الوضعية المخالفة لشرع الله أمر جائز أو أنه أنسب للناس من تحكيم شرع الله، أو أنه لا فرق بين تحكيم شرع الله وتحكيم القوانن التي وضعها البشر المخالفة لشرع الله ، فهو مرتد عن الإسلام كافر بعد الإيمان إن كان مسلما قبل أن يقول هذا القول أو يعتقد هذا الاعتقاد، وكما صرح بذلك أهل العلم والإيمان من علماء التفسير وفقهاء المسلمين في باب حكم المرتد، ومن أشكل عليه شيء مما ذكرنا فليراجع ما ذكره العلماء في تفسير الآيات السابقات كالإمام ابن جرير، والإمام البغوي والحافظ ابن كثير، وغيرهم من علماء التفسير، وليراجع ما ذكره العلماء في باب حكم المرتد وهو المسلم يكفر بعد إسلامه حتى يتضح له الحق وتزول عنه الشبهة، أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم ذلك لرشوة دفعت إليه من المحكوم له أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأسباب أخرى فإنه قد أتى منكرا عظيما وكبيرة من الكبائر، كما أنه قد أتى نوعا من الكفر والظلم والفسق لكنه لا يخرجه عمل ذلك من ملة الإسلام، ولكنه يكون بذلك قد أتى معصية عظيمة وتعرض لعذاب الله وعقابه وهو على خطر عظيم من انتكاس القلب والردة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك، وقد يطلق بعض العلماء أنه أتى بذلك كفرا أصغر وظلما أصغر وفسقا أصغر كما روي ذلك عن ابن عباس ﵄ وعطاء وجماعة من السلف ﵏. والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه، ويوزعهم شكر نعمه، وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويخذل أعداء الإسلام أينما كانوا، وأن يعيذنا والمسلمين جميعا من مضلات الفتن وأسباب النقم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 2697
حوار فيما يتعلق بالأمة الإسلامية
بعد حرب الخليج (١)
(في ظل الأحداث الجسام التي تمر بها أمتنا الإسلامية في الوقت الراهن، والتي تكاد تعصف بمقدراتها ومصالح شعوبها وتهدد دينها وعقيدتها في الصميم، وفي ظل التجارب المريرة التي خاضتها الأمة خلال القرن الحالي والتي أدت إلى تصدع البنيان وانهيار العديد من أركانه، ورغم ذلك فقد كان الأمل يحدونا مع تصاعد الصحوة الإسلامية في كافة أرجاء العالم الإسلامي، أن نفيق من سباتنا العميق، وأن ننفض عن كواهلنا غبار الزمن بكل ما يحمله من مخلفات تذكي عوامل الفرقة والشقاق، حتى جاء طاغية العراق ليقتل هذا الأمل في النفوس بعدوانه الغاشم على دولة الكويت ومحاولاته المستمرة لتوسيع وتذكية عوامل الشقة والخلاف بين أبناء الأمة ليعيدها بذلك سنوات عديدة للوراء. في ظل ذلك كله، وفي ظل التحديات العديدة التي تواجهها الأمة يكتسب الحديث مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإشاد أهمية بالغة لأنه يأتي معبرا عن رؤية واحد من أبرز علماء الأمة خلال القرن الحالي لواقعها، راصدا إياه ومحددا لأسباب وعوامل الضعف والانهيار الذي تعانيه، وواصفا العلاج الناجع للخلاص من تلك الأثقال والهموم التي تكبل مسيرة الأمة وتعيق انطلاقها وتقدمها، ولتسليط الضوء على كل هذه النقاط وغيرها مما يهم الأمة الإسلامية ويشغل أذهان المسلمين في الوقت الراهن، كان لعكاظ هذا الحوار الشامل مع سماحته:)
س ١: من خلال اهتمام سماحتكم بالعمل الإسلامي والدعوة إلى الله. ما هي
стр. 2698
رؤيتكم ل واقع الأمة الإسلامية؟ وما هو السبيل لانتشالها مما هي فيه من تشتت وانقسام؟
ج: لا ريب أنه لا سبيل إلى صلاح الأمة ونجاتها وجمع كلمتها إلا باتحادها على كتاب الله وسنة الرسول ﵊، والتعاون في ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢)
وفي أحداث الخليج عظة وذكرى لكل مسلم، فالواجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يعتصموا بكتاب الله وسنة نبيه ﵊ في جميع الأمور، فهذا هو طريق النجاة وطريق السعادة وطريق العزة والكرامة والنصر على الأعداء. ففى هذا الطريق وهذا السبيل كل خير في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه رضاه وأن يجمع كلمتهم على الهدى.
س ٢: البعض يلقي اللوم على المنظمات الإسلامية والعربية بعدم قيامها بما هو مطلوب منها، فكيف يمكن لها أن تقوم بدورها في خدمة الإسلام والمسلمين؟
لا ريب أن المنظمات الإسلامية مسئولة عن واجبها نحو الدعوة إلى الله سبحانه ونحو جمع كلمة المسلمين.
فالواجب على كل منظمة أن تبذل وسعها بالدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير، وإرسال الدعاة إلى المناطق التي تستطيع إرسالهم إليها للدعوة إلى الله حسب طاقتها، فكل منظمة عليها واجبها بقدر طاقتها؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) ، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤) فعليها أن تدعو إلى الله عن طريق الكتاب والسنة؟ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٥) ويقول سبحانه:
стр. 2699
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فعلى كل طالب علم وكل عالم أن يدعو إلى الله حسب طاقته على الطريقة التي رسمها الله لعباده بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)
والحكمة معناها: العلم بما قال الله وقال رسوله، والموعظة الحسنة المقصود بها الترغيب والترهيب والتوجيه إلى الخير وذكر ما للمتقي من الخير والعاقبة الحميدة، وما للكافر والعاصي من العاقبة الوخيمة، أما الجدال فهو الجدال بالأدلة الشرعية بالأسلوب الحسن دون عنف ولا شدة، بل بالأدلة الشرعية والبيان الواضح اللين حتى تزول الشبهة إن كان عند المجادلة شبهة، وإذا قامت المنظمة بهذا الواجب فهي على خير عظيم، ومن هداه الله على يد منظمة أو على يد أي إنسان كان له مثل أجره؛ لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٣) » . .
س٣: ما هي الدروس المستفادة من حرب الخليج لصالح الأمة الإسلامية؟
ج: حرب الخليج فيها عظات وذكرى لمن تعقلها: فإنها قسمت العرب وغير العرب ما بين ناصر للحق وداع للحق، وما بين ناصر للظلم وداع لمناصرة الظلم، وقد أبان الله جل وعلا الطريق السوي لعباده، وأن الطريق السوي هو سلوك الصراط المستقيم الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ حيث قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٤) وهي الطرق المخالفة للشرع ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٥) أي تحيد بكم عن سبيله إلى سبيل أخرى، وهي سبيل الشيطان.
وقد ظهر من هذه الحوادث ما يبين للعاقل وجوب نصر المظلوم وردع الظالم والاستقامة على الحق، وهذا هو الواجب على كل مسلم وعلى كل عاقل، حتى ولو
стр. 2700
كان غير مسلم، فعلى كل عاقل وعلى كل ذي إنصاف أن ينصر الحق وأن يرد الظلم وأن ينصر المظلوم، هذا هو الواجب على كل إنسان، سواء كان مسلما أو غير مسلم، ولكن الواجب على المسلم أكبر وأعظم.
لأن الله أوجب عليه ذلك بأن ينصر المظلوم وأن يردع الظالم حسب طاقته، وأن يكون في صف الحق لا في صف الباطل، هذا هو الواجب على بني الإسلام وعلى كل ذي عقل سليم، وفي هذا الصدد يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه (١) » فالظالم منعه من الظلم وتوبيخه على الظلم، هذا نصره، والمظلوم يعان على رد الظالم وعلى تسليم حقه ورده إليه، وإذا كان الظالم كافرا كان ردعه أوجب كأمثال صدام وأشباهه. .
س٤: لا شك أن حرب الخليج أحدثت تصدعا في صفوف المسلمين كيف ترون سماحتكم الحل المناسب للتوفيق بينهم؟
ج: التصدع له دواء، فكل داء له دواء، ودواء التصدع هو الرجوع إلى الله والتوبة إليه والالتزام بالحق من جميع الدول ومن جميع المسئولين، فعلى كل واحد أن يتوب إلى الله من خطئه ومن غلطه، ويرجع إلى الصواب ويطلب من أخيه المسامحة عما جرى منه على أخيه من الخطأ، والله جل وعلا يتوب على التائبين، يقول سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣) والنبي ﷺ يقول: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٤) » .
فعلى الدول الإسلامية والعربية جميعا التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، والرجوع عن الباطل والتوبة إلى الله منه واستسماح أخيه الذي ظلمه وتعدى عليه يستسمحه فيقول: يا أخي سامحني،
стр. 2701
جرى مني كذا وأخطأت في كذا، وأنا أطلب المسامحة والعذر.
والتواصي بالحق مطلوب، والتسامح مطلوب، فالتواصي بالحق يتطلب أن يوصي كل واحد أخاه بالحق، والتسامح يعني أن يطلب كل واحد من أخيه أن يسمح عما جرى من التقصير بحقه، وإذا تسامحوا وتصالحوا وتبرأ الظالم من خطئه وزلته وتاب إلى الله من ذلك حصل المطلوب وزال المحظور.
س٥: لا شك أن أعداء الأمة الإسلامية يتحينون الفرصة المناسبة للقضاء عليها فما هي السبل لمنع وقوع ذلك؟
ج: الواجب على الدول الإسلامية أن تستعد لأعداء الله وتحذر مكائدهم، وأن تستقيم على دين الله، وأن تلزم الحق وأن تعد العدة دائما، لا تغفل ولا تأمن مكر العدو، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٢)
فالواجب على كل دولة إسلامية عربية أو غير عربية أن تعد العدة وأن تستقيم على دين الله وعلى شريعته، وأعظم العدة الاستقامة على الحق والثبات عليه وطاعة الله ورسوله في كل شيء وتحكيم شريعته، هذه هي العدة، ثم العدة الحسية من الجيش الطيب والسلاح المناسب في الوقت الحاضر حسب طاقتهم، فالله أمرهم بما يستطيعون، حيث يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣) فكل دولة تجتهد في اقتناء السلاح المناسب في الوقت الحاضر، والحرص على صنعته إذا أمكن أو شرائه، والحرص على إيجاد الجندي الطيب المسلم في وقت الرخاء، حتى إذا جاءت الشدائد تكون عندها القوة الكافية، وهذا واجب الجميع،
стр. 2702
وأعظم شيء وأهمه إصلاح النفوس بتقوى الله، والاستقامة على دينه، وترك معصيته ، والإخلاص لله بالعبادة، والنهي عن الشرك بالله، ومن ذلك التعلق بالأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك، فهذا من الشرك بالله، فالتعلق بالأموات وسؤالهم النصر على الأعداء أو شفاء المرضى يعتبر من الشرك الأكبر.
فالواجب على كل دولة أن تعتني بهذا الأمر، وأن توجه رعيتها إلى توحيد الله والإخلاص له وترك الشرك به جل وعلا، وأن يستقيم الجميع على دين الله، وأن يحذروا معصيته ، وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ في كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) أوجب سبحانه على المؤمنين عند التنارع رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله أي إلى الكتاب العزيز وهو القرآن وإلى سنة الرسول ﷺ فما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة وجب الأخذ به.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وأوجب عليهم طاعة ولي الأمر يعني في المعروف لقول النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف (٣) » فيجب على الدول فيما ﷺ إذا تنازعت أن ترد نزاعها إلى الله ورسوله وحكم الشرع، وعليها في نفسها أن تستقيم على دين الله وأن توجه جيشها وشعبها إلى الاستقامة على دين الله، وهذا هو طريق النصر وطريق السعادة وطريق العزة والكرامة وطريق الحماية من الأعداء أينما كانوا، وكيفما كانوا.
نسأل الله لجميع المسلمين التوفيق والهداية، ونسأل الله لولاة الأمور أن يصلحهم، وأن يعينهم على كل خير، وأن يمنحهم الفقه في الدين والثبات عليه.
س ٦: هناك من يسعى لاستغلال الدين لتحقيق مآربه الخاصة خلال أحداث الخليج. فما هي كلمة سماحتكم في ذلك؟
стр. 2703
ج: الواجب على كل مسلم أن يتقي الله وأن يخلص لله، وأن لا يعمل عمل المنافق، فيستغل الدين لأهوائه، فالمنافق هكذا عمله، يرجع إلى الدين عند حاجته إليه نفاقا، فهذا منكر لا يجوز، والمنافقون شر من الكفار، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) فالواجب الالتزام بالدين من أجل الدين ومن أجل طاعة الله ورسوله لا من أجل أعراض دنيوية، فالمنافق من شأنه الالتزام بالدين وإظهاره لمصلحته الدنيوية وحاجته، وإذا خلا رجع إلى الكفر بالله والضلال وإلى مناصرة الكفار، وإذا انتهت حاجته رفض الدين، فهذا ليس من الدين في شيء؛ لأنه منافق، والمنافق شر من الكافر والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢)
ومن صفاتهم ما ذكر الله في كتابه العظيم في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٤) فالمذبذب هو الحائر، مرة مع المسلمين ومرة مع الكفار، فهذا المذبذب يكون مع الكفار إذا نصروا ورأى عندهم الفائدة، وتارة مع المسلمين إذا نصروا وصار عندهم الفائدة.
إذا هو مذبذب، ليس عنده ثبات وليس عنده بصيرة، بل هو مع من نصر ومع من رأى فيه المصلحة، فإن رأى المصلحة مع الكفار صار معهم، وإن رأى المصلحة مع المسلمين صار مع المسلمين، ليس عنده هدف صالح وليس عنده عقيدة ثابتة، هذه حال المنافقين نسأل الله العافية. .
س ٧: هل من كلمة توجيهية لأبناء الشعب الكويتي بعد تحرير بلادهم من يد طاغية العراقي؟
ج: وصيتي للشعب الكويتي ولكل مسلم تقوى الله ، هذه وصيتي للكويتي وللسعودي ولكل مسلم في الخليج والمسلمين جميعا، فأوصي
стр. 2704
الجميع بتقوى الله جل وعلا، وأن يستقيموا على دينه، وأن يشكروا الله على نعمة النصر ونعمة العافية ونعمة ردع الظالم.
والشكر لله يكون بالطاعة لله ولرسوله والاستقامة على دين الله والمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها وفي أداء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن لم يحج مرة واحدة في العمر، وكذلك طاعة الله ورسوله في كل شيء من بر الوالدين وصلة الرحم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير هذا من وجوه الخير، مع ترك المعاصي كلها، هذا كله من شكر الله، فوصيتي للجميع أن يشكروا الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه والصبر عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)
ويقول سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤) وهذا واجب الجميع أن يتعاونوا على البر والتقوى والتناصح في الله وترك معصيته وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان من الشرك وشرب الخمر والزنا والمقامرة وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله، وعليهم بأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يتناهوا عن الإثم والعدوان بأن ينهى كل واحد أخاه عن المنكر ويأمره بالخير، هذا كله من شكر الله ، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) هذه أوصاف المؤمنين وهذه أخلاقهم، وعدهم الله عليها الرحمة بالنصر في الدنيا والسعادة والنجاة في الآخرة.
نسأل الله للجميع التوفيق والاستقامة والهداية.
س ٨: ختاما ما هي كلمتكم لأسر الشهداء؟
ج: أسأل الله أن يجبر مصيبتهم، وأن يحسن عزاءهم، وأن يعوضهم خيرا مما فاتهم في الدنيا والآخرة، وأن يغفر للشهداء، وأن يتجاوز عن سيئاتهم ويدخلهم الجنة
стр. 2705
وينجيهم من النار، والشهداء يرجى لهم الخير العظيم، فنوصي أسرهم بالدعاء لهم والرحمة وعلو المنزلة في الجنة، ونوصي أسرهم أيضا بالصبر والاحتساب؛ لأن الشهادة في سبيل الله نعمة عظيمة، فعلى الأسر أن يصبروا ويحتسبوا والله يعوضهم خيرا ويجبر مصيبتهم متى صبروا واحتسبوا. رزق الله الجميع التوفيق لما يرضيه.
стр. 2706
لقاء جريدة المسلمون مع سماحته
س١: الآن بعد أن هدأ غبار الحرب كيف السبيل- في رأي سماحتكم- إلى إزالة غبار الفتنة التي نشأت عن أزمة الخليج؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فلا شك أن الفتنة التي فجر أسبابها حاكم العراق فتنة عظيمة وترتب عليها شرور كثيرة، والحمد لله الذي من بالقضاء عليها وتحرير دولة الكويت ودحر الظالم والقضاء عليه وعلى عدوانه، ولا شك أن ذلك من نعم الله العظيمة، فنشكر الله على ذلك، ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم لما يرضيه، والواجب على المسلمين في مقابل هذه النعمة أن يشكروا الله كثيرا وأن يستقيموا على دينه، وأن يحذروا أسباب غضبه، وأن يجتهدوا في رأب الصدع ولم الشمل على طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله وسنة رسوله ﵊، والتواصي بالحق والصبر عليه.
هذا هو الطريق لإزالة غبار هذه الفتنة والسلامة من شرها ومكائدها ومكائد من دعا إليها، والله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) ويقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) وهذا هو السبيل لإزالة غبار هذه الفتنة وآثارها السيئة.
стр. 2707
إن السبيل الوحيد هو جمع الكلمة على طاعة الله ورسوله، والتواصي بالحق والصبر عليه من الرؤساء والأعيان والعلماء والعامة حتى يستقيم الجميع على طاعة الله ورسوله، وحتى تكون محبتهم في الله وبغضهم في الله، وموالاتهم في الله، ومعاداتهم في الله.
فنسأل الله أن يسلك بنا وبهم صراطه المستقيم، وأن يهدينا وإياهم لكل ما فيه رضا، وأن يعيذنا وكافة المسلمين في كل مكان من أسباب غضبه، وأسباب النزاع الذي يؤدي بالناس إلى ما لا تحمد عقباه.
стр. 2708
س ٢: ما هو أبرز درس من الدروس المستفادة من هذه المحنة العظيمة التي أصابت الأمة؟
ج: إن أبرز درس: أن الفتن والحوادث تبين للناس العدو من الصديق، وتقسمهم إلى محق ومبطل، وحاسد وراغب في الخير، ومنصف وجائر، فالواجب على المؤمن عند وجود المحن أن يكون مع الحق لا مع هواه ولا مع الباطل، بل يجب أن يكون مع الحق يدور معه أينما دار، ومن كان مع الحق دعا إليه ونصره، ومن كان مع الظلم والشرك والبدعة خالفه ودعا إلى تركه وعدم التعاون معه، ففي هذه الفتنة معلوم أن حاكم العراق ظالم معتد على دولة آمنة مسلمة، بغى عليها واعتدى ظلما وعدوانا، وهو بعثي ملحد.
إن واجب المسلمين جميعا أن يكونوا مع الحق ضد الظالم والمعتدي، ومن المؤسف أن تكون جماعة من الفئة الكافرة تنصر المحق وتردع الظالم، بينما دول تنتسب إلى الإسلام تقف مع المبطل والظالم، إن هذا لمن العجائب والغرائب، فالواجب على من ينتسب للإسلام ومن يدعي الإسلام أن يكون مع الإسلام حقيقة، وأن يكون مع طالب الحق ومع ناصر الحق لا مع الظالم والمعتدي ولو كان قريبه أو أخاه، فالواجب نصر المحق وردع الظالم والقضاء على ظلمه بالطرق المناسبة التي يحصل بها المطلوب، كما قال المصطفى ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه (١) » .
وهذا الحديث العظيم من جوامع الكلم، فالواجب على أهل الإسلام أن يطبقوه وأن يلتزموا به مع القريب والبعيد.
стр. 2709
س ٣: أدت الفتنة إلى اندفاع بعض القيادات والجماعات الإسلامية إلى تأييد الباغي، فماذا تقولون لهم الآن بعد أن انتهت الحرب؟
ج: نقول لهم: إن باب التوبة مفتوح، فالواجب على من حاد عن الصواب أن يرجع إلى الصواب، وأن يتوب إلى الله وأن يندم على ما فرط فيه من الخطأ، وأن يعود إلى الرشد والهدى والحق، والله يمحو بالتوبة ما قبلها من الخطأ والضلال، كما قال ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٣) » .
والتوبة النصوح تشمل أمورا ثلاثة: الأمر الأول: الندم على الخطأ والزلل والظلم والعدوان. والثاني: الإقلاع عن الذنب وتركه والحذر منه رغبة فيما عند الله وتعظيما له سبحانه. والثالث: العزم الصادق على عدم العودة إليه إخلاصا لله ومحبة وتعظيما له. وهناك شرط رابع لا بد منه أيضا: فيما يتعلق بحق المخلوقين فلا بد أن يتخلص من الظلم المالي والدموي والعرضي، لا بد من توبة بأن ترد المظلمة أو تستبيح المظلومين.
وإذا استوفى الإنسان هذه الشروط رغبة فيما عند الله وتعظيما له سبحانه - تاب الله عليه ومحا عنه سيئاته، كما قال تعالى في حق الكفرة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤) وقال سبحانه في حق الجميع: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) أجمع أهل العلم أن المراد بهذه الآية التائبون. .
стр. 2710
س ٤: هناك من يقول إن بعض الدول والجماعات في العالم العربي والإسلامي تخلوا عنا ووقفوا ضدنا وناصروا طاغية العراق، لذلك ينبغي أن نعيد النظر في علاقتنا بهم ونوقف مساعداتنا لهم وننصرف إلى شئوننا الذاتية ونقتصر على أنفسنا، فما رأيكم في مثل هذا القول؟
стр. 2711
ج: الواجب على الدول الإسلامية وعلى رؤسائها التعاون على البر والتقوى، ومن أراد الخير وندم على ما فرط منه من الظلم - فالمشروع أن يتعاون معه على البر والتقوى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١) وإذا أساء إليك بعض الناس فمن الأحسن لك أن تقابل إساءته بالإحسان والصفح والعفو إذا لم يستمر على الإساءة واستقام على الحق ولم يعتد، فإن الرجوع إلى الحق ليس عيبا ولا ينبغي أن تطغى الحزازات والعداوات على المصلحة العامة للمسلمين، فإن عاقبة ذلك وخيمة، ولكن ينبغي السير في إزالتها بالعفو والصفح والإصلاح، وعلى من أساء أن يظهر التوبة والاعتذار عما جرى منه وأن يبدل سيئاته حسنات، فالحسنة تمحو السيئة إذا صدق صاحبها، أما إذا استمر المعتدي على عدوانه ولم يرغب في الصلح والتعاون - فالواجب حينئذ عدم التعاون معه إذا كان التعاون معه يضر الدعوة الإسلامية أو يضر المجتمع الإسلامي أو يفضي إلى فساد الأخلاق.
стр. 2712
س ٥: انساقت بعض الجماهير، ومنهم بعض شباب الصحوة الإسلامية في بعض البلدان وراء بعض القيادات التي رفعت شعارات تناصر النظام العراقي العلماني مما يدل على أن هناك قصورا أو خللا في منهج الدعوة وقلة العلم الشرعي الذي تربى عليه هؤلاء الشباب، فكيف يمكن أن نعالج مثل هذا الخلل وما هو دور العلماء في ذلك؟
ج: لا شك أن هذا واقع، وأن نقص العلم يسبب وقوع المجتمع في أخطاء كثيرة، والواجب على العلماء في كل مكان بذل الدعوة وبذل النصيحة ونشر العلم بين الناس ولا سيما بين الشباب الذين يرغبون في العلم ويدعون إلى الله ، وعلى طالب العلم أن يقبل العلم ويسعى إلى أن يتبصر ولا يعجل، والواجب على الشباب وعلى غيرهم ممن ليس عندهم العلم الكافي ألا يعجلوا في الأمور وأن يتفقهوا في الدين ويستمعوا لتوجيه العلماء مما يقال ويكتب حتى يكونوا على بينة، وعليهم
стр. 2713
أن يتدبروا ما يطلعون عليه أو يقال لهم أو يسمعونه في إذاعة أو غيرها، ويعرضوه على الأدلة الشرعية، وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم وممن يوثق فيهم، حتى يكونوا على بينة، ويتحروا أهل العلم الذين يعرفون بنشر الحق والعناية به وإقامة الأدلة عليه ويستفيدوا من علمهم.
أما الاندفاع مع الشعارات التي يروج لها فلان أو فلان أو يؤيدها فلان أو فلان فهذا لا ينبغي لعاقل، وإن كثرة الكلام والبلاغة ليست دليلا على الحق، بل الدليل على الحق هو ما قال الله سبحانه وما قال رسوله ﷺ ، مع العناية بدراسة القواعد الشرعية والأسس المرعية التي دل عليها قول الله وقول رسول الله ﷺ ، فهي المعيار الذي يستنبط منه ويؤخذ عن طريقه الحق عند عدم وجود النص من الكتاب أو السنة، أما قول فلان: ما أذاعته الإذاعة الفلانية فهذا لا ينبغي لعاقل أن يغتر به، بل ينبغي للعاقل أن يكون الكتاب والسنة والقواعد الشرعية هي التي يبني عليها ما يختاره وما يرده، وينبغي أيضا ألا يستقل بنفسه في بعض المسائل التي تخفى عليه، بل ينبغي أن يستفيد من إخوانه، وأن يسأل من يثق به من أهل العلم، وألا يعجل في الأمور حتى يطمئن إلى أن هذا هو الحق، لا لأنه قاله فلان أو الحاكم الفلاني أو الرئيس الفلاني أو الزعيم الفلاني.
стр. 2714
س ٦: كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى طغيان حاكم العراق ترك الشورى وعدم تطبيق الشريعة، فهل من كلمة توجهونها عبر جريدة " المسلمون " لقادة المسلمين وأعيانهم في هذا المجال؟
ج: الشورى من أهم المهمات في الدول الإسلامية والجماعات الإسلامية، لذلك ينبغي العناية بالشورى الإسلامية، وهي من صفات المؤمنين كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢) فالتشاور في الأمور التي ليس فيها دليل واضح
стр. 2715
من أهم المهمات، أما إذا كان النص صريحا من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ فلا تشاور.
إنما الشورى تكون فيما قد يخفى من المسائل التي تبدو للحاكم أو للجماعة أو للمركز الإسلامي ومن فيه أو لغير ذلك، هذا محل الشورى، والشورى تكون في معرفة الحق، أو في كيفية تنفيذه والدعوة إليه، أو في معرفة الباطل وفي أدلته وكيفية القضاء عليه ودفعه ومحاربته.
وهناك أمر ينبغي أن يلاحظ وهو أن الشورى محكومة من أهل العلم والبصيرة، وأعيان الناس العارفين بأحوال المجتمع، يتشاورون ويتعاونون، لا من هب ودب، ولا من الناس الملاحدة أو من الناس المعروفين بالعقائد الزائفة، بل من الناس المعروفين بالعقل الراجح والعلم والفضل والتبصر في أحوال الناس إن كانوا من أعيان المجتمع حتى يحصل التعاون معهم في معرفة الحق فيما قد يخفى دليله أو في الأمور التي تحتاج إلى نظر وعناية في كيفية تنفيذ الحق أو كيفية ردع الباطل والقضاء عليه.
стр. 2716
س ٧: وماذا عن إهمال تطبيق الشريعة؟
ج: إن الواجب أن تحكم الدول المنتسبة للإسلام شريعة الله، وأن تدع القوانين الوضعية التي وضعها الرجال، فإن الله جل وعلا أوجب على المسلمين أن يحكموا شرع الله، فقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)
فالواجب على جميع المسلمين أن يحكموا شرع الله وأن يتركوا التحاكم إلى القوانين الوضعية التي وضعها الشرق أو الغرب، ففي شرع الله ما يكفي والحمد لله، ولهذا قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) نعم إذا وجد نظام أو قانون يوافق الشرع في أية مسألة من مسائل القانون فلا بأس. ويمكن أن تضع الدول قوانين يعرفها الناس ويستفيدون منها
стр. 2717
بشرط موافقتها للشرع.
وهذا ليس من تحكيم القوانين بل هذا عمل بالشرع، ومثلما وضع العلماء أبوابا يوضحون فيها الأحكام الشرعية، فإذا وضعت الدولة قانونا يعرفه الناس في مجال التجارة، أو في مجال البيوع، أو فيما يتعلق بالأوقاف، أو النكاح، إذا وضعت شيئا واضحا في أبواب معينة يسير عليها الناس على هدي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فهذا لا يسمى قوانين، بل هي مثلما وضع الفقهاء في كتبهم أبوابا يوضحون فيها أحكام الله، فإذا وضعت الدولة شيئا يوضح حكم الله في مسألة من المسائل وبينت الشروط فليس هذا ببدع من القول ولا يضر إذا لم يكن مخالفا لشرع الله.
стр. 2718
س ٨: هناك مطالبات - سماحة الشيخ - بإحداث بعض التغييرات في المجتمع بعد هذه الأزمة، إذ كشفت الأزمة عن بعض الأمور، فما رأيكم في هذا؟ وما هي المجالات التي ترونها بحاجة إلى تغيير، سواء في مجتمعنا أو في المجتمعات الإسلامية بشكل عام؟
ج: هذا المقام مقام عظيم، من ذلك أنه يجب على الذين ينتخبون الرؤساء والأعيان أن يتحروا في المنتخب أن يكون من أهل الدين والاستقامة والعقل الراجح والعقيدة الصالحة، ومحبة الخير للمسلمين، وألا ينتخبوا من هب ودب، كما ينبغي أن يكون المنتخب صالحا لقيادة المجتمع إلى طريق النجاة والسعادة، ثم أيضا هناك مسألة الولايات الأخرى الصغيرة، مثل ولاية إمارة في بلدة أو قرية أو رئاسة جمعية أو إدارة مدرسة إلى غير ذلك، فيجب أن ينتبه لذلك، وأن يختار لكل أمر من يناسبه، وألا يكون للمنتخب هوى فيختاره؛ لأنه قريبه أو لأنه صديقه أو لأنه أعطاه مالا أو رشوة.
إن هذا من أعظم الخيانة، فيجب على أفراد المجتمع أن تكون عنايتهم بالاختيار، بأن يكون المختار من أهل الكفاية وأهل الاستقامة وأهل الأمانة وأهل المعرفة، الذين إذا اختيروا ينفعون الأمة في دينهم ودنياهم.
وكذلك ينبغي العناية بإيجاد المدارس الإسلامية التي تخرج الشباب الصالح، فيجب على ولاة الأمور وعلى المسئولين أن تكون لهم عناية بإيجاد المدارس الصالحة
стр. 2719
والمديرين الطيبين الصالحين، وهكذا في جميع القيادات يجب على المسئولين أن يختاروا المرء الصالح الذي يعرف منه الخير، وممن يتسم بالالتزام بالإسلام، وبالالتزا م بالأمانة وترك الخيانة.
стр. 2720
س ٩: هناك يا سماحة الشيخ بعض الأبواق التي تدعو الآن إلى مقاطعة أو تعطيل فريضة الحج لهذا العام بزعم وجود القوات الأجنبية، فما ردكم على هؤلاء؟
ج: هذه دعوى باطلة مغرضة، أو أن صاحبها مغرور مخدوع ليس عنده بصيرة، إن الحرمين والحمد لله ليس فيهما كفار ولا قادة للكفار ولا دول كافرة، الحرمان في صيانة والحمد لله، وفي أيد أمينة، وقوات الدول التي ساعدت في حرب حاكم العراق في محلها بعيدة عن مكة بمسافة طويلة.
إن الدول التي ساعدت وساهمت مشكورة على نصر الحق وعلى ردع الظالم ليس لها تعلق بالحرمين وليست في الحرمين، لقد جاءوا بطلب، ولمساعدة المنكوبين والمظلومين ضد الظالم والمعتدي، وما جاءوا لحرب المسلمين، وما جاءوا للاستيلاء على الحرمين، إنما جاءوا بدعوة من خادم الحرمين الشريفين من أجل نصر المظلوم وردع الظالم، والحمد لله الذي نفع بذلك، وصار في هذه الدول المشركة خير عظيم للمسلمين حتى ردع الله بهم الظالم وأنقذ بهم حق المظلوم، إن الذي يقول إن الحرمين الآن محصوران من دول كافرة إما مخدوع وإما مغالط أو مغرض. وليس لأحد أن يدعو إلى ترك فريضة الحج، بل يجب على المسلمين أن يتعاونوا في أداء فريضة الحج، ولكن يعذر من وجد مخاوف في الطريق أو كان الحرمان - لا سمح الله - فيهما خطر.
فإذا كان الطريق غير آمن أو الحرمان ليسا آمنين صار ذلك عذرا في أن يؤخر الحج إلى عام آخر، ولكن والحمد لله الحرمان آمنان والطريق آمن وليس هناك خطر.
стр. 2721
س١٠: في أثناء الأزمة حصل شيء من الاختلاف بين طلبة العلم والخطباء وإن كان محدودا والحمد لله، فماذا تقولون في ذلك؟
ج: لا شك أنه وقع بعض الاختلاف في بعض المسائل من بعض المحاضرين
стр. 2722
وبعض الخطباء وفي بعض الندوات عن حسن ظن أو عن جهل من بعض إخواننا، والواجب على الجميع الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، كما أن الواجب على الخطيب وعلى المحاضر في الندوات أن يتثبت في الأمور، وألا يتعجل حتى يطمئن أنه على الحق والهدى بالأدلة الشرعية، فلا ينبغي أن يعجل في فتوى أو إصدار أحكام على غير بصيرة.
وعلى كل طالب علم، وعلى كل من يشارك في الندوات، أو يلقي المحاضرات، أو يقوم بخطب الجمعة، أو غيرها أن يتثبت في الأمور وألا يحكم على أي شيء بأنه حرام أو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه إلا على بصيرة حتى لا يضل الناس بسببه.
وأما مسألة الاستعانة بالدول الأجنبية فإن بعض إخواننا ظن أن هذا لا يجوز، وأن ما أقدمت عليه الدولة السعودية من الاستعانة ببعض الدول الأجنبية غلط، فهذا غلط من قائله، فالدولة السعودية كانت محتاجة إلى هذا الشيء، بل مضطرة لما عند حاكم العراق من قوة كبيرة، ولأنه باغت دولة الكويت واجتاحها ظلما وعدوانا، فاضطرت الدولة السعودية إلى الاستعانة ببعض المسلمين وبعض الدول الأجنبية؛ لأن الواقع خطير والمدة ضيقة ليس فيها متسع للتساهل.
فهي في هذا الأمر قد أحسنت، وفعلت ما ينبغي لردع الظالم وحصره حتى لا يقدم على ضرر أكبر وحتى يسحب جيشه من الدولة المظلومة.
والمقصود أن الاستعانة بالمشرك أو بدولة كافرة عند الحاجة الشديدة أو الضرورة وفي الأوقات التي لا يتيسر فيها من يقوم بالواجب ويحصل به المطلوب من المسلمين - أمر لازم لردع الشر الذي هو أخطر وأعظم، فإن قاعدة الشرع المطهر هي دفع أكبر الضررين بأدناهما وتحصيل كبرى المصلحتين، أما أن يتساهل الحاكم أو الرئيس أو ولي الأمر أو غيرهم من المسئولين حتى يقع الخطر وتقع المصيبة فذلك لا يجوز بل يجب أن يتخذ لكل شيء عدته وأن تنتهز الفرص لردع الظلم والقضاء عليه وحماية المسلمين من الأخطار التي لو وقعت لكان شرها أخطر وأكبر.
وقد درس مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة وهي الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة في قتال المشركين والملاحدة وأفتى بجواز ذلك عند الضرورة إليه، للأسباب
стр. 2723
التي ذكرنا آنفا. والله المستعان.
стр. 2724
س ١١: السؤال الأخير يتعلق بوسائل الإعلام، فقد ظهر في الأزمة حاليا أن لوسائل الإعلام دورا خطيرا؛ إذ يتابع الناس عن طريقها الأحداث ويستقون الأخبار ويكونون الآراء، فهل من كلمة حول ذلك؟ وما دور العلماء وطلبة العلم في التعاون مع وسائل الإعلام؟
ج: لا شك أن وسائل الإعلام لها دور عظيم، ولا شك أنها سلاح ذو حدين، فالواجب على القائمين عليها أن يتقوا الله ويتحروا الحق فيما ينشرون، سواء كان ذلك عن طريق الوسيلة المرئية أو المسموعة أو المقروءة، والواجب أن ينشروا ويذيعوا عن أهل العلم والإيمان والبصيرة ما ينفع الناس ويبصرهم بالحق، أما المقالات الضارة والمقالات الملحدة فالواجب الحذر منها وعدم نشرها، وعليهم أن يؤدوا الأمانة في ذلك فلا ينشروا إلا ما يقود الناس إلى الحق ويبعدهم عن الباطل.
والواجب على المسئولين في وسائل الإعلام ألا يولوا في الإعلام إلا الثقات الذين عندهم علم وبصيرة وأمانة.
إن وسائل الإعلام تحتاج إلى رجال يخافون الله ويتقونه ويعظمونه ويتحرون نفع المسلمين والمجتمع كله فيما ينشرون حتى لا يضل الناس بسببهم، ومعلوم أن من نشر قولا يضر الناس يكون عليه مثل آثام من ضل به، كما أن من نشر ما ينفع الناس يكون له مثل أجور من انتفع بذلك، ونسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم ويصلح أحوالهم.
стр. 2725
س ٢١: ماذا بالنسبة لتعاون العلماء وطلبة العلم مع وسائل الإعلام؟
ج: هذا واجب، فيجب على العلماء وطلبة العلم أن يتعاونوا مع هذه الوسائل حتى يرشدوا الناس ويفقهوهم ويعلموهم؛ لأن هذه الوسائل يستفيد منها الملايين من الناس إذا استقامت ووجهت الوجهة الصالحة، لذلك ينبغي على العلماء والأخيار أن يتعاونوا مع وسائل الإعلام فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.
стр. 2726
رسائل الشيخ ابن باز إلى هؤلاء
الشعب الكويتي:
نحمد الله لكم أن يسر لكم تحرير بلادكم، ونشكر الله على ذلك، ونسأله سبحانه أن يضاعف الأجر لإخوانكم المسلمين الذين ساهموا في هذا الأمر العظيم وأن يجزيهم خيرا، وأن يوفق المسلمين جميعا لكل ما فيه رضاه، وأن يكونوا أبدا متعاونين على البر والتقوى وعلى ردع الظلم.
إن عليكم أيها الإخوة في الكويت أن تشكروا الله على النعمة العظيمة بتحرير بلادكم من الظالم المعتدي، وعليكم أن تستقيموا على دين الله وأن تتوبوا إلى الله من جميع الذنوب، وأن تتناصحوا، وتتعاونوا على البر والتقوى حتى تستمر النعمة ويكفيكم الله شر الأعداء.
стр. 2727
أهالي الشهداء:
إلى أولياء وأهالي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وفي نصر المظلوم وردع الظالم وإقامة الحق، إنهم في هذا الأمر على خير عظيم ونرجو لهم الشهادة، والنجاة من النار، والسعادة، ونعزي ذويهم وأقاربهم وأصحابهم، ونسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم، وأن يجبر مصيبة ذويهم ويحسن عزاءهم ويعوضهم عنهم خيرا، وأن يرزقهم الصبر والاحتساب، وأن يغفر للميتين، ويصلح أحوال الأحياء إنه جواد كريم، وفي الحقيقة إنها نعمة من الله، فالقتل في سبيل الحق وإنقاذ المسلمين من الشر وردع الظالمين ونصر دين الله والقضاء على الفساد من نعم الله العظيمة، ومن الجهاد في سبيل الله، فينبغي أن يهنأ أولياؤهم بهذا الخير العظيم الذي رزقهم الله وهو الشهادة.
стр. 2728
الشعب العراقي:
أوصيكم أيها الشعب بتقوى الله والتوبة إليه مما سلف منكم من شر وخطأ وظلم
стр. 2729
وعدوان، وأن تجتهدوا في اختيار الحاكم الصالح الذي يحكم فيكم شرع الله ويقودكم إلى الجنة والكرامة، وأن تحذروا شر صدام وأمثاله، وأن تحرصوا على عدم بقائه في الحكم، وأن تجتهدوا في كل ما يقرب إلى الله ويبعد عن غضبه، ومن أسباب ذلك اختيار الحاكم الصالح الذي يحكم شرع الله، ويدعو إلى دين الله، ويحارب البدع والأهواء، ويبتعد عن الإلحاد والدعوة إليه، وينبغي لكم أن تختاروا الحاكم من أهل السنة لا من البعثيين ولا من غيرهم ممن يخالف شرع الله حتى يقودكم إلى طاعة الله ويباعدكم عن أسباب غضبه وانتقامه.
стр. 2730
شباب الصحوة:
أوجه رسالتي هذه إلى جميع الشباب الذين وفقهم الله إلى التمسك بالدين والدعوة إليه والتفقه فيه في جميع بلاد الله، وأوصيهم بتقوى الله والتثبت في الأمور وعدم العجلة، كما أوصيهم بالعناية بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا ومراجعة ومدارسة، وأوصيهم بسنة رسول الله ﷺ حفظا لها وعناية بها ومذاكرة فيها، وأوصيهم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب، لا بالعنف والشدة وإنما باللين والتبصر، كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وأوصيهم بعدم العجلة في كل الأمور والتثبت والتشاور والتعاون على الخير حتى يفقهوا الدين كما ينبغي، يقول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » فالعجلة قد تفضي إلى شر عظيم، فالواجب التثبت والعناية بالأدلة الشرعية، والحرص على حلقات العلم عند أهل العلم المعروفين بالاستقامة وحسن العقيدة.
стр. 2731
العلماء وطلبة العلم:
أوصي العلماء جميعا وطلبة العلم بتقوى الله، والعناية بتحقيق العلم بالأدلة
стр. 2732
الشرعية، لا بتقليد فلان أو فلان، كما أوصيهم جميعا بالعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومراجعة كلام العلماء حتى يعرفوا الحق بالدليل لا بقول فلان وتقليد فلان، كما أوصي طلبة العلم أن يتفقهوا في الدين وأن يأخذوا العلم من أدلته الشرعية، ويتعاونوا على البر والتقوى ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وينشروا العلم بين الناس في المساجد وفي غير المساجد، وفي الخطب والندوات وحلقات العلم في المدارس والجامعات وأينما كانوا.
وأسأل الله للجميع التوفيق.
стр. 2733
حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين وقائد المجاهدين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد اختلف العلماء ﵏ في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين:
أحدهما: المنع من ذلك، واحتجوا على ذلك بما يلي:
أولا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ «أن رجلا من المشركين - كان معروفا بالجرأة والنجدة - أدرك النبي ﷺ في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة، فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبي ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال له: كما قال له أول مرة فقال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله، فقال له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، قال: فانطلق (١) » ا. هـ.
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مستلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده «خبيب بن يساف قال: أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله ﷺ وهو يريد غزوا فقلت: يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، فقال: أسلما، فقلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين، قال: فأسلمنا وشهدنا معه (٢) » . الحديث، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وخبيب صحابي معروف. ا. هـ. ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية ٤٢٣ ثم قال: ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم، والطبراني في معجمه من طريق
стр. 2734
ابن أبي شيبة.
قال في التنقيح: ومستلم ثقة، وخبيب بن عبد الرحمن أحد الثقات الأثبات. والله أعلم.
ثم قال الزيلعي: حديث آخر: روى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: هل أسلموا؟ قالوا: لا إنهم على دينهم، قال: قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» انتهى.
ورواه الواقدي في كتاب المغازي، ولفظه فقال: «من هؤلاء؟ قالوا: يا رسول الله هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود فقال ﵇: لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك» انتهى.
قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فذهب جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين، ومنهم أحمد مطلقا، وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم، وقالوا: إن ما يعارضه لا يوازيه في الصحة، فتعذر ادعاء النسخ.
وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم بشرطين:
أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين، ثم أسند إلى الشافعي أن قال: الذي روى مالك أن النبي ﷺ رد مشركا أو مشركين وأبى أن يستعين بمشرك كان في غزوة بدر. ثم إنه ﵇: استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود من بني قينقاع واستعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك فالرد الذي في حديث مالك إن كان لأجل أنه مخير في ذلك بين أن يستعين به وبين أن يرده، كما له رد المسلم لمعنى يخافه فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين.
ولا بأس أن يستعان بالمشركين على
стр. 2735
قتال المشركين إذا خرجوا طوعا ويرضخ لهم ولا يسهم لهم، ولا يثبت عن النبي ﷺ أنه أسهم لهم، قال الشافعي: ولعله ﵇ إنما رد المشرك الذي رده في غزوة بدر رجاء إسلامه قال: وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك ويأذن له انتهى، وكلام الشافعي كله نقله البيهقي عنه. ا. هـ.
وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم ١٩٨ ١٩٩ ج ١٢ ما نصه: قوله: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة، هكذا ضبطناه بفتح الباء وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم قال: وضبطه بعضهم بإسكانها وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة، قوله ﷺ : «فارجع فلن أستعين بمشرك (١) » ، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه.
وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم. ا. هـ.
وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح جـ ٢ ص ٢٨٦ ما نصه: واختلفوا: هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب أو يعاونون على عدوهم: فقال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق، واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدما للمسلمين فيجوز، وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره.
وقال الشافعي: يجوز ذلك بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه، فإن أستعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه: يسهم لهم، وقال الشافعي: إن استؤجروا أعطوا من مال لا مالك له بعينه، وقال في موضع آخر: ويرضخ لهم من الغنيمة، قال الوزير: وأرى ذلك مثل الجزية والخراج. ا. هـ.