← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

السؤال السابع: ظهر في كثير من المجتمعات الإسلامية الاستهزاء بشعائر الدين الظاهرة كإعفاء اللحى وتقصير الثياب ونحوهما - فهل مثل هذا الاستهزاء بالدين الذي يخرج من الملة؟ وبماذا تنصحون من وقع في مثل هذا الأمر وفقكم الله؟ الجواب لا ريب أن الاستهزاء بالله ورسوله وبآياته وبشرعه وأحكامه من جملة أنواع الكفر لقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) الآية من سورة التوبة. ويدخل في ذلك الاستهزاء بالتوحيد أو بالصلاة أو بالزكاة أو الصيام أو الحج أو غير ذلك من أحكام الدين المتفق عليها. أما الاستهزاء بمن يعفي لحيته، أو يقصر ثيابه ويحذر الإسبال، أو نحو ذلك من الأمور التي قد تخفى أحكامها، فهذا فيه تفصيل، والواجب الحذر من ذلك، ونصيحة من يعرف منه شيء من ذلك حتى يتوب إلى الله سبحانه ويلتزم بشرعه، ويحذر الاستهزاء بمن تمسك بالشرع في ذلك، طاعة لله ورسوله ﷺ ، وحذرا من غضب الله وعقابه، والردة عن دينه وهو لا يشعر، نسأل الله لنا وللمسلمين جميعا العافية من كل سوء إنه خير مسئول. والله ولي التوفيق.

стр. 3117

السؤال الثامن: ما هي الكتب التي ينصح بها سماحتكم أن تقرأ في مجال العقيدة؟ الجواب: أحسن كتاب، وأعظم كتاب، وأصدق كتاب يجب أن يقرأ في تعليم العقيدة والأحكام والأخلاق، هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقد قال الله فيه : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (١) وقال أيضا فيه : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) وقال فيه سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) وقال فيه : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) وقال فيه : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥)

стр. 3118

والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال فيه النبي ﷺ في الحديث الصحيح في خطبته في جحة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (١) » . وقال ﷺ في خطبته يوم غدير خم حين رجع من حجة الوداع إلى المدينة: «إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (٢) » . فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (٣) » خرجهما مسلم في صحيحه، الأول من حديث جابر بن عبد الله ﵄، والثاني من حديث زيد بن أرقم ﵁. وقال ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٤) » خرجه البخاري في صحيحه. وقال أيضا ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٥) » خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 3119

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ثم إن أحسن الكتب بعد القرآن الكريم كتب الحديث النبوية، وهي: كتب السنة كالصحيحين، والسنن الأربع وغيرها من كتب الحديث المعتمدة، فينبغي أن تعمر المجالس والحلقات بتلاوة القرآن الكريم وتعليمه، وتفقيه الناس فيه، وبدراسة كتب الحديث الشريف، والعناية بها، وتفقيه الناس فيها، وأن يتولى ذلك أهل العلم والبصيرة، الموثوق بعلمهم ودرايتهم، ونصحهم واستقامتهم. ومن الكتب المناسبة في ذلك قراءة كتاب: رياض الصالحين، والترغيب والترهيب، والوابل الصيب، وعمدة الحديث الشريف وبلوغ المرام، ومنتقى الأخبار وغيرها من كتب الحديث المفيدة. أما الكتب المؤلفة في العقيدة فمن أحسنها كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وشرحه لحفيديه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد، وهما: تيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد. ومن ذلك: مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكتاب الإيمان، والقاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، والعقيدة الواسطية، والتدمرية، والحموية، وهذه الخمسة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ومن ذلك: زاد المعاد في هدي خير العباد، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، واجتماع الجيوش الإسلامية، والقصيدة النونية، وإغاثة اللهفان من مكائد الشيطان، وكل هذه الكتب الخمسة

стр. 3120

للعلامة ابن القيم ﵀. ومن ذلك: شرح الطحاوية لابن أبي العز، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، واقتضاء الصراط المستقيم له أيضا، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، والاعتصام للشاطبي، وغيرها من كتب أهل السنة المؤلفة في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة. ومن أجمع ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والدرر السنية في الفتاوى النجدية، جمع العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀.

стр. 3121

السؤال التاسع: المزاح بألفاظ فيها: كفر أو فسق أمر موجود في بعض المجتمعات المسلمة، فحبذا لو ألقى سماحتكم الضوء على هذا الأمر، وموقف طلبة العلم والدعاة منه. الجواب: لا شك أن المزح بالكذب وأنواع الكفر من أعظم المنكرات ومن أخطر ما يكون بين الناس في مجالسهم. فالواجب الحذر من ذلك وقد حذر الله من ذلك بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢)

стр. 3122

وقد قال كثير من السلف ﵏: إنها نزلت في قوم قالوا فيما بينهم في بعض أسفارهم مع النبي ﷺ : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له (١) » رواه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح. فالواجب على أهل العلم وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات، الحذر من ذلك والتحذير منه، لما في ذلك من الخطر العظيم والفساد الكبير والعواقب الوخيمة، عافانا الله والمسلمين من ذلك، وسلك بنا وبهم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.

стр. 3123

السؤال العاشر: يخطر ببال الإنسان وساوس وخواطر وخصوصا في مجال التوحيد والإيمان، فهل المسلم يؤاخذ بهذا الأمر؟ الجواب: قد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم (١) » وثبت أن الصحابة ﵃ سألوه ﷺ عما يخطر لهم من هذه الوساس والمشار إليها في السؤال، فأجابهم ﷺ بقوله: «ذاك صريح الإيمان (٢) » ، وقال ﵊: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ورسله (٣) » ، وفي رواية

стр. 3124

أخرى «فليستعذ بالله ولينته (١) » رواه مسلم في صحيحه.

стр. 3125

السؤال الحادي عشر: بعض طلاب العلم يوصله اجتهاده إلى مخالفة أمر معلوم من الدين بالضرورة، فهل ما علم من الدين بالضرورة محل اجتهاد؟ نريد توجيه سماحتكم والعناية بهذا الأمر. الجواب: كل ما علم من الدين بالأدلة الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة فليس للاجتهاد فيه مجال، بل الواجب الإيمان به والعمل به ونبذ ما خالفه بإجماع المسلمين، ليس في هذا الأصل العظيم خلاف بين أهل العلم، وإنما الاجتهاد يكون في مسائل الخلاف التي لم تتضح أدلتها من الكتاب والسنة، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد إذا كان من أهل العلم المتأهلين للاجتهاد وبذل وسعه في طلب الحق عن صدق وإخلاص لله . ففي الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر (١) » . السؤال الثاني عشر: ما حكم من سب الله أو سب رسوله أو انتقصهما، وما حكم من جحد شيئا مما أوجب الله، أو استحل شيئا مما حرم الله؟ ابسطوا لنا الجواب في ذلك لكثرة وقوع هذه الشرور من كثير من الناس. الجواب: كل من سب الله سبحانه بأي نوع من أنواع السب، أو سب

стр. 3126

الرسول محمدا ﷺ ، أو غيره من الرسل بأي نوع من أنواع السب أو سب الإسلام، أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله ﷺ فهو كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بإجماع المسلمين لقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) الآية. وقد بسط العلامة الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀ الأدلة في هذه المسألة في كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول، فمن أراد الوقوف على الكثير من الأدلة في ذلك فليراجع هذا الكتاب لعظم فائدته ولجلالة مؤلفه، واتساع علمه بالأدلة الشرعية ﵀. وهكذا الحكم في حق من جحد شيئا مما أوجبه الله أو استحل شيئا مما حرمه الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كمن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، أو وجوب الحج في حق من استطاع السبيل إليه، أو جحد وجوب بر الوالدين أو نحو ذلك، ومثل ذلك من استحل شرب الخمر أو عقوق الوالدين، أو استحل أموال الناس ودماءهم بغير حق، أو استحل الربا أو نحو ذلك من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة وبإجماع سلف الأمة - فإنه كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بإجماع أهل العلم. وقد بسط العلماء ﵏ هذه المسائل وغيرها من نواقض الإسلام في باب حكم المرتد، وأوضحوا

стр. 3127

أدلتها فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع هذا الباب في كتب أهل العلم من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية وغيرهم، ليجد ما يشفيه ويكفي إن شاء الله. ولا يجوز أن يعذر أحد بدعوى الجهل في ذلك؛ لأن هذه الأمور من المسائل المعلومة بين المسلمين وحكمها ظاهر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 3128

السؤال الثالث عشر: كثير في هذا العصر تعاطي السحر وإتيان السحرة. فما حكم ذلك وما الطريقة المباحة لعلاج المسحور؟ الجواب: السحر من أعظم الكبائر الموبقات بل هو من نواقض الإسلام كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١)

стр. 3129

فأخبر سبحانه في هاتين الآيتين أن الشياطين يعلمون الناس السحر، وأنهم كفروا بذلك، وأن الملكين ما يعلمان من أحد حتى يخبراه أن ما يعلمانه كفر وأنهما فتنة. وأخبر سبحانه أن متعلمي السحر يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وأنهم ليس لهم عند الله من خلاق في الآخرة، والمعنى ليس لهم حظ ولا نصيب من الخير في الآخرة. وبين سبحانه أن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه بهذا السحر، وأنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله. والمراد بذلك إذنه الكوني القدري لا إذنه الشرعي؛ لأن جميع ما يقع في الوجود يكون بإذنه القدري، ولا يقع في ملكه ما لا يريده كونا وقدرا، وبين سبحانه أن السحر ضد الإيمان والتقوى. وبهذا كله يعلم أن السحر كفر وضلال وردة عن الإسلام إذا كان من فعله يدعي الإسلام، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (١) » ، فبين النبي. في هذا الحديث الصحيح: أن الشرك والسحر من السبع الموبقات أي المهلكات. والشرك أعظمها؛ لأنه أعظم الذنوب والسحر من جملته ولهذا قرنه الرسول ﷺ به؛ لأن السحرة لا يتوصلون إلى السحر إلا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بما يحبون

стр. 3130

من الدعاء والذبح والنذر والاستعانة وغير ذلك. روى النسائي ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه (١) » وهذا يفسر قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٢) قال أهل التفسير: إنهن الساحرات اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها بكلمات شركية يتقربون بها إلى الشياطين لتنفيذ مرادهم في إيذاء الناس وظلمهم. وقد اختلف العلماء في حكم الساحر هل يستتاب وتقبل توبته أم يقتل بكل حال ولا يستتاب إذا ثبت عليه السحر؟ والقول الثاني هو الصواب، لأن بقاءه مضر بالمجتمع الإسلامي والغالب عليه عدم الصدق في التوبة، ولأن في بقائه خطرا كبيرا على المسلمين. واحتج أصحاب هذا القول على ما قالوه: بأن عمر ﵁ أمر بقتل السحرة ولم يستتبهم وهو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمر الرسول ﷺ باتباع سنتهم، واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي ﵀ عن جندب بن عبد الله البجلي أو عن جندب الخير الأزدي مرفوعا وموقوفا: «وحد الساحر ضربه بالسيف (٣) » ، وقد ضبطه بعض الرواة بالتاء فقال: «حد الساحر ضربة بالسيف (٤) » ، والصحيح عند العلماء وقفه على جندب. وصح عن حفصة أم المؤمنين ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت من غير استتابة. قال الإمام أحمد ﵀: ثبت ذلك - يعني قتل الساحر - من غير استتابة عن

стр. 3131

ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني بذلك: عمر وجندبا وحفصة. وبما ذكرنا يعلم أنه لا يجوز إتيان السحرة وسؤالهم عن شيء ولا تصديقهم كما لا يجوز إتيان العرافين والكهنة، وأن الواجب قتل الساحر متى ثبت تعاطيه السحر بإقراره أو بالبينة الشرعية من غير استتابة. أما العلاج للسحر فيعالج بالرقى الشرعية والأدوية النافعة المباحة. ومن أنفع العلاج علاج المسحور بقراءة الفاتحة عليه مع النفث، وآية الكرسي، وآيات السحر في: الأعراف، ويونس، وطه، وبقراءة قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. ويستحب تكرار هذه السور الثلاث ثلاث مرات مع الدعاء الصحيح المشهور الذي كان يدعو به النبي ﷺ لعلاج المرضى وهو: «اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما (١) » ، ويكرر ذلك ثلاثا. ويدعو أيضا بالرقية التي رقى بها جبرائيل النبي ﷺ وهي: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك (٢) » ، ويكررها ثلاثا، وهذه الرقية من أنفع العلاج بإذن الله سبحانه. ومن العلاج أيضا إتلاف الشيء الذي يظن أنه عمل فيه السحر من صوف أو خيوط معقدة أو غير ذلك مما يظن أنه سبب السحر، مع العناية من المسحور بالتعوذات الشرعية ومنها التعوذ (بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ثلاث مرات صباحا ومساء وقراءة السور الثلاث المتقدمة بعد الصبح والمغرب ثلاث مرات

стр. 3132

وقراءة آية الكرسي بعد الصلاة وعند النوم. ويستحب أن يقول صباحا ومساء: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (١) » ، ثلاث مرات، لصحة ذلك كله عن النبي ﷺ ، مع حسن الظن بالله والإيمان بأنه مسبب الأسباب وأنه هو الذي يشفي المريض إذا شاء، وإنما التعوذات والأدوية أسباب والله سبحانه هو الشافي، فيعتمد على الله سبحانه وحده دون الأسباب ولكن يعتقد أنها أسباب إن شاء الله نفع بها، وإن شاء سلبها المنفعة، لما له سبحانه من الحكمة البالغة في كل شيء وهو سبحانه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما قضى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وهو سبحانه ولي التوفيق. السؤال الرابع عشر: في هذا الزمان عظم النفاق وكثر أهله وتعددت وسائلهم في محاربة الإسلام والمسلمين، فحبذا لو ألقيتم الضوء على خطر النفاق مع بيان أنواعه وذكر صفة أهله وتحذير المسلمين منهم. الجواب: النفاق خطره عظيم وشرور أهله كثيرة، وقد أوضح الله صفاتهم في كتابه الكريم في سورة البقرة وغيرها. كما أوضح صفاتهم أيضا نبيه ﷺ . قال الله سبحانه في وصفهم في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣) ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤)

стр. 3133

والآيات بعدها، وقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٢) الآية. وذكر عنهم صفات أخرى في سورة التوبة وغيرها. والخلاصة أنهم يدعون الإسلام ويتخلقون بأخلاق تخالفه وتضر أهله كما بين سبحانه في هذه الآيات وغيرها. والنفاق نوعان: اعتقادي وعملي. وما ذكر الله عن المنافقين في سورة البقرة والنساء من صفات المنافقين: النفاق الاعتقادي الأكبر. وهم بذلك أكفر من اليهود والنصارى وعباد الأوثان لعظم خطرهم وخفاء أمرهم على كثير من الناس، وقد أخبر الله عنهم سبحانه أنهم يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار. أما النفاق العملي فهو التخلق ببعض أخلاقهم الظاهرة مع الإيمان بالله وبرسوله والإيمان باليوم الآخر كالكذب والخيانة والتكاسل عن الصلاة في الجماعة. ومن صفاتهم ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان (٣) » وقوله ﷺ :

стр. 3134

«أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا (١) » ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحذر صفاتهم غاية الحذر، ومما يعين على ذلك تدبر ما ذكره الله في كتابه من صفاتهم، وما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ في ذلك. والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه، والثبات عليه، والحذر من كل ما يخالف شرعه ومن التشبه بأعدائه في أخلاقهم وأعمالهم إنه خير مسئول.

стр. 3135

نصيحة هامة إلى جميع الأمة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد: فإن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له وأرسل الرسل هذا الأمر العظيم من أولهم إلى آخرهم وأمر عباده بهذه العبادة فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) فالله خلق الخلق: الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيان هذه العبادة وإيضاحها للناس فنصيحتي لجميع المسلمين من الذكور

стр. 3136

والإناث والعرب والعجم والجن والإنس، نصيحتي للجميع أن يتفهموا هذه العبادة ويتبصروا فيها، وأن يلتزموا بها ويعملوا بها جملة وتفصيلا، وأن يحذروا الغفلة عنها والإعراض عنها فإن الإعراض والغفلة من صفات الكفرة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (٢) فليس هناك أظلم ممن أعرض عن آيات الله وعما خلق له من طاعته وعبادته. فالنصيحة لجميع المسلمين التفقه في هذه العبادة والتبصر بها ومعرفتها من طريق الكتاب والسنة أي من طريق القرآن العظيم ومن طريق أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة ثم القيام بها: علما وعملا. وهكذا النصح لجميع المكلفين من غير المسلمين في جميع الأرض بأن يدخلوا في الإسلام وأن يعرفوا هذه العبادة ويتفقهوا فيها من طريق القرآن العظيم ومن طريق السنة الصحيحة عن رسول الله ﵊ هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الإنس والجن من الكفرة والمسلمين من اليهود والنصارى والوثنيين وغيرهم. الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يعبدوا الله وأن يدخلوا في الإسلام وأن يلتزموا بالدين الذي بعث الله به نبيه محمدا ﵊ لأن الله بعثه إلى الناس جميعا جنهم وإنسهم عربهم وعجمهم ذكورهم وإناثهم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤)

стр. 3137

وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) فجميع العالمين من جن وإنس فمن عرب وعجم ومن كفار ومسلمين يجب على أهل العلم دعوتهم، فمن قبل الدعوة واستقام عليها حصلت له السعادة والرحمة الكاملة والهداية المطلقة والفوز بالجنة والنجاة من النار ومن أعرض عنها واستكبر فله الخيبة والندامة والعاقبة الوخيمة والعذاب الأليم يوم القيامة، وهذه العبادة التي خلق الثقلان لأجلها هي الحكمة في خلق الجن والإنس وهي الإسلام المذكور في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) فالإسلام هو دين الله الذي بعث الله نبيه ﵊ لتبليغه وهو الدين المذكور في قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) وفي قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) فهذه العبادة هي الإسلام سمي عبادة لأنه ذل وخضوع لله سبحانه وسمي هذا الدين الإسلام لأنه خضوع لله وانقياد لأمره سبحانه فالعبد يفعل أوامر الله وينتهي عن نواهيه عن ذل وخضوع وهذا هو الإسلام وهذه هي العبادة خضوعك لله وانقيادك لأوامره

стр. 3138

وترك نواهيه عن إيمان به سبحانه وعن إخلاص له وعن تعظيم له وعن رغبة فيما عنده هذا هو الإسلام، يقال أسلم أي ذل وانقاد، وأسلم لفلان أي ذل له وانقاد له، وأسلم لله ذل وانقاد وأطاع وهذه العبادة هي الخضوع لله والذل لله بطاعة أوامره وترك نواهيه ، يقول العرب: طريق معبد يعني مذلل قد وطئته الأقدام وصار معبدا معروفا ويقولون جمل معبد يعني مذلل قد شد عليه ورحل. فالعبادة عند العرب الذل والخضوع فسمى الله تكاليفه عبادة لأنها تؤدى بالذل والخضوع لله وسماها إسلاما لأنها تؤدى أيضا بالذل والخضوع لله سبحانه فهي إسلام وهي عبادة وسماها تقوى قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (٢) سماها تقوى لأن العبد يفعلها يتقي بها غضب الله ويتقي بها عقابه وهو يفعل أوامر الله وينتهي عن نواهيه مسلما منقادا خاضعا ذليلا يرجو رحمة ربه ويخشى عقابه ويتقي بذلك سوء المنقلب فلهذا سمى الله دينه تقوى وهو إيمان أيضا سمي إيمانا لأنه تصديق لله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٣) الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)

стр. 3139

فهذه العبادة وهذا الإسلام كلاهما يسمى إيمانا لأنهما إيمان بالله ورسوله وتصديق بما أخبر الله به ورسوله وتصديق بأوامر الله وتصديق بما نهى عنه، فهو إيمان، ويسمى هدى لأن الله يهدي به من الضلالة ويرشد به إلى أسباب السعادة فهو هدى لمن التزم به واستقام عليه واهتدى به إلى الحق والصواب وسلم من البلاء والشر والفساد كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١) هذا هو الهدى هو دين الله وهو الإسلام وهو التقوى وهو الإيمان سماه الله إسلاما وإيمانا وسماه الله تقوى كلها أسماء حق وكلها معانيها واضحة فهو هدى من الله يهدي به من يشاء لأداء حقه وترك معصيته وتنفيذ أوامره وترك نواهيه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) وقال سبحانه في الفاتحة أعظم سورة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) وقال في وصف نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) فدين الله هدى، هدى من الضلالة وهدى من كل سوء وهدى إلى الخيرات وهدى إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وهدى إلى كل ما يرضي الله ويقرب لديه وهدى إلى كل ما يباعد عن غضب الله وعقابه وهو أيضا يسمى برا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٥) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٧) الآية فهو بر لما

стр. 3140

فيه من الخصال الحميدة والأعمال المجيدة لله ولهذا سمي برا لأنه طاعة لله وقيام بحقه وترك لمناهيه فهو بر وهدى بر ورشد إيمان وتقوى فالواجب على جميع العالمين من الجن والإنس من الذكور والإناث من الكفرة والمسلمين أن يلتزموا به فمن دخل فيه يجب أن يلتزم به ويستقيم عليه ويتفقه فيه ومن لم يدخل فيه فالواجب عليه الدخول فيه والتوبة إلى الله مما هو عليه من الباطل والدخول في دين الله الذي هو الإسلام وهو الهدى وهو الإيمان وهو التقوى وهو البر وهو طاعة الله ورسوله وهو الإخلاص لله وهو توحيد الله بترك الإشراك به والقيام بحقه والاستقامة على دينه هذا هو الإسلام وهذا هو البر والتقوى وهذا هو الهدى وهذا هو الإيمان. وهذا هو دين الله الذي بعث به الرسل وأنزل به الكتب وأنزل به القرآن العظيم وجاءت به السنة الصحيحة عن رسول الله ﵊، فأعظم واجب وأهم واجب وألزم واجب أن تعرف هذه الحقيقة وأن تعرف دين الله حتى تعبده وحده وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله التي دعا إليها النبي ﷺ وأرشد إليها فقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله (١) » ، وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (٢) » ، فإن من قالها عن إيمان أدى بقية الأمور ومن قالها عن إيمان فقد دخل في العبادة التي خلق لها وجاء بأصلها وأساسها وعليه أن يلتزم مع ذلك بأن يشهد أن محمدا رسول الله وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله

стр. 3141

عن المرسلين الماضين وعن كتب الله وعما أخبر الله به في كتابه عن الجنة والنار واليوم الآخر وعن كل ما أخبر الله به ورسوله كله داخل في هذه العبادة، وفي هذا الإيمان - فالدعوة إلى توحيد الله دعوة إلى الدين كله فإن من دخل في توحيد الله والتزم بالإخلاص لله لزمه أن يؤدي ما أوجبه الله عليه من الحقوق وأن يدع ما حرم الله عليه فهي فروع ومكملات لهذا الأساس - فلا بد من توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به - هذا أول واجب وأهم واجب - ولهذا بدأ به النبي ﷺ في أهل مكة وفي غيرهم - كان أول شيء يدعو إليه الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به هذا هو أول واجب وأعظم واجب، والدعوة الإيمان به وأنه رسول الله حقا - ثم بعد ذلك الدعوة إلى بقية أمور الإسلام من الصلاة وغيرها. ولما بعث النبي ﷺ معاذا ﵁ إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (١) » ، وفي رواية أخرى: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (٢) » فأمره أن يدعوهم أولا إلى توحيد الله والإخلاص له إلى عبادة الله وحده إلى ترك الإشراك به هذا هو أول واجب، وهذه هي العبادة التي خلق الله لها الناس كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)

стр. 3142

المعنى يوحدوني ويطيعوا أمري ذلا وخضوعا وانكسارا وإيمانا وتصديقا وأن يؤدوا ما أمرتهم به من الطاعات وترك المعاصي، هذه هي العبادة التي خلقهم الله لها ليعبدوه وليخصوه بالعبادة بفعل الأوامر وترك النواهي وأعظمها وأهمها أن يخصوه بالعبادة ويؤمنوا بأنه الواحد الأحد المستحق للعبادة دون كل ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) فالتوحيد هو أول واجب وأعظم واجب أن تؤمن بأنك عبد الله وأنك يجب عليك أن تخصه بالعبادة وأنه إلهك الحق ومعبودك الحق وأن تؤمن برسوله محمد ﷺ وتشهد أنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس وتشهد أيضا أنه خاتم الأنبياء وليس بعده نبي ولا رسول وعليك مع هذا أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله هذا هو أصل الأصول وهذا هو الواجب على كل مكلف من جن وإنس من رجال ونساء من عرب وعجم من كافر ومسلم من جميع الثقلين وجميع المكلفين عليهم أن يعبدوا الله وحده وعليهم أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله وبأن محمدا رسول الله وأنه خاتم الأنبياء وأن ما جاء به هو الحق وأن الواجب اتباعه والسير على منهاجه حتى تلقى ربك. هذه هي العبادة التي خلقت لها وهذا هو الدين وهذا هو التقوى وهذا هو الإيمان وهذا هو الإسلام

стр. 3143

وهذا هو البر، كلمات لها معاني من حيث اللغة ترجع إلى شيء واحد وهو أن ذلك هو دين الله فهو الإسلام وهو الهدى وهو التقوى وهو البر وهو الإيمان وهو العبادة لله وحده وهذه المعاني كلها واضحة فهو عبادة لأنه خضوع لله وإسلام، لأنه ذل وانقياد لله وتقوى لأن العبد يتقي بذلك غضب الله، وإيمان لأنه تصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله وهدى لأن الله هدى به العباد إلى الخير والصلاح وبر لأنه كله خير وكله سبب للسعادة ولهذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) لأن المتقين هم المسلمون هم المؤمنون وهم الذين عبدوا الله وحققوا معنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) وذلك لتقواهم لله وقيامهم بحقه وإخلاصهم له وإيمانهم بأنه معبودهم الحق وإيمانهم برسوله محمد ﵊ وإيمانهم بكل ما أخبر الله به ورسوله في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الأمين ﵊ فلا يتم إسلام ولا إيمان إلا بهذا ولا بد من شهادة أن لا إله إلا الله وأنه لا معبود حق إلا الله وأن جميع ما يعبده الناس من دون الله كله باطل قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٤) ولا بد من الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما يكون وعن الرسل الماضين وعن الجنة والنار وعن أخبار القيامة وعن الحساب

стр. 3144

والجزاء إلى غير ذلك لا بد أن تصدق بكل ما أخبر الله به مما جاء في القرآن أو صحت به السنة عن رسول الله ﵊ على حسب ما أعطاك الله من العلم، ثم بعد هذا الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله وتوحيد الله والإخلاص له والإيمان بأسمائه وصفاته وإمرارها كما جاءت عن الله وعن رسوله بلا كيف ولا تحريف ولا تمثيل كما قال أهل السنة والجماعة، بعد هذا أنت يا عبد الله مأمور بالالتزام بما أوجب الله على عبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج وغير ذلك وعليك أن تمتثل بكل ما أمر الله به ورسوله وأن تبتعد عن كل ما نهى الله عنه ورسوله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (١) فهو خطاب للناس كلهم جنهم وإنسهم عربهم وعجمهم يعم الكفار ويعم المسلمين، ومعنى اتقوا ربكم افعلوا أوامره واتركوا نواهيه طلبا لمرضاته وحذرا من عقابه فكلهم ملزمون بالتقوى في جميع الأحوال. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) فلا بد من عبادته سبحانه بإخلاص وصدق في العبادة له وطاعة أوامره وترك نواهيه وقد يخص سبحانه المؤمنين بالأمر فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣) في آيات كثيرات لأن المؤمنين هم بعض الناس المأمورين بالتقوى، فالواجب عليهم أعظم لأنهم آمنوا بالله ورسوله وعليهم أن يكملوا هذا الإيمان وأن يلتزموا به

стр. 3145

حتى الموت كما قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) فالواجب على المكلف المسلم أن يلتزم بهذا الإسلام حتى الموت، وأن يلزم نفسه بهذا التقوى لله وطاعته حتى الموت، وعلى الكافر أن يدخل في الإسلام، وأن يبادر بذلك قبل أن يحل الأجل. والإسلام هو دين الله الذي بعث به محمدا ﵊ وجميع المرسلين كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) ومحمد ﷺ هو رسول الله لأهل الأرض جميعا من عرب وعجم وجن وإنس وهو خاتم الأنبياء والمرسلين. فعلى جميع الكفار من يهود ونصارى وغيرهم أن يبادروا بالدخول في الإسلام وأن يلتزموا من حين بعثه الله إلى يوم القيامة عليهم أن يلتزموا بذلك ويعملوا به وعلى جميع الجن والإنس والعرب والعجم والذكور والإناث والأغنياء والفقراء عليهم جميعا أينما كانوا في أرض الله أن يعبدوا الله وحده، وأن يلتزموا بشريعة الإسلام التي بعث الله بها نبيه محمدا ﵊ كما تقدم في قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦) وفي قوله سبحانه:

стр. 3146

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) ثم وعدهم سبحانه بالنجاة والسعادة والفلاح فقال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فالمفلحون هم أتباعه ﵊ المتمسكون بشريعته والمستقيمون على دينه - ومما تقدم تعلم أن أهم الواجبات وأهم الفرائض هو أن تعبد الله وحده بهذه العبادة التي خلقك الله لها وأمرك بها في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) وفي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) فأنت ما خلقت لتأكل وتشرب ما خلقت لبناء القصور أو غرس الأشجار أو شق الأنهار أو النكاح ونحو ذلك لا، فأنت مخلوق لتعبد ربك وأنت مخلوق لتستقيم على طاعته وتتابع رسوله ﵊، فعليك أن تستقيم على طاعته سبحانه وأن تتبع رسوله ﷺ فأنت مخلوق لهذا، وكل ما في الأرض خلق لك لتستعين به على طاعة الله وترك معاصيه، ولم يخلق لك لتستعين به على شهواتك كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٦) فلم تخلق سدى ولا عبثا قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٧) أي: أيظن

стр. 3147

أن يترك سدى أي مهملا معطلا لا، بل خلق لأمر عظيم وهو: عبادة الله وطاعته، وقال تعالى منكرا على المشركين: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١) أنكر الله عليهم هذا الحسبان وهذا الظن لكونه باطلا. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (٢) فهذا ظن الكافرين فأوضح الله سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحق ليعرف الناس بنفسه وقدرته العظيمة وأنه المستحق لأن يعبد. فعليك يا عبد الله أن تعرف ربك بأسمائه وصفاته ومخلوقاته العظيمة وأنه هو معبودك الحق ولتعمل بذلك فكثير من الكفار بل أكثرهم قد عرفوا أن الله ربهم وأنه خالقهم ورازقهم ولكن لم يعبدوه وحده بل أشركوا معه غيره فصاروا إلى النار. فلا بد أن تعرف ربك ولا بد مع المعرفة أن تعبده وحده بالإخلاص دون كل من سواه وأن تؤدي حقه وتترك الشرك به ومعصيته، لا بد من هذا كله، فكفار قريش وغيرهم يعرفون ربهم، ويعرفون أن الله خالقهم ورازقهم كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) الآيات. لكن كفروا بشركهم بالله وعبادتهم الأصنام والأولياء مع الله ونحو ذلك، وامتناعهم عن طاعة الرسول ﷺ ، وتصديقه في عبادة الله وجده فصاروا كفارا بذلك، فلا بد أن تؤمن بالله ربا وإلها ومعبودا بالحق، ولا بد

стр. 3148

أن تؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا بد من تصديق رسوله ﷺ فيما جاء به. وعلى هذا الأصل الأصيل تؤدي حقه من صلاة وصيام وغير ذلك من العبادات وتدع معصيته من الشرك بالله وسائر المعاصي فالتوحيد الذي خلقت له والعبادة التي خلقت لها أن تؤمن بأن الله ربك وخالقك ورازقك ورب كل شيء ومليكه، وأن تخصه بالعبادة من دعاء وخوف ورجاء وذبح ونذر وصلاة وصوم وغير هذا من العبادات تخص الله وحده بذلك دون كل ما سواه قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) فلا بد من هذا الأمر وهو أن تخص الله بالعبادة صلاتك وصومك وذبحك ونذرك ودعائك وخوفك ورجاؤك إلى غير ذلك ولا بد مع هذا من الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن العظيم والثابتة في السنة الصحيحة عن رسول الله ﵊ فلا بد من الإيمان بأسمائه وصفاته ولا بد من إمرارها كما جاءت على الوجه اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فلا تؤولها ولا تنفها بل عليك أن تؤمن بها وأن تمرها كما جاءت وكما درج على هذا سلف الأمة

стр. 3149

من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان من أهل السنة والجماعة فإنهم قد آمنوا بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم وآمنوا بأن الله معبودهم الحق وآمنوا بأسمائه وصفاته. وهذه هي أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية الإيمان بأنه الخلاق الرزاق المدبر للأمور الذي أقر به المشركون ولكن لم يدخلوا في الإسلام بذلك لعدم عبادتهم لله وحده، وعدم تخصيصهم له سبحانه بالعبادة بل أشركوا به غيره. ولا بد من توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله، وهو: أنه لا معبود حق إلا الله، لا بد من هذا التوحيد والإخلاص لله في أقوالك وأعمالك وعقيدتك لا بد أن تخص الله بالعبادة، وأن تؤمن بأنه المعبود الحق وأن العبادة لا تصح لغيره أبدا لا للأنبياء ولا لغيرهم ولا بد من الإيمان بأسمائه وصفاته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) لا بد أن تؤمن بأسمائه وصفاته، وتعبده بذلك هو: أن تنفي عنها جميع التشبيه والتمثيل والتحريف ولا بد مع ذلك من طاعة الأوامر وترك النواهي، فعليك أن تؤمن بهذا الأصل الأصيل ثم تنقاد لشرع الله بفعل الأوامر وترك النواهي عن إيمان وعن علم وعن بصيرة وصدق وإخلاص، وقد عبر عنها سبحانه بالإيمان والعمل الصالح في آيات أخرى وعبر عن دينه بالإسلام، وعبر عنه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣)

стр. 3150

لأنه يؤدى بالذل والخضوع لله فسمي إسلاما وعبادة، لأن العبد يؤديه بالخضوع والذل لله، وعبر عنه بالتقوى لأن العبد يؤديه متق بذلك ربه ويخاف عقوبته، وسماه إيمانا لأن العبد يؤدي ذلك عن إيمان وعن تصديق لا عن شك وريب بل يؤدي هذه العبادات وهذه الأعمال عن إيمان بالله وحده، وأنه ربه ومعبوده الحق وأنه مستحق لذلك وهو يؤديها عن إيمان وعن صدق وسماه برا لما فيه من الخير العظيم والسعادة، فهو بر، وسماه هدى لما فيه من الخير أيضا لأنه يهدي إلى الخير ويوصل إلى الخير وإلى أسباب السعادة وفي آيات أخرى عبر عن ذلك بالإيمان والعمل الصالح فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (١) فالمؤمنون الذين عملوا الصالحات هم أهل التقوى وهم المسلمون وهم الصالحون وهم الذين عبدوا الله حق عبادته قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٢) كما أنهم هم المتقون في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٤) وهم الأبرار كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (٦) فهم الأبرار وهم أهل التقوى

стр. 3151

وهم أهل الإيمان وهم المسلمون وهم الذين عبدوا الله وحده قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات الموعودون بالنصر والتأييد والاستخلاف في الأرض هم المسلمون حقا وهم المؤمنون وهم الأبرار وهم الصالحون وهم الذين عبدوا الله كما ترى واستقاموا على دينه، عبدوه واتقوه وعنت وجوههم له فالعبارات متنوعة والحقيقة واحدة فالمؤمنون والمتقون والأبرار والمسلمون والمهتدون هم الذين أطاعوا الله ورسوله وهم الذين وحدوا الله وخصوه بالعبادة وآمنوا به حقا واعترفوا بأنه ربهم ومعبودهم الحق وانقادوا لشريعته سماهم سبحانه مؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) الآية. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (٤) فالعمل الصالح من الإيمان لأن الإيمان قول وعمل فإذا أطلق الإيمان فهو قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي فلهذا

стр. 3152

عبر سبحانه عن دينه بالإيمان فقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١) وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله - يعني مع الشهادة بأن محمدا رسول الله - وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٣) » . فدين الله هو الإيمان وهو الإسلام وهو الهدى وهو التقوى وهو البر كما تقدم بيان ذلك فعليك أن تنتبه لهذا وعليك أن تحذر أن يشتبه عليك هذا الأمر وأن تظنه اختلافا يغير المعنى فليس الأمر كذلك بل هو شيء واحد تنوعت عنه العبارات بحسب المعاني، فإن دين الله الذي بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام وبعث به خاتمهم محمد ﷺ هو الإسلام وهو الإيمان وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو الإيمان والعمل الصالح فافهم هذا جيدا. فالنصيحة لكل مؤمن ولكل مسلم بل لجميع المكلفين في الدنيا أن يتفقهوا في هذا الأمر وأن يتبصروا وأن يلزموا هذا الدين ويستقيموا عليه حتى الموت فهو طريق النجاة وهو طريق السعادة وهو طريق النصر فمن أراد النجاة فعليه بهذا الدين، ومن أراد النصر في الدنيا والعزة في الآخرة فعليه بهذا الدين ومن أراد الجنة فعليه بهذا الدين، ومن أراد الأمن في الدنيا والسعادة في الآخرة فعليه بهذا الدين وأن يلتزم به. فنصيحتي لجميع الدول المنتسبة للإسلام أن تتقي الله وأن تلتزم بهذا الإسلام حقا لا بالدعوى وأن تعبد الله وحده وأن تلزم شعوبها بعبادة الله وحده،

стр. 3153

وأن تحذر عباد أصحاب القبور أو الأصنام أو الأحجار أو الأشجار أو غير ذلك من سائر المخلوقات فالعبادة حق لله وحده لا يعبد مع الله أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ﵃ ولا أهل البيت ولا غيرهم ولا البدوي ولا الحسين ولا الشيخ عبد القادر الجيلاني ولا غيرهم. فالعبادة حق الله وحده لا يجوز صرف شيء منها لغيره كائنا ما كان كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يعبدوا الله وحده دون كل ما سواه فالأنبياء حقهم أن يتبعوا وأن يصدقوا عليهم الصلاة والسلام وأن يحبوا في الله وأن ينقاد كل قوم لنبيهم، وعلى هذه الأمة أمة محمد أن تنقاد لما جاء به نبيها محمد ﷺ ، وأن تلتزم به وأن تصدق بكل ما أخبر به الله ورسوله عن الماضين وعما سيأتي، وأن تستقيم على دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﷺ وأن تلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة في أقوالها وأعمالها وأن تحكم شرع الله فيما بينها. هذا هو الواجب على جميع المسلمين وعلى جميع الدول الإسلامية أن تلتزم بذلك وأن تحكم شرع الله في عباد الله، وأن تقيم حدود الله في أرض الله هذا هو واجبهم جميعا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)

стр. 3154

ويقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) فليس هناك شيء أحسن من حكم الله أبدا وفي حكم الله السعادة والأمن والنصر في الدنيا والآخرة، فالواجب على ولاة الأمور أن يدعوا إلى حكم الله ويلتزموا به وعلى كل مسلم أن ينقاد إلى حكم الله ويرضى به ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) هذا من الأساس فإذا عبدوه وحده وعملوا الصالحات وانقادوا لحكمه واستقاموا على الإيمان قولا وعملا استخلفهم الله ونصرهم وأيدهم كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ثم بين من هم المنصورون فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) يعني بعد توحيد الله فإنهم إذا وحدوا الله وآمنوا به وبرسوله ﷺ : نفذوا شرائعه من صلاة وصوم وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ويدخل في المعروف الصيام والحج والجهاد وترك المحرمات وإلزام الناس بكل ما أمر الله به ورسوله كل ذلك داخل في المعروف. ويدخل في النهي عن المنكر النهي عن كل ما نهى الله كالشرك بالله

стр. 3155

وغيره من سائر المعاصي فهؤلاء هم أهل الإيمان وهم الذين ينصرون في الدنيا والآخرة ينصرون في الدنيا بجعلهم خلفاء في الأرض وتمكينهم في الأرض ضد أعدائهم وفي الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢) نعوذ بالله من ذلك. ويقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) آمنوا دخلوا في الإسلام واستقاموا على دين الله وتركوا الشرك وانقادوا للحق فكل معصية تسمى ظلما والظلم هنا هو الشرك كما فسره النبي ﷺ بذلك، فهم آمنوا وأخلصوا لله العبادة وتركوا الشرك وانقادوا لما أمر الله به ورسوله لأنه لا يتم إيمانهم إلا بطاعة الله ورسوله ولهذا قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤) بسبب إيمانهم الصحيح وسلامتهم من الشرك وكل معصية تنقص الأمن وتنقص الهداية، فمن آمن إيمانا كاملا بطاعة الله ورسوله وتوحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به وترك المعاصي صار الأمن في حقه كاملا وصارت الهداية كاملة في الدنيا والآخرة. أما من تعاطى شيئا من المعاصي فإن أمنه ينقص بذلك وهدايته تنقص بحسب ما عنده من المعاصي والشرور كما دلت على ذلك النصوص الأخرى من الكتاب والسنة، لكن ما دام على التوحيد فهو من أهل الأمن وهو من أهل الهداية وإن
следующие страницы →