر النشاطات الإسلامية من منشآت ومستشفيات وغير ذلك مما يعين المسلمين هناك على معرفة دينهم ويساعدهم على كفاح أعدائهم. وإن هذه المنطقة مبتلاة بأفكار هدامة وجهود مكثفة من أعداء الله من تنصير ومن دعوة إلى النحلة الشيوعية والبوذية وإلى نحل أخرى هدامة خبيثة يدعو إليها جمع غفير من أعداء الله سبحانه. وإن الواجب على علماء الإسلام في هذه الدول دول جنوب شرق

стр. 2179

آسيا أشد من الواجب على غيرهم؛ لأنهم يباشرون هذه الحركات الهدامة ويرونها ويسمعونها. فالواجب عليهم الجهاد الصادق بالدعوة والتصدي لهذه الأفكار الهدامة والمذاهب الشيطانية والنحل المنحرفة وبيان بطلانها، وعليهم أن يتكاتفوا ضدها وأن يتعاونوا مخلصين لنشر الإسلام والدعوة إليه وبيان أحكامه ومحاسنه والرد على خصومه، وبيان باطلهم وضلالهم وما ينتهي إليه أمرهم. وإن على جميع الدول الإسلامية في جميع أقطار الدنيا أن يساعدوا المسلمين في هذه المنطقة التي ابتليت بهذه المذاهب الهدامة من تنصير وشيوعية، وبوذية وإباحية، وغير ذلك. وعلى علماء الإسلام في كل مكان أن يبذلوا الوسع في مساعدة إخوانهم من العلماء والدعاة في هذه المنطقة حتى يكافحوا جميعا هذا الخطر الداهم وحتى يتعاونوا جميعا في محاربته بكل وسيلة من الوسائل الشرعية. ولا ريب أن تثبيت الإسلام في هذه المنطقة والدعوة إليه ومكافحة خصومه يحتاج إلى جهود عظيمة وعناية مستمرة ونرجو أن يكون له المستقبل فيها وفي غيرها وأن يكلل الله جهود الدعاة إليه والمصلحين والعلماء بكل نجاح وتوفيق. لكن يجب على العلماء والدعاة إلى الله أينما كانوا أن ينظروا في الأدواء أولا ويجتهدوا في جمع المعلومات عنها في هذه المنطقة التي نحن بصددها وهي منطقة شرق آسيا، على العلماء والدعاة إلى الله المحليين وغيرهم من الدعاة الوافدين إلى هذه الدول أن يعنوا بمعرفة الأدواء ومعرفة أساليب الأعداء في التنصير وغيره حتى يضعوا الدواء على الداء وحتى يتوصلوا إلى العلاج الناجع بإذن الله. ولا شك أن هذا يحتاج إلى جهود مكثفة وصبر ومصابرة في جميع الدول ولا سيما دولة أندونيسيا فإنها أكبر دولة إسلامية في المنطقة والجهود التنصيرية مكثفة فيها، فالواجب على العلماء في أندونيسيا والواجب على الدعاة إلى الله من أبنائها وغيرهم من الوافدين إليها أن يتكاتفوا ويتعاونوا في وضع الحلول

стр. 2180

المناسبة ووصف العلاج المناسب لعلاج هذه الأدواء ومكافحة هذه الشرور وهذه الأفكار والمذاهب الخبيثة لعلهم يوفقون وينجحون. ومتى صدقوا في التعاون ومتى أخلصوا لله العمل ومتى تكاتفوا جادين مخلصين فإن الله ينصرهم ويعينهم ويكفيهم شر أعدائهم، وهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وهو القائل : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٣) وهو القائل : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وهو القائل سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٥) فهذا كله يبين لنا أن المسلمين إذا تكاتفوا وتعاونوا وصدقوا فإن الله قد وعدهم النصر ووعدهم حسن العاقبة. فعلينا معشر الدعاة إلى الله ومعشر العلماء ومعشر المسلمين جميعا في كل مكان أن لا نيأس وأن نحسن ظننا بمولانا جل وعلا، وأن نرجوه حسن العاقبة والتوفيق في أعمالنا وجهودنا لكن بعد أن نبذل الوسع وبعد أن نصدق فيما بيننا وبين الله وفيما بيننا وبين أنفسنا. ونتخذ الوسائل التي شرعها الله لنا في الدعوة إلى الله ومكافحة أعدائه بالأسلحة التي يستعملونها، وبما هو خير منها: ثقافية واقتصادية واجتماعية

стр. 2181

وسياسية وغير ذلك. فننظر في جهودهم وأعمالهم، وننظر في أساليبهم وأسلحتهم الخبيثة، ونقاومها بضدها مع الصدق والإخلاص لله والتعاون الصادق بيننا جميعا مع سؤال الله التوفيق والنجاح في أعمالنا وأقوالنا وسائر أحوالنا، إن أعداءنا لا يفترون وإنهم يتربصون بنا الدوائر. فعلينا أن نعد العدة دائما وأن نتكاتف ونتعاون في سبيل الحق والدعوة إليه والرد على الباطل وخصومه عملا بقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وبقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢) وقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وهناك جماعة من الدعاة في أندونيسيا وماليزيا وفي الفلبين وفي سنغافورا وفي تايلاند. نسأل الله أن ينفع بهم جميعا وأن يرزقهم الصدق في الدعوة إليه وتوجيه الناس إلى الخير ومكافحة أساليب الأعداء وأفكارهم الهدامة. ولنا مكتبان للدعوة في أندونيسيا وماليزيا، نسأل الله أن ينفع بهما وأن يبارك في الأسباب التي تنشر بها الدعوة وأن يوفق جميع الدعاة من الرئاسة والرابطة وسائر المسلمين ومن الدعاة المحليين للتعاون الصادق والحرص الكامل على أداء الواجب في الدعوة إليه وتشجيع الدعاة إليه، كما نسأله سبحانه، أن يوفق العاملين هناك من أصحاب الجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية والمدارس والمعاهد وسائر دور العلم للدعوة إلى الله والتعاون على البر والتقوى. كما نسأله سبحانه أن يوفق القائمين أيضا على المستشفيات الإسلامية

стр. 2182

والمستوصفات الإسلامية للقيام بواجبهم. فإن هذه الطرق وهذه الوسائل كلها من أنجح الوسائل ومن أنجح العوامل للدعوة إلى الحق وإحباط أعمال أعداء الله وخصوم الإسلام، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) فعلى العاملين أن يعملوا وأن يخلصوا لله نيتهم وأن يتكاتفوا صادقين على النهج الإسلامي على ضوء كتاب الله وسنة رسوله محمد ﵊، وعليهم أن يستمروا مع حسن الظن بالله وأن لا ييأسوا من نصر الله، بل عليهم أن يصبروا أعظم من صبر أعداء الله في باطلهم ويتكاتفوا أكثر من تكاتف أعداء الله في باطلهم وكفرهم وضلالهم وأن يعلموا أن العاقبة للمتقين والنصر لأوليائه المؤمنين كما قال : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤) ثم لا يفوتني في هذا المقام أن أشكر لحكومتنا وفقها الله وعلى رأسها جلالة الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله على ما تقوم به من دعم كبير لهذه الرابطة والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجميع قضايا المسلمين في كل مكان وما تبذله من جهود مباركة طيبة في حل مشاكل المسلمين وإصلاح ذات بينهم وما تبذله أيضا في مواساة المسلمين وحل أزماتهم وجبر مصائبهم ونكباتهم. نسأل الله المزيد من التوفيق والعون على كل خير

стр. 2183

كما لا يفوتني أن أشكر الرابطة على جهودها وأعمالها الطيبة وأشكر القائمين عليها على جهودهم وأعمالهم في صالح الإسلام وأهله. ومن جملة ذلك هذه الندوة المباركة وما بعدها من الندوات وعلى رأسهم الأخ الفاضل معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله نصيف زاده الله توفيقا وهدى. كما أشكر إخواني الحضور على مشاركتهم في هذه الليلة للاستفادة. وأسأل الله أن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين ومن الصالحين المصلحين وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم وأن يولي عليهم خيارهم وأن يكثر بينهم دعاة الهدى. كما أسأله جل وعلا أن يصلح قادة المسلمين في كل مكان وحكامهم وأن يرزقهم الاستقامة على دينه والتحكيم لشريعته والتحاكم إليها، فإن في تحكيم الشريعة والتحاكم إليها كل النجاح وكل الهدى والصواب وفي تحكيمها والعمل بها السعادة العاجلة والآجلة. وفي ذلك أيضا حل المشاكل والنصر على الأعداء واسترداد كل ما غبر من مجدنا السليب وعزنا الغابر الذي فرطنا فيه بسبب ما وقع منا من تقصير ومعاص. فلا سبيل إلى استرداد الأمجاد السابقة والعز الغابر والانتصار على الأعداء إلا بالله سبحانه. ثم الرجوع إلى الشريعة والاستقامة عليها أعني الشريعة الإسلامية والتحاكم إليها والحكم بها في كل شيء والثبات على ذلك حتى الموت. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 2184

واجب العلماء تجاه الأزمات الكثيرة والنكبات التي حلت بالعالم الإسلامي س١: ما واجب علماء المسلمين تجاه الأزمات والنكبات التي حلت بالعالم الإسلامي.

стр. 2185

ج١: مما لا شك فيه أن المعاصي والابتعاد عن عقيدة الإسلام الصحيحة قولا وعملا من أهم الأسباب التي حدث بسببها الأزمات والنكبات التي حلت بالمسلمين يقول الله جلت قدرته: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١) ويقول : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢) فالله جلت قدرته حليم على عباده غفور رحيم يرسل لهم الآيات والنذر لعلهم يرجعون إليه ليتوب عليهم، وإذا تقرب إليه عبده ذراعا تقرب سبحانه إلى عبده باعا لأنه تعالى يحب من عبده التوبة ويفرح بها وهو جل وعلا غني عن عباده، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، ولكنه بعباده رءوف رحيم، وهو الموفق لهم لفعل الطاعات وترك المعاصي والأزمات والنكبات ما هي إلا نذر لعباده ليرجعوا إليه، وبلوى يختبرهم بها، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥)

стр. 2186

وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على قادة المسلمين من العلماء والأمراء وغيرهم الاهتمام بكل مصيبة تحل أو نكبة تقع، وتذكير الناس وبيان ما وقعوا فيه وأن يكون ولاة الأمر من العلماء والحكام هم القدوة الصالحة في العمل الصالح والبحث عن مسببات غضب الله ونقمته، وعلاجها بالتوبة والاستغفار وإصلاح الأوضاع، والأمة تبع لهم؛ لأن هداية العالم وحكمة الوالي وصلاحهما من أهم المؤثرات في الرعية «فكلكم راع وكل مسئول عن رعيته (٤) » . وإذا استمرأ المسلمون المعاصي ولم ينكرها من بيده الأمر والحل والعقد، يوشك أن يعم الله الأمة بغضب منه، وإذا وقع غضب الله وحلت نقمته فإن ذلك يشمل المحسن والمسيء، عياذا بالله من ذلك، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥) الآية. وقال ﷺ : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه (٦) » رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكر الصديق، وقال الله سبحانه:

стр. 2187

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وعلى العلماء بالذات مسئولية كبيرة أمام الله في تبصير الناس وإرشادهم وبيان الصواب من الخطأ، والنافع من الضار. نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا لطاعة ربهم والتمسك بهدي نبيهم محمد ﷺ وأن يوفق قادتهم ويبصر علماءهم بطريق الرشاد حتى يسلكوه ويوجهوا الأمة إليه وأن يهدي ضال المسلمين ويصلح أحوالهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2188

س ٢: ما واجب علماء المسلمين حيال كثرة الجمعيات والجماعات في كثير من الدول الإسلامية وغيرها، واختلافها فيما بينها حتى إن كل جماعة تضلل الأخرى. ألا ترون من المناسب التدخل في مثل هذه المسألة بإيضاح وجه الحق في هذه الخلافات، خشية تفاقمها وعواقبها الوخيمة على المسلمين هناك؟ . جـ ٢: إن نبينا محمدا ﷺ بين لنا دربا واحدا يجب على المسلمين أن يسلكوه وهو صراط الله المستقيم ومنهج دينه القويم، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) كما نهى رب العزة والجلال أمة محمد ﷺ عن التفرق واختلاف الكلمة؛ لأن ذلك من أعظم أسباب الفشل وتسلط العدو كما في قوله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) وقوله تعالى:

стр. 2189

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) فهذه دعوة إلهية إلى اتحاد الكلمة وتآلف القلوب. والجمعيات إذا كثرت في أي بلد إسلامي من أجل الخير والمساعدات والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين دون أن تختلف أهواء أصحابها فهي خير وبركة وفوائدها عظيمة. أما إن كانت كل واحدة تضلل الأخرى وتنقد أعمالها فإن الضرر بها حينئذ عظيم والعواقب وخيمة. فالواجب على علماء المسلمين توضيح الحقيقة ومناقشة كل جماعة أو جمعية ونصح الجميع بأن يسيروا في الخط الذي رسمه الله لعباده ودعا إليه نبينا محمد ﷺ ، ومن تجاوز هذا أو استمر في عناده لمصالح شخصية أو لمقاصد لا يعلمها إلا الله- فإن الواجب التشهير به والتحذير منه ممن عرف الحقيقة، حتى يتجنب الناس طريقهم وحتى لا يدخل معهم من لا يعرف حقيقة أمرهم فيضلوه ويصرفوه عن الطريق المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه في قوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) ومما لا شك فيه أن كثرة الفرق والجماعات في المجتمع الإسلامي مما يحرص عليه الشيطان أولا، وأعداء الإسلام من الإنس ثانيا؛ لأن اتفاق كلمة المسلمين ووحدتهم وإدراكهم الخطر الذي يهددهم ويستهدف عقيدتهم يجعلهم ينشطون لمكافحة ذلك والعمل في صف واحد من أجل مصلحة المسلمين ودرء الخطر عن دينهم وبلادهم وإخوانهم وهذا مسلك لا يرضاه الأعداء من الإنس والجن، فلذا هم يحرصون على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم وبذر

стр. 2190

أسباب العداوة بينهم، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يزيل من مجتمعهم كل فتنة وضلالة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2191

س ٣: يحرص أعداء الله على التغلغل في ديار الإسلام بشتى الطرق فما المجهود الذي ترون بذله للوقوف أمام هذا التيار الذي يهدد المجتمعات الإسلامية. جـ ٣: هذا ليس بغريب من الدعاة إلى النصرانية أو اليهودية أو غيرهما من ملل الكفر ومذاهب الهدم؛ لأن الله سبحانه وبحمده قد أخبرنا عن ذلك بقوله في محكم التنزيل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢) الآية. ولهذا فإنهم يبذلون كل ما يستطيعون للنفوذ في ديار الإسلام ولهم طرقهم المختلفة في هذا منها: التشكيك وزعزعة الأفكار وهم دائبون على ذلك بدون كلل أو ملل تحركهم الكنيسة والحقد والبغضاء بالتوجيه والدفع والبذل. والجهود التي يجب أن تبذل هي التوعية والتوجيه لأبناء المسلمين من القادة والعلماء ومقابلة جهود أعداء الإسلام بجهود معاكسة. فأمة الإسلام أمة قد حملت أمانة هذا الدين وتبليغه. فإذا حرصنا في المجتمعات الإسلامية على تسليح أبناء وبنات المسلمين بالعلم والمعرفة والتفقه في الدين والتعويد على تطبيق ذلك

стр. 2192

من الصغر فإننا لن نخشى بإذن الله عليهم شيئا ما داموا متمسكين بدين الله معظمين له متبعين شرائعه محاربين لما يخالفه. بل العكس سيخافهم الأعداء لأن الله سبحانه وبحمده يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) ويقول : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فأهم عامل للوقوف أمام هذا التيار هو تهيئة جيل عارف بحقيقة الإسلام ويتم هذا بالتوجيه والرعاية في البيت والأسرة والمناهج التعليمية ووسائل الإعلام وتنمية المجتمع. يضاف إلى هذا دور الرعاية والتوجيه من القيادات الإسلامية والدأب على العمل النافع وتذكير الناس دائما بما ينفعهم وينمي العقيدة في نفوسهم: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٣) ولا ريب أن الغفلة من أسباب نفاذ أعداء الإسلام إلى ديار الإسلام بالثقافة والعلوم التي تباعد المسلمين عن دينهم شيئا فشيئا، وبذلك يكثر الشر بينهم ويتأثرون بأفكار أعدائهم، والله يأمر الفئة المؤمنة بالصبر والمصابرة والمجاهدة في سبيله بكل وسيلة، في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) وقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن

стр. 2193

يصلح أحوال المسلمين ويفقههم في الدين وأن يجمع كلمة قادتهم على الحق ويصلح لهم البطانة، إنه جواد كريم وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 2194

بيان جملة من المسائل المهمة التي يخفى حكمها على الكثير من الناس (١) . الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه كلمة موجزة في بيان بعض المسائل التي قد تخفى على كثير من الناس. فأقول: من المعلوم أن الله جل وعلا خلق الثقلين الجن والإنس لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها، وليس ذلك خاصا بالذكور دون الإناث ولا بالإناث دون الذكور، بل الدعوة للجميع. أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان حقه على عباده من الذكور والإناث من الجن والإنس. وهكذا خلقهم لهذا الأمر، خلقهم جميعا ذكورهم وإناثهم جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم أغنياءهم وفقراءهم حكامهم ومحكوميهم خلقوا جميعا ليعبدوا الله وليعملوا بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، هذا أمر مشترك بين الذكور والإناث والحكام والمحكومين والرؤساء والمرءوسين والجن والإنس والعرب والعجم والأغنياء والفقراء والبادية والحاضرة، فجميع الشعوب وجميع جنس الجن والإنس، كلهم مأمورون بطاعة الله ورسوله، وكلهم ما خلقوا إلا ليعبدوا الله ويعظموه ويطيعوه. وهذه مسألة عظية هي أعظم المسائل وأهمها وهي أن نعلم يقينا أن الله خلقنا جميعا لنعبده وحده، ونطيع أمره ونهيه، ونقف عند حدوده، ونحذر

стр. 2195

ما نهى عنه ونهى عنه رسوله ﷺ ، كلنا خلقنا لهذا الأمر، يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣) وهكذا يعم الذكور والإناث ويعم الحاكم والمحكوم ويعم الجن والإنس، ويعم العرب والعجم ويعم الأغنياء والفقراء، كلهم مأمورون بهذا الأمر، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥) ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٦) ويقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٧) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٨) في أمثال هذه الآيات التي عم فيها سبحانه جميع الناس بالأوامر، ليعلموا

стр. 2196

جميعا أنهم مأمورون بأن يعبدوا الله الذي خلقهم ويتقوه، وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، وهذه العبادة هي التقوى وهي الإيمان والهدى والبر، وهي الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، ومعناها أن نعبده وحده ونخصه بطاعاتنا وعباداتنا على الوجه الذي شرعه لنا لا نعبد معه سواه، ولا جنا ولا إنسا ولا أصناما ولا كواكب ولا غير ذلك، من المخلوقات بل نعبده وحده؟ كما قال سبحانه في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣) الآية ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) ويقول ﵎: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) في آيات كثيرة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه. ويقول النبي ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (٦) » ولما سئل عن الإسلام قال ﵊: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (٧) » ولما سئل عن الإيمان قال «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٨) » . ولما سئل عن الإحسان قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم

стр. 2197

تكن تراه فإنه يراك (١) » . وهذه الأمور مطلوبة من الجميع من الرجال والنساء على السواء عليهم جميعا أن يشهدوا أن لا إله إلا الله صدقا من قلوبهم، ويعتقدوا أنه لا معبود حق إلا الله وحده لا شريك له، ، فيدعوه وحده، ويصلوا له وحده، ويصوموا له وحده، ويخصوه بالعبادات كلها . وهكذا " شهادة أن محمدا رسول الله " على الرجل والمرأة أن يشهدا جميعا أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هو رسول الله حقا، أرسله الله إلى الناس عامة من الجن والإنس والعرب والعجم والذكور والإناث والأغنياء والفقراء والرؤساء والمرؤسين، عليهم جميعا أن يطيعوا هذا الرسول ﷺ ويصدقوه، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني ﵊، بعثه الله من أشرف قبيلة ومن أشرف بلاد، وهي مكة المكرمة وبأشرف دين، وهو الإسلام فعلى جميع الثقلين أن يؤمنوا به وينقادوا له ﵊، ويؤمنوا بأنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﵊، فهو رحمة لجميع العالمين ورسول لجميع العالمين من الجن والإنس، فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينقادوا لأوامره ونواهيه، ويعملوا بشرعه ﵊ ويشهدوا أنه خاتم النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٥)

стр. 2198

وهكذا على الجميع أن يقيموا الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في أوقاتها، رجالا ونساءا عربا وعجما جنا وإنسا، وعليهم أن يؤدوا الزكاة المفروضة في الأموال وأن يصوموا رمضان في كل سنة، وأن يحجوا البيت الحرام مع الاستطاعة مرة في العمر، وأن يؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومعناه: الإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب والجنة والنار، وعليهم أن يؤمنوا بالقدر خيره وشره، ومعناه: أن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وكتبها فآجالنا وأرزاقنا وأعمالنا كلها مكتوبة قد علمها الله وكتبها وقدرها ، فعلينا أن نعمل بما شرع الله لنا وأن نترك ما نهانا عنه، وكل ميسر لما خلق له. وكمال الدين أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا هو الإحسان، وهو أن تعبد ربك بصلاتك وغير ذلك كأنك تشاهده، حتى تنصح في العمل وحتى تكمل العمل، فإن لم تكن تراه ولم تستحضر ذلك فاعلم أنه يراك، أي فاعبده على أنه يراك وأنه يراقبك ويشاهدك ويعلم حالك . حتى تؤدي حقه عن إخلاص وعن صدق وعن عناية به على الوجه الأكمل. وهذه جمله يجب أن نعلمها جميعا وأن هذا الدين للجميع للرجال والنساء والجن والإنس والعرب والعجم، عليهم جميعا أن يلتزموا به وأن يعبدوا الله وحده، وأن يستقيموا على هذه الأركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا مع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خير وشره، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما

стр. 2199

عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (١) » ومما يوضح هذا الأمر ويبين أنه حق على الجميع قول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فجعلهم جميعا شركاء المؤمنين والمؤمنات في الولاية فيما بينهم والتحاب في الله وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي طاعة الله ورسوله في كل شيء، وقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) فعم سبحانه الرجال والنساء جميعا ليبين سبحانه أن الأمر عام لهم جميعا وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٥) فبين سبحانه أن من يعمل سوءا يجز به من الذكور والإناث، ومن يعمل من الصالحات من الذكور والإناث عن إيمان وصدق وإخلاص فإن مصيره إلى الجنة والكرامة والسعادة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٦)

стр. 2200

فسوى الله بينهم جميعا رجالا ونساء. فينبغي أن يعلم هذا عن يقين، وأن يجتهد كل مؤمن وكل مؤمنة في أداء الواجب؛ لأنه مسئول كما قال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) فكل منا مسئول عن حق الله عليه وعن الحقوق الأخرى التي عليه للآباء والأمهات والأزواج والأولاد والجيران وغير ذلك، فكل منا مسئول عما عليه من الحق لله وللعباد، فعلينا أن نؤدي الواجب ونتفقه في الدين، وأن نتعلم حتى نستفيد ونعلم حكم الله في كل شيء. وعلينا جميعا أن نتدبر القرآن الكريم لأن القرآن أنزل للجميع، للرجال والنساء والجن والإنس، فعلينا جميعا أن نتدبر القرآن الكريم وأن نعمل به ونتخلق بالأخلاق التي يدعو إليها. ونحذر الأخلاق التي ينهي عنها فهو كتاب الله فيه الهدى والنور أنزله الله علينا لنعمل به ونستقيم على ما فيه، فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم أنزله علينا جل وعلا على يد رسوله ﷺ للعمل لا لمجرد التلاوة، فالتلاوة وحدها لا تكفي بل لا بد من العمل، قال جل وعلا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) فجعل الرحمة في اتباع هذا القرآن العظيم، وقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)

стр. 2201

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١) فكتاب الله فيه الهدى والنور وهو صراط الله المستقيم للرجال والنساء والملوك وغيرهم والرؤساء والمرؤسين والأغنياء والفقراء، فيجب على الجميع أن يحكموا كتاب الله وأن يتمسكوا به ويتدبروه ويتعقلوه، قال في كتابه العزيز: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) وهذا يدل على أن من الواجب تدبره والحذر من الإعراض عنه. كما يجب علينا جميعا التمسك بسنة الرسول ﷺ وهي: أحاديثه التي قالها أو عمل بها أو أقرها، هذه سنته ﷺ إما قول وإما فعل وإما تقرير لما شاهده أو سمعه من غيره. فعلى الرجال والنساء جميعا اتباع السنة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) وطاعة الرسول هي العمل بالسنة التي صحت عنه ﷺ ، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٦) ومعنى الرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، أما الرد إلى الرسول فمعناه الرد

стр. 2202

إليه في حياته ﷺ ، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فعلينا جميعا رجالا ونساء وحكاما ومحكومين، ورؤساء ومرءوسين وأمناء وسفراء وعربا وعجما علينا جميعا أن نعظم سنة الرسول ﷺ وأن نستقيم عليها ونحكمها ونعمل بها؛ لأنها الأصل الثاني من أصول الشريعة، ولأنها المفسرة لكتاب الله والموضحة لما قد يخفى منه، قال تعالى يخاطب النبي ﷺ في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) فأخبر أنه أنزل الذكر وهو القرآن الكريم على نبيه ﷺ ليبين للناس أحكام دينهم، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فعلينا أن نعظم كتاب ربنا وسنة نبينا ﵊، وأن نعمل بهما جميعا في كل شيء، ونحذر مخالفتهما كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣) ومن الأمور المهمة أن نعلم جميعا أن أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ تعم الرجال والنساء في جميع الأحكام، إلا ما خصه الدليل. وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أحكام تخص الرجال دون النساء وعلى أحكام تخص النساء دون الرجال لحكم بالغة من ربنا ، فعلينا أن نأخذ بها ونسلم لها، مطمئنين مؤمنين راضين بحكم الله فإنه أحكم الحاكمين وهو العالم بأحوال عباده لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه ، وهو الأعلم

стр. 2203

سبحانه وتعالى بما يصلح عباده، فمن ذلك أن الرجل مسئول عن القوامة على المرأة، فهو المسئول عنها وعليه النفقة على الزوجة وعلى أولاده، وأن يتولى شئونهما، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) الآية. فالواجب على الرجل أن يقوم على المرأة وينفق عليها مع حسن العشرة وطيب الكلام والفعال كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٣) الآية. وهذا مما يخص الرجل- أن له القوامة على المرأة بالإنفاق عليها وأداء حقها وإحسان عشرتها، والسعي في مصالحها المتعلقة بالزوجية وهي ربة البيت والقائمة على الأولاد وبما يلزم في البيت، وهو القائم عليها وعلى أولادها بكل ما يلزم من نفقة وحسن معاشرة. ومن المسائل التي تخص الرجال أن الرجل يجب عليه أن يصلي في المسجد ويجيب النداء، كما قال ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر (٤) » أما النساء فلا يجب عليهن أن يصلين في المساجد، بل يصلين في بيوتهن، وذلك أفضل لهن؛ لأنهن عورة، والخطر في خروجهن معروف، فالمشروع لهن الصلاة في بيوتهن، وليس عليهن أن يحضرن مع الرجال في المساجد، ولا بأس من حضورهن المساجد مع الستر والحجاب، وليس لأزواجهن منعهن من ذلك إذا التزمن بالآداب الشرعية، لكن صلاتهن في بيوتهن أفضل كما تقدم عملا بالسنة الصحيحة في ذلك. ومن المسائل أيضا التي يختص بها الرجال دون النساء الجهاد بالنفس

стр. 2204

فالرجل عليه أن يجاهد بنفسه وأن يحمل السلاح، والمرأة ليس عليها ذلك «قالت عائشة ﵂: يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال ﵊: عليكن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة (١) » فليس على المرأة جهاد بالنفس والسلاح؛ لأنها تضعف عن ذلك، ولأنها فتنة وعورة، فالجهاد على الرجال لا على المرأة بالنفس، أما بالمال فعلى الجميع، على المرأة والرجل الجهاد بالمال في أصح قولي العلماء لعموم الأدلة، قال : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٥) » والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تعم الرجال والنساء، فيما عدا الجهاد بالنفس لحديث عائشة السابق.

стр. 2205

ومن المسائل المختصة بالرجال أن الرجل له أن ينكح أربعا من النساء، والمرأة ليس لها أن تنكح إلا رجلا واحدا، فلا تجمع بين رجلين لحكم ظاهرة بالغة. ومن ذلك أن الرجل قد تعظم شهوته ولا تعفه المرأة الواحدة، ولأنه محتاج إلى كثرة الأولاد والنسل ولأنه قد يكون له شئون كثيرة يحتاج إلى عدة نساء يساعدنه فيها، ولأن النساء قد يحتجن إلى الرجل لعدم وجود أولياء لهن، أو لقلة الرجال بسبب الحروب والفتن فأباح الله للرجل أن يجمع بين أربع نساء فأقل، وليس للمرأة أن تجمع بين رجلين لأن في جمع المرأة بين الرجال اختلاط المياه واختلاط الأنساب وفساد الأحوال. ومن المسائل التي اختلف

стр. 2206

فيها حكم الذكر عن الأنثى مسائل المواريث في حق الزوج والزوجة والأولاد والأخوة من الأبوين والأب فإن الزوجة تعطى نصف ما يعطاه الزوج والولد الذكر يعطى ضعف ما تعاطاه الأنثى، وهكذا الأخ من الأبوين أو الأب يعطى ضعف ما تعطاه الأخت لحكم ظاهرة يعرفها أهل العلم وكل من تأملها من ذوي البصيرة في أحوال الرجال والنساء. والآيات الدالة على ذلك معلومة. ومن المسائل التي تخص النساء أنه يجب عليهن ترك الصيام والصلاة في حالة الحيض والنفاس، فالصلاة لا تجب عليهن في الحيض والنفاس. لا أداء ولا قضاء. وأما الصوم فيجب عليهن تركه حال الحيض والنفاس ثم قضاؤه بعد ذلك. والحكمة في ذلك والله أعلم أن الصلاة تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، فمن رحمة الله جل وعلا أن أسقط عنها قضاء الصلاة في حال الحيض والنفاس لأن قضاءها يكلفها كثيرا فإذا كان حيضها سبعة أيام مثلا يكون عليها خمس وثلاثون صلاة، وإذا كان ثمانية أيام يكون عليها أربعون صلاة، ففي قضائها مشقة فمن رحمة الله سبحانه، أن أسقط عنها القضاء والأداء. وهكذا في النفاس قد تجلس أربعين يوما لا تصلي، فلو قضت الصلوات لكان عليها مائتا صلاة، فمن رحمة الله أن الله أسقط عنها ذلك فليس عليها الصلاة لا قضاء ولا أداء في حال النفاس، رحمة من الله ، وعليها أن تقضي الصوم الذي فاتها في رمضان، بسبب النفاس. ومن ذلك أيضا أن المرأة تعدل شهادتها نصف الرجل فشهادة المرأتين بشهادة رجل؛ لأن الرجال في الغالب أحفظ وأضبط لما يقع، والمرأة دون ذلك في الجملة، وقد يكون بعض النساء أفضل من بعض الرجال بكثير، لكن في الجملة جنس الرجال أضبط وأحفظ وأفضل، وجنس النساء دون ذلك في الضبط والحفظ والفضل، فجعل الله شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد، كما قال تعالى:

стр. 2207

﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١) الآية من سورة البقرة. فتتعاونان وتتساعدان في حفظ الشهادة فإذا قصرت هذه- أو نسيت ساعدتها الأخرى في التذكر حتى يحفظن الشهادة. ومن المسائل المستثناه أيضا أن المرأة على نصف الرجل في الدية في الثلث فأكثر، أما في القصاص فتقتل المرأة بالرجل والرجل بالمرأة قصاصا؛ لأنه صح عن النبي ﷺ أنه قتل الرجل بالمرأة، وفي ذلك حكمة عظيمة منها صيانة الدماء، وحفظ أفراد المجتمع المسلم أن يتعدى بعضهم على بعض، ومن ذلك العقيقة عن المولود الذكر شاتان وعن الأنثى شاة واحدة كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ولله في ما جاءت به الأدلة من التفرقة بين الذكر والأنثى في المسائل المذكورة وغيرها الحكمة البالغة. والأصل في الأحكام العموم والتساوي كما تقدم. فالواجب على الرجال هو الواجب على النساء، والواجب على النساء هو الواجب على الرجال إلا في ما خصه الدليل كالمسائل المذكورة آنفا. ووصيتي للرجال والنساء جميعا تقوى الله والتفقه في الدين في المدارس وغيرها من أماكن العلم، وسؤال أهل العلم عما أشكل على الرجل والمرأة من أحكام الدين، لقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٣) » ومن أهم ذلك العناية بتلاوة القرآن الكريم وتدبر معانيه، والعناية بسنة رسول الله ﷺ ، والتفقه فيها والاستفادة من كتب أهل السنة وكتب تفسير

стр. 2208

القرآن الكريم، وشروح الأحاديث النبوية التي ألفها أهل العلم المعروفون بالدراية والديانة وحسن العقيدة. وقد قال ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » خرجه الإمام البخاري في صحيحه. وقال ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٢) » رواه الإمام مسلم في الصحيح. ومن المعلوم أن تعلم الرجال والنساء لما شرعه الله لهم وخلقوا من أجله من أهم الفرائض، وأوجب الواجبات، ولقد يسر الله للجميع طرق التعلم بواسطة إذاعة القرآن الكريم وبرنامج نور على الدرب، ونداء الإسلام من الرابطة، وغير ذلك من الندوات والحلقات العلمية التي تقام في المساجد، ودور العلم ووسائل الإعلام. فالواجب الاستفادة منها والعناية بها، أينما كان المؤمن والمؤمنة. ومما يجب التنبيه عليه الحذر من سماع ما يفسد القلوب والأخلاق من الأغاني الماجنة والأشرطة المنحرفة وآلات اللهو والطرب. فإن هذه تفسد القلوب والأخلاق فالواجب الحذر منها والتواصي بتركها. عملا بقول الله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٦) » خرجه الإمام مسلم في الصحيح. ومما يجب على المسلمين جميعا الاهتمام به والتواصي به الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ذلك من أعظم الأسباب في صلاح القلوب والمجتمعات. وظهور الفضائل

стр. 2209

واختفاء الرذائل، والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما تقدم في سورة " العصر "، وحديث: «الدين النصيحة (١) » ومنها قول الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) الآية، وقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقوله: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤) » وقوله ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٥) » . أخرجهما الإمام مسلم في الصحيح. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولا شك أن الواجب على المدرسين والمدرسات أكثر من الواجب على غيرهم بالنسبة إلى الطلبة والطالبات، فعلى المدرسين أن يعنوا بالطلبة ويوجهوهم إلى الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة والعمل بما علموا من العلم، وعلى المدرسات أن يتقين الله في البنات، وأن يعلمنهن الأخلاق الدينية الفاضلة والعقيدة الصالحة في الدراسة وفي المذاكرة والوعظ، حتى يوجد جيل صالح من الطلبة والطالبات والمعلمين والمعلمات في المستفبل. فواجب المدرس والمدرسة عظيم والدعوة إلى الله واجب عظيم على الجميع. فعلى كل من لديه علم من الرجال أن يعلم أولاده من الذكور والإناث وأهل بيته وغيرهم حسب الطاقة. وعلى كل من لديها علم من النساء أن تعلم بناتها وأبناءها وتعلم أخواتها وتعلم من حولها من النساء وتنتهز الفرصة عند الاجتماع في عرس أو وليمة أو غير ذلك للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف

стр. 2210

والنهي عن المنكر والتذكير لمن عندها من النساء وتعليمهن وإرشادهن إذا رأت امرأة متبرجة عند الرجال أو في الطريق تنهاها عن ذلك وتحذرها منه، وتحذر عن التكاسل عن الصلاة بنتها وأختها وجارتها وغيرهن، وتأمرهن بالمعروف وتنهاهن عن المنكر، وهذا هو واجب الجميع؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) أولياء: يعني أنهم متحابون في الله فليسوا أعداء. فالمؤمن ولي أخيه وولي أخته في الله، والمؤمنة كذلك ولية أختها في الله وولية أخيها في الله، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتناصحون في الله، فالزوج يأمر زوجته بالمعروف وينهاها عن المنكر، والزوجة تأمر زوجها بالمعروف وتنهاه عن المنكر. فإذا رأته مقصرا في الصلاة أو رأته يشرب المسكر أو يدخن أو يحلق لحيته- تنصحه وتقول: اتق الله، هذا لا يجوز لك، وكيف ترضى بهذا الأمر السيء لنفسك؟ وكيف تعصي ربك؟ تقول ذلك بالكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، كما أنه يأمرها وينهاها كذلك، هي تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ولا تستحي ولا تخجل ولا تداهن، وهكذا مع أبيها وأخيها وأمها وولدها وجارها وجارتها وصاحباتها وصديقاتها، وهذا هو الواجب على المسلمين والمسلمات مهما كانت مؤهلاتهم وأعمالهم. كل واحد منهم على حسب علمه وقدرته. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه، وأن يسلك بنا جميعا صراطه المستقيم، وأن يرزقنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يوفقنا جميعا للقيام بالواجب من طاعة الله ورسوله والنصح لله ولعباده، ثم أوصي الجميع بالدعاء في ظهر الغيب وفي الصلاة وفي آخر الليل لولاة الأمور بالتوفيق والهداية والصلاح والإصلاح. فولاة الأمور في حاجة إلى الدعاء أن يصلحهم الله، ويصلح بهم ويهديهم ويهدي بهم، فهم في
следующие страницы →