وهم أهل الإيمان وهم المسلمون وهم الذين عبدوا الله وحده قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١)
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات الموعودون بالنصر والتأييد والاستخلاف في الأرض هم المسلمون حقا وهم المؤمنون وهم الأبرار وهم الصالحون وهم الذين عبدوا الله كما ترى واستقاموا على دينه، عبدوه واتقوه وعنت وجوههم له فالعبارات متنوعة والحقيقة واحدة فالمؤمنون والمتقون والأبرار والمسلمون والمهتدون هم الذين أطاعوا الله ورسوله وهم الذين وحدوا الله وخصوه بالعبادة وآمنوا به حقا واعترفوا بأنه ربهم ومعبودهم الحق وانقادوا لشريعته سماهم سبحانه مؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) الآية. وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (٤)
فالعمل الصالح من الإيمان لأن الإيمان قول وعمل فإذا أطلق الإيمان فهو قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي فلهذا
стр. 3152
عبر سبحانه عن دينه بالإيمان فقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١) وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله - يعني مع الشهادة بأن محمدا رسول الله - وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (٣) » .
فدين الله هو الإيمان وهو الإسلام وهو الهدى وهو التقوى وهو البر كما تقدم بيان ذلك فعليك أن تنتبه لهذا وعليك أن تحذر أن يشتبه عليك هذا الأمر وأن تظنه اختلافا يغير المعنى فليس الأمر كذلك بل هو شيء واحد تنوعت عنه العبارات بحسب المعاني، فإن دين الله الذي بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام وبعث به خاتمهم محمد ﷺ هو الإسلام وهو الإيمان وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو الإيمان والعمل الصالح فافهم هذا جيدا.
فالنصيحة لكل مؤمن ولكل مسلم بل لجميع المكلفين في الدنيا أن يتفقهوا في هذا الأمر وأن يتبصروا وأن يلزموا هذا الدين ويستقيموا عليه حتى الموت فهو طريق النجاة وهو طريق السعادة وهو طريق النصر فمن أراد النجاة فعليه بهذا الدين، ومن أراد النصر في الدنيا والعزة في الآخرة فعليه بهذا الدين ومن أراد الجنة فعليه بهذا الدين، ومن أراد الأمن في الدنيا والسعادة في الآخرة فعليه بهذا الدين وأن يلتزم به. فنصيحتي لجميع الدول المنتسبة للإسلام أن تتقي الله وأن تلتزم بهذا الإسلام حقا لا بالدعوى وأن تعبد الله وحده وأن تلزم شعوبها بعبادة الله وحده،
стр. 3153
وأن تحذر عباد أصحاب القبور أو الأصنام أو الأحجار أو الأشجار أو غير ذلك من سائر المخلوقات فالعبادة حق لله وحده لا يعبد مع الله أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ﵃ ولا أهل البيت ولا غيرهم ولا البدوي ولا الحسين ولا الشيخ عبد القادر الجيلاني ولا غيرهم.
فالعبادة حق الله وحده لا يجوز صرف شيء منها لغيره كائنا ما كان كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يعبدوا الله وحده دون كل ما سواه فالأنبياء حقهم أن يتبعوا وأن يصدقوا عليهم الصلاة والسلام وأن يحبوا في الله وأن ينقاد كل قوم لنبيهم، وعلى هذه الأمة أمة محمد أن تنقاد لما جاء به نبيها محمد ﷺ ، وأن تلتزم به وأن تصدق بكل ما أخبر به الله ورسوله عن الماضين وعما سيأتي، وأن تستقيم على دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﷺ وأن تلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة في أقوالها وأعمالها وأن تحكم شرع الله فيما بينها.
هذا هو الواجب على جميع المسلمين وعلى جميع الدول الإسلامية أن تلتزم بذلك وأن تحكم شرع الله في عباد الله، وأن تقيم حدود الله في أرض الله هذا هو واجبهم جميعا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)
стр. 3154
ويقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) فليس هناك شيء أحسن من حكم الله أبدا وفي حكم الله السعادة والأمن والنصر في الدنيا والآخرة، فالواجب على ولاة الأمور أن يدعوا إلى حكم الله ويلتزموا به وعلى كل مسلم أن ينقاد إلى حكم الله ويرضى به ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)
هذا من الأساس فإذا عبدوه وحده وعملوا الصالحات وانقادوا لحكمه واستقاموا على الإيمان قولا وعملا استخلفهم الله ونصرهم وأيدهم كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ثم بين من هم المنصورون فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) يعني بعد توحيد الله فإنهم إذا وحدوا الله وآمنوا به وبرسوله ﷺ : نفذوا شرائعه من صلاة وصوم وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ويدخل في المعروف الصيام والحج والجهاد وترك المحرمات وإلزام الناس بكل ما أمر الله به ورسوله كل ذلك داخل في المعروف.
ويدخل في النهي عن المنكر النهي عن كل ما نهى الله كالشرك بالله
стр. 3155
وغيره من سائر المعاصي فهؤلاء هم أهل الإيمان وهم الذين ينصرون في الدنيا والآخرة ينصرون في الدنيا بجعلهم خلفاء في الأرض وتمكينهم في الأرض ضد أعدائهم وفي الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢) نعوذ بالله من ذلك.
ويقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) آمنوا دخلوا في الإسلام واستقاموا على دين الله وتركوا الشرك وانقادوا للحق فكل معصية تسمى ظلما والظلم هنا هو الشرك كما فسره النبي ﷺ بذلك، فهم آمنوا وأخلصوا لله العبادة وتركوا الشرك وانقادوا لما أمر الله به ورسوله لأنه لا يتم إيمانهم إلا بطاعة الله ورسوله ولهذا قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤) بسبب إيمانهم الصحيح وسلامتهم من الشرك وكل معصية تنقص الأمن وتنقص الهداية، فمن آمن إيمانا كاملا بطاعة الله ورسوله وتوحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به وترك المعاصي صار الأمن في حقه كاملا وصارت الهداية كاملة في الدنيا والآخرة.
أما من تعاطى شيئا من المعاصي فإن أمنه ينقص بذلك وهدايته تنقص بحسب ما عنده من المعاصي والشرور كما دلت على ذلك النصوص الأخرى من الكتاب والسنة، لكن ما دام على التوحيد فهو من أهل الأمن وهو من أهل الهداية وإن
стр. 3156
جرى عليه خطوب وإن عذب بمعاصيه لكن مصيره في النهاية إلى الجنة إذا مات على التوحيد والإيمان وإن دخل النار يعذب على قدر معاصيه ثم يخرج منها إلى الجنة خلافا للخوارج والمعتزلة، فالخوارج والمعتزلة يقولون: من دخل النار لا يخرج منها أبدا وهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ولإجماع الأمة فإن أهل السنة والجماعة يقولون: قد يدخل العاصي في النار كما جاءت به النصوص ويعذب بمعاصيه لكن يخرج منها بعد التطهير والتمحيص، إذا كان مسلما موحدا دخل النار بمعاصيه كالزنا والعقوق وشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك إذا مات على ذلك ولم يتب فقد يعذب وقد يعفو الله سبحانه عنه لأسباب كثيرة وقد يعذب في النار على قدر هذه الجرائم التي مات عليها ثم بعد ما يطهر بالنار من هذه الجرائم يخرجه الله من النار كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊ وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة.
ويشفع النبي ﷺ عدة شفاعات في العصاة من أمته الذين دخلوا النار ويخرجهم الله بشفاعته، ويشفع الأنبياء والمؤمنون والأفراط والملائكة وكلهم يشفعون ولا يبقى في النار مخلدا فيها إلا أهل الشرك بالله والكفر به فإنهم هم الذين يبقون في النار مخلدين أبد الآباد كما قال الله سبحانه في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١) وقال في سورة المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢)
стр. 3157
وقال في سورة النبأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وأما عصاة الموحدين الذين ماتوا على الإسلام ولكن لهم معاصي لم يتوبوا منها فإنهم لا يخلدون في النار إن دخلوها بل يعذبون فيها تعذيبا مؤقتا وقد يخلدون فيها تخليدا مؤقتا فإن الخلود خلودان خلود دائم وهذا للكفار وحدهم، وخلود مؤقت لبعض العصاة وقد يطول بقاؤهم في النار لشدة معاصيهم وكثرتها ثم بعد المدة التي كتبها الله عليهم يخرجهم الله من النار إلى الجنة كما جاء ذلك في القاتل والزاني لكنه خلود مؤقت له نهاية إذا مات على التوحيد وإنما الخلود الدائم والأبدي للكفار الذين ماتوا على الكفر بالله من اليهود والنصارى والوثنيين وغيرهم نعوذ بالله من حالهم.
فيا أيها المسلمون ويا أيها المكلفون بادروا بتقوى الله والتوبة إليه، بادروا بالإيمان الصادق والعمل الصالح بادروا بالالتزام بالإسلام قبل أن تندموا غاية الندامة وقبل أن يعض أحدكم على يديه ندما ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (٢) يجب على كل مكلف في أرجاء الدنيا لم يدخل في الإسلام أن يبادر بالدخول فيه قبل أن يهجم عليه الأجل فيندم غاية الندامة ومصيره إلى النار وبئس المصير، قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (٣) ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ (٤) ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٥)
стр. 3158
وقال في سورة الفجر: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (١) ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (٢) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ (٣) ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٤)
فاحذر يا عبد الله أن تعض على يديك ندما يوم القيامة بسبب كفرك أو تفريطك في حق الله، احذر وبادر وسارع إلى الخير اليوم قبل الموت فالزم الحق بتوحيد الله والإخلاص له وحقق العبادة التي خلقت لها، حقق الإسلام الذي خلقت له فأنت مخلوق لعبادة الله وهي الإسلام وهي التقوى وهي الهدى وهي طاعة الله ورسوله حقق هذه العبادة وحقق هذا الإسلام واستقم عليه قبل أن تموت وقبل أن يحال بينك وبين ذلك وأنت لا تدري متى يجيء الأجل، كل واحد منا لا يدري متى يجيئه الأجل فقد يصبحه أو يمسيه ولا يدري أيضا ما هي الأسباب التي تكون سببا لموته، فالحزم كل الحزم في البدار إلى طاعة الله والتوبة إليه والاستقامة على ذلك حتى الموت.
فاتق الله يا عبد الله وبادر إلى الحق قبل أن يهجم الأجل وسارع إلى طاعة الله ورسوله والفقه في دين الله وتعلمه لقول النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٥) » ، ويقول ﵊: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٦) » متفق على صحته. فليتق الله كل مسلم ولينظر في أعماله هل هو على طريق الله وهل هو على ما
стр. 3159
كان عليه أصحاب رسول الله من السلف الصالح من توحيد الله وطاعته والإيمان به سبحانه والإيمان بأسمائه وصفاته ولينظر إن كان على بدعة فليحذرها.
ولينظر كل إنسان ما هو عليه هل هو على طريق الله الذي جاء به محمد وهل هو موحد لله، وهل هو يعبده وحده دون كل ما سواه، وهل أدى أوامره وترك نواهيه، لينظر كل إنسان في هذا ويحاسب نفسه، يجب أن ينظر ويتقي الله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (١) انظر يا عبد الله ماذا قدمت، وانظري يا أمة الله ماذا قدمت، فالمؤمن ينظر، والشيعي ينظر، وأي منتسب لطائفة من الطوائف ينظر: أنصار السنة والإخوان المسلمون الجماعة الإسلامية وجماعة التبليغ أي جماعة، كل واحد منهم ينظر ماذا قدم وما هو عليه هل هو على طريق الهدى وهل هو على طريق محمد أم لا، كل واحد ينظر في عمله ولا يقلد لأن التقليد خطر ويحدث التعصب وقد يكون هذا التعصب بغير علم وهذا لا يجوز، يجب طاعة الله ورسوله يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢) ما قال: أطيعوا فلانا ولا فلانا، بل حدد سبحانه الطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) يعنى إذا تنازعتم
стр. 3160
مع أولي الأمر أو مع العلماء أو مع الأمراء أو مع فلان وفلان أو مع أولادك أو مع شيخك أو مع أميرك أو مع زوجتك فيرد الأمر إلى الله وإلى الرسول.
فلا يرد الأمر إلى الهوى ولا يرد إلى زيد أو عمر لا بد أن ترد الأمور إلى الله سبحانه وإلى رسوله ﷺ فإذا أمرك أولي الأمر أو الأمير بأمر يخالف شرع الله فلا طاعة له إنما الطاعة في المعروف، وإذا طلبت منك زوجتك أو أبوك أو أمك شيئا يخالف شرع الله فلا يجاب هذا الطلب ولكن بالحكمة وبالكلام الطيب تعتذر من أبيك أو من أمك أو من ولي الأمر أو من زوجتك بالأسلوب الحسن وتقنعهم بما شرع الله، قل: قال الله، قال رسوله لا يجوز أن أطيعكم في معصية الله يا والدي لك حق علي كبير لكن ما يجوز أن أطيعك في شرب الخمر، ما يجوز أن أطيعك في الربا ما يجوز أن أطيعك في كذا وكذا من معاصي الله.
وهكذا مع الأمير وهكذا مع الأم وهكذا مع الزوجة وهكذا مع أخيك الكبير وهكذا مع شيخ القبيلة وهكذا مع الجميع، لا تطع أحدا في معصية الله أبدا، طاعة الله مقدمة على الجميع فمن أمرك بطاعة الله فعلى العين والرأس سمعا وطاعة في طاعة الله وإن كان دونك وإن كان ولدك إذا قال: يا والدي اتق الله دع الربا قل: سمعا وطاعة، إذا قال: يا والدي اتق الله ودع الزنا دع الخمر فاستجب ولو كان صغيرا.
من أمرك بطاعة الله فسمعا وطاعة واحمد الله أن جعل في ولدك من يأمرك بالخير لا تتكبر على ولدك إذا دعاك إلى الخير ولا على أخيك الصغير ولا على خادمك إذا دعاك إلى خير قل: الحمد لله الذي يسر لي من خدمي أو من أولادي
стр. 3161
أو من جيراني أو من إخوتي من يأمرني بطاعة الله ومن يساعدني في الخير، لا تتكبر لا تقول: ما شأنك؟ أنت ولدي وتأمرني أو خادمي وتأمرني لا، اتق الله فإن طاعة الله واجبة على الجميع، فمن نصحك من أولادك أو من جيرانك أو من إخوانك أو من خدامك أو من غيره ونصيحتهم موافقة للشرع فقل: جزاك الله خيرا وبادر بالخير لا تتكبر، فالمؤمن يعظم أمر الله ويقبل الحق ممن جاء به ولا يتعالى ولو كان من جاء به أقل من يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) فلو كان الناصح تلميذ من تلاميذ الشيخ فلا يرد الحق من التلميذ إذا صار التلميذ قد وفق لأمر خفي على الشيخ فإن الإنصاف يقتضي قبوله وهذه هي التقوى وهذا من التفقه في الدين لأن الدين يأمر بقبول الحق ممن جاء به من رجل أو امرأة من ولدك أو من أخيك الصغير من جارك أو من خادمك بدون تفرقة، فمن عرف الحق فليرشد إليه بالدليل، ومن بلغه ذلك فعليه السمع والطاعة لأن الدليل فوق الجميع ما لأحد فيه كلام لأن الله يقول وقوله الحق: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)
فيجب عليك أن تخضع للحق ممن جاء به من جن أو إنس، فمتى عرفت الحق فاقبله بالدليل ولا تقل: جاء به فلان بل عليك أن تقبل الحق لأن الحق فوق الجميع الحق ضالة المؤمن، وحاسب نفسك أنت يا عبد الله، حاسب نفسك وجماعتك التي أنت تنتسب إليهم حاسبهم وانظر فيما دعوك إليه فإن كان
стр. 3162
موافقا لشرع الله فاقبل وإلا فدعه وإذا كان بقاؤك مع هذه الجماعة أنفع لك في الدين فابق معهم وإن كان بقاؤك معهم يضرك فاهرب منهم اهرب وانصحهم لا تبقى مع الباطل ولا مع أهل الباطل إلا ناصحا لهم وموجها لهم إلى الخير، هكذا تجب النصيحة يقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
فعليك بالنصيحة لهذه الجهات الخمس: لله بتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه وتحكيم كتابه، وللرسول بطاعته واتباعه، وللقرآن العظيم بتحكيمه واتباعه والإيمان بأنه كلام الله حقا وليس بمخلوق، والنصيحة لولاة الأمور بتوجيههم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأساليب الحسنة وبالدعاء لهم بظهر الغيب أن الله يوفقهم. تدعو لولاة الأمور: اللهم وفقهم اللهم اهدهم سواء السبيل اللهم اهدهم للحق اللهم أعنهم على تنفيذه في أي مكان حتى ولو كنت في بلاد كافرة تدعو الله بأن يهديهم للحق. كما قال بعض الناس: يا رسول الله إن دوسا كفرت واعتدت. قال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم (٢) » . فهداهم الله وجاءوا وأسلموا تدعو الله لأمرك في بلدك تقول: اللهم اهده اللهم أصلح قلبه وعمله اللهم اهده للحق اللهم أعنه على تنفيذ الحق اللهم وفقه لما يرضيك اللهم اكف المسلمين شره اللهم اهده للصواب.
وهكذا تنصح وتدعو وتستعمل الأساليب الحسنة اللينة الطيبة التي ليس فيها عنف لا تمد يدك على الناس تقاتلهم بل ادعهم بالحسنى قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣)
стр. 3163
فلو جئت قوما وهم يشربون الخمر تقول يا عباد الله اتقوا الله ما يجوز شرب الخمر، أو رأيت من يدخن تقول: اتق الله يا عبد الله ترى التدخين لا يجوز وهو مضر بدينك ودنياك وصحتك، وهكذا حالق لحيته تقول له: لا تحلقها ما يجوز، الرسول أمر بإعفاء اللحى وإرخائها وتوفيرها وقص الشوارب، وإن رأيت من يسبل الثياب تقول: يا أخي الإسبال ما يجوز ارفع ثوبك إلى الكعب لا ينزل عن الكعب أو رأيت امرأة متبرجة تقول: يا أمة الله اتقي الله ما يجوز هذا، اتقي الله راقبيه سبحانه في أعمالك لا يجوز هذا الشيء، وإن وجدت واحدا يتعامل بالربا في السوق أو في غيره تقول له: اتق الله يا عبد الله لا تتعامل بالربا لأنه محاربة لله ورسوله، وإن رأيت من يسب ويشتم تقول: اتق الله تخاطبه بالحكمة وليس بالعنف ومد اليد والمضاربة، وإذا كان لم يستجب وعندك من يستطيع ترفع أمره إليه، فمثلا عندك الهيئة وعندك من ينفذ ترفع إلى من يقوم بالواجب.
أما أنت فما عليك إلا البلاغ والبيان بالكلام الطيب كما أرشدك ربك وعلمك في قوله تعالى لرسوله ﷺ والأمة له تبع: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) ويقول سبحانه بشأن اليهود والنصارى:
стр. 3164
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) فمن ظلم يعامل بما يقتضيه ظلمه يعامل بالقوة من طريق أهل القوة، القوة من الجهة المختصة التي تستطيع أن تعمل بالقوة وهكذا قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » .
فمن استطاع أن يغير باليد فعل ذلك باليد إذا كان المنكر له سلطة التغيير كالهيئة أو القاضي أو الأمير فيعمل بما عنده من السلطة أما إذا كان ما عنده سلطة فينكر باللسان أو يغير باللسان حتى لا يشتبك مع الناس في الشر وحتى لا يقع منكر أكثر وأشد يقول: يا عبد الله اتق الله بالكلام الطيب بالأسلوب الحسن فإن عجز بالكلام أنكر بقلبه وكره بقلبه ولا يحضر المنكر بل عليه أن يفارق أهل المنكر.
هكذا المؤمن لا يترك الواجب حسب الطاقة، فعليكم أيها الأخوة المسلمون في جميع أرض الله تقوى الله في كل وقت والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، وعلى كل واحد منكم تقوى الله فيما يأتي ويترك وأن يحاسب نفسه في أي عمل هل هو طاعة لله أو معصية لله فإن كان طاعة لله نفذه وإن كان معصية لله تركه، وهكذا مع الناس لا يحقر نفسه إذا رأى المنكر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالكلام الطيب لا بالعنف والكلام القبيح كأن يقول: يا حمار يا كلب، بل عليه أن يقول: يا عبد الله يا فلان يا أخي إن كان مسلما بالكلام
стр. 3165
الطيب هذا لا يجوز اتق الله يا عبد الله إلى غير ذلك من الأساليب الحسنة.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان من أرض الله للفقه في الدين والإستقامة عليه، وأن يمنحهم العلم النافع والعمل الصالح، وأن ييسر لهم العلماء الصالحين الذين يرشدونهم ويعلمونهم ويفقهونهم؟ أسأله سبحانه أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين في كل مكان إلى الاستقامة على دينه والنصح له ولعباده وتحكيم شريعته والتحاكم إليها وإلزام الشعوب بها، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يزيل بهم كل سوء وكل منكر، وأن يعيذهم من شرور النفس وسيئات العمل إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 3166
الأمراء والعلماء يطاعون في المعروف لأن بهذا
تستقيم الأحوال
شدد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على وجوب طاعة ولاة الأمر في المعروف؛ لأن بهذه الطاعة تستقيم أمور الأمة ويحصل الأمن والاستقرار ويأمن الناس من الفتنة. وأوضح فضيلته أن المراد بولاة الأمر هم العلماء والأمراء والحكام ذوو السلطان.
وأكد سماحته أن وجوب طاعتهم تكون في المعروف وليس في معصيه الله . وأوضح سماحته أن الحاكم الذي يأمر بالمعصية لا يطاع في هذه المعصية دون أن يكون للرعية حق الخروج على الإمام بسبب ذلك.
وأوضح سماحته متى يجوز الخروج على الحاكم والتي ضبطها الشرع الكريم بوجود الرعية من الحكام كفرا بواحا عندهم " الخارجين " من الله فيه برهان مع القدرة والاستطاعة على التغيير، فإن عدموا القدرة لعجزهم فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرا بواحا؛ لأن خروجهم فيه فساد للأمة ويضر الناس ويوجب الفتنة وهو ما يتعارض ودوافع الخروج الشرعي وهو الإصلاح ومنفعة الناس والأمة.
وأوضح سماحته أنه في هذه الحالة تكتفي الرعية ببذل النصح والكلام بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبهذا تبرأ الذمة.
وأوضح سماحته في معرض إجابته عن الأسئلة التي طرحت
стр. 3167
عليه في ندوة عقدت بجامع الإمام فيصل بن تركي في الرياض أهمية الطاعة وملازمة الجماعة وعظم الوعيد من الله ورسوله لمن أراد شق عصا الطاعة وفرق المسلمين بغير حق - كما أوضح سماحته أن القوانين إذا كانت توافق الشرع فلا بأس بها مثل قوانين الطرق وغيرها من الأشياء التي فيها نفع للناس وليس فيها مخالفة للشرع - أما القوانين التي فيها مخالفة صريحة للشرع فلا - ومن استحلها - أي القوانين المخالفة للشرع مخالفة لما أجمع عليه العلماء فقد كفر.
وعندما سئل سماحته عن كيفية التعامل مع أمثال هؤلاء المستحلين للقوانين المخالفة للشريعة من الحكام
قال سماحته: نطيعهم في المعروف وليس في المعصية حتى يأتي الله بالبديل -
وعندما سئل سماحته عن الجماعات الإسلامية المختلفة الموجودة في الساحة الإسلامية وعن أيها أولى بالاتباع.
أكد سماحته أن الجماعة التي يجب اتباعها هي الجماعة التي تسير على منهج الكتاب والسنة وهو ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه ﵃.
وأوضح سماحته أن كل جماعة من هذه الجماعات الموجودة لديها حق وباطل وهؤلاء يطاعون في الحق وهو ما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة وما خالف الدليل يرد عليهم ويقال لهم أخطأتم في هذا، ويرى سماحته أن على أهل العلم واجبا عظيما ودورا كبيرا في هذا المجال وهو بيان الحق والرد على هذه الجماعات فيما أخطأت فيه ممن يعرفون تفاصيل هذه الجماعات.
стр. 3168
وأوضح سماحته أيضا أن هذه الجماعات ليست معصومة وليس لأحد منهم أن يدعي العصمة فالواجب البحث عن الحق وهو ما وافق الدليل من الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة وما خالف الدليل وجب أن يطرح سواء كان من هذه الجماعات أو من غيرهم من أصحاب المذاهب المشهورة: الحنابلة والشافعية والمالكية والظاهرية والحنفية أو غيرهم. إذ إن الأصل وجوب اتباع الدليل من الكتاب والسنة فما وافقهما فهو الحق وما خالفهما فهو الباطل وحذر سماحته من الذين يدعون إلى غير كتاب الله وإلى غير سنة محمد ﷺ فهؤلاء لا يتبعون ولا يقلدون بل يعادون في الله ويحذر منهم. وفيما يلي نص الحوار:
س ١: ما المراد بطاعة ولاة الأمر في الآية هل هم العلماء أم الحكام ولو كانوا ظالمين لأنفسهم ولشعوبهم؟
ج ١: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وأولو الأمر هم العلماء والأمراء أمراء المسلمين وعلماؤهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بطاعة. الله وليس في معصية الله.
فالعلماء والأمراء يطاعون في المعروف. لأن بهذا تستقيم
стр. 3169
الأحوال ويحصل الأمن وتنفذ الأوامر وينصف المظلوم ويردع الظالم. أما إذا لم يطاعوا فسدت الأمور وأكل القوي الضعيف - فالواجب أن يطاعوا في طاعة الله في المعروف سواء كانوا أمراء أو علماء - العالم يبين حكم الله والأمير ينفذ حكم الله هذا هو الصواب في أولي الأمر، هم العلماء بالله وبشرعه وهم أمراء المسلمين عليهم أن ينفذوا أمر الله وعلى الرعية أن تسمع لعلمائها في الحق وأن تسمع لأمرائها في المعروف - أما إذا أمروا بمعصية سواء كان الآمر أميرا أو عالما فإنهم لا يطاعون في ذلك، إذا قال لك أمير: اشرب الخمر فلا تشربها أو إذا قال لك كل الربا فلا تأكله، وهكذا مع العالم إذا أمرك بمعصية الله فلا تطعه، والتقي لا يأمر بذلك لكن قد يأمر بذلك العالم الفاسق. والمقصود أنه إذا أمرك العالم أو الأمير بشيء من معاصي الله فلا تطعه في معاصي الله إنما الطاعة في المعروف كما قال النبي ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١) » ، لكن لا يجوز الخروج على الأئمة وإن عصوا بل يجب السمع والطاعة في المعروف مع المناصحة ولا تنزعن يدا من طاعة لقول النبي ﷺ : «على المرء السمع والطاعة في المنشط والمكره وفيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة (٢) » . ويقول ﵊: «من رأى من أميره شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة فإنه من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية (٣) » ، وقال ﵊: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم وأن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان (٤) » ، والمقصود أن الواجب السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمور من الأمراء والعلماء - وبهذا تنتظم الأمور وتصلح الأحوال
стр. 3170
ويأمن الناس وينصف المظلوم ويردع الظالم وتأمن السبل ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور وشق العصا إلا إذا وجد منهم كفر بواح عند الخارجين عليه من الله برهان ويستطيعون بخروجهم أن ينفعوا المسلمين وأن يزيلوا الظلم وأن يقيموا دولة صالحة. أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرا بواحا. لأن خروجهم يضر الناس ويفسد الأمة ويوجب الفتنة والقتل بغير الحق - ولكن إذا كانت عندهم القدرة والقوة على أن يزيلوا هذا الوالي الكافر فليزيلوه وليضعوا مكانه واليا صالحا ينفذ أمر الله فعليهم ذلك إذا وجدوا كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان وعندهم قدرة على نصر الحق وإيجاد البديل الصالح وتنفيذ الحق.
стр. 3171
س ٢: هل عجزهم يعتبر براءة للذمة أي ذمتهم؟
ج ٢: نعم، يتكلمون بالحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويكفي ذلك، والمعروف هو ما ليس بمعصية فيدخل فيه المستحب والواجب والمباح كله معروف مثل الأمر بعدم مخالفة الإشارة في الطريق فعند إشارة الوقوف يجب الوقوف. لأن هذا ينفع المسلمين وهو في الإصلاح وهكذا ما أشبهه.
стр. 3172
س ٣: ما حكم سن القوانين الوضعية؟ وهل يجوز العمل بها؟ وهل يكفر الحاكم بسنه هذه القوانين؟
ج ٣: إذا كان القانون يوافق الشرع فلا بأس به مثل أن يسن قانونا للطرق ينفع المسلمين وغير ذلك من الأشياء التي تنفع المسلمين وليس فيها مخالفة للشرع ولكن لتسهيل أمور المسلمين فلا بأس بها. أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنها فإذا
стр. 3173
سن قانونا يتضمن أنه لا حد على الزاني أو لا حد على السارق أو لا حد على شارب الخمر فهذا قانون باطل وإذا استحله الوالي كفر لكونه استحل ما يخالف النص والإجماع وهكذا كل من استحل ما حرم الله من المحرمات المجمع عليها فهو يكفر بذلك.
стр. 3174
س ٤: كيف نتعامل مع هذا الوالي؟
ج ٤: نطيعه في المعروف وليس في المعصية حتى يأتي الله بالبديل.
س ٥: تعلم يا سماحة الشيخ ما حل في الساحة من فتن فأصبح هناك جماعات مثل جماعة التبليغ وجماعة الإخوان والسلفية وغيرهم من الجماعات وكل جماعة تقول: إنها هي التي على صواب في اتباع السنة - من هم الذين على صواب من هذه الجماعات ومن نتبع منهم؟ ونرجو منك أن تسميهم بأسمائهم؟
ج ٥: الجماعة التي يجب اتباعها والسير على منهاجها هم أهل الصراط المستقيم، هم أتباع النبي وهم أتباع الكتاب والسنة الذين يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا، أما الجماعات الأخرى فلا تتبع منها أحدا إلا فيما وافقت فيه الحق. سواء كانت جماعة الإخوان المسلمين أو جماعة التبليغ أو أنصار السنة أو من يقولون: إنهم السلفيون أو الجماعة الإسلامية أو من تسمي نفسها بجماعة أهل الحديث وأي فرقة تسمي نفسها بأي شيء فإنهم يطاعون ويتبعون في الحق والحق ما قام عليه الدليل وما خالف الدليل يرد عليهم ويقال لهم: قد أخطأتم في هذا، فالواجب موافقتهم فيما يوافق الآية الكريمة أو الحديث الشريف
стр. 3175
أو إجماع سلف الأمة.
أما ما خالفوا فيه الحق فإنه يرد عليهم فيه فيقول لهم أهل العلم: قولكم كذا وفعلكم كذا خلاف الحق - هذا يقوله لهم أهل العلم فهم الذين يبصرون الجماعات الإسلامية. فأهل العلم العالمون بالكتاب والسنة الذين تفقهوا في الدين من طريق الكتاب والسنة، هم الذين يعرفون تفاصيل هذه الجماعات وهذه الجماعات عندها حق وباطل فهي ليست معصومة وكل واحد غير معصوم ولكن الحق ما قام عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو إجماع سلف الأمة سواء من هذه الجماعات أو من الحنابلة أو الشافعية أو المالكية أو الظاهرية أو الحنفية أو غيرهم - فما قام عليه الدليل فهو الحق وما خالف الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أو الإجماع القطعي يكون خطأ - وأما الذين يدعون إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهؤلاء لا يتبعون ولا يقلدون، إنما يطاع ويتبع من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأصاب الحق فإذا أخطأ فإنه يقال له: أحسنت إذا أحسن وأخطأت إذا أخطأ ويتبع في الصواب، ويدعي له بالتوفيق، وإذا أخطأ يقال له: أخطأت في كذا وخالفت الدليل الفلاني والواجب عليك التوبة إلى الله والرجوع إلى الحق - هذا يقوله أهل العلم وأهل البصيرة - أما العامي فليس من أهل العلم وإنما العلماء هم العلماء بالكتاب والسنة المعروفون الذين يتبعون الكتاب والسنة فعلى العامي أن يسأل هؤلاء الذين عرفوا الكتاب والسنة عما أشكل عليه مثل أن يسألهم ما تقولون في دعوة فلان الذي يقول كذا ويقول كذا حتى يتبصر
стр. 3176
ويعرف الحق كما قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وهم أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله أما أهل البدعة فليسوا من أهل الذكر، والدعاة إلى البدعة ليسوا من أهل الذكر أيضا. والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 3177
حوار خاص في جملة من القضايا الهامة
س ١: نبدأ - سماحة الشيخ - بسؤالكم عن مكانة العلماء في المجتمع والدور المناط بهم خاصة في الظروف الحالية؟
- ١٢٣ - ج ٢: لا شك أن دور العلماء دور عظيم في المجتمع. لأنهم خلفاء الرسل وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس ويجتهدون في توجيه الناس إلى الخير وقد أخبر النبي أن العلماء هم ورثة الأنبياء والواجب على أهل العلم أن يجتهدوا في إصلاح أمور الناس وتوجيههم إلى الخير وأن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر وأن يصبروا على الأذى عملا بقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) وعملا بقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣) والواجب على المجتمع أن يعطي العلماء قدرهم وأن يعمل بتوجيههم ونصيحتهم وأن يحرص على الذب عنهم وعلى عدم غيبتهم وعلى سلامة أعراضهم فليس
стр. 3178
هناك واحد منهم معصوما وقد يقع الخطأ والزلل فإذا وقع الخطأ أو الزلل وجب على العلماء أن ينبه بعضهم بعضا بالأسلوب الحسن وبالعبارة الطيبة حتى يزول الخطأ ويظهر الله الحق.
стр. 3179
س ٢: عندما يقع الاختلاف - سواء بين العلماء أو الدعاة أو طلبة العلم - فما الأمور التي لا يجوز الاختلاف فيها؟ وما الأمور التي يجوز فيها الاختلاف؟ وما المنهج الراشد في سبيل حسم الخلاف حتى يؤدي إلى الهدف الإيجابي منه؟
ج ٢: الواجب على أهل العلم والدعاة إلى الله تحري الحق بالأدلة الشرعية وأن يتثبتوا في كل ما يقولون أو يقدرون أو يفتون به حتى تتضح الأدلة لمن يرشدونه أو يوجهونه. لأن الله حرم عليهم القول بغير علم - فالواجب على أهل العلم التثبت في الأمور وفيما يقولونه من أحكام وما يدعون إليه وما ينهون عنه حتى تكون جميع الأحكام التي يصدرونها عن. بينة وعن بصيرة.
وأما ما لا يجوز الخلاف فيه فهو ما أوضحته النصوص من الكتاب والسنة فإنه يجب على الجميع أن يتفقوا على ما دل عليه الكتاب أو السنة الصحيحة وأن يحذروا النزاع والخلاف في ذلك وإنما يكون الخلاف في المسائل الاجتهادية التي ليس فيها دليل. من القرآن أو السنة بل هي محل لاجتهاد العلماء واستنباطهم من القواعد الشرعية - فهذه هي محل الخلاف - ويقال عنها " مسائل الاجتهاد " ومن أصاب فيها فله أجران ومن أخطأ فله أجر إذا كان من أهل العلم والبصيرة وممن يستطيع أن يجتهد في استخراج الأحكام بالأدلة
стр. 3180
الشرعية - والمقصود أنه إذا كان من أهل العلم وبذل وسعه في الاجتهاد فهو بين أمرين: إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور- أما ما كان واضحا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة فلا يجوز فيه الخلاف بل يجب اجتماع أهل العلم على ذلك.
стр. 3181
س ٣: ما الواجب إذا حصل الخلاف؟
ج ٣: الواجب التنبيه، تنبيه من أخطأ على أنه خالف النص الفلاني - والواجب الرجوع إلى النص، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) ويقول : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فالواجب على العالم إذا أخطأ في مسألة فنبهه أخوه واتضح الدليل أن يرجع إلى الدليل.
стр. 3182
س ٤: تحدثتم سماحة الشيخ في اللقاء المفتوح الذي عقد في جدة مؤخرا عن نعم الله تعالى على هذه البلاد، نعمة الإسلام ونعمة الأمن ونعمة تطبيق شرع الله، فكيف يحافظ المجتمع على هذه النعم؟
ج ٤: الواجب على المسلمين حكومة وشعبا في هذه البلاد أن يشكروا الله على ما من به عليهم من نعمة الإسلام ونعمة الأمن وأن يتواصوا بذلك دائما - ويكون الشكر بأداء الفرائض وترك المحارم والوقوف عند حدود الله - هذا هو الشكر
стр. 3183
كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (١) وقال : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) فالواجب هو الشكر الحقيقي قولا وعملا وعقيدة فيشكر كل فرد الله بقلبه وقوله وعمله ويخافه ويرجوه ويتحدث بنعمه جل شأنه؟ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣) كما يجب الشكر بالعمل وذلك بأداء الفرائض وبترك المحارم التي حرمها الله من الزنى والسرقة والعقوق وقطع الأرحام والربا والغيبة والنميمة إلى غير ذلك من المعاصي فهذا كله من الشكر.
стр. 3184
س ٥: لقد قامت الدولة في المملكة العربية السعودية منذ أن تأسست على تطبيق شرع الله وعلى إقامة حكمه فما الواجب علينا جميعا تجاه هذه المسئولية؟
ج ٥: من الواجب على الرعية مساعدة الدولة في الحق والشكر لها على ما تفعل من خير والثناء عليها بذلك. يجب عليهم معاونة الدولة في إصلاح الأوضاع فيما قد يقع فيه شيء من الخلل بالأسلوب الطيب وبالكلام الحسن لا بالتشهير وذكر العيوب في الصحف وعلى المنابر ولكن بالنصيحة وبالمكاتبة والتنبيه على ما قد يخفى حتى تزول المشاكل وحتى يحل محلها الخير والإصلاح وحتى تستقر النعم ويسلم الناس من حدوث النقم ولا سبيل إلى هذا إلا
стр. 3185
بالتناصح والتواصي بالخير - والواجب على الدولة - وفقها الله - أن تجتهد فيما يكون قد وقع من خلل في إصلاحه، وأن تجتهد في كل ما يرضي الله ويقرب إليه - وفي إزالة كل ما نهانا عنه الله وأن تقوم بواجبها في إصلاح ما هو مخالف للشرع، وأن تجتهد في إزالة ذلك بالتعاون مع العلماء والموظفين والمسئولين الطيبين والصالحين ومع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 3186
س ٦: عندما تقع بعض السلبيات أو المنكرات في المجتمع فما السبيل الأمثل - في نظر سماحتكم - نحو معالجة هذه السلبيات وإنكار المنكرات؟
ج ٦: السبيل أوضحه الله حيث يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) ويقول : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦) وهذا هو السبيل وهو التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والنصحية ودعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والكلمات الطيبة والرفق حتى يعم الخير ويكثر وحتى
стр. 3187
يزول الشر ويندثر. وهذا مطلوب من الجميع من الدولة ومن العلماء ومن أهل الخير ومن أعيان المسلمين ومن العامة كل بحسب طاقته ولكن بتحري العبارات الطيبة والأسلوب الحسن حتى يحصل الخير ويزول الشر.
стр. 3188
س ٧: من الملاحظ - سماحة الشيخ - أن هناك غيرة صادقة لدى الشباب الملتزم على دين الله وحماسة لفعل الخير وإنكار المنكر، فهل ترون أن هذا من الأمور المحمودة للصحوة الإسلامية في عصرنا الحاضر؟
ج ٧: نعم، إن هذا يسر والحمد لله نشاط الشباب في الخير وغيرتهم الإسلامية وحرصهم على العلم كل هذا مما يسر كل مؤمن ويبشر بالخير وهذا من اليقظة الإسلامية ومن أسباب انتشارها أيضا فالواجب تشجيع ذلك. والواجب أيضا ترشيده ونصيحتي للشباب أن يرجعوا إلى العلماء فيما أشكل عليهم ومن أهم الأمور عدم العجلة وعدم الغلو وسلوك منهج التوسط في الأمور.
стр. 3189
حكم التوسل بجاه النبي الكريم ﷺ
س: هذه رسالة وردت إلى البرنامج من فواز محمد علي من العراق محافظة نينوى يقول في رسالته: ما هو الحكم على المسلم الذي يقيم الفرائض ويتوسل بجاه النبي الكريم ﷺ ، وهل يجوز رميه بالشرك؟ أفيدونا أفادكم الله.
ج: المسلم الذي يوحد الله ويدعوه وحده ويؤمن بأنه الإله الحق، ويعتقد معنى لا إله إلا الله وأن معناها لا معبود حق إلا الله، ويؤمن بمحمد أنه رسول الله حقا أرسله الله إلى الجن والإنس، هذا يقال له مسلم لكونه أتى بالشهادتين ووحد الله، وحده وصدق الرسول ﷺ فإنه يكون مسلما بذلك فإذا أتى شيئا من المعاصي فإنه يكون بذلك ناقص الإيمان كالزنى والسرقة والربا إذا لم يعتقد حل ذلك ولكنه أطاع الهوى والشيطان فعل هذه المعاصي أو بعضها فهذا يكون نقصا في إيمانه وضعفا في إيمانه، أما إذا توسل بجاه النبي ﷺ وقال: اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحق محمد فهذا بدعة عند جمهور أهل العلم نقص في الإيمان ولا يكون مشركا ولا يكون كافرا بل هو مسلم ولكن يكون هذا نقصا في الإيمان وضعفا بالإيمان مثل بقية المعاصي التي تخرج عن الدين؛ لأن الدعاء ووسائل الدعاء توقيفية ولم يرد في الشرع ما يدل على التوسل بجاه محمد ﷺ بل هذا مما أحدثه الناس فالتوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه الأنبياء أو بحق النبي أو بحق الأنبياء أو بجاه فلان أو بجاه علي أو بجاه أهل
стр. 3190
البيت كل هذا من البدع، والواجب ترك ذلك لكن ليس بشرك وإنما هو من وسائل الشرك فلا يكون صاحبه مشركا ولكن أتى بدعة تنقص الإيمان وتضعف الإيمان عند جمهور أهل العلم. لأن الوسائل في الدعاء توقيفية فالمسلم يتوسل بأسماء الله وصفاته؟ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) ويتوسل بالتوحيد والإيمان كما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (٢) » فهذا توسل بتوحيد الله. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات؟ في حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم صخرة لما دخلوا الغار من أجل المطر أو المبيت فانطبقت عليهم صخرة عظيمة فلم يستطيعوا دفعها فقال بعضهم لبعض: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله بصالح أعمالهم فتوسل أحدهم ببره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ثم توسل الآخر بعفته عن الزنى وأنه كان له بنت عم يحبها كثيرا فأرادها لنفسه فأبت عليه ثم إنها ألمت بها سنة وحاجة، فجاءت إليه تطلبه العون فقال: إلا أن تمكنيني من نفسك فوافقت على أن يعطيها مائة وعشرين دينارا من الذهب فلما جلس بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فخاف من الله سبحانه وقام عنها ولم يأت الفاحشة وترك لها الذهب وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة بعض الشيء