أجوبة أسئلة صحيفة الدعوة حول الجامعة الإسلامية
س ١: أرجو إعطاءنا شيئا عن طلاب الجامعة الإسلامية؟ .
جـ ١: يغلب على الشباب الملتحق بالجامعة الإسلامية التحمس للدعوة الإسلامية والشعور بأن بلادهم في حاجة شديدة إلى دعاة أمناء قد فقهوا الإسلام ودرسوه من منابعه الصافية (الكتاب العزيز والسنة المطهرة) ، كما يغلب عليهم النشاط في مواصلة التعليم حتى ينهوا مراحله ليتسلحوا بسلاح أكمل لمجابهة الدعوات الهدامة والمبادئ الملحدة وإرساليات التبشير وليفقهوا أبناء بلادهم في الإسلام من منبعه الصافي وأدلته الظاهرة.
س ٢: أرجوا الإفادة عن جهود الجامعة في محاربة التيارات اليهودية والنصرانية وغيرها؟ .
جـ ٢: الجامعة الإسلامية تعنى بالقارة الإفريقية والطلبة الوافدين منها عناية كبيرة، كما تعنى بغيرهم من الطلبة الوافدين، من سائر الأقطار، وتعد جميع الطلبة لمجابهة ما انتشر في بلادهم من العقائد الباطلة والمذاهب الهدامة إعدادا خاصا، وتقوم بتربيتهم تربية إسلامية نقية من البدع والخرافات وتسلحهم بالسلاح المناسب لمحاربة ما ذكرتم في السؤال من الحركة اليهودية والنصرانية والقاديانية وغيرها من الحركات المخالفة للإسلام في إفريقيا وغيرها، وتزودهم بالكتب والرسائل والردود التي تفيدهم في هذا السبيل حسب الإمكان.
стр. 2242
س ٣: يكثر أعداء الحركات الإسلامية فما الوسيلة للتصدي لهم؟ .
جـ ٣: لا شك أن الحركات الإسلامية في كل مكان لها أعداء وخصوم قد تكاتفوا ضدها. وهناك تنظيم علني وسري يمدهم بأنواع الدعم والتعضيد ورسم الخطط. والذي أرى في هذا المقام هو أنه يجب على الدول الإسلامية وأثرياء المسلمين إمداد تلك الحركات الإسلامية في كل مكان بالدعاة المخلصين المعروفين بالعلم والنشاط الإسلامي والصدق والصبر وحسن العقيدة بالأموال التي تعينهم على القيام بمهمة الدعوة ونشرها والرد على خصوم الإسلام، وبالكتب والرسائل والنشرات المفيدة في هذا المقام على أن تكون بشتى اللغات على حسب الجهات التي فيها الحركات الإسلامية وأن يكون هناك مراقبون لهذه الحركات يزورونها فيما بين وقت وآخر لمعرفة نشاطها وصدقها وحاجتها ولتوجيهها إلى ما ينبغي أن تسير عليه وتسهيل العقبات التي قد تقف في طريقها ومعرفة الأشخاص أو المؤسسات التي تناصر الأعداء وتمدهم في السر أو في العلن لتحذر وتعامل بما يليق لها. ولا شك أن ما ذكرنا يحتاج إلى جهود صادقة ونفوس مؤمنة تريد الله والدار الآخرة فنسأل الله أن يهيئ للحركات الإسلامية وللمسلمين في كل مكان ما يعينهم على الحق ويبصرهم به ويثبتهم عليه إنه خير مسئول.
стр. 2243
س ٤: ما هي أسباب انحراف كثير من الشباب عن الدين ونفورهم منه؟ .
جـ ٤: لما ذكرتم من انحراف الكثير من الشباب ونفورهم من كل ما ينسب إلى الدين أسباب كثيرة: أهمها: قلة العلم وجهلهم لحقيقة الإسلام ومحاسنه. وعدم عنايتهم بالقرآن الكريم، وقلة المربين الذين لديهم العلم والقدرة على شرح حقيقة الإسلام للشباب وبيان محاسنه وإيضاح
стр. 2244
أهدافه وما يترتب عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالتفصيل، وهناك أسباب أخرى كالبيئة والإذاعة والتلفزيون والأسفار إلى الخارج والاختلاط بالوافدين من ذوي العقائد الباطلة والأخلاق المنحرفة والجهل المركب إلى غير ذلك من العوامل التي تنفرهم من الإسلام وترغبهم في الإلحاد والإباحية، فاجتمع في هذا المقام للكثير من الشباب خلو قلوبهم من العلوم النافعة والعقيدة الصحيحة، ووفود طوفان من الشكوك والشبهات والدعايات المضللة والشهوات المغرية فنتج عن ذلك ما ذكرتم في السؤال من الانحراف والنفور من كل ما ينسب إلى الإسلام من الكثير من الشباب وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا.
وأبلغ من ذلك وأصدق وأحسن قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (١) ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢) والعلاج فيما أعتقد يتنوع بحسب تنوع الداء، فأهم ذلك العناية بالقرآن الكريم والسيرة النبوية وبالمدرس الصالح والمدير الصالح والمفتش الصالح والمنهج الصالح، وإصلاح أجهزة الإعلام في الدول الإسلامية وأن تطهر مما فيها من الدعوة إلى الإباحية والأخلاق غير الإسلامية وأنواع الإلحاد والفساد إذا كان القائمون عليها صادقين في دعوى الإسلام والرغبة في توجيه الشعوب والشباب إليه، ومن ذلك العناية بإصلاح البيئة وتطهيرها مما وقع فيها من الأوبئة.
ومن العلاج أيضا منع السفر إلى الخارج إلا لضرورة والعناية بالتوعية الإسلامية النقية الهادفة بواسطة جميع الأجهزة الإعلامية والمدرسين والدعاة والخطباء وأسأل الله أن يمن بذلك وأن يصلح قادة المسلمين ويوفقهم للفقه في دينهم والتمسك به ومحاربة ما خالفه بصدق وإخلاص وجهود متواصلة إنه سميع قريب.
стр. 2245
حوار عكاظ مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
س ١: نود من سماحتكم أن تبينوا لنا حكم الدعوة إلى الله وأوجه الفضل فيها؟ .
جـ ١: أما حكمها. فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله وأنها من الفرائض. والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) ومنها قوله : ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) ومنها قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٤) فيبين سبحانه أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله. وهم أهل البصائر والواجب كما هو معلوم هو اتباعه والسير على منهاجه ﵊ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥)
стр. 2246
وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة. فإن كل قطر وكل أقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها، فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملا صالحا جليلا.
وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام صار الإثم عاما وصار الواجب على الجميع وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه، أما بالنظر إلى عموم البلاد فالواجب أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا في أرجاء المعمورة تبلغ رسالات الله وتبين أمر الله بالطرق الممكنة فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة وأرسل الكتب إلى الناس وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله .
س ٢: واقع الدعوة الآن كيف تقيمونه؟ وما هي المحاور التي يجب التركيز عليها في ظل المستجدات الحالية والتحديات المعاصرة؟ .
جـ ٢: في وقتنا الحاضر يسر الله أمر الدعوة أكثر، بطرق لم تحصل لمن قبلنا فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر وذلك بواسطة طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنه بطرق متنوعة مثلا عن طريق الإذاعة وعن طريق التلفزة وعن طريق الصحافة وهناك طرق شتى، فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب وأن يتكاتفوا فيه وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله ولا يخشون في الله لومة لائم، ولا يحابون في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله، وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يكون فرض عين
стр. 2247
ويكون فرض كفاية، فإذا كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر ويبلغ أمر الله سواك فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك فإنه يكون حينئذ في حقك سنة وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في الخيرات وسابقا إلى الطاعات، ومما احتج به على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (١) قال الحافظ ابن كثير عن هذه الآية جماع ما معناه: ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم تدعو إلى الله وتنشر دينه وتبلغ أمره ، ومعلوم أيضا أن الرسول ﵊ دعا إلى الله وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته وقام الصحابة كذلك ﵃ وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ، ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته ﵊ قاموا بذلك أيضا ﵃ وأرضاهم. كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه. فعند قلة الدعاة وعند كثرة المنكرات وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته وإذا كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها من تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على من سواه.
ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقاتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون، وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة. وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام؛ لأنه
стр. 2248
وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم. أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها، فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها، طرق الإذاعة والتلفزة والصحافة وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم، ولم تتيسر في السابق كما أنه يجب على الخطباء في الاحتفالات وفي الجمع وفي غير ذلك أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر الله ، وأن ينشروا دين الله حسب طاقاتهم. وحسب علمهم، ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضا عاما. وواجبا على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام. فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة، وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوا وأن لا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك؛ لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة، للصد عن سبيل الله والتشكيك في دينه، ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله ، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله.
стр. 2249
س ٣: وكيف تستطيع المجتمعات الإسلامية أن تحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي الذي تواجهه في وقتنا الحاضر؟ .
جـ ٣: مما لا شك فيه أن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى ذلك أن الاستعمار في العصر الحديث قد غير من أساليبه القديمة لما أدركه من فشلها وعدم فعاليتها ومحاربة الشعوب واستماتتها في الدفاع عن دينها وأوطانها ومقدراتها وتراثها، حيث إن الأخذ بالقوة وعن طريق العنف والإرهاب مما تأباه الطباع وتنفر منه النفوس لا سيما في الأوقات الحاضرة بعد أن انتشر الوعي بين الناس واتصل الناس بعضهم ببعض وأصبحت هناك هيئات كثيرة تدافع عن حقوق الشعوب وترفض الاستعمار عن طريق القوة وتطالب بحق تقرير المصير لكل شعب وأن لأهل كل قطر حقهم الطبيعي في سيادتهم على أرضهم واستثمار مواردهم وتسيير دفة الحكم في أوطانهم حسب ميولهم ورغباتهم في الحياة وحسب ما تدين به تلك الشعوب من معتقدات ومذاهب وأساليب مختلفة للحكم مما اضطر معه إلى الخروج عن هذه الأقطار بعد قتال عنيف وصدامات مسلحة وحروب كثيرة دامية. ولكن الاستعمار قبل أن يخرج من هذه الأقطار فكر في عدة وسائل واتخذ كثيرا من المخططات بعد دراسة واعية وتفكير طويل وتصور كامل لأبعاد هذه المخططات ومدى فعاليتها وتأثيرها والطرق التي ينبغي أن تتخذ للوصول إلى الغاية التي يريد وأهدافه تتلخص في إيجاد مناهج دراسية على صلة ضعيفة بالدين. مبالغة في الدهاء والمكر والتلبيس ركز فيها على خدمة أهدافه ونشر ثقافته وترسيخ الاعجاب بما حققه في
стр. 2250
مجال الصناعات المختلفة والمكاسب المادية في نفوس أغلب الناس حتى إذا ما تشربت بها قلوبهم وأعجبوا بمظاهر بريقها ولمعانها وعظيم ما حققته وأنجزته من المكاسب الدنيوية والاختراعات العجيبة. لا سيما في صفوف الطلاب والمتعلمين الذين لا يزالون في سن المراهقة والشباب.
اختارت جماعة منهم ممن انطلى عليهم سحر هذه الحضارة لإكمال تعليمهم في الخارج في الجامعات الأوروبية والأمريكية وغيرها حيث يواجهون هناك بسلسلة من الشبهات والشهوات على أيدي المستشرقين والملحدين بشكل منظم وخطط مدروسة، وأساليب ملتوية في غاية المكر والدهاء، وحيث يواجهون الحياة الغربية بما فيها من تفسخ وتبذل وخلاعة وتفكك ومجون وإباحية. وهذه الأسلحة وما يصاحبها من إغراء وتشجيع، وعدم وازع من دين أو سلطة، قل من ينجو من شباكها ويسلم من شرورها وهؤلاء بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى بلادهم ممن يطمئن إليهم المستعمر بعد رحيله ويضع الأمانة الخسيسة في أيديهم لينفذوها بكل دقة. بل بوسائل وأساليب أشد عنفا وقسوة من تلك التي سلكها المستعمر، كما وقع ذلك فعلا في كثير من البلاد التي ابتليت بالاستعمار أو كانت على صلة وثيقة به. أما الطريق إلى السلامة من هذا الخطر والبعد عن مساوئه وأضراره فيتلخص في إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد المختلفة بكافة اختصاصاتها للحد من الابتعاث إلى الخارج، وتدريس العلوم بكافة أنواعها مع العناية بالمواد الدينية والثقافية الإسلامية في جميع الجامعات والكليات والمعاهد حرصا على سلامة عقيدة الطلبة، وصيانة أخلاقهم وخوفا على مستقبلهم، وحتى يساهموا في بناء مجتمعهم على نور من تعاليم الشريعة الإسلامية وحسب حاجات ومتطلبات هذه الأمة المسلمة، والواجب التضييق من نطاق الابتعاث إلى الخارج وحصره في علوم معينة لا تتوافر في الداخل.
стр. 2251
س ٤: كيف ترون سماحتكم الدواء الناجع للعالم الإسلامي للخروج به من الدوامة التي يوجد فيها في الوقت الحاضر؟
جـ ٤: إن الخروج بالعالم الإسلامي من الدوامة التي هو فيها من مختلف المذاهب والتيارات العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنما يتحقق بالتزامهم بالإسلام، وتحكيمهم شريعة الله في كل شيء، وبذلك تلتئم الصفوف وتتوحد القلوب.
وهذا هو الدواء الناجع للعالم الإسلامي، بل للعالم كله، مما هو فيه من اضطراب واختلاف وقلق وفساد وإفساد كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٤) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ولكن ما دام أن القادة إلا من شاء الله منهم يطلبون الهدى والتوجيه من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحكمون غير شريعته، ويتحاكمون إلى ما وضعه أعداؤهم لهم، فإنهم لن يجدوا طريقا للخروج مما
стр. 2252
هم فيه من التخلف والتناحر فيما بينهم، واحتقار أعدائهم لهم، وعدم إعطائهم حقوقهم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)
فنسأل الله أن يجمعهم على الهدى، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، وأن يمن عليهم بتحكيم شريعته والثبات عليها، وترك ما خالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
س ٥: كيف ترون سماحتكم المدخل لكي يتجنب الشباب الوقوع تحت وطأة مغريات هذا العصر ويتجه الوجهة الصحيحة؟
جـ ٥: إن الطريق الأمثل ليسلك الشباب الطريق الصحيح في التفقه في دينه والدعوة إليه هو أن يستقيم على المنهج القويم بالتفقه في الدين ودراسته، وأن يعنى بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وأنصحه بصحبة الأخيار والزملاء الطيبين من العلماء المعروفين بالاستقامة حتى يستفيد منهم ومن أخلاقهم.
كما أنصحه بالمبادرة بالزواج، وأن يحرص على الزوجة الصالحة لقوله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) » .
س ٦: هل تعتقدون سماحتكم أن تقبل المجتمع للدعوة الآن أفضل من السابق بمعنى أنه لا يوجد اليوم ما يسمى؛ حائط الاصطدام بين الدعوة والمجتمع؟ .
جـ ٦: الناس اليوم في أشد الحاجة للدعوة. وعندهم قبول لها بسبب كثرة الدعاة إلى الباطل وبسبب انهيار المذهب الشيوعي وبسبب هذه
стр. 2253
الصحوة العظيمة بين المسلمين. فالناس الآن في إقبال على الدخول في الإسلام والتفقه في الإسلام حسب ما بلغنا في سائر الأقطار.
ونصيحتي للعلماء والقائمين بالدعوة أن ينتهزوا هذه الفرصة وأن يبذلوا ما في وسعهم في الدعوة إلى الله وتعليم الناس ما خلقوا له من عبادة الله وطاعته مشافهة وكتابة وغير ذلك بما يستطيعه العالم من خطب الجمعة والخطب الأخرى في الاجتماعات المناسبة، وعن طريق التأليف، وعن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فالعالم أو الداعي إلى الله جل وعلا ينبغي له أن ينتهز الفرصة في تبليغ الدعوة بكل وسيلة شرعية، وهي كثيرة والحمد لله فلا ينبغي التقاعس عن البلاغ والدعوة والتعليم، والناس الآن متقبلون لما يقال لهم من خير وشر فينبغي لأهل العلم بالله ورسوله أن ينتهزوا الفرصة ويوجهوا الناس للخير والهدى على أساس متين من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وأن يحرص كل واحد من الدعاة على أن يكون قد عرف ما يدعو إليه عن طريق الكتاب والسنة، وقد فقه في ذلك حتى لا يدعو على جهل، بل يجب أن تكون دعوته على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) فمن أهم الشروط أن يكون العالم أو الداعي إلى الله على بصيرة فيما يدعوا إليه، وفيما يحذر منه، والواجب الحذر من التساهل في ذلك؛ لأن الإنسان قد يتساهل في هذا ويدعو إلى باطل أو ينهي عن حق، فالواجب التثبت في الأمور وأن تكون الدعوة على علم وهدى وبصيرة في جميع الأحوال.
стр. 2254
س ٧: البعض يرى أن الدعوة لا بد أن تكون في المساجد فقط. . . فما رأيكم؟ وما هي المجالات والأبواب التي يمكن للداعية أن يطرقها؟ .
جـ ٧: الدعوة لا تختص بالمساجد فقط، فهناك مجالات وطرق أخرى. والمساجد لا شك أنها فرصة للدعوة كخطب الجمعة والخطب الأخرى والمواعظ في أوقات الصلوات، وفي حلقات العلم فهي أساس انتشار العلم والدين، ولكن المسجد لا يختص وحده بالدعوة، فالداعي إلى الله يدعو إليه في غير المساجد في الاجتماعات المناسبة أو الاجتماعات العارضة. فينتهزها المؤمن ويدعو إلى الله، وعن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وعن طريق التأليف كل ذلك من بين طرق الدعوة.
والحكيم الذي ينتهز الفرصة في كل وقت وكل مكان، فإذا جمعه الله في جماعة في أي مكان وأي زمان وتمكن من الدعوة بذل ما يستطيع للدعوة إلى الله بالحكمة والكلام الطيب والأسلوب الحسن.
س ٨: من واقع خبرتكم الطويلة في هذا المجال. . ما هو الأسلوب الأمثل للدعوة؟
جـ ٨: الأسلوب- مثل ما بينه الله واضح في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، يقول : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)
ويقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) ويقول في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) فالداعي إلى الله
стр. 2255
يتحرى الأسلوب الحسن والحكمة في ذلك وهي العلم بما قاله الله وورد في الحديث النبوي الشريف، ثم الموعظة الحسنة والكلمات الطيبة التي تحرك القلوب وتذكرها بالآخرة والموت، وبالجنة والنار حتى تقبل القلوب الدعوة وتقبل عليها وتصغي إلى ما يقوله الداعي.
وكذلك إذا كان هناك شبهة يتقدم بها المدعو عالجها بالتي هي أحسن وأزالها لا بالشدة والعنف ولكن بالتي هي أحسن. فيذكر الشبهة ويزيحها بالأدلة، ولا يمل ولا يضعف ولا يغضب غضبا ينفر الداعي بل يتحرى الأسلوب المناسب والبيان المناسب والأدلة المناسبة، ويتحمل ما قد يثير غضبه لعله يؤدي موعظته بطمأنينة ورفق لعل الله يسهل قبولها من المدعو.
س ٩: كيف تفسرون إحجام بعض الدعاة عن التعاون مع وسائل الإعلام. . وكيف يمكن تجاوز تلك الفجوة وإيجاد قناة مفتوحة بين الدعاة ووسائل الإعلام؟
جـ ٩: لا شك أن بعض أهل العلم قد يتساهل في هذا الأمر إما لمشاغل دنيوية تشغله، وإما لضعف في العلم، وإما أمراض تمنعه أو أشياء أخرى يراها وقد أخطأ فيها؛ كأن يرى أنه ليس أهلا لذلك أو يرى أن غيره قد قام بالواجب وكفاه إلى غير هذا من الأعذار ونصيحتي لطالب العلم أن لا يتقاعس عن الدعوة ويقول هذا لغيري، بل يدعو إلى الله على حسب طاقته وعلى حسب علمه ولا يدخل نفسه في ما لا يتسطيع، بل يدعو إلى الله حسب ما لديه من علم، ويجتهد في أن يقول بالأدلة وألا يقول على الله بغير علم ولا يحقر نفسه ما دام عنده علم وفقه في الدين.
فالواجب عليه أن يشارك في الخير من جميع الطرق في وسائل الإعلام وفي غيرها، ولا يقول هذا لغيري؛ فإن كل الناس إن تواكلوا بمعنى كل واحد يقول هذه لغيري تعطلت الدعوة وقل الداعون إلى
стр. 2256
الله وبقي الجهلة على جهلهم وبقيت الشرور على حالها، وهذا غلط عظيم، بل يجب على أهل العلم أن يشاركوا في الدعوة إلى الله أينما كانوا في المجتمعات الأرضية، والجوية، وفي القطارات والسيارات، وفي المراكب البحرية، فكلما حصلت فرصة انتهزها طالب العلم في الدعوة والتوجيه، فكلما شارك في الدعوة فهو على خير عظيم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)
فالله سبحانه يقول: ليس هناك قول أحسن من هذا، والاستفهام هنا للنفي؛ أي لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وهذه فائدة عظيمة ومنقبة كبيرة للدعاة إلى الله ، والرسول ﷺ يقول: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » وقال ﵊: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (٣) » .
وقال ﵊ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر: «ووالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤) » فلا ينبغي للعالم أن يزهد في هذا الخير أو يتقاعس عنه احتجاجا بأن فلانا قد قام بهذا، بل يجب على أهل العلم أن يشاركوا وأن يبذلوا وسعهم في الدعوة إلى الله أينما كانوا، والعالم كله بحاجة إلى الدعوة مسلمه وكافره، فالمسلم يزداد علما والكافر لعل الله يهديه فيدخل في الإسلام.
س ١٠: بعض الدعاة يحتجب عن المشاركة في وسائل الإعلام بسبب رفضه لسياسة الصحيفة أو المجلة التي تعتمد على الإثارة في تسويق أعدادها. . . فمما رأي سماحتكم؟ .
جـ ١٠: الواجب على أصحاب الصحف أن يتقوا الله وأن يحذروا ما يضر الناس سواء كانت الصحف يومية أو أسبوعية أو شهرية، وهكذا المؤلفون
стр. 2257
يجب أن يتقوا الله في مؤلفاتهم، فلا يكتبوا ولا ينشروا بين الناس إلا ما ينفعهم ويدعوهم إلى الخير ويحذرهم عن الشر، أما نشر صور النساء على الغلاف أو في داخل المجلات أو الصحف فهذا منكر عظيم وشر كبير يدعو إلى الفساد والباطل، وهكذا نشر الدعوات العلمانية المضللة أو التي تدعوا إلى بعض المعاصي كالزنا أو السفور أو التبرج أو تدعو إلى الخمر أو تدعو إلى ما حرم الله، فكل هذا منكر عظيم، ويجب على أصحاب الصحف أن يحذروا ذلك ومتى كتبوا هذه الأشياء كان عليهم مثل آثام من تأثر بها، فعلى صاحن الصحيفة الذي نشر هذا المقال السيئ سواء كان رئيس التحرير أو من أمره بذلك عليهم مثل آثام من ضل بهذه الأشياء وتأثر بها، كما أن من نشر الخير ودعا إليه يكون له مثل أجور من تأثر بذلك.
ومن هذا المنطلق يجب على وسائل الإعلام التي يتولاها المسلمون أن ينزهوها عن ما حرم الله، وأن يحذروا البث الذي يضر المجتمع حيث يجب أن تكون هذه الوسائل مركزة على ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم وأن يحذروا أن تكون عوامل هدم وأسباب إفساد لما يبث فيها، وكل واحد من المسئولين الإعلاميين مسئول عن هذا الشيء على حسب قدرته. ويجب على الدعاة أن يطرقوا هذا المجال فيما يكتبون وفيما ينشرون ويحذروا من ما حرم الله ، وهذا واجبهم في خطبهم وفي اجتماعاتهم مع الناس، فكل المجالس مجالس دعوة أينما كان فهو في دعوة سواء في بيته أو في زياراته لإخوانه، أو في مجتمعه مع أي أحد، فالواجب عليه أن يستغل هذه الوسائل- وسائل الإعلام- وينشر فيها الخير ولا يحتجب عنها.
стр. 2258
س ١١: ختاما- كيف ترون سماحتكم الداعية الناجح، وما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر فيه ويكون من شأنها زيادة فعالية الدعوة والتأثير على المدعوين؟
جـ ١١: الداعية الناجح هو الذي يعتني بالدليل ويصبر على الأذى ويبذل وسعه
стр. 2259
في الدعوة إلى الله مهما تنوعت الإغراءات ومهما تلوع من التعب، ولا يضعف من أذى أصابه أو من أجل كلمات يسمعها، بل يجب أن يصبر ويبذل وسعه في الدعوة من جميع الوسائل ولكن مع العناية بالدليل والأسلوب الحسن حتى تكون الدعوة على أساس متين يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وليحذر من التساهل حتى لا يقول على الله بغير علم، فيجب أن تكون لديه العناية الكاملة بالأدلة الشرعية وأن يتحمل في سبيل ذلك المشقة في كونه يدعو إلى الله عن طريق وسائل الإعلام أو عن طريق التعليم، فهذا هو الداعية الناجح والمستحق للثناء الجميل ومنازل عالية عند الله إذا كان ذلك عن إخلاص منه لله.
стр. 2260
ينبغي للشباب ألا يتركوا مجالات الإعلام للجهلة
والمنحرفين عن الحق (١)
стр. 2261
س ١: فضيلة الشيخ: ما هو تقييمكم لمستوى الإفتاء في العالم الإسلامي؟ هل هو بخير أم لكم وجهة نظر فيه؟
جـ ١: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فلا شك أن المسلمين في كل مكان في أشد الحاجة إلى الإفتاء بما يدل عليه كتاب الله الكريم وسنة نبيه الأمين عليه أفضل الصلوات والتسليم، وهم في أشد الحاجة للفتاوى الشرعية المستنبطة من كتاب الله وسنة نبيه. .
وإن من الواجب على أهل العلم في كل مكان في العالم الإسلامي، وفي كل مكان يقطنه مسلمون الاهتمام بهذا الواجب، والحرص على توضيح أحكام الله وسنة رسوله التي جاء بها للعباد في مسائل التوحيد والإخلاص لله، وبيان ما وقع فيه أكثر الناس من الشرك، وما وقع فيه كثير منهم من الإلحاد، والبدع المضلة، حتى يكون المسلمون على بصيرة، وحتى يعلم غيرهم حقيقة ما بعث الله به نبيه من الهدى ودين الحق.
والعلماء ورثة الأنبياء، فالواجب عليهم عظيم في بيان شرع الله لعباده، وبيان الأحكام والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لا بالآراء المجردة. كما أن على
стр. 2262
العلماء أن يبينوا محاسن الإسلام، وما دعا إليه من مكارم الأخلاق؛ حتى يدخل في الإسلام من عرفه، ويشتاق إليه من سمع ما فيه من الخير والأعمال الصالحات، وهذا كله سيعود بالخير على البلاد والعباد.
وإن من أحسن ما حبانا الله به في هذه البلاد برنامجا مفيدا تتولاه جماعة من العلماء المسلمين الذين يجيبون عن كثير من الأسئلة التي يسألها المسلمون من الداخل والخارج، ولهذا أنصح بسماعه والاستفادة منه، وأنصح لجميع العلماء بأن يعنوا بمراجعة الكتب الإسلامية المعروفة حتى يستفيدوا منها، وكتب السنة مثل: " الصحيحين وبقية الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك وغيرها من كتب الحديث المعتمدة وكتب التفسير المعتمدة كتفسير ابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوهم من أهل السنة "، كما أوصي بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وغيرها من كتب علماء السنة، كما أوصي إخواني قبل ذلك كله بقراءة كتاب الله وتدبره فهو أصدق كتاب وأشرف كتاب، كما قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وأوصيهم أيضا بسنة النبي؛ لما فيها من الهدى والعلم، وقد صح عن الرسول قوله: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » . راجيا من الله أن يوفق العلماء في كل مكان لما فيه إظهار الحق وتبيان أحكام الدين.
س ٢: ما رأيكم في المقولة التي تقول: إن أمور العصر تعقدت وأصبحت متشابكة؛ لذلك لا بد أن تخرج الفتوى من فريق متكامل يضم كافة المختصين بجوانب المشكلة أو الحالة ومن بينهم الفقيه؟
جـ ٢: إن الفتوى ينبغي أن تتركز على الأدلة الشرعية، وإذا صدرت الفتوى عن جماعة كانت أكمل وأفضل للوصول إلى الحق، لكن هذا لا يمنع
стр. 2263
العالم أن يفتي بما يعلمه من الشرع المطهر.
س ٣: يقوم الإنتاج الإعلامي الحالي بتوجيه هذا الجيل كيفما يريد المنتجون. . فما يقدمه التلفزيون والإذاعة من تمثيليات ومسرحيات وبرامج مختلفة إنما يعمل على تكريس قيم وأفكار، ومبادئ يريدها صانعو هذه المصنفات الفنية، فإن تركنا إنتاج هذه المصنفات لغيرنا أفسدوا أبناءنا، وبناتنا، وإن وجهنا أبناءنا وبناتنا لفهم ودراسة هذه الفنون من أجل صياغتها صياغة إسلامية، خافوا على أنفسهم من الوقوع في الخطأ. . فبم تنصحون؟
جـ ٣: إن على المسئولين في الدول الإسلامية أن يتقوا الله في المسلمين، وأن يولوا هذه الأمور لعلماء الخير والهدى والحق، كما أن على علمائنا أن لا يمتنعوا من إيضاح الحقائق بالوسائل الإعلامية، وألا يدعوا هذه الوسائل للجهلة والمتهمين وأهل الإلحاد، بل يتولاها أهل الصلاح والإيمان والبصيرة، وأن يوجهوها على الطريقة الإسلامية؛ حتى لا يكون فيها ما يضر المسلمين شيبا أو شبانا، رجالا أو نساء، كما وأن على العلماء أن يقدموا للناس إجابات وافية حول ما يبثه التلفاز ريثما يتولاها الصالحون، وإن على الدول الإسلامية أن تولي الصالحين؛ حتى يبثوا الخير، ويزرعوا الفضائل، نسأل الله للجميع التوفيق.
س ٤: هل معنى ذلك أنك تنصح أبناءنا المسلمين بدراسة هذه المجالات حتى يحتلوا الأماكن التي يغزوها هؤلاء المفسدون؟
جـ ٤: نعم، ينبغي للعلماء ألا يتركوا هذه الأمور للجهلة، وأن يتولوا بث الخير والفضيلة في كافة المجالات، ولكن هناك مسألة التمثيل، فأنا لا أنصح بممارسة التمثيل، وإنما على العلماء أن يبينوا للناس أحكام الله ورسوله
стр. 2264
أما أن يتقمص المرء شخصية فلان واسم فلان فيقول: أنا عمر أو أنا عثمان أو نحو ذلك فهذا كذب لا يجوز فعله.
س٥: كان كعب بن زهير ﵁ يقف أمام رسول الله ﷺ ويقول: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. .) وهو لم ير سعاد، ولم يحدث له أي شيء مما يذكره في القصيدة عن سعاد مما اعتبر ذلك كذبا، والتمثيل ضرب من هذه الضروب فما رأيك؟
جـ ٥: هذا ليس تقمصا للشخصية، إنما التقمص كقول أحدهم: أنا أبو بكر أنا عمر أنا عائشة فقد كذب، والله أعلم.
стр. 2265
س ٦: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟
جـ ٦: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله، وأن لا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 2266
س ٧: بم تنصح الشباب داخل هذه الجماعات؟
جـ ٧: أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية، لا بالعنف ولا بالسخرية، ولكن بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم، والحق دليلهم، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي سار عليها رسول الله ﷺ وصحابته ﵃.
стр. 2267
س ٨: هل الأولوية في الدعوة الإسلامية للعمل الخيري كبناء المساجد، وإغاثة المنكوبين أم لدعوة الحكومات لتطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة كافة أشكال الفساد؟
جـ ٨: الواجب على العلماء البداءة بما بدأ فيه الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يتعلق بالمجامع الكافرة والبلدان غير الإسلامية، وذلك بالدعوة إلى توحيد الله، وترك عبادة ما سواه، والإيمان به وبأسمائه وصفاته، وإثباتها له على الوجه اللائق به ، مع الإيمان برسوله ﷺ ومحبته واتباعه، كما أن عليهم دعوة المسلمين في كل مكان إلى التمسك بشريعة الله، والاستقامة عليها، ونصح ولاة الأمور، ومساعدة المحتاجين ومواساتهم.
كما أن على العلماء أن يستمروا في الدعوة إلى الله، والحرص على الأعمال الخيرية، وزيارة ولاة الأمور وتشجيعهم على الأعمال الحسنة، وحثهم على تحكيم الشريعة وإلزام الشعوب بها، عملا بقول الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
س ٩: يتحمس بعض الشباب أكثر مما ينبغي وينحو إلى التطرف فما هي نصيحتكم له؟
جـ ٩: يجب على الشباب وغيرهم الحذر من العنف والتطرف والغلو؛ لقول
стр. 2268
الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) الآية، وقوله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «هلك المتنطعون قالها ثلاثا (٤) » ، رواه مسلم في صحيحه، وقوله ﷺ : «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٥) » رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن بإسناد حسن.
فلهذا أوصي جميع الدعاة بأن لا يقعوا في الإسراف والغلو، وإنما عليهم التوسط. . وهو السير على نهج الله وعلى حكم كتابه وسنة نبيه ﷺ .
س ١٠: اليوم نعيش ظاهرة سياسية كبيرة هزت العالم وهي انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد اليهود فهل لكم كلمة توجهونها إلى الشباب المسلم في فلسطين المحتلة؟
جـ ١٠: أنصحهم بتقوى الله، والتعاون على الخير، والاستقامة في العمل، فالله ينصر من ينصره، فقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٦) وقال سبحانه في مكان آخر من كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٧)
стр. 2269
إنني أنصح كل إخواني بالتعاون معهم، وأنصح الأغنياء وولاة الأمور بأن يمدوا يد العون لإخوانهم في فلسطين المجاهدة؛ لاسترداد بلادهم والنصر على الأعداء إن شاء الله.
أيدهم الله بالحق وجزاهم عن المسلمين كل خير، وما عليهم إلا أن يصبروا ويصابروا فإن وعد الله حق، وإن الله ناصر من ينصره، وفقهم الله ونصرهم على عدوهم، ووفق المسلمين لمساعدتهم والوقوف بصفهم حتى ينصرهم الله على عدوهم، وهو سبحانه خير الناصرين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 2270
حكم سؤال السحرة والمشعوذين (١)
س: الأخ ص. ع. ب من الرياض يقول في سؤاله: يوجد في بعض جهات اليمن أناس يسمون (السادة) وهؤلاء يأتون بأشياء منافية للدين مثل الشعوذة وغيرها، ويدعون أنهم يقدرون على شفاء الناس من الأمراض المستعصية، ويرهنون على ذلك بطعن أنفسهم بالخناجر أو قطع ألسنتهم، ثم إعادتها دون ضرر يلحق بهم، وهؤلاء منهم من يصلي، ومنهم من لا يصلي. وكذلك يحلون لأنفسهم الزواج من غير فصيلتهم، ولا يحلون لأحد الزواج من فصيلتهم وعند دعائهم للمرضى يقولون: (يا الله يا فلان) أحد أجدادهم.
وفي القديم كان الناس يكبرونهم ويعتبرونهم أناسا غير عاديين، وأنهم مقربون إلى الله، بل يسمونهم رجال الله، والآن انقسم الناس فيهم: فمنهم من يعارضهم، وهم فئة الشباب وبعض المتعلمين، ومنهم من لا يزال متمسكا بهم، وهم كبار السن وغير المتعلمين. نرجو من فضيلتكم بيان الحقيقة في هذا الموضوع؟
جـ: هؤلاء وأشباههم من جملة المتصوفة الذين لهم أعمال منكرة وتصرفات باطلة، وهم أيضا من جملة العرافين الذين قال فيهم النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما (٢) » وذلك بدعواهم علم الغيب وخدمتهم للجن، وعبادتهم إياهم، وتلبيسهم على الناس بما يفعلون من أنواع السحر الذي قال الله فيه في قصة موسى
стр. 2271
وفرعون ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) فلا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم لهذا الحديث الشريف، ولقوله ﷺ : «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) » ، وفي لفظ آخر: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٣) » .
وأما دعاؤهم غير الله واستغاثتهم بغير الله، أو زعمهم أن أباءهم وأسلافهم يتصرفون في الكون، أو يشفون المرضى، أو يجيبون الدعاء مع موتهم أو غيبتهم، فهذا كله من الكفر بالله ومن الشرك الأكبر، فالواجب الإنكار عليهم، وعدم إتيانهم، وعدم سؤالهم، وعدم تصديقهم؛ لأنهم قد جمعوا في هذه الأعمال بين عمل الكهنة والعرافين وبين عمل المشركين عباد غير الله، والمستغيثين بغير الله، والمستعينين بغير الله من الجن والأموات وغيرهم ممن ينتسبون إليهم، ويزعمون أنهم آباؤهم وأسلافهم، أو من أناس آخرون يزعمون أن لهم ولاية أو لهم كرامة، بل كل هذا من أعمال الشعوذة، ومن أعمال الكهانة والعرافة المنكرة في الشرع المطهر.
وأما ما يقع منهم من التصرفات المنكرة من طعنهم أنفسهم بالخناجر أو قطعهم ألسنتهم، فكل هذا تمويه على الناس، وكله من أنواع السحر المحرم الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة بتحريمه والتحذير منه كما تقدم، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بذلك، وهذا من جنس ما قاله الله عن سحرة فرعون: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٤)
فهؤلاء قد جمعوا بين السحر وبين الشعوذة والكهانة والعرافة وبين الشرك الأكبر، والاستعانة بغير الله والاستغاثة بغير الله وبين دعوى علم الغيب والتصرف في علم الكون،
стр. 2272
وهذه أنواع كثيرة من الشرك الأكبر والكفر البواح، ومن أعمال الشعوذة التي حرمها الله ومن دعوى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)
فالواجب على جميع المسلمين العارفين بحالهم الإنكار عليهم، وبيان سوء تصرفاتهم، وأنها منكرة، ورفع أمرهم إلى ولاة الأمور إذا كانوا في بلاد إسلامية حتى يعاقبوهم بما يستحقون شرعا؛ حسما لشرهم، وحماية للمسلمين من أباطيلهم وتلبيسهم.
والله ولي التوفيق.
стр. 2273
ذبح الأبقار لغرض الاستسقاء
س: يقوم بعض الناس في منطقتنا قبل أن تنتشر الدعوة من جديد بعد حكم آل سعود بأخذ الأبقار، ويدورون بها حول الجبال وحول الأودية، وبعد ذلك يذبحون واحدة منها وهم بذلك يريدون الاستسقاء، فهل هذا جائز أم لا؟ .
جـ: هذا العمل لا أصل له في الشرع المطهر، وهو بدعة منكرة؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يفعلوا ذلك، وإنما السنة عند الجدب ما فعله النبي ﷺ من الاستغاثة في خطبة الجمعة أو غيرها؛ كخطبة العيد أو الخروج للصحراء، أو أداء صلاة الاستسقاء أو سؤال الله والضراعة إليه بطلب الغوث، كما فعل ذلك النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ويجب على المسلمين التوبة إلى الله سبحانه من جميع الذنوب؛ لأن الذنوب سبب كل شر في الدنيا والآخرة، والتوبة إلى الله سبحانه والاستقامة على الحق سبب كل خير في الدنيا والآخرة.
ويشرع للمسلمين أن يواسوا الفقراء ويتصدقوا عليهم؛ لأن الصدقة يدفع الله بها البلاء، ولأنها رحمة وإحسان، والله يرحم من عباده الرحماء، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (١) » ، وقال الله : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)
стр. 2274
وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 2275
حكم المجاملة
س: في بعض الظروف تقتضي المجاملة بأن لا نقول الحقيقة، فهل يعتبر هذا نوعا من الكذب؟ (١)
جـ: هذا فيه تفصيل، فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل لم تجز هذه المجاملة. أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل، إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال، ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ولا إسقاط حق لأحد، فلا أعلم حرجا في ذلك.
стр. 2276
تعليم الأصم والأبكم
س: إذا كان لدي أخ أصم وأبكم فهو لا يسمع ولا يتكلم كما هو معلوم، وطبعا لا يعرف شيئا عن الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة، ولا يعرف شيئا عن أحكام الإسلام، ولا يعرف شيئا من القرآن. كيف يكون التوجيه والحالة هذه؟
جـ: هذا لا بد أن يفعل معه ما يعلم به عقله بالإشارة إذا كان بصيرا. وينبغي أن يعلم الصلاة بالفعل؛ فيصلي عنده وليه أو غيره، ويشار له أن يفعل هذا الفعل، مع بيان الأوقات بالطريقة التي يفهمها، أو بتعليمه الصلاة كل وقت بالفعل بعد أن يعلم أنه عاقل، ويكتب له إن كان يعرف الكتابة حقيقة العقيدة الإسلامية، وأركان الإسلام مع بيان معنى الشهادتين. وهكذا بقية أحكام الشرع توضح له كتابة.
ومن ذلك أحكام الصلاة من الوضوء والغسل ومن الجنابة، وبيان الأوقات، وأركان الصلاة وواجباتها وما يشرع فيها، وبيان السنن الراتبة، وسنة الضحى والوتر إلى غير ذلك مما يحتاجه المكلف لعله يستفيد من الكتابة.
ومتى علم عقله بأي وسيلة، ثبت أنه من المكلفين إذا بلغ الحلم بإحدى علاماته المعلومة، ولزمته أحكام المكلفين حسب علمه وقدرته. أما إن ظهر من حاله أنه لا يعقل فلا حرج عليه، لأنه غير مكلف، كما جاء في الحديث الصحيح: «رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمعتوه حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ (١) » .
стр. 2277
الإحساس بالمعاصي
س: شاب يقول: إنني في السابعة عشرة أؤدي ولله الحمد ما افترضه الله على عباده من أركان الإسلام وواجباته، وأجاهد نفسي على أن أجعلها في أتم صورة إلا أن في نفسي شعورا أحس من خلاله أنني ارتكب معصية موبقة، وأيضا توقعني في عذاب الله وسخطه، وقد ارتكبتها من حيث لا أشعر، وأحس أنني مثل عبد النبي ﷺ الذي أصابه سهم من الكفار يوم خيبر فقال المسلمون: هنيئا له الجنة، فقال النبي ﷺ : «كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها القسمة، لتشتعل عليه نارا (١) » . خلاصة الأمر أني في معصية ولا أعرفها. أرجو إجابتي نحو هذا الشعور، هل هو دليل خير وتقوى أم دليل على غير ذلك؟ أرجو التعليق على هذا.
جـ: هذا من الدلائل على شدة خوفك من الله سبحانه، وتعظيم حرماته، فأنت على خير إن شاء الله، وعليك أن تبتعد عن هذا الخوف الذي لا وجه له؛ لأنه من الشيطان ليتعبك ويغلقك ويضيق عليك حياتك، فاعرف أنه من عدو الله لما رأى منك المحبة للخير والغيرة لله والمبادرة للخيرات، أراد أن يتعبك فاعصه وابتعد عما أراده منك، واطمئن إلى ربك، واعلم أن التوبة كافية وإن كان الذنب أعظم من كل عظيم، فتوبة الله فوق ذلك، وليس هناك ذنب أعظم من الشرك، والمشرك متى تاب تاب الله عليه وغفر له سبحانه، فأنت عليك بالتوبة مما قد علمت أنك فعلته من المعصية، وبعد التوبة ينتهي كل شيء كما قال الله سبحانه:
стр. 2278
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) الآية، وقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) فعلق سبحانه في هاتين الآيتين المغفرة والفلاح بالتوبة، فقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)
أجمع العلماء ﵏ على أن هذه الآية نزلت في التائبين، فالواجب عليك التوبة إلى الله سبحانه من جميع ما تعلم من المعاصي وما لا تعلم، وذلك بالندم على ما مضى منها، والإقلاع منها والعزم الصادق ألا تعود إليها رغبة فيما عند الله، وتعظيما له، وطلبا لمرضاته، وحذرا من عقابه، وأبشر بالخير والعاقبة الحميدة التي وعد الله بها التائبين، واذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤)
وهناك آية أعظم في المعنى وهي أن العبد متى تاب وأتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح أبدل الله سيئاته حسنات كما قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٥) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٦) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧) فأخبر بأنه يبدل سيئاتهم حسنات بسبب توبتهم الصادقة، وإيمانهم وعملهم الصالح، فأنت في ذكرك ذنبك الذي أشرت إليه وتوبتك منه ومتابعة ما جرى منك بالأعمال
стр. 2279
الصالحة والإيمان والتصديق والرغبة فيما عند الله يبدلك بدل السيئة حسنة. وهكذا جميع السيئات التي يتوب منها العبد ويتبعها بالإيمان والعمل الصالح، يبدلها الله له حسنات فضلا منه وإحسانا، ولله الحمد والشكر على ذلك.
стр. 2280
طاسة السم
س: يوجد عند بعض الناس في وادي قدير إناء مصنوع من النحاس، ويسمونه (طاسة السم) ، وعندما يمرض إنسان فإنه يذهب إلى من توجد عنده هذه الطاسة، ويملؤها بالماء ويشرب ذلك الماء معتقدا أنه يوجد به الشفاء، ولا سيما إذا كان المرض في المعدة. وقد لاحظت وجود صورة محفروة على الإناء وهي للعقرب والحصان والقط والغزال والحمير-" أجلكم الله "- والحية والثعلب والفيل والأسد، وللرجال وبعض صور أخرى لا أعرفها وهي جميعها منقوشة نقشا على هذا الإناء. كما توجد أسماء وكتابات مثل " الشهيد " وهكذا. ويستمر في سرد الوصف لتلك الطاسة، ويرجو توجيه الناس حول هذا الأمر؟؟
جـ: هذه الطاسة التي أشار إليها السائل طاسة منكرة، وفيها منكرات عظيمة، وهي الصور التي ذكرها السائل، ولا نعلم أن أي طاسة من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة أو غير ذلك يحصل بها شفاء أمراض المعدة أو غيرها، وإنما هي دعوى يدعيها صاحب الطاسة كذبا وزورا، أو يكون له اتصال بفسقة الجن وكفارهم ليستعين بهم في هذه الشعوذة بواسطة هذه الطاسة، ويزعم بها أنه يعالج بها حتى يأخذ أموال الناس