← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

العلماء وطلبة العلم: أوصي العلماء جميعا وطلبة العلم بتقوى الله، والعناية بتحقيق العلم بالأدلة

стр. 2732

الشرعية، لا بتقليد فلان أو فلان، كما أوصيهم جميعا بالعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومراجعة كلام العلماء حتى يعرفوا الحق بالدليل لا بقول فلان وتقليد فلان، كما أوصي طلبة العلم أن يتفقهوا في الدين وأن يأخذوا العلم من أدلته الشرعية، ويتعاونوا على البر والتقوى ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وينشروا العلم بين الناس في المساجد وفي غير المساجد، وفي الخطب والندوات وحلقات العلم في المدارس والجامعات وأينما كانوا. وأسأل الله للجميع التوفيق.

стр. 2733

حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين وقائد المجاهدين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد اختلف العلماء ﵏ في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين: أحدهما: المنع من ذلك، واحتجوا على ذلك بما يلي: أولا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ «أن رجلا من المشركين - كان معروفا بالجرأة والنجدة - أدرك النبي ﷺ في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة، فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبي ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال له: كما قال له أول مرة فقال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله، فقال له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، قال: فانطلق (١) » ا. هـ. واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مستلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده «خبيب بن يساف قال: أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله ﷺ وهو يريد غزوا فقلت: يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، فقال: أسلما، فقلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين، قال: فأسلمنا وشهدنا معه (٢) » . الحديث، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وخبيب صحابي معروف. ا. هـ. ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية ٤٢٣ ثم قال: ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم، والطبراني في معجمه من طريق

стр. 2734

ابن أبي شيبة. قال في التنقيح: ومستلم ثقة، وخبيب بن عبد الرحمن أحد الثقات الأثبات. والله أعلم. ثم قال الزيلعي: حديث آخر: روى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: هل أسلموا؟ قالوا: لا إنهم على دينهم، قال: قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» انتهى. ورواه الواقدي في كتاب المغازي، ولفظه فقال: «من هؤلاء؟ قالوا: يا رسول الله هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود فقال ﵇: لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك» انتهى. قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فذهب جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين، ومنهم أحمد مطلقا، وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم، وقالوا: إن ما يعارضه لا يوازيه في الصحة، فتعذر ادعاء النسخ. وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك. والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين، ثم أسند إلى الشافعي أن قال: الذي روى مالك أن النبي ﷺ رد مشركا أو مشركين وأبى أن يستعين بمشرك كان في غزوة بدر. ثم إنه ﵇: استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود من بني قينقاع واستعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك فالرد الذي في حديث مالك إن كان لأجل أنه مخير في ذلك بين أن يستعين به وبين أن يرده، كما له رد المسلم لمعنى يخافه فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين. ولا بأس أن يستعان بالمشركين على

стр. 2735

قتال المشركين إذا خرجوا طوعا ويرضخ لهم ولا يسهم لهم، ولا يثبت عن النبي ﷺ أنه أسهم لهم، قال الشافعي: ولعله ﵇ إنما رد المشرك الذي رده في غزوة بدر رجاء إسلامه قال: وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك ويأذن له انتهى، وكلام الشافعي كله نقله البيهقي عنه. ا. هـ. وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم ١٩٨ ١٩٩ ج ١٢ ما نصه: قوله: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة، هكذا ضبطناه بفتح الباء وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم قال: وضبطه بعضهم بإسكانها وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة، قوله ﷺ : «فارجع فلن أستعين بمشرك (١) » ، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه. وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم. ا. هـ. وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح جـ ٢ ص ٢٨٦ ما نصه: واختلفوا: هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب أو يعاونون على عدوهم: فقال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق، واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدما للمسلمين فيجوز، وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره. وقال الشافعي: يجوز ذلك بشرطين: أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه، فإن أستعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه: يسهم لهم، وقال الشافعي: إن استؤجروا أعطوا من مال لا مالك له بعينه، وقال في موضع آخر: ويرضخ لهم من الغنيمة، قال الوزير: وأرى ذلك مثل الجزية والخراج. ا. هـ.

стр. 2736

القول الثاني: جواز الاستعانة بالمشركين في قتال المشركين عند الحاجة أو الضرورة، واحتجوا على ذلك بأدلة منها قوله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) الآية، واحتجوا أيضا بما نقله الحازمي عن الشافعي ﵀ فيما ذكرنا آنفا في حجة أصحاب القول الأول، وسبق قول الحازمي ﵀ نقلا عن طائفة من أهل العلم أنهم أجازوا ذلك بشرطين: أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك. الثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين، وتقدم نقل النووي عن الشافعي أنه أجاز الاستعانة بالمشركين بالشرطين المذكورين وإلا كره. ونقل ذلك أيضا عن الشافعي الوزير ابن هبيرة كما تقدم. واحتج القائلون بالجواز أيضا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون (٢) » الحديث. ولم يذمهم على ذلك، فدل على الجواز، وهو محمول على الحاجة أو الضرورة كما تقدم. وقال المجد ابن تيمية في المحرر في الفقه ص١٧١ ج٢ ما نصه: ولا يستعين بالمشركين إلا لضرورة، وعنه إن قوي جيشه عليهم وعلى العدو ولو كانوا معه ولهم حسن رأي في الإسلام جاز وإلا فلا " انتهى. وقال: الموفق في المقنع ج١ ص٤٩٢ ما نصه: ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة. وقال في المغني ج٨ ص ٤١٤ ٤١٥ فصل: ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه، وخبر صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به؛ لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.

стр. 2737

ووجه الأول ما روت عائشة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبرة أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له رسول الله ﷺ تؤمن بالله ورسوله؟ قال لا قال فارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله ﷺ تؤمن بالله ورسوله؟ قال نعم قال فانطلق (١) » . متفق عليه، ورواه الجوزجاني. وروى الإمام أحمد بإسناده عن «عبد الرحمن بن خبيب قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال: فأسلمتما؟ قلنا: لا، قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين (٢) » قال ابن المنذر: والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. ا. هـ. وقال الحافظ في التلخيص بعدما ذكر الأحاديث الواردة في جواز الاستعانة بالمشركين والأحاديث المانعة من ذلك ما نصه: ويجمع بينه يعني حديث عائشة وبين الذي قبله يعني حديث صفوان بن أمية ومرسل الزهري بأوجه ذكرها المصنف منها وذكره البيهقي عن نص الشافعي: أن النبي ﷺ تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه. وفيه نظر من جهة التنكر في سياق النفي ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام، وفيه النظر بعينه، ومنها: أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها وهذا أقربها وعليه نص الشافعي. وقال في الفروع ج٦ ص ٤٩ - ٥٠ ما نصه: ويكره أن يستعين بكافر إلا لضرورة، وذكر جماعة: لحاجة، وعنه يجوز مع رأي فينا، زاد جماعة وجزم به في المحرر: وقوته بهم (بالعدو) . وقال الصنعاني ﵀ في سبل السلام ج٤ ص ٤٩ / - ٥٠ على شرحه لحديث عائشة ﵂: «ارجع فلن أستعين بمشرك (٣) » ما نصه: والحديث من أدلة من قال: لا يجوز الاستعانة بالمشرك في القتال، وهو قول طائفة من أهل العلم، وذهب

стр. 2738

الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك، قالوا: لأنه استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم، أخرجه أبو داود والترمذي عن الزهري مرسلا، ومراسيل الزهري ضعيفة، قال الذهبي: لأنه كان خطاء، ففي إرساله شبهة تدليس. وصحح البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم. قال المصنف: ويجمع بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها، وهذا أقرب. وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم بالغنائم. وقد اشترط الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام، وفي شرح مسلم: أن الشافعي قال: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة أستعين به وإلا فيكره. ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا لاستعانته ﷺ بعبد الله بن أبي وأصحابه. وهذا آخر ما تيسر نقله من كلام أهل العلم، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 2739

شرح معنى قوله تعالى: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول (١) س: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) والسؤال هو: أن بعض المسلمين يأخذون بهذه الآية أنه لا حرج على المسلم أن يذهب ويشد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ يسأله أن يستغفر له رسول الله وهو في قبره، فهل هذا العمل صحيح كما قال تعالى. وهل معنى جاءوك باللغة أنه: جاءوك في حياتك أم في موتك؟ وهل يرتد المسلم عن الإسلام إذا لم يحكم سنة رسول الله؟ وهل التشاجر على الدنيا أم على الدين؟ ج: هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم ﵊، والمراد بهذا المجيء: المجيء إليه في حياته ﷺ وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله، ويطلبوا منه ﵊ أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤) فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله. يعني الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) أما الإذن الشرعي فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا، وأراد منهم ذلك شرعا وأمرهم به، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧)

стр. 2740

ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ (١) أي تائبين نادمين لا مجرد قول، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (٢) أي: دعا لهم بالمغفرة، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣) فهو حث لهم أي للعباد على أن يأتوا للرسول ﷺ ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم؟ وليس المراد بعد وفاته ﷺ كما يظنه بعض الجهال، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط، بل من أجل المسجد وتكون الزيارة لقبره ﷺ ، وقبر الصديق، وعمر ﵄ تابعة لزيارة المسجد لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٤) » متفق على صحته، فالقبور لا تشد إليها الرحال، ولكن متى وصل إلى المسجد النبوي فإنه يشرع له أن يسلم عليه ﷺ ، ويسلم على صاحبيه ﵄، لكن لا يشد الرحال من أجل الزيارة فقط للحديث المتقدم. وأما ما يتعلق بالاستغفار: فهذا يكون في حياته لا بعد وفاته، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، وهم أعلم الناس بالنبي ﷺ ، وأفقه الناس في دينه، ولأنه ﵇ لا يملك ذلك بعد وفاته، ﵇، كما قال ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٥) » . وأما ما أخبر به ﵊ أن من صلى عليه تعرض صلاته عليه فذلك شيء خاص يتعلق بالصلاة عليه، ومن صلى عليه صلى الله عليه بها عشرا، وقال ﵊: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قيل يا رسول الله كيف وقد أرمت أي بليت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (٦) » فهذا حكم خاص بالصلاة عليه. وفي الحديث الآخر عنه ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام (٧) »

стр. 2741

فهذا شيء خاص للرسول ﷺ ، وأنه يبلغ ذلك. وأما أن يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر ويستغفر عند القبر فهذا لا أصل له، بل هو منكر ولا يجوز وهو وسيلة للشرك، مثل أن يأتي فيسأله الشفاعة أو شفاء المريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك، أو يسأله أن يدعو له فهذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس من خصائصه ﷺ بعد وفاته ولا من خصائص غيره، فكل من مات لا يدعى ولا يطلب منه الشفاعة لا النبي ولا غيره وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته، فيقال: يا رسول الله اشفع لي أن يغفر الله لي اشفع لي أن يشفي الله مريضي وأن يرد غائبي وأن يعطيني كذا وكذا، وهكذا يوم القيامة بعد البعث والنشور، فإن المؤمنين يأتون آدم ليشفع لهم إلى الله حتى يقضي بينهم فيعتذر ويحيلهم إلى نوح فيأتونه فيعتذر ثم يحيلهم نوح إلى إبراهيم فيعتذر فيحيلهم إبراهيم إلى موسى فيعتذر ثم يحيلهم موسى إلى عيسى فيعتذر عليهم جميعا الصلاة والسلام ثم يحيلهم عيسى إلى محمد ﷺ فيأتونه فيقول ﵊: أنا لها أنا لها فيتقدم ويسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه، ثم يقال له: ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع، فيشفع ﷺ في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، وهكذا يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة؛ لأنه ﷺ موجود، أما في البرزخ بعد وفاته ﷺ فلا يسأل الشفاعة ولا يسأل شفاء المريض ولا رد الغائب ولا غير ذلك من الأمور، وهكذا بقية الأموات لا يسألون شيئا من هذه الأمور، بل يدعى لهم ويستغفر لهم إذا كانوا مسلمين، وإنما تطلب هذه الأمور من الله سبحانه، مثل أن يقول المسلم: اللهم شفع في نبيك ﵊، اللهم اشف مريضي، اللهم انصرني على عدوي، ونحو ذلك؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ويقول : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) الآية. أما قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) الآية، فهي عامة على ظاهرها، فلا يجوز للمسلمين أن يخرجوا عن

стр. 2742

شريعة الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله في كل شيء، فيما يتعلق بالعبادات وفيما يتعلق بالمعاملات، وفي جميع الشئون الدينية والدنيوية؛ لكونها تعم الجميع، ولأن الله سبحانه يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) فهذه الآيات عامة لجميع الشئون التي يتنازع فيها الناس ويختلفون فيها، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) يعني الناس من المسلمين وغيرهم ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٦) يعني محمدا ﷺ ، وذلك بتحكيمه ﷺ حال حياته وتحكيم سنته بعد وفاته، فالتحكيم لسنته هو التحكيم لما أنزل من القرآن والسنة: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٧) أي فيما تنازعوا فيه، هذا هو الواجب عليهم أن يحكموا القرآن الكريم، والرسول ﷺ ، في حياته وبعد وفاته باتباع سنته التي هي بيان القرآن الكريم وتفسير له ودلالة على معانيه. أما قوله سبحانه ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٨) فمعناه أنه يجب أن تنشرح صدورهم لحكمه، وألا يبقى في صدروهم حرج مما قضى بحكمه ﵊؛ لأن حكمه هو الحق الذي لا ريب فيه وهو حكم الله ، فالواجب التسليم له وانشراح الصدر بذلك وعدم الحرج، بل عليهم أن يسلموا لذلك تسليما كاملا رضا بحكم الله واطمئنانا إليه، هذا هو الواجب على جميع المسلمين فيما شجر بينهم من دعاوى وخصومات، سواء كانت متعلقة بالعبادات أو بالأموال أو بالأنكحة أو الطلاق أو بغيرها من شئونهم. . وهذا الإيمان المنفي هو أصل الإيمان بالله ورسوله بالنسبة إلى تحكيم الشريعة والرضا بها والإيمان بأنها الحكم بين الناس، فلا بد من هذا، فقد زعم أنه يجوز الحكم بغيرها أو قال إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء أو إلى الأجداد أو إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال، سواء كانت شرقية أو غربية - فمن زعم أن

стр. 2743

هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه ويكون بذلك كافرا كفرا أكبر، فمن رأى أن شرع الله لا يجب تحكيمه ولكن لو حكم كان أفضل، أو رأى أن القانون أفضل، أو رأى أن القانون يساوي حكم الله فهو مرتد عن الإسلام. وهي ثلاثة أنواع:. النوع الأول: أن يقول: إن الشرع أفضل ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع. النوع الثاني: أن يقول: إن الشرع والقانون سواء ولا فرق. النوع الثالث: أن يقول إن القانون أفضل وأولى من الشرع. وهذا أقبح الثلاثة، وكلها كفر وردة عن الإسلام. أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع - فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب، وهو بذلك يكون كافرا كفرا أصغر وظالما ظلما أصغر وفاسقا فسقا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وجماعة من السلف ﵏، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم. والله المستعان.

стр. 2744

معنى قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) س: قال الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) هل معنى هذا أن الله أمر رسوله ﷺ بأن يحكم بكتاب الله ولا يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه كتاب؟ وهل اجتهد رسول الله ﷺ ؟ ج: الله جل وعلا أمر رسوله ﷺ بأن يحكم بين الناس بما أنزل الله عليه، قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) فكان يحكم بما أنزل الله، فإذا لم يكن هناك نص عنده اجتهد ﵊ وحكم بما عنده من الأدلة الشرعية، كما قال في الحديث الصحيح: «إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليحملها أو يذرها (٤) » متفق على صحته من حديث أم سلمة ﵂، ومعنى هذا أنه قد يجتهد في الحكم حسب القواعد الشرعية؛ لأنه لم ينزل عليه فيه شيء، فمن عرف أن الحكم ليس بمطابق وأن الشهود زور فقد أخذ قطعة من النار، فليحذر ذلك وليتق الله في نفسه، ولو كان الرسول هو الحاكم عليه. لأن الحاكم ليس له إلا الظاهر من ثقة الشهود وعدالتهم، أو يمين المدعى عليه، فإذا كان المدعي أحضر شهودا يعلم أنهم قد غلطوا ولو كانوا تقاة وأن الحق ليس له، أو يعلم أنهم شهود زور ولكن القاضي اعتبرهم عدولا؛ لأنهم عدلوا عنده وزكوا لديه، فإن هذا المال الذي يحكم به له أو القصاص كله باطل بالنسبة إليه لعلمه ببطلانه، وهو قد تعدى حدود الله وظلم، وإن حكم له القاضي؛ لأن القاضي ليس له إلا الظاهر، ولهذا قال ﷺ : «فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار (٥) » والنبي ﷺ يحكم بما أنزل الله فيما أوصاه الله إليه، وما لم يكن فيه نص اجتهد فيه ﵊ حتى تتأسى به الأمة، وهو في ذلك كله يعتبر حاكما بما أنزل الله لكونه حكم

стр. 2745

بالقواعد الشرعية التي أمر الله أن يحكم بها، ولهذا قال للزبير بن العوام ﵁ لما ادعى على شخص في أرض: «شاهداك أو يمينه، فقال الزبير: إذا يحلف يا رسول الله ولا يبالي، فقال له النبي ﷺ : ليس لك إلا ذلك (١) » متفق عليه. «ولما بعث معاذا وفدا إلى اليمن قال له: إن عرض لك قضاء فبم تحكم؟ قال أحكم بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال: فسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد قال: أجتهد رأي ولا آلو، فضربه ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله (٢) » رواه الإمام أحمد وجماعة بإسناد حسن.

стр. 2746

تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) س: الأخ: إبراهيم ع. ز. من بانياس الساحل في سوريا يقول في سؤاله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢) وهذا يعني أنه سبحانه ألزم نفسه بنفسه إطعام كل ما يدب على هذه الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرات ... إلخ، فبماذا نفسر المجاعة التي تجتاح بلدان قارة أفريقيا؟ ج: الآية على ظاهرها، وما يقدر الله سبحانه من الكوارث والمجاعات لا تضر إلا من تم أجله وانقطع رزقه، أما من كان قد بقي له حياة أو رزق فإن الله يسوق له رزقه من طرق كثيرة قد يعلمها وقد لا يعلمها؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٥) وقول النبي ﷺ : «لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها» . وقد يعاقب الإنسان بالفقر وحرمان الرزق لأسباب فعلها من كسل وتعطيل للأسباب التي يقدر عليها، أو لفعله المعاصي التي نهاه الله عنها، كما قال الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٦) الآية. وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٧) الآية، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (٨) » رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد. وقد يبتلى العبد بالفقر والمرض وغيرهما من المصائب لاختبار شكره وصبره لقول الله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٩) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١٠)

стр. 2747

وقوله : ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) والمراد بالحسنات في هذه الآية النعم، وبالسيئات المصائب. وقول النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن (٢) » أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وبالله التوفيق.

стр. 2748

أصحاب الكهف وأصحاب الصخرة (١)

стр. 2749

س: هذا سؤال من المستمعة ف. ر. أمن بور سودان أن تقول: ما هو القول الصحيح في عدد أهل الكهف؟ وهل هم أصحاب الصخرة؟ أم أنهم غيرهم؟ فإن كان كذلك فمن هم إذن أصحاب الصخرة وما هي قصتهم؟ ج: أهل الكهف بينهم الله في كتابه العظيم، والأقرب ما قاله جماعة من أهل العلم: أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، هذا هو الأقرب والأظهر، وهم أناس مؤمنون، فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، فلما أيقظهم الله بعد أن ناموا المدة الطويلة، توفاهم الله بعد ذلك على دينهم الحق، هؤلاء هم أهل الكهف كما بينهم الله في كتابه الكريم، فتية آمنوا بربهم فزادهم الله هدى وناموا النومة الطويلة بإذن الله، ثم ماتوا بعد ذلك وبنى عليهم بعض أهل الغلبة هناك من الأمراء والرؤساء مسجدا، وقد أخطئوا وغلطوا في ذلك؛ لأن القبور لا يجوز أن تبنى عليها المساجد، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، ولعن من فعله فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » وحذر من البناء على القبور وتجصيصها واتخاذ المساجد عليها، كل هذا نهى عنه النبي ﷺ ولعن من فعله. فلا يجوز للمسلمين أن يبنوا على القبور مساجد، ولا قبابا ولا غير ذلك، بل تكون القبور ضاحية مكشوفة غير مرفوعة ليس عليها بناء، لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك، هكذا كانت قبور المسلمين في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين حتى غير الناس بعد ذلك وبنوا على القبور، وهذا من الجهل والغلط ومن وسائل الشرك، قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ﵂ يحذر ما صنعوا (٢) » وقال ﵊ «لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة أن في أرض الحبشة عدة كنائس فيها تصاوير قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا

стр. 2750

على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ثم قال أولئك شرار الخلق عند الله (١) » متفق على صحته، فأخبر أنهم شرار الخلق بسبب بنائهم على القبور واتخاذهم الصور عليها، أسأل الله السلامة. وقال ﵊ فيما رواه عنه جندب بن عبد الله البجلي ﵁: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه، فنهى ﷺ في هذا الحديث العظيم عن اتخاذ القبور مساجد وحذر من هذا، وبين أنه عمل من كان قبلنا من المغضوب عليهم والضالين وهو عمل مذموم، وما ذاك إلا لأنه من وسائل الشرك والغلو في الأنبياء والصالحين، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا قبابا ولا مساجد على قبور أمواتهم، بل هذا منكر ومن وسائل الشرك. وهكذا لا يجوز تجصيص القبور والبناء عليها والقعود عليها. لما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، كما نهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها أو إسراجها في أحاديث أخرى، وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الشرك والغلو، والله المستعان ولما في القعود عليها من الإهانة لأهلها. أما أصحاب الصخرة فكما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج قال

стр. 2751

النبي ﷺ : وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ : قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لاتستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون (١) » . (٢) في هذا الحديث موعظة وذكرى ودلالة على أن الله سبحانه على كل شيء قدير، وأنه سبحانه يبتلي عباده في السراء والضراء والشدة والرخاء ليمتحن صبرهم وشكرهم ويبين آياته لعباده وقدرته العظيمة، وهذا حديث صحيح، رواه مسلم والبخاري في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، وفيه عبرة وإرشاد إلى الضراعة إلى الله وإلى سؤاله عند الكرب والشدة، وأنه سبحانه قريب مجيب يسمع دعاء الداعي، ويجيب دعوته إذا شاء ، وفيه دلالة على أن الأعمال الصالحات من أسباب تيسير الأمور وإزالة الشدائد وتفريج الكروب، وفيه دليل على أنه ينبغي للمؤمن إذا وقع في الشدة أن يضرع إلى الله ويفزع إليه، ويسأله، ويتوسل بأعماله الصالحة كإيمانه بالله ورسوله وتوحيده وإخلاص العبادة له، وكبر الوالدين وأداء الأمانة والعفة عن الفواحش.

стр. 2752

هذه وأمثالها هي الأسباب والوسائل الشرعية، والله سبحانه من فضله وإحسانه يجيب دعوة المضطر، ويرحم عبده المؤمن ويجيب سؤاله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣) وهؤلاء الثلاثة مضطرون نزل بهم أمر عظيم وكربة شديدة فسألوا الله بصالح الأعمال، فأجاب الله دعاءهم وفرج كربتهم. وفيه من الفوائد بيان فضل بر الوالدين، وهو من أفضل القربات، ومن أسباب تيسير الأمور، وهكذا العفة عن الزنا، والحذر منه من جملة الأعمال الصالحات ومن أسباب النجاة من كل سوء، وهكذا أداء الأمانة والنصح فيها من أعظم الأسباب في تيسير الكروب ومن أفضل الأعمال الصالحات، ولعظم فائدة هذا الحديث أخبر النبي أمته ليستفيدوا ويعتبروا ويتأسوا بمن قبلهم في الأعمال الصالحة. والله المستعان.

стр. 2753

حول رغبة التقليل في مستويات حفظ القرآن الكريم س: سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز، حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد. نرفع لسماحتكم موضوعنا في رغبتنا في التقليل من مستويات حفظ القرآن الكريم بجامعة أم القرى، ليس كراهية لحفظ القرآن الكريم، إنما هذا يرجع إلى سببين: أولا: لما روي عن أبي موسى ﵁ أن النبي قال: «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها (١) » متفق عليه، فكلما زاد المحفوظ فإن ظروف الحياة قد تؤدي إلى مراجعة البعض وذهاب الباقي نهبا للنسيان، والمؤمن حريص على وقاية نفسه من ذاك العذاب الذي قد توعد به رب العالمين من يحفظ آياته ثم ينساها. ثانيا: قد تكالبت على الإنسان في هذه الحياة الهموم وزادت أعباء الحياة وأن حفظ القرآن بحاجة إلى صفاء في الذهن قد لا تيسرها هذه الأعباء والهموم. لذا نرجو من سماحتكم أن تقفوا بجانب أبنائكم طلاب الجامعة لتحقيق رغبتهم في تقليل المستويات من حفظ القرآن، كأن يكتفى بجزأين من القرآن واستبدال الساعتين الأخيرتين بمادة أصول الفقه أو السيرة النبوية، وجزاكم الله عنا خيرا. ونسأله تعالى أن يحفظكم ويمد في عمركم مقدمه ع. ع. ا. م. ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته: بعده: نشكر لكم غيرتكم الطيبة على كتاب الله، ولكن لا نرى الموافقة على ما ذكرتم، ونرجو أن يكون فيما تراه الجامعة الكفاية والبركة إن شاء الله وحسن العاقبة،

стр. 2754

أما الوعيد الذي أشرتم إليه فليس المقصود منه نسيان الآيات من جهة الذاكرة، وإنما المقصود نسيان العمل وتركه، أما النسيان للمحفوظ من جهة التفلت وعدم الذكر فلا أحد يسلم من ذلك حتى النبي ﷺ ، فقد قال في بعض الأحاديث: «رحم الله فلانا لقد أذكرني آية كذا كنت أنسيتها (١) » ، وقال ﵊: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون (٢) » وقد نسي في الصلاة عدة مرات. وفق الله الجميع لما يرضيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 2755

هل الدعوة والصدقة ترد القضاء والقدر من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الابن المكرم صاحب السمو الملكي الأمير المكرم عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز، وفقه الله لكل خير، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في ٢٤ \ ٨ \ ١٤١١ هـ، وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما. وهذا نصها وجوابها (١) : س ا: هل الدعاء والصدقة ترد القضاء والقدر؟ ج ١: قدر الله ماض في عباده، كما قال الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) وقال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤) وثبت عن النبي أنه قال لجبريل ﵇ لما سأله عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٥) » وقال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة (٦) » قال: «وعرشه على الماء (٧) » رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقال ﵊: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس (٨) » رواه مسلم أيضا. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد ثبت عنه ما يدل على أن الحوادث معلقة بأسبابها، كما في قوله: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وإن البر يزيد العمر ولا يرد القدر إلا الدعاء (٩) » ومراده أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء

стр. 2756

وهكذا قوله: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه (١) » . فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) وقوله: «وتؤمن بالقدرخيره وشره (٣) » ومن هذا قوله: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (٤) » وروي عنه أنه قال: «إن صدقة السر تطفئ غضب الله وتدفع ميتة السوء» وجميع الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب تدعو إلى إيمان العبد بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما تدعوه إلى أن يسارع في الخيرات وينافس في الطاعات، ويحرص على أسباب الخير ويبتعد عن أسباب الشر، ويسأل ربه التوفيق والإعانة على كل ما فيه رضا الله سبحانه والسلامة من كل سوء. وفي الصحيحين عن «النبي أنه قال لأصحابه ذات يوم: ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال لهم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قوله سبحانه: (١١) » والله الموفق.

стр. 2757

العناية بالتراث الإسلامي (١) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله وأبناء كرام في جامعة أم القرى في رحاب البيت العتيق، للتناصح والتواصي بالحق والتذكير بما ينفعنا جميعا إن شاء الله، وأسأل الله أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويوفق ولاة أمرنا وسائر ولاة المسلمين لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد إنه خير مسئول. ثم أشكر القائمين على شئون جامعة أم القرى وعلى رأسهم الأخ الكريم معالي مدير الجامعة الدكتور: راشد الراجح على دعوتهم لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يبارك في جهودهم وأن يعينهم على كل خير وأن ينفع بهم العباد والبلاد، وأن يهيئ على أيديهم لهذه الجامعة وأبنائها كل خير وهدى وصلاح. أيها الإخوة في الله. أيها الأبناء الكرام. أيها المستمعون: -. إن عنوان الكلمة هو كما سمعتم: (العناية بالتراث الإسلامي) لا شك أن التراث الإسلامي أمره مهم والعناية به واجبة، وعلى رأس هذا التراث كتاب الله ، وسنة رسوله محمد ﵊، فهما أعظم تراث وأفضل تراث وأنفع تراث، وهما أصل دين الإسلام وأساسه، خلفهما لنا رسولنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، والله يقول في كتابه العظيم:

стр. 2758

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١) وعلى رأس المصطفين رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ثم صحابته الكرام ثم أتباعهم بإحسان جعلنا الله وإياكم من أتباعهم بإحسان. فكتاب الله فيه الهدى والنور، وهو أعظم التراث وأفضل التراث وأصدقه، فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير والتحذير من كل شر، فيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والتحذير من سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، يقول الله في وصف نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وصف نبيه بأنه على ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) وهذا الخلق العظيم وصفته السيدة عائشة ﵂ بقولها: «كان خلقه القرآن (٤) » لما سئلت عن ذلك، والأمر كما قال الله عنه، فإن خلقه هو القرآن ممتثلا لأوامره، وينتهي عن نواهيه، ويدعو إليه، ويعمل بالصفات التي أثنى على أهلها القرآن، ويبتعد عن الصفات التي ذم أهلها القرآن، هكذا كان ﵊، على هذا الخلق العظيم، من امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والدعوة إلى سبيله، كان مثلا أعلى في الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة والصفات الحميدة، فهو خير الناس وأفضلهم وأكملهم علما وسيرة وخلقا وأصدقهم قيلا وأحسنهم عملا، ﵊، وهو يدعو إلى ما يدعو إليه القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٦) ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ (٧) فهو تبيان لكل شيء، أوضح الله فيه كل شيء إجمالا وتفصيلا، وجعله هدى وشفاء، جعله الله سبحانه هدى وشفاء للناس، شفاء لما في الصدور من أمراض الشرك والكفر والحسد والكبر والنفاق، وشفاء للأبدان من أمراض كثيرة

стр. 2759

تستعصي على الأطباء ويشفيها القرآن، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٢) فالواجب على أهل الإسلام العناية بهذا الكتاب العظيم وحفظه والمذاكرة فيه وتدبر معانيه ونقل ألفاظه ومعانيه للناس كما أنزل؛ لأن فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير، فيه الدعوة لكل ما ينفع العباد والبلاد وفيه الترهيب من كل سوء. ولهذا أوصى ﵊ في خطبة حجة الوداع بهذا الكتاب العظيم فيما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر ﵁: أنه خطب الناس يوم عرفة وقال في خطبته: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله (٣) » وفي رواية الحاكم وغيره «كتاب الله وسنتي» . فالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله هو السبيل الوحيد للنجاة، وهو الصراط المستقيم، فالواجب على أهل الإسلام بل على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله، وأن يلتزموا بدين الله، وأن يعتصموا بهذا الكتاب العظيم والسنة المطهرة، وذلك فرض على جميع المكلفين من الجن والإنس، من العرب والعجم، من الذكور والإناث، والأغنياء والفقراء والحكام والمحكومين، فرض عليهبم جميعا أن يدخلوا في دين الله، وهو الإسلام، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٥) فرض عليهم أن يدخلوا في دين الله، وأن يعتصموا بكتابه وهو القرآن، وبسنة الرسول الصحيحة الثابتة عنه ﵊، وليس لهم أن يحيدوا عن ذلك. فالواجب على اليهود والنصارى وعلى جميع المشركين وعلى جميع أصناف الكفرة - الواجب على الجميع أن يدخلوا في دين الله، وأن يلتزموا به، وهذا هو التراث الذي

стр. 2760

فيه سعادتهم إذا عقلوا، وعلى أهل الإسلام الذين من الله عليهم بالإسلام أن يحمدوا الله على ذلك ويشكروه وأن يستقيموا على دينهم، وأن يحفظوا تراثهم العظيم، ويتواصوا به كثيرا ويتدبروه ويتعقلوه ويعملوا به، كما قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) فالواجب على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله (الإسلام) وأن يلتزموا به، وأن يخضعوا لأوامر الله وينتهوا عن نواهيه، ويلتزموا بهذا الكتاب العظيم فيدينوا به، ويؤمنوا به، ويعملوا به مع سنة الرسول، فإنها الوحي الثاني. وهذا التراث هو أعظم تراث، ولا نجاة للعالم ولا سعادة للعالم إلا بحفظ هذا التراث والتفقه فيه، والاستقامة عليه، والدعوة إليه علما وعملا وعقيدة، خلقا وسيرة. فكتاب الله فيه الهدى والنور وفي سنة رسوله بيان ما قد يخفى، مع بيان أحكام جاءت بها السنة لم تذكر في كتاب الله، وأحكام فصلتها السنة لم تفصل في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) فالله أنزل الكتاب عليه تبيانا لكل شيء، وأمره سبحانه أن يبين للناس وأن يشرح لهم ما قد يخفى عليهم، وأن يوضح لهم ما قد يختلفون فيه، حتى يرجعوا إلى الصواب، وحتى يستقيموا على الهدى، وقد بلغ البلاغ المبين ﵊، وأدى الأمانة ونصح الأمة، حتى قال لهم يوم عرفة بعدما خطبهم وبين لهم ما يجب عليهم في حجهم، وبين لهم أمورا أخرى تهمهم وتهم المسلمين جميعا فيما يتعلق

стр. 2761

بالربا، وأمور الجاهلية وبتحريم الدماء والأموال والأعراض، وما يتعلق بالنساء، والوصية بهن خيرا وبيان حقوقهن على أزواجهن وحق أزواجهن عليهن- قال بعد ذلك وبعد ما أوصاهم بالقرآن: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع أصبعه إلى السماء فقال: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد (١) » يستشهد ربه وهو فوق العرش وفوق جميع المخلوقات، ، يستشهده عليهم، وكل عالم يشهد، وكل مسلم يشهد بأنه بلغ الرسالة، وكل مسلم عرف دين الله يشهد لهذا النبي الكريم أنه أدى الرسالة وأدى الأمانة وبلغ البلاغ المبين ﵊. . فعلينا جميعا معشر المسلمين، ومعشر طلاب العلم، ومعشر العلماء، على الجميع أن يعظموا هذا التراث العظيم، وأن يحببوه إلى الناس ويذكروهم بهذا التراث، ويتمسكوا به ويعضوا عليه بالنواجذ، ويعملوا به مع سنة رسول الله، فإنها الوحي الثاني الموضح لكتاب الله والدال على أحكام أخرى أوحاها الله لنبيه ﵊. وهذا التراث العظيم، كتاب الله وسنة رسوله ﵊ هما أعظم التراث، وهما أهم التراث، والواجب العناية بهما، والوصية بهما والتمسك بهما قولا وعملا وعقيدة، في السر والجهر، في الشدة والرخاء، في الصحة والمرض، في السفر والإقامة، من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من الجن والإنس، من الحكام والمحكومين، من الأغنياء والفقراء، على هؤلاء جميعا أن يعملوا بهذا القرآن وسنة رسول الله المطهرة، وأن يحفظوا هذا التراث حفظا يتضمن العمل والنصيحة، والدعوة إلى هذا التراث والاستقامة على معناه، والحرص على تبليغه لجميع العالم وبكل الطرق وبجميع الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة. يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ويقول : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣)

стр. 2762

ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) ويقول النبي في الحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » ويقول: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣) » ويقول لما بعث عليا إلى خيبر وأمره أن يدعو أهلها وهم اليهود إلى الإسلام قال ﵊: «فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤) » متفق على صحته. فسيرته وأقواله وأعماله وتقريراته كلها من التراث وكلها من السنة، فالواجب العناية بذلك والحرص على كتب السنة، فكتب السنة من أعظم التراث. وإن السنة التي جاءت عن الرسول ﷺ من قوله وعمله وتقريراته وغزواته وغير ذلك- يجب على أهل الإسلام؛ والعلماء على الوجه الأخص، والحكام وطلبة العلم، العناية بها تفسيرا، ومن ذلك الكتب الإسلامية المشتملة على تفسير كتاب الله وبيان معناه، والمشتملة على أحاديث الرسول وسيرته ومغازيه وغير ذلك كالصحيحين والسنن الأربع وموطأ مالك ومسند أحمد وكتب الحديث، فإنها أعظم التراث وأفضل التراث وأهم التراث بعد كتاب الله، وإنها الحافظة للسنة والمبلغة لها، وهي الوحي الثاني، فالواجب على أهل الإسلام العناية بها وبأصولها ومخطوطاتها الصحيحة؛ لأنها مرجع يرجع إليها عند الحاجة، عند الاختلاف. ومن أعظم العناية بالتراث العناية بالمخطوطات الحديثية والمخطوطات التفسيرية والمخطوطات الفقهية لأئمة الإسلام المعروفين المحتج بهم والمعمول بأقوالهم، فالعناية بها من أهم العناية، وهكذا كتب اللغة العربية والقواعد العربية وكتب التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، كلها تجب العناية بها حتى تنقل سليمة صافية، سليمة من عبث العابثين وكذب الكذابين، وقد عني علماء الإسلام بذلك، وبينوا ما أدخله

стр. 2763

الكذابون في أحاديث الرسول وما وضعه الواضعون من الكتب الباطلة، فقد عني أهل العلم بذلك. فعلينا أيضا أن نسير على نهجهم، وعلينا أن نعنى بهذا التراث العظيم ونبين الحق من الباطل ونبين الصالح من الزائف، ونحرص على العناية بالكتب السليمة المفيدة من كتب الحديث والتفسير والفقه الإسلامي والقواعد العربية وغيرها من الكتب النافعة، حتى الكتب الأخرى التي تنفع المسلمين في أمور دنياهم والمتلقاة عن أهل الثقة والبصيرة في شئونهم؛ لأن الناس في حاجة إلى أن يعرفوا شئون دنياهم ويستعينوا بها على طاعة الله وكل شيء ينفع المسلمين ويعينهم على حفظ دينهم وحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊، ويعينهم على الإعداد للأعداء فهو مهم، ومن التراث الذي يجب أن يحفظ ويعتنى به، والله يقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) فالكتب التي ألفها الأقدمون من المسلمين، أو ألفها غير المسلمين وتنفع المسلمين وتعينهم على الإعداد للعدو، وهم في شتى العلوم الدنيوية يعتنى بها أيضا، إن كانت تنفع المسلمين وتعينهم على إعداد القوة والاجتهاد فيما ينفعهم في دينهم ويقوي جندهم وجهادهم ضد عدوهم، ومن أعظم ذلك العناية أيضا بأخلاق النبي وسيرة أصحابه وسيرة أهل العلم حتى يقتدى بهم في الخير؛ لأن العلم المقصود منه العمل، علينا أن نعنى بالسلف الأخيار وعلى رأسهم نبينا ﵊، في أخلاقه وسيرته وقيامه وصلاته وغير ذلك، وسيرة أصحابه وأعمالهم الطيبة وغزواتهم وجهادهم وتعليمهم وإرشادهم وما كانوا عليه من بث العلم ونشره، وحلقات العلم في المساجد، وما كان عليه أهل العلم من النشاط في ذلك، والعناية بذلك، حتى يتأسى الآخر بالأول، وحتى يلحق الآخر بالأول بالعمل الصالح والعلم النافع والسيرة الحميدة والبلاغ للحق وإيثاره على ما سواه، وكل أمر سلكه الأخيار والقدامى مما ينفع المسلمين ويعينهم على تنفيذ أمر الله

стр. 2764

والوقوف عند حدوده يعتني به. أما ما ألصقه الجهلة أو الأعداء بالإسلام فيجب التنبيه عليه، حتى يتبين براءة الإسلام منه وحتى لا يلصق بالتراث الإسلامي ما ليس منه، كما فعل الجهلة والمشركون من إحداث الأبنية على القبور واتخاذ المساجد على القبور، فهذا ليس من شأن الإسلام، والإسلام يحارب هذا. يحارب البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها لأنها من وسائل الشرك كما فعلت اليهود والنصارى وتابعهم كثير من هذه الأمة، من الجهلة والمبتدعة حتى بنوا على القبور، واتخذوا عليها المساجد والقباب، وحصل الشرك بسبب ذلك، فيجب أن ينبه على أنها ليست من الإسلام وليست من التراث الإسلامي، ويجب إنكار ذلك والقضاء عليه، وهكذا الصلاة عند القبور والدعاء عندها وتحري القراءة عندها من وسائل الشرك، يجب أن ينبه على هذا ويبين أنها ليست من التراث الإسلامي، بل هي مما أحدثه الجهلة وأنكره الإسلام، وهكذا ما أحدثه بعض الناس من الاحتفال بالموالد ويزعمون أنه من التراث، وهذا غلط، ليس من التراث الإسلامي، وإن فعله كثير من المسلمين في أمصار كثيرة، جهلا وتقليدا، فالاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين بعد القرون المفضلة، وليس من التراث الإسلامي، وهو من التراث المبتدع. وهكذا الاحتفال بجميع الآثار التي يدعو إليها دعاة الشرك، سواء كانت صخرة أو شجرة، أو غير ذلك مما يعظمه الجهال أو يتبركون به، كل هذا مما ينافي الإسلام وهو ضد الإسلام، ولما بلغ عمر ﵁ أن أناسا يقصدون الشجرة التي بويع تحتها الرسول ﵊ ويصلون عندها خاف عليهم وأمر بقطعها سدا لذرائع الشرك، ولما بلغه أن جثة في فارس تنسب إلى دانيال نبي الله، وأن هناك من يغلو فيها من الأعاجم، وبلغه جيشه ذلك، أمر بأن يحفر بالليل بضعة عشر قبرا ثم يدفن في أحدهما ثم تسوى ليلا، حتى لا يعرف، وحتى لا يغلى فيه ولا يعبد. والمقصود أن الغلو في القبور بالبناء عليها والصلاة عندها والعكوف عليها واتخاذ المساجد عليها ليس من التراث الإسلامي، بل هو من التراث الذي نهى عنه الإسلام وأنكره وحذر منه، وهو من وسائل الشرك، وهكذا فقد توجد أصنام في بعض البلدان أو بعض الدول تنسب إلى الأنبياء أو تنسب إلى الإسلام يجب أن يعلم أنها خطأ وضلال، وأن

стр. 2765

جميع الأنبياء وجميع الرسل كلهم عليهم الصلاة والسلام دعواإلى توحيد الله، وإلى الإسلام، الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، وكلهم يحاربون الأصنام، وأولهم نوح ﵊ حارب ما يعبد من غير الله ونهى قومه عن ذلك، وحذر من عبادة: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، لما وقع الشرك بهم بسبب الغلو، فيجب التنبه لهذا الأمر، ويجب على طلاب العلم وأهله النهي عن ذلك حتى لا يدخل في الإسلام ما ليس منه. ويجب أن يعرف التراث الإسلامي، وأنه ما ثبت بكتاب الله، أو سنة رسوله، وبما شرعه الله لعباده، أو أجمع عليه المسلمون، هذا هو التراث الإسلامي، أما ما ابتدعه المبتدعون وأحدثه المحدثون من عبادات أو أماكن تعظم، أو أشجار وغير ذلك- فهذه لا يجوز أن تنسب إلى الإسلام ويقال إنها تراث إسلامي، بل يبين أنها بدع وأنه من الواجب الحذر منها كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته، وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه. والخلاصة: أن المقصود من التراث الإسلامي هو ما بعث به نبينا ﵊ من الهدى ودين الحق، والكتب التي ألفت في ذلك مما ينفعنا والمخطوطات الموجودة في ذلك، وهكذا كل ما نريده ونأخذ به ونستعين به على طاعة الله وعلى الإعداد لأعداء الله. أما ما يخالف ديننا فهو ليس من الإسلام في شيء، بل يجب أن يحارب ويبتعد عنه ويحذر منه على حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومن إجماع أهل العلم. وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمنحنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يصلح أحوالنا جميعا، وأن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والثبات عليه، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، وأن يوفق جميع ولاة الأمر من المسلمن إلى الأخذ بشريعته والتحاكم إليها وإنكار ما خالفها، إنه جل وعلا جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.

стр. 2766

أسئلة مهمة والإجابة عليها تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام س: سؤال يتعلق بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وهل هناك دليل على ذلك؟ جـ: هذا مأخوذ من الاستقراء؛ لأن العلماء لما استقرءوا ما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ظهر لهم هذا، وزاد بعضهم نوعا رابعا هو توحيد المتابعة، وهذا كله بالاستقراء. فلا شك أن من تدبر القرآن الكريم وجد فيه آيات تأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وهذا هو توحيد الألوهية، ووجد آيات تدل على أن الله هو الخلاق وأنه الرزاق وأنه مدبر الأمور، وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام، كما يجد آيات أخرى تدل على أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه لا شبيه له ولا كفو له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي أنكره المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والمشبهة، ومن سلك سبيلهم. ويجد آيات تدل على وجوب اتباع الرسول ورفض ما خالف شرعه، وهذا هو توحيد المتابعة، فهذا التقسيم قد علم بالاستقراء وتتبع الآيات ودراسة السنة، ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٧) وقوله

стр. 2767

سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٥) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٦) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٨) وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩) والآيات فيما ذكر من التقسيم كثيرة. ومن الأحاديث: قول النبي في حديث معاذ ﵁ المتفق على صحته: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١٠) » وقوله: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (١١) » رواه البخاري في صحيحه، وقوله لجبريل لما سأله عن الإسلام قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة (١٢) » الحديث، متفق عليه، وقوله: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله (١٣) » متفق على صحته، وقوله: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (١٤) » رواه البخاري في صحيحه. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإله هو المعبود المطاع فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه

стр. 2768

يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع) . وقال: (فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذله وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله) (١) . ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا من حكام ومحكومين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، والحذر مما يخالف ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2769

اختلاف مدلولات الإيمان والتوحيد والعقيدة س: الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات هل تختلف في مدلولاتها؟ جـ: نعم، تختلف بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد. التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به

стр. 2770

رسوله ﵊، والعقيدة تشمل الأمرين، فالعقيدة تشمل التوحيد، وتشمل الإيمان بالله وبما أخبر به سبحانه أو أخبر به رسوله، والإيمان بأسمائه وصفاته. والعقيدة: هي ما يعتقده الإنسان بقلبه ويراه عقيدة يدين الله بها ويتعبده بها، فيدخل فيها كل ما يعتقده من توحيد الله والإيمان بأنه الخلاق الرزاق وبأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والإيمان بأنه لا يصلح للعبادة سواه، والإيمان بأنه حرم كذا وأوجب كذا وشرع كذا ونهى عن كذا، فهي أشمل.
следующие страницы →