← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

س ٤: «إن الله خلق آدم على صورته (١) » ، هل معنى ذلك أن جميع ما لآدم من صفات تكون لله؟ جـ: هذا ثبت عن الرسول ﷺ ، في الصحيحين أنه قال ﵊: «إن الله خلق آدم على صورته (٢) » وجاء في رواية أحمد وجماعة من أهل الحديث «على صورة الرحمن» فالضمير في الحديث الأول يعود إلى الله، قال أهل العلم كأحمد ﵀ وإسحاق بن راهويه وأئمة السلف: يجب أن نمره كما جاء على الوجه الذي يليق بالله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، ولا يلزم من ذلك أن تكون صورته سبحانه مثل صورة الآدمي، كما أنه لا يلزم من إثبات الوجه لله سبحانه واليد والأصابع والقدم والرجل والغضب وغير ذلك من صفاته أن تكون مثل صفات بني آدم، فهو سبحانه موصوف بما أخبر به عن نفسه أو أخبر به رسوله ﷺ على الوجه

стр. 2837

اللائق به من دون أن يشابه خلقه في شيء في ذلك كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فعلينا أن نمره كما جاء على الوجه الذي أراده الرسول من غير تكييف ولا تمثيل، والمعنى والله أعلم أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن تكون الصورة كالصورة وهذه قاعدة كلية في هذا الباب عند أهل السنة والجماعة، وهي إمرار آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل بل يثبتون أسماءه وصفاته إثباتا بلا تمثيل وينزهونه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بلا تعطيل، خلافا لأهل البدع من المعطلة والمشبهة، فليس سمع المخلوق ولا بصر المخلوق ولا علم المخلوق مثل علم الله وإن اتفقا في جنس العلم والسمع والبصر لكن ما يختص به الله لا يشابهه أحد من خلقه ، وليس كمثله شيء؛ لأن صفاته كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه أما أوصاف المخلوقين فيعتريها النقص والزوال في العلم وفي السمع والبصر وفي كل شيء. والله ولي التوفيق.

стр. 2838

حول توظيف النساء في الدوائر الحكومية الحمد لله رب العالمين والسلام على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين. أما بعد: فقد اطلعت على ما نشر في الصحف المحلية في الأول من شهر رمضان عام ١٤٠٠ هـ من اعتزام فرع ديوان الخدمة المدنية بالمنطقة الشرقية على توظيف النساء في الدوائر الحكومية للقيام بأعمال النسخ والترجمة والأعمال الكتابية الأخرى، ثم قرأت ما كتبه الأخ الناصح محمد أحمد حساني في صحيفة الندوة في عددها الصادر في ٨ \ ٩ \ ١٤٠٠ هـ تعقيبا على ذلك الخبر، وكان صادقا وناصحا للأمة في تعقيبه، فشكر الله له وأثابه، ذلك أن من المعلوم أن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط، وذلك أمر خطير جدا، له تبعاته الخطيرة وثمراته المرة وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه، مما تكون فيه بعيدة عن مخالطة الرجال، والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله - أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى مالا تحمد عقباه. منها قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٣) وقال تعالى:

стр. 2839

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) وقال: ﷺ «إياكم والدخول على النساء - يعني الأجنبيات - قال رجال من الأنصار أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (٥) » ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم وعن السفر إلا مع ذي محرم، سدا لذريعة الفساد وإغلاقا لباب الإثم، وحسما لأسباب الشر وحماية للنوعين من مكائد الشيطان، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (٦) » وصح عنه ﷺ أنه قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٧) » وقال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٨) » وهذه الآيات والأحاديث صريحة الدلالة في وجوب القرار في البيت والابتعاد عن الاختلاط المؤدي إلى الفساد، وتقويض الأسر وخراب المجتمعات فما الذي يلجئنا إلى مخالفتها والوقوع فيما يغضب الله ويحل بالأمة بأسه وعقابه، ألا نعتبر فيما وقع في المجتمعات التي سبقت إلى هذا الأمر الخطير وصارت تتحسر على ما فعلت، وتتمنى أن تعود إلى حالنا التي نحن عليها الآن. لماذا لا ننظر إلى وضع المرأة في بعض البلدان الإسلامية المجاورة كيف أصبحت مهانة مبتذلة بسبب إخراجها من بيتها، وجعلها تعمل في غير وظيفتها، لقد نادى العقلاء هناك وفي البلدان الغربية بوجوب إعادة المرأة إلى وضعها الطبيعي الذي هيأها الله له وركبها عليه جسميا ونفسيا وعقليا، ولكن بعد ما فات الأوان.

стр. 2840

ألا فليتق الله المسئولون في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات، وليراقبوه سبحانه فلا يفتحوا على الأمة بابا عظيما من أبواب الشر، إذا فتح كان من الصعب إغلاقه، وليعلموا أن النصح لهذا البلد حكومة وشعبا هو العمل على ما يبقيه مجتمعا متماسكا قويا سائرا على نهج الكتاب والسنة، وسد أبواب الضعف والوهن ومنافذ الشرور والفتن، ولا سيما ونحن في عصر تكالب الأعداء فيه على المسلمين وأصبحنا أشد ما نكون حاجة إلى عون الله ودفعه عنا شرور أعدائنا ومكائدهم، فلا يجوز لنا أن نفتح أبوابا من الشر مغلقة. ولعل في كلمتي هذه ما يذكر المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات بما يجب عليهم من مراعاة أمر الله ورسوله والنظر فيما تمليه المصلحة العامة لهذه الأمة، والاستفادة مما قاله الأخ محمد أحمد حساني من أن عملية نقص الموظفين لا تعالج بالدعوة إلى إشراك النساء في وظائف الرجال؛ سدا للذريعة وقفلا لباب المحاذير، بل إن العلاج الصحيح يكون بإيجاد الحوافز لآلاف الشبان الذين لا يجدون في العمل الحكومي ما يشجع للالتحاق به فيتجهون إلى العمل الحر أو إلى المؤسسات والشركات، ومن هنا منطلق العلاج الصحيح وهو تبسيط إجراءات تعيين الموظفين وعدم التعقيد في الطلبات، وإعطاء الموظف ما يستحق مقابل جهده، وعندها سوف يكون لدى كل إدارة فائض من الموظفين، هذا وإنني مطمئن إن شاء الله إلى أن المسئولين بعد قراءتهم لهذه الكلمة سيرجعون عما فكروا فيه من تشغيل المرأة بأعمال الرجال إذا علموا أن ذلك محرم بالكتاب والسنة، ومصادم للفطرة السليمة، ومن أقوى الأسباب في تخلخل المجتمع وتداعي بنيانه، وهو مع ذلك أمنية غالية لأعداء المسلمين، يعملون لها منذ عشرات السنين، وينفقون لتحقيقها الأموال الطائلة، ويبذلون لذلك الجهود المضنية، ونرجو أن لا يكون أبناؤنا وإخواننا معينين لهم أو محققين لأغراضهم. أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من مكايد الأعداء ومخططاتهم المدمرة وأن يوفق المسئولين فيها إلى حمل الناس على ما يصلح شئونهم في الدنيا والآخرة،

стр. 2841

تنفيذا لأمر ربهم وخالقهم والعالم بمصالحهم، وأن يوفق المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد في أمر المعاش والمعاد، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن وأسباب النقم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

стр. 2842

حكم مصافحة النساء من وراء حائل (١) س: الأخ الذي رمز لاسمه: ر. ع. ق. أمن المعهد العلمي بحوطة بني تميم بالمملكة العربية السعودية يسأل عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية إذا كانت عجوزا وكذلك يسأل عن الحكم إذا كانت تضع على يدها حاجزا من ثوب ونحوه؟ جـ: لاتجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا سواء كن شابات أم عجائز، وسواء كان المصافح شابا أم شيخا كبيرا لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إني لا أصافح النساء (٢) » وقالت عائشة ﵂: «ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا بالكلام (٣) » ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل لعموم الأدلة، ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة والله ولي التوفيق.

стр. 2843

التحذير من مكائد الأعداء (١) الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد: فقد اطلعت على الخطاب المفتوح الموجه من بعض المسلمات في سويسرا إلى شيخ الأزهر ووزير الإعلام في مصر، المنشور في مجلة الدعوة المصرية في عددها السابع والأربعين الصادر في شهر جمادى الأولى عام ١٤٠٠ هـ وقد جاء في هذا الخطاب أن العالم الغربي قد بدأ يتحدث عن الإسلام ويهتم به، وأن بعض جهات الإعلام استغلت هذا الوضع وأخذت تشوه الإسلام وتعرف به على غير حقيقته، ويضربن مثلا على ذلك بما قام به التلفزيون السويسري حينما عرض فيلما عن الإسلام والمسلمين في مصر يشتمل على مشاهد ليست من الإسلام، إذ عرض ما يجري عند الأضرحة وفي حفلات المزار ومولد البدوي وغيرها من الأمور المبتدعة، وقد ذكرت الأخوات في خطابهن ما نصه: (وأكثر ما آلم المسلمين من كل الجنسيات هو عرض لفتاة تدعى نهال رزق قيل إنها مسلمة، وكانت هي محور الحلقة على أساس أنها مثل للمرأة المتحضرة؛ لأنه لا يمكن تطبيق قوانين جاءت منذ ١٤ قرنا كما، قال مقدم البرنامج، ونذكر لكم لقطتين فقط من جملة الفيلم عنها والحديث معها، اللقطة الأولى لهذه الفتاة في حمام سباحة نادي الجزيرة - وطبعا كانت بالمايوه أمام الرجال وبعدها لقاء معها في منزلها، ولقطة لها وهي تصلي وتلبس الطرحة وقالت: إنها تصلي وتصوم وسيأتي اليوم الذي تحج فيه للبيت الحرام، وكانت آخر لقطاتهم معها في كازينو وهي تراقص صديقها وقالت: إنه مسموح لها بالرقص مع صديقها والسهر معه حتى الواحدة صباحا، كما ذكر الأخوات أن التلفزيون السويسري أعد هذا الفيلم عندما قام فريق من المشرفين عليه

стр. 2844

بزيارة معلنة للقاهرة، سجل خلالها تلك المشاهد وأجرى أثناء لقاءات مع شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية والشيخ السطوحي، ليوهم أن هؤلاء موافقون على ما يعرض في الفيلم، وتساءلن بقولهن من المسئول عن هذه المهزلة، ومن الذي قدم هذه الفتاة لتكون مثالا للفتاة المسلمة في مصر، أو لم يجد المسئولون في مصر مثالا يليق بعرض الإسلام والمرأة المسلمة للأوربيين سوى هذه الفتاة وهذه الصور. انتهى كلامهن. وإنني أشكر للأخوات المسلمات في سويسرا غيرتهن ونصحهن، وأسأل الله أن يثبتهن على ذلك وأحب أن يعلمن هن وغيرهن أن ما فعله التلفزيون السويسري وغيره إنما هو جزء من الحرب الدائرة المستمرة بين المسلمين والكافرين، وقد أخبر الله عن ذلك في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢) وعندما يعمل التلفزيون السويسري النصراني هذا العمل إنما يريد به الصد عن دين الله، ومنع الناس من الدخول فيه أو الاستماع إلى من يدعوهم إليه، ولكنهم بإذن الله خائبون خاسرون، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وليس العجب من جرأة أعداء الإسلام على النيل منه وتزوير الحقائق وتضليل الناس، فتلك طبيعة الأعداء في حربهم للمسلمين ومحاولتهم لمنع دخول الناس في الإسلام، ولكن العجب من المسلمين وولاتهم الذين يستقبلونهم في بلدانهم ويهيئون لهم من الوسائل ما يعينهم على تحقيق مآربهم وتنفيذ مخططاتهم، ولعل ما حصل من بعض المسئولين في القاهرة كشيخ الأزهر والمفتي وغيرهما إنما ظنا منهم أن أولئك سيعرفون بالإسلام حقيقة، وسيقتصرون على نشر اللقاءات التي تمت معهم دون غيرها، ومع ذلك فإنني أنصح ولاة أمور المسلمين عامة وأهل الحل والعقد فيهم خاصة من الرؤساء والأمراء والعلماء وغيرهم أن يكونوا على حذر في معاملتهم مع أعداء الإسلام الذين يتسللون إلى

стр. 2845

صفوف المسلمين باسم الصحافة أو الاستشراق أو غيرهما، وأن يكونوا متيقظين لكل مؤامراتهم ومكائدهم، وأن لا يسهلوا لهم القيام بمهماتهم في بلاد المسلمين أو يتعاونوا معهم لإنجاحها، فكثيرا ما يرى النصارى وغيرهم يحملون آلات التصوير ويقصدون المناظر القديمة والمشوهة في بلاد المسلمين فيصورونها ويعلقون عليها مايشاءون وينشرونها في بلدانهم زاعمين أن هذا حال المسلمين وأن الإسلام يجعل أهله على تلك الصورة. ولهذا ينبغي أن لا تستجاب طلبات أولئك إلا بعد دراستها دراسة وافية، ومعرفة أبعادها ونتائجها والتأكد من خلوها مما يلحق الضرر بالإسلام والمسلمين. وأسأل الله سبحانه أن يوفق المسلمين ورؤساءهم وأهل الحل والعقد فيهم؛ ليكونوا دعاة إلى الله وحماة لدينه على بصيرة، وأن يعلي كلمته وأن يخذل أعداءه ويبطل كيدهم، إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2846

معاملة المسلم لغير المسلم (١) س: ماهو الواجب على المسلم تجاه غير المسلم، سواء كان ذميا في بلاد المسلمين أو كان في بلاده، أو المسلم يسكن في بلاد ذلك الشخص غير المسلم. والواجب الذي أريد توضيحه هو المعاملات بكل أنواعها، ابتداء من إلقاء السلام وانتهاء بالاحتفال مع غير المسلم في أعياده، وهل يجوز اتخاذ صديق عمل فقط أفيدونا أثابكم الله؟

стр. 2847

جـ: إن من المشروع للمسلم بالنسبة إلى غير المسلم أمورا متعددة، منها الدعوة إلى الله بأن يدعوه إلى الله ويبين له حقيقة الإسلام، حيث أمكنه ذلك وحيث كانت لديه البصيرة؛ لأن هذا هو أعظم الإحسان، وأهم الإحسان، الذي يهديه المسلم إلى مواطنه وإلى من اجتمع به من اليهود والنصارى أو غيرهم من المشركين لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١) » رواه الإمام مسلم في صحيحه، «وقوله ﵊ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر وأمره أن يدعو إلى الإسلام قال فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم (٢) » متفق على صحته. وقال ﵊: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣) » رواه مسلم في صحيحه، فدعوته إلى الله وتبليغه الإسلام ونصيحته في ذلك من أهم المهمات ومن أفضل القربات. ثانيا: لا يجوز أن يظلمه في نفس ولا في مال ولا في عرض إذا كان ذميا أو مستأمنا أو معاهدا فإنه يؤدي إليه الحق فلا يظلمه في ماله لا بالسرقة ولا بالخيانة ولا بالغش، ولا يظلمه في بدنه لا بضرب ولا بغيره؛ لأن كونه معاهدا أو ذميا في البلد أو مستأمنا يعصمه.

стр. 2848

ثالثا: لا مانع من معاملته في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك، فقد صح عن رسول الله ﵊ أنه اشترى من الكفار عباد الأوثان، واشترى من اليهود وهذه معاملة وقد توفي ﵊، ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام اشتراه لأهله. رابعا: في السلام، لا يبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ : «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام (١) » خرجه مسلم في صحيحه وقال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم (٢) » فالمسلم لا يبدأ الكافر بالسلام، ولكن يرد عليه بقوله: (وعليكم) لقول النبي ﵊: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم (٣) » متفق على صحته، هذا من الحقوق المتعلقة بين المسلم والكافر، ومن ذلك أيضا حسن الجوار إذا كان جارا تحسن إليه ولا تؤذيه في جواره، وتتصدق عليه إذا كان فقيرا تهدي إليه وتنصح له فيما ينفعه؛ لأن هذا مما يسبب رغبته في الإسلام ودخوله فيه؛ ولأن الجار له حق، قال النبي ﷺ : «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى طننت أنه سيورثه (٤) » متفق على صحته وإذا كان الجار كافرا كان له حق الجوار، وإذا كان قريبا وهو كافر صار له حقان: حق الجوار وحق القرابة، ومن المشروع للمسلم أن يتصدق على جاره الكافر وغيره من الكفار غير المحاربين من غير الزكاة. لقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) وللحديث الصحيح «عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن أمها وفدت عليها بالمدينة في صلح الحديبية وهي مشركة تريد المساعدة، فاستأذنت أسماء النبي ﷺ في ذلك هل تصلها؟ فقال: صليها (٦) » اهـ. أما الزكاة فلا مانع من دفعها للمؤلفة قلوبهم من الكفار لقوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧) الآية، أما مشاركة الكفار في احتفالاتهم بأعيادهم فليس للمسلم أن يشاركهم في ذلك.

стр. 2849

حكم السلام على المتحدث بالهاتف إذا كان لا يعرف هل هو مسلم أم كافر س: ما حكم إلقاء السلام على الشخص المتحدث بالهاتف إذا كان لا يعرف هل هو مسلم أم لا؟ (١) جـ: حكمه حكم اللقاء إذا عرفت أنه كافر فلا تبدأه بالسلام، أما إذا كنت لا تعرف فليس في ذلك محظور. . وبالله التوفيق.

стр. 2850

شكر المحسن والدعاء له من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ م - ت مدير مدرسة التهذيب بساحل العاج. زاده الله من العلم والإيمان. . آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد وصلني كتابك الكريم المؤرخ ٤ \ ٨ \ ١٣٩٤ هـ وصلك الله بهداه وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما، وهذا نصها وجوابها: س ١: أيجوز أن يقال للمحسن شكرا أو بارك. . إلى آخره؟ جـ: لاحرح أن يقول الإنسان لأخيه إذا أحسن إليه شكرا لك أو شكر الله عملك أو أنت مشكور أو ما أشبه هذه الألفاظ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١) فأمر سبحانه الولد أن يشكر ربه ويشكر والديه، فدل ذلك على مشروعية شكر الله سبحانه وشكر المحسن من الناس، وثبت عن النبي أنه

стр. 2851

قال: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله (١) » وفي لفظ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس (٢) » وصح عنه ﵇ أنه قال: «من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه (٣) » أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، وشكر المحسن من جنس الدعاء. أما قولك: (أو بارك) فلم يتضح لي مرادك منها، فإن كان المراد الدعاء له بالبركة فلا بأس، أما إن كان المراد معنى آخر فأرجو الإفادة عنه حتى نجيبك على ذلك. ٢: من عادتنا إذا انتهينا من الأكل نقول: (بعد أن حمدنا الله) لآبائنا وأمهاتنا وكبرائنا: بارك أو شكر لك يا فلان، نتداوله بيننا، أيجوز ذلك. . . . إلى آخره؟ جـ: الجواب عن هذا السؤال يتضح من جواب الذي قبله، وهو أنه لا حرج في شكر المحسن والدعاء له بالبركة، بل ذلك مشروع لما تقدم من الأدلة، وفي صحيح مسلم أن النبي زار بعض أصحابه فأكل عندهم طعاما فلما أراد الخروج قالت زوجة صاحب البيت: يا رسول الله: ادع لنا، فقال ﵊: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم» . والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2852

الدواء الشرعي للسحر (١) س: سمعت من أحد العلماء قوله: إن من يظن أنه عمل له سحر عليه أن يأخذ سبع ورقات من السدر ثم يضعها في سطل ماء ويقرأ عليها سورتي المعوذات وآية الكرسي وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٣) وسورة الفاتحة، فما صحة هذا؟ وماذا يفعل من يظن أنه قد سحر. .؟ أفيدونا أفادكم الله. جـ: لا شك أن السحر موجود، وبعضه تخييل، وأنه يقع ويؤثر بإذن الله ، كما قال الله في حق السحرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٤) يعني الملكين ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥) فالسحر له تأثير، ولكنه بإذن الله الكوني القدري، إذ ما في الوجود من شيء إلا بقضاء الله وقدره ، ولكن هذا السحر له علاج وله دواء، وقد وقع على النبي ﷺ فخلصه الله منه وأنجاه من شره، ووجدوا ما فعله الساحر، فأخذ وأتلف، فأبرأ الله نبيه من ذلك ﵊، وهكذا إذا وجد ما فعله الساحر من تعقيد الخيوط أو ربط المسامير بعضها ببعض أو غير ذلك فإن ذلك يتلف؛ لأن السحرة من شأنهم أن ينفثوا في العقد ويضربوا عليها لمقاصدهم الخبيثة، فقد يتم ما أرادوا بإذن الله، وقد يبطل، فربنا على كل شيء قدير، ، وتارة يعالج السحر بالقراءة سواء كان ذلك بقراءة المسحور نفسه، إذا كان عقله سليما، وتارة بقراءة غيره عليه، فينفث عليه في صدره أو في أي عضو من أعضائه ويقرأ عليه الفاتحة، وآية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦)

стр. 2853

والمعوذتين، وآيات السحر المعروفة من سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة طه، من سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (١) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٣) ومن سورة يونس قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٤) ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٥) ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦) ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧) ومن سورة طه قوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٨) ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٩) ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (١٠) ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (١١) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١٢) ويقرأ أيضا سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١٣) إلى آخرها، وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١٤) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١٥) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١٦) والأولى أن يكرر سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١٧) والمعوذتين ثلاث مرات، ثم يدعو له بالشفاء اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاءا لا يغادر سقما، ويكرر هذا ثلاثا، وهكذا يرقيه بقوله: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك، ويكررها ثلاثا ويدعو له بالشفاء والعافية وإن قال في رقيته: أعيذك بكلمات الله التامات من شر ماخلق وكررها ثلاثا فحسن، كل هذا من الدواء المفيد، وإن قرأ هذه الرقية والدعاء في ماء ثم شرب منه المسحور واغتسل بباقيه كان هذا من أسباب الشفاء والعافية بإذن الله، وإن جعل في الماء سبع ورقات من السدر الأخضر بعد دقها كان هذا أيضا من أسباب الشفاء، وقد جرب هذا كثيرا ونفع الله به، وقد فعلناه مع كثير من الناس فنفعهم الله بذلك. فهذا دواء مفيد ونافع للمسحورين وهكذا ينفع هذا الدواء لمن حبس عن زوجته؛

стр. 2854

لأن بعض الناس قد يحبس عن زوجته فلا يستطيع جماعها، فإذا استعمل هذه الرقية وهذا الدعاء نفعه بإذن الله، سواء قرأه على نفسه أو قرأه عليه غيره أو قرأه في ماء ثم شرب منه واغتسل بالباقي - كل هذا نافع بإذن الله للمسحور والمحبوس عن زوجته، وهذه من الأسباب، والله هو الشافي وحده، وهو على كل شيء قدير، بيده جل وعلا الدواء والداء، وكل شيء بقضائه وقدره سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله (١) » وهذا فضل منه . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2855

الأنبياء معصومون فيما يبلغونه س: سمعت من عالم إسلامي يقول إن الرسول ﷺ يخطئ، فهل هذا صحيح؟ وقد سمعت أيضا أن الإمام مالك يقول: كل منا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، مع بيان حديث الذباب بعد أن تجرأ على تكذيبه بعض الناس؟ جـ: قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا سيما خاتمهم محمد ﷺ معصمون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله من أحكام. كما قال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٥) فنبينا محمد ﷺ معصوم في كل ما يبلغ عن الله من الشرائع قولا وعملا وتقريرا، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم، وقد ذهب جمهور أهل العلم أيضا إلى أنه معصوم من المعاصي الكبائر دون الصغائر، وقد تقع منه الصغيرة لكن لا يقر عليها، بل ينبه عليها فيتركها، أما من أمور الدنيا فقد يقع الخطأ ثم ينبه على ذلك؛ كما وقع من النبي ﷺ «لما مر على جماعة يلقحون النخل

стр. 2856

فقال ما أظنه يضره لو تركتموه فلما تركوه صار شيصا، فأخبروه ﷺ فقال ﵊: إنما قلت ذلك ظنا مني وأنتم أعلم بأمر دنياكم، أما ما أخبركم به عن الله فإني لم أكذب على الله (١) » رواه مسلم في الصحيح، فبين ﵊ أن الناس أعلم بأمور دنياهم كيف يلقحون النخل وكيف يغرسون وكيف يبذرون ويحصدون. أما ما يخبر به الأنبياء عن الله فإنهم معصومون من ذلك. فقول من قال: إن النبي ﷺ يخطئ فهذا قول باطل، ولا بد من التفصيل كما ذكرنا، وقول مالك ﵀: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر - قول صحيح تلقاه العلماء بالقبول، ومالك ﵀ من أفضل علماء المسلمين، وهو إمام دار الهجرة في زمانه في القرن الثاني، وكلامه هذا كلام صحيح تلقاه العلماء بالقبول، فكل واحد من أفراد العلماء يرد ويرد عليه، أما الرسول ﷺ فهو لا يقول إلا الحق، فليس يرد عليه، بل كلامه كله حق فيما يبلغ عن الله تعالى، وفيما يخبر به جازما به أو يأمر به أو يدعو إليه. أما حديث الذباب فهو حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه، وقد أخبر به النبي ﷺ جازما به، فقال ﵊: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء (٢) » وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وحديث أنس بن مالك، وكلها صحيحة، وقد تلقتها الأمة بالقبول ومن طعن فيها فهو غالط وجاهل لا يجوز أن يعول عليه في ذلك، ومن قال إنه من أمور الدنيا وتعلق بحديث «أنتم أعلم بشئون دنياكم (٣) » . . - فقد غلط؛ لأن الرسول ﷺ جزم بهذا ورتب عليه حكما شرعيا ولا قال أظن، بل جزم وأمر، وهذا فيه تشريع من الرسول؛ لأنه قال «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه (٤) » فهذا أمر من الرسول ﷺ وتشريع للأمة، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. والله ولي التوفيق.

стр. 2857

فضل حفظ القرآن س: إنني كثيرا ما أحفظ آيات من القرآن الكريم، ولكن بعد فترة أنساها، وكذلك عندما أقرأ آية لا أعلم هل قراءتي صحيحة أم لا؟ ثم أكتشف بعد ذلك أنني كنت مخطئا، دلوني لو تكرمتم.

стр. 2858

جـ: المشروع لك يا أخي أن تجتهد في حفظ ما تيسر من كتاب الله، وأن تقرأ على بعض الإخوة الطيبين في المدارس أو في المساجد أو في البيت، وتحرص على ذلك، حتى يصححوا لك قراءتك، لقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » رواه البخاري ﵀ في صحيحه، فخيار الناس هم أهل القرآن الذين تعلموه وعلموه الناس، وعملوا به. ولقول النبي ﷺ لبعض أصحابه: «أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم (٢) » فقالوا: يا رسول الله: كلنا يحب ذلك، فقال ﵊: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين وثلاث خير من ثلاث وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل (٣) » أو كما قال ﵊. وهذا يبين لنا فضل تعلم القرآن الكريم، فأنت يا أخي عليك بتعلم القرآن على الإخوان المعروفين بإجادة قراءة القرآن حتى تستفيد وتقرأ قراءة صحيحة. أما ما يعرض لك من النسيان فلا حرج عليك في ذلك، فكل إنسان ينسى، كما قال ﵊: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون (٤) » وسمع مرة قارئا يقرأ فقال: «رحم الله فلان لقد أذكرني آية كذا كنت أسقطتها (٥) » أي أنسيتها، والمقصود أن الإنسان قد ينسى بعض الآيات ثم يذكر، أو يذكره غيره، والأفضل أن يقول (نسيت) بضم النون وتشديد السين، أو: أنسيت، لما ورد أنه ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم نسيت آية كذا بل هو نسي (٦) » يعني أنساه الشيطان، أما حديث:

стр. 2859

«من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم (١) » فهو حديث ضعيف عند أهل العلم لا يثبت عن النبي ﷺ ، والنسيان ليس باختيار الإنسان وليس في طوقه السلامة منه، والمقصود أن المشروع لك حفظ ما تيسر من كتاب الله ، وتعاهد ذلك، وقراءته على من يجيد القراءة حتى يصحح لك أخطاءك. وفقك الله ويسر أمرك.

стр. 2860

طريقة حفظ القرآن س: أرشدوني إلى الطريقة التي تعينني على حفظ كتاب الله. جـ: نوصيك بالعناية بالحفظ والإقبال على ذلك واختيار الأوقات المناسبة للحفظ كآخر الليل أو بعد صلاة الفجر أو في أثناء الليل أو في بقية الأوقات التي تكون فيها مرتاح النفس حتى تستطيع الحفظ، ونوصيك باختيار الزميل الطيب الذي يساعدك ويعينك على الحفظ والمذاكرة، مع سؤال الله التوفيق والإعانة والتضرع إليه أن يعينك، وأن يوفقك، وأن يعيذك من أسباب التعويق ومن استعان بالله صادقا أعانه الله ويسر أمره.

стр. 2861

حكم الاجتماع في دعاء ختم القرآن الكريم س: ما حكم الاجتماع في دعاء ختم القرآن العظيم، وذلك بأن يختم الإنسان القرآن الكريم ثم يدعو بقية أهله أو غيرهم إلى الدعاء معه دعاء جماعيا لختم القرآن العظيم حتى ينالهم ثواب ختم القرآن الكريم الوارد عن شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀، أو غيره من الأدعية المكتوبة في نهاية المصاحف المسماة بدعاء ختم القرآن العظيم، فهل يجوز الاجتماع على دعاء ختم القرآن العظيم سواء كان ذلك في نهاية شهر رمضان المبارك أو غيره من المناسبات فهل يعتبر هذا الاجتماع بدعة أم لا؟ وهل ورد عن رسول الله ﷺ دعاء مخصص لختم القرآن العظيم؟ نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل. جـ: لم يرد دليل على تعيين دعاء معين فيما نعلم، ولذلك يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء، ويتخير من الأدعية النافعة، كطلب المغفرة من الذنوب والفوز بالجنة والنجاة من النار، والاستعاذة من الفتن، وطلب التوفيق لفهم القرآن الكريم على الوجه الذي يرضي الله والعمل به وحفظه ونحو ذلك؛ لأنه ثبت عن أنس ﵁ أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو، أما النبي ﷺ فلم يرد عنه شيء في ذلك فيما أعلم. أما الدعاء المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فلا أعلم صحة هذه النسبة إليه، ولكنها مشهورة بين مشائخنا وغيرهم، لكنني لم أقف على ذلك في شيء من كتبه والله أعلم.

стр. 2862

أسئلة وأجوبتها تتعلق بالتوبة وجوب التوبة والتحلل من مظلمة الناس س: كنت جاهلا ولقد من الله علي بالإسلام، وكنت قبل ذلك قد ارتكبت بعض المظالم والأخطاء، وسمعت حديثا عن الرسول ﷺ الذي يقول: «من كانت عنده مظلمة لأخيه في عرض أو في شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم (١) » إلخ. كيف تنصحونني والحالة هذه؟ جـ: لقد شرع الله لعباده التوبة من جميع الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤) وقال ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٥) » فمن اقترف شيئا من المعاصي فعليه أن يبادر بالتوبة والندم والإقلاع والحذر والعزم الصادق ألا يعود في ذلك؛ تعظيما لله سبحانه، وإخلاصا له، وحذرا من عقابه والله يتوب على التائبين، فمن صدق في التوجه إلى الله ، وندم على ما مضى، وعزم عزما صادقا أن لا يعود، وأقلع منها تعظيما لله وخوفا منه، فإن الله يتوب عليه ويمحو عنه ما مضى من الذنوب، فضلا منه وإحسانا ، ولكن إذ كانت المعصية ظلما للعباد فهذا يحتاج إلى أداء الحق، فعليه التوبة مما وقع بالندم، والإقلاع، والعزم أن لا يعود، وعليه مع ذلك أداء الحق لمستحقيه أو بتحلله من ذلك، كأن يقول لصاحب الحق سامحني يا أخي أو اعف عني، أو يعطيه حقه، للحديث الذي أشرت إليه، وهو قول النبي ﷺ : «من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (٦) » رواه البخاري في صحيحه.

стр. 2863

فالواجب على المؤمن أن يحرص على البراءة والسلامة من حق أخيه، بأن يرد إليه أو يتحلله منه، وإن كان عرضا فلا بد من تحلله منه أيضا إن استطاع، فإن لم يستطع أو خاف من مغبة ذلك كأن يترتب على إخباره شر أكثر - فإنه يستغفر له ويدعو له ويذكره بالمحاسن التي يعرفها عنه بدلا مما ذكره عنه من السوء في المجالس التي اغتابه فيها ليغسل السيئات الأولى بالحسنات الآخرة ضد السيئات التي نشرها سابقا ويستغفر له ويدعو له. والله ولي التوفيق.

стр. 2864

امرأة تسببت في قتل نفسها لكنها تابت قبل أن تموت س: لي أخت متزوجة ولديها ثلاثة أطفال وهي على خلاف دائم مع زوجها وكانت أيضا على خلاف مع والدها، والسبب زوجها الذي كان يعاملها معاملة قاسية جدا مما اضطرها إلى ترك البيت وذهبت إلى بيت أمها المطلقة والمتزوجة من إنسان آخر، وزوج أمها يعاملها هو الآخر معاملة سيئة. فقمت أنا - أخوها - وأخذت لها شقة لتسكن فيها معي وكانت كثيرا ما تذهب إلى أمها ومرة أجبرها زوج أمها أن تذهب وترمي أولادها عند زوجها، ففعلت ذلك إرضاء لأمها. وفي أحد الأيام حصل خلاف بينها وبين زوج أمها وخرجت إلى شقتها متأثرة جدا بما مر بها من مصائب وأبعد أولادها عنها، فقامت وأخذت حبوبا من الثلاجة وأكلتها جميعا تريد أن تقضي على حياتها - فأخذتها إلى المستشفى وأعطيت العلاج اللازم، وقبل وفاتها أحست أنها في أيامها الأخيرة، فتابت وأخذت تستغفر كثيرا عما فعلته وكانت تطلب منا أن ندعو لها بالمغفرة. وأراد الله وتوفيت، فماذا يكون حالها بعد ذلك؟ وهل يجوز لي أن أقوم بالصدقة والحج عنها؟ علما أنني نذرت أن أقوم بهذه الأعمال طيلة حياتي إن شاء الله. أفيدوني على صفحات مجلة: (الدعوة)

стр. 2865

جـ: ما دامت أختك المذكورة قد تابت إلى الله سبحانه وندمت على ما فعلته من أسباب الانتحار فإنه يرجى لها المغفرة، والتوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ، وإذا تصدقت عنها أو استغفرت لها ودعوت لها يكون ذلك حسنا، وذلك ينفعها وتؤجر عليه أنت. وما نذرته من الطاعات فعليك أن توفي به؛ لأن الله سبحانه مدح الموفين بالنذور في قوله في مدح الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٢) » رواه الإمام البخاري في صحيحه.

стр. 2866

طريقة التوبة من المعاصي من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم (. . . . . . . . . .) أعاذه الله من وساوس الشيطان ووفقه لما فيه صلاح أمر دينه ودنياه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصلني كتابك المتضمن بيان أشياء وقعت منك وأشكل عليك أمرها وخفت من عاقبتها، وقد سبق أن أجبناك في ١٢ \ ٧ \ ١٣٩٠ هـ بطلب حضورك فلم يتيسر ذلك، ونحن الآن نجيبك إن شاء الله على ما في خطابك: س: ذكرت أنك تصلي في بعض الأوقات وتدع الصلاة في أوقات أخرى، ويحصل منك العزم على التوبة في بعض الأوقات ثم ترجع عن ذلك، وربما أفضى بك ذلك التساهل إلى ترك بقية الأركان، وقد عزمت على التوبة الصادقة والإقلاع التام فهل تقبل توبتك أم تكون من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (١) الآية، وهل يشترط في التوبة النطق بالشهادتين بمسمع عالم؟ وهل لا بد من الغسل وصلاة ركعتين إلى آخره. . جـ: قد بين الله في كتابه العظيم أنه سبحانه يقبل التوبة من عباده مهما تنوعت ذنوبهم وكثرت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) أجمع العلماء أن هذه الآية في التائبين، وقد أخبر فيها سبحانه أنه يغفر الذنوب جميعا لهم إذا صدقوا في التوبة إليه بالندم والإقلاع عن الذنوب والعزم على أن لا يعودوا فيها، فهذه هي التوبة. ونهاهم سبحانه عن القنوط من رحمته وهو اليأس مهما عظمت الذنوب وكثرت، فرحمة الله أوسع وعفوه أعظم، قال تعالى:

стр. 2867

﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقال في حق النصارى ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها (٣) » والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب عليك الإقلاع عن جميع الذنوب والحذر منها والعزم على عدم العودة فيها مع الندم على ما سلف منها إخلاصا لله وتعظيما له وحذرا من عقابه، مع إحسان الظن به سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني (٤) » وقال ﵊ في الحديث الآخر: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (٥) » فاتق الله يا حمد، وأحسن ظنك بربك وتب إليه توبة صادقة إرضاء له سبحانه وإرغاما للشيطان، وأبشر بأنه سبحانه سيتوب عليك ويكفر سيئاتك الماضية إذا صدقت في التوبة، وهو سبحانه الصادق في وعده الرحيم بعباده. أما الشهادة على مسمع عالم فليس ذلك بشرط، وإنما التوبة تكون بالإقرار بما جحدته، وبعملك ما تركت، فإذا كان الكفر بترك الصلاة فإن التوبة تكون بفعل الصلاة مستقبلا والندم على ما سلف والعزيمة على عدم العودة وليس عليك قضاء ما تركته من الصلوات؛ لأن التوبة تهدم ما كان قبلها. أما إن كنت تركت الشهادتين أو شككت فيهما فإن التوبة من ذلك تكون بالإتيان بهما ولو وحدك فتقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) عن إيمان وصدق بأن الله معبودك الحق لا شريك له وأن محمدا ﷺ هو عبد الله ورسوله إلى جميع الثقلين من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. أما الغسل فهو مشروع وقد أوجبه بعض العلماء على من أسلم بعد كفره الأصلي أو الردة، فينبغي لك أن تغتسل وذلك بصب الماء على جميع بدنك بنية الدخول في الإسلام والتوبة مما سلف من الكفر. أما صلاة ركعتين بعد الغسل فلا تجب، ولكن يستحب لكل مسلم إذا تطهر الطهارة الشرعية أن يصلي ركعتين لأحاديث وردت في ذلك، وتسمى سنة الوضوء. وأما قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ (٦) فليس

стр. 2868

معناها أن من زاد كفره أو تكرر لا يتوب الله عليه، وإنما معناها عند أهل العلم استمراره على الكفر حتى يموت، كما قال الله سبحانه في الآية الأخرى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٣) وقال أيضا في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) فقد أوضح الله سبحانه في هذه الآيات الثلاث أن حصول العذاب واللعنة وعدم القبول وحبوط الأعمال كل ذلك مقيد بالموت على الكفر، وقد أجمع العلماء ﵏ على أن الكافر مهما تنوع كفره ومهما تكررت ردته فإنه مقبول التوبة عند الله إذا تاب توبة نصوحا، وهي المشتملة على الإقلاع عن الكفر والعزيمة على عدم العودة فيه والندم على ما مضى، وإنما اختلفوا في حكم من تكررت ردته في حكم الشرع في الدنيا هل يقبل منه ويسلم من القتل أم لا تقبل منه ويقتل هذا محل الخلاف. أما فيما بينه وبين الله سبحانه فليس في قبولها خلاف إذا كانت توبته نصوحا كما تقدم. وأرجو أن يكون فيما ذكرناه مقنع لكم وكفاية، والواجب عليكم البدار بالتوبة الصادقة والضراعة إلى الله سبحانه والإلحاح في الدعاء أن يتقبل منكم وأن يثبتكم على الحق ويعيذكم من نزعات الشيطان ووساوسه، فإنه العدو اللدود الذي يريد إهلاكك وإهلاك غيرك كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥) فبادر إلى إرغامه بالتوبة الصادقة وأبشر بالخير والعاقبة الحميدة والنجاة من النار وقبول التوبة إذا صدقت في ذلك. وأوصيك بالإكثار من ذكر الله وتسبيحه وتحميده وكثرة الاستغفار والصلاة

стр. 2869

والسلام على رسول الله ﷺ ومن أفضل ذلك أن تكثر من كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، ومن الكلمات الآتية: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. كما نوصيك أيضا بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم والتدبر لآياته، فإن فيه الهداية لكل خير والتحذير من كل شر، ونوصيك أيضا بمطالعة ما تيسر من كتب الحديث المعروفة مثل: (رياض الصالحين) و (بلوغ المرام) فإن فيها ما ينفعك ويعينك على الخير إن شاء الله، أما صوم النافلة كالإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر فهو قربة وطاعة وفيه أجر عظيم، وتكفير للسيئات، ولكن إذا كانت أمك لا ترضى بذلك فلا تكدرها فإن الوالدة حقها عظيم، وبرها من أهم الواجبات، ولعلها تخاف عليك من الكسل إذا صمت، وعدم القيام بالواجب في طلب الرزق والقيام بحاجات البيت، ومعلوم أن طلب الرزق الحلال لإعاشة العيال وأهل البيت من أفضل القربات بل من أهم الواجبات، وهو أفضل من التفرغ لصوم التطوع وصلاة التطوع، وبكل حال فالذي أنصحك به هو أن تسمع لقولها وتطيعها في مثل هذا، وإذا رأيت مجالا في المستقبل لطلبها الإذن فاستأذنها في الصوم، إذا كان الصوم لا يعطلك ولا يضعفك عن المهمات المذكورة آنفا. والله المسئول أن يمنحك الفقه في الدين ويهديك صراطه المستقيم، ويمن علينا وعليك بالتوبة النصوح، ويعيذنا وإياك وسائر المسلمين من نزغات الشيطان، وشر النفس، وسيئات العمل، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

стр. 2870

طريقة التوبة عن اقتراف المعاصي من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم (. . . . . . . . . . . . .) وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فأفيدكم بوصول كتابكم الكريم المؤرخ بدون. وصلكم الله بهداه. وما تضمنه من بيان اقترافك لبعض المحرمات وأنك نادم على ما فعلت، وتطلب دلالتك إلى طريق الصواب إلى آخر ما ذكرتم - كان معلوما. ونخبرك بأننا نوصيك بلزوم التوبة والندم على ما بدر منك والعزم الصادق ألا تعود في ذلك مع كثرة الاستغفار والعمل الصالح، وأبشر بالخير وحسن العاقبة، كما قال الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) وفقنا الله وإياك لما يرضيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2871

نصيحة بلزوم التوبة والتعوذ بالله من الشيطان من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم (. . . . . . . . . . . . . .) وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإشارة إلى رسالتك الكريمة رقم وتاريخ بدون، لقد سرني ما تضمنته من التوبة إلى الله مما بدر منك والحمد لله على ذلك، ونوصيك بلزوم التوبة والاستقامة عليها وجهاد النفس في طاعة الله وأبشر بالخير والعاقبة الحميدة كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣) كما نوصيك بالإكثار من قراءة القرآن الكريم وتدبر معانيه، ففيه الهداية والنور، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤) الآية. ونوصيك أيضا بالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند وجود الوساوس، وإذا كانت في الله أو في رسوله ﷺ أو في الآخرة فقل: آمنت بالله ورسله، مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. وإليك نسخة من مجموع فتاوينا، ومن العقيدة الواسطية، وبلوغ المرام، وفتح المجيد، وثلاثة الأصول، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه إنه جواد كريم. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2872

نصيحة لمن ابتلي بالمعاصي ثم ندم (١) س: أنا طالب بالمرحلة الثانوية كنت ملتزما، ومحبا للقرآن الكريم، وشغوفا بالعلم، ثم تغير أمري، حيث اجتمعت حولي فئة سوء، وبدأت أفعل العادة السرية وأفحش في أمور كثيرة كاللواط، والعبث ببنات الناس، والتطلع إلى عورات الجيران، وفي الظاهر أتحدث مع زملائي عن الدين وأمور الجماعات الإسلامية في المدرسة والمسجد والمنزل. لقد حاولت مرارا الإقلاع عن الذنوب ولم أستطع، أريد دواء شافيا أمر به الله ورسوله، ولن تتم راحتي حتى أسمع وأقرأ من سماحتكم، أبقاكم الله للإسلام ومتعكم بالصحة والعافية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد من عباد الله جـ: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، بعده: أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يمن عليكم بالتوبة النصوح، وأن يشرح صدركم للحق، وأن يوفقكم لصحبة الأخيار ويعيذكم من صحبة الأشرار إنه خير مسئول، وأوصيكم بالتوبة النصوح وهي تشمل ثلاثة أمور: ١ - الندم على الماضي من جميع المعاصي. ٢ - الإقلاع منها كلها خوفا من الله وتعظيما له. ٣ - العزم الصادق ألا تعود فيها إخلاصا لله ورغبة فيما عنده. ومتى تم ذلك منك فأبشر بالمغفرة وحسن العاقبة، وفقنا الله وإياك لما يرضيه، وأعاذنا وإياك من نزغات الشيطان ومن شر النفس وسيئات العمل إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2873

شاب يتوب ثم يعود إلى المعاصي فكيف العمل (١) س: أنا شاب في التاسعة عشرة من عمري، وقد أسرفت على نفسي في المعاصي كثيرا، حتى أنني لا أصلي في المسجد ولم أصم رمضان كاملا في حياتي، وأعمل أعمالا قبيحة أخرى، وكثيرا ما عاهدت نفسي على التوبة ولكني أعود للمعصية، وأنا أصاحب شبابا في حارتنا ليسوا مستقيمين تماما، كما أن أصدقاء إخواني كثيرا ما يأتوننا في البيت وهم أيضا ليسوا صالحين، ويعلم الله أنني أسرفت على نفسي كثيرا في المعاصي وعملت أعمالا شنيعة، ولكنني كلما عزمت على التوبة أعود مرة ثانية كما كنت. أرجو أن تدلوني على طريق يقربني إلى ربي ويبعدني عن هذه الأعمال السيئة. جـ: يقول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) أجمع العلماء أن هذه الآية الكريمة نزلت في شأن التائبين، فمن تاب من ذنوبه توبة نصوحا غفر الله له ذنوبه جميعا لهذه الآية الكريمة، ولقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣) فعلق سبحانه تكفير السيئات ودخول الجنات في هذه الآية بالتوبة النصوح، وهي التي اشتملت على ترك الذنوب والحذر منها، والندم على ما سلف منها، والعزم الصادق على ألا يعود فيها تعظيما لله سبحانه ورغبة في ثوابه وحذرا من عقابه. ومن شرائط التوبة النصوح رد المظالم إلى أهلها أو تحللهم منها إذا كانت المعصية مظلمة في دم أو

стр. 2874

مال أو عرض، وإذا لم يتيسر استحلال أخيه من عرضه دعا له كثيرا وذكره بأحسن أعماله التي يعلمها عنه في المواضع التي اغتابه فيها، فإن الحسنات تكفر السيئات، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فعلق في هذه الآية الفلاح بالتوبة، فدل ذلك على أن التائب مفلح سعيد، وإذا أتبع التائب توبته بالإيمان والعمل الصالح محا الله سيئاته وأبدلها حسنات، كما قال سبحانه في سورة الفرقان لما ذكر الشرك والقتل بغير حق والزنا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤) ومن أسباب التوبة الضراعة إلى الله سبحانه وسؤاله الهداية والتوفيق، وأن يمن عليك بالتوبة، وهو القائل سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) وهو القائل : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٦) الآية، ومن أسباب التوبة أيضا والاستقامة عليها صحبة الأخيار والتأسي بهم في أعمالهم الصالحة والبعد عن صحبة الأشرار، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (٧) » وقال ﵊: «مثل الجليس الصالح كصاحب المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ومثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة (٨) » .

стр. 2875

فضل التوبة ووجوب تكرارها إذا لزم الأمر س: عاهدت الله أكثر من مرة أن لا آتي العمل الفلاني ولكني لم أوف بهذا العهد، أرجو نصيحتي ومن ماثلني. جـ: هذا فيه تفصيل، فإن كانت المعاهدة على أمر حرم الله عليك فعله وعاهدت الله أن لا تعود إليه ولا تقربنه؛ فالواجب عليك التوبة إلى الله ورجوعك إليه ومن تاب تاب الله عليه. والتوبة تشتمل على أمور ثلاثة: الندم على الماضي من المعصية، والإقلاع عنها، والعزم الصادق ألا يعود إليها تعظيما لله وإخلاصا له سبحانه، فإذا فعل المسلم ذلك تاب الله عليه ، ومن تمام التوبة اتباعها بالعمل الصالح والاستقامة، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) وقال تعالى لما ذكر الشرك والقتل والزنا في سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٤) فأخبر أن من تاب وأتبع توبته بالإيمان الصادق والعمل الصالح فإنه سبحانه يبدل سيئاته حسنات وهذا يتضمن قبول التوبة ثم زاده سبحانه مع ذلك بأن جعل مكان كل سيئة حسنة، وهذا من فضله وكرمه وجوده سبحانه. وإن كان في المعصية حق للمخلوقين من سرقة أو عدوان على بعض أموال الناس أو دمائهم أو أعراضهم فلا بد من التحلل من صاحب الحق أو إعطائه حقه، فإذا سامحه سقط حقه. وهكذا في العدوان على العرض إذا استحل صاحبه فعفى إلا أن يخاف مفسدة بسبب إخباره بالغيبة؛ فإنه لا يخبره ولكن يدعو له ويستغفر له ويذكره بالخير الذي يعلمه منه في المجالس التي ذكره فيها بالسوء أو يثني عليه بالأشياء الطيبة التي يعلمها عنه، حتى يقابل عمله السيء بعمل صالح.
следующие страницы →