← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

هذه من أخلاقهم العظيمة من أخلاق المتقين ومنها ما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) والفاحشة هي المعصية. . . هذه من أخلاقهم العظيمة التوبة والاستغفار من جميع المعاصي ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) فليس هناك غافر إلا الله جل وعلا فهو سبحانه الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) والمعنى أنهم لم يقيموا على المعاصي بل تابوا وأقلعوا منها خوفا من الله سبحانه وتعظيما له، وهذه من أخلاقهم العظيمة أخلاق أهل الإيمان ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٤) هذا هو جزاء التائبين الصادقين، فالمؤمنون والمؤمنات هذه أخلاقهم: التقوى لله والاستقامة على هذا الدين والإنفاق في السراء والضراء والشدة والرخاء، ولو بدرهم واحد كما قال النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة (٥) » وفي سورة براءة ذكر سبحانه أيضا جملة من أخلاقهم وذلك في قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦)

стр. 3222

هذه من أخلاق أهل الإيمان الرجال والنساء بعضهم أولياء بعض، والأولياء فيما بينهم من أخلاقهم: المحبة والتواصي بالخير، والتعاون على البر والتقوى، فلا يغتاب بعضهم بعضا، ولا ينم عليه، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يظلمه، هكذا المؤمنون والمؤمنات أولياء ليسوا متباغضين، ولا متحاسدين، ولا متشاحنين، ولا يكذب بعضهم على بعض، ولا يغتابه، ولا ينم عليه، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يظلمه في قول ولا عمل ولا دم ولا مال، ولا يغشه في معاملة، ولا يخونه في جميع الأحوال. ثم قال سبحانه: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) هكذا أينما كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالأسلوب الحسن وبالطريقة الحميدة وبالعلم والبصيرة كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) فهم يأمرون عن بصيرة وينهون عن بصيرة، والمعروف ما أمر الله به ورسوله، والمنكر ما أنكره الله ورسوله ونهى عنه، هكذا المؤمنون والمؤمنات إذا رأوا من بعض إخوانهم تقصيرا في طاعة الله أمروهم بمعروف، وإن رأوهم يتخلفون عن الصلاة في الجماعة قالوا لهم: اتقوا الله وحافظوا على الجماعة فهي مفروضة عليكم ولا تتشبهوا بالمنافقين، وهكذا لو رأيته يتعاطى الربا نصحته لله، أو رأيته يجالس من ليس من الطيبين تنصحه وتذكره بالله فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ مثلا. هذه من صفات المؤمنين وأخلاقهم دعاة

стр. 3223

إلى الله ناصحون لله ولعباده يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن بالأساليب الطيبة، لا بالعنف والشدة حتى يقبل منهم الحق وحتى يستفيدوا ويستفاد منهم قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) وقال سبحانه في دعوة الكفار: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وهم اليهود والنصارى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) فمن ظلم يعامل بما يستحق، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) هكذا المؤمن من أخلاقه العظيمة الدعوة بالتي هي أحسن ويجادل بالتي هي أحسن يرفق بالناس يقول النبي: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (٥) » ، ويقول ﵊: «إن الرفق لا يكون في الشيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٦) » ، ويقول أيضا ﵊: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٧) » ، فلا بد من صبر ولا بد من حلم ولا بد من رفق في أمرك ونهيك ودعوتك. ويقول سبحانه في آخر سورة التوبة لما ذكر المجاهدين قال في وصفهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٨) هذه أخلاق أهل الإيمان، والجهاد قبلها يقول

стр. 3224

سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ثم ذكر صفاتهم فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٢) هذه صفات الأخيار من أهل الإيمان والجهاد، وقال سبحانه في سورة يونس ﵊: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ثم بينهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤) هؤلاء أولياء الله إذا أردت أن تصير منهم فعليك بهذا الخلق العظيم، وهو الإيمان الصادق بالله ورسوله وبكل ما أخبر الله به ورسوله، والتقوى بطاعة الأوامر وترك النواهي، فمن تخلق بهذا الخلق فهو من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥) والمعنى أنهم آمنوا بالقلوب وصدقوا بالأقوال والأعمال، فهؤلاء هم أولياء الله الذين آمنوا بأن الله هو الواحد المستحق للعبادة وصدقوا ذلك بالعمل ووحدوا الله وخصوه بالعبادة وتركوا الإشراك به، وعرفوا أن الله أوجب الصلاة فصلوا وحافظوا عليها في الجماعة

стр. 3225

وعرفوا الزكاة فأدوا الزكاة وأنها فريضة، وهكذا عرفوا الصوم وأنه من أخلاق المؤمنين فريضة فصاموا رمضان، وعرفوا الحج فأدوه كما أمر الله، وعرفوا الجهاد فجاهدوا، وهكذا عرفوا المحارم فاجتنبوها وحذروها مثل الزنى وعقوق الوالدين وشرب المسكر والربا وأكل مال اليتامى وغير هذه المحرمات عرفوها واجتنبوها، طاعة لله وتعظيما له ورغبة فيما عنده ، هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات. وقال سبحانه في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٨) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٩) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١٠) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١١) هذه أخلاق المؤمنين في كل مكان وزمان يذكرها سبحانه ليعلمها العباد ويستقيموا عليها ويحفظوها ومعنى قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢) أي فازوا وظفروا بكل خير وحصلوا على كل خير ثم ذكر صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١٣) بدأ بالخشوع في الصلاة لعظم شأنه وشأن الصلاة، فإذا دخلت في الصلاة فاخشع فيها لربك، واطمئن وأقبل عليها بقلبك وبدنك حتى تكتب لك كاملة ويحصل لك الأجر العظيم، وإياك والوسوسة وقت

стр. 3226

الصلاة وإياك والخوض هاهنا وهاهنا بالأفكار والهواجس أقبل على صلاتك واخشع فيها لربك واجمع عليها قلبك تفلح غاية الفلاح ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (١) والمعنى أنهم يعرضون عن كل باطل، وقد فسر اللغو بالشرك وبالمعاصي وبكل ما لا خير فيه، فالمؤمن في صلاته يجتنب ذلك كله ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٢) والزكاة هنا تشمل زكاة المال وزكاة النفس، وهكذا المؤمن يزكي نفسه بطاعة الله ورسوله ويزكي ماله بأداء الحق الذي عليه، ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٤) فالمؤمن حافظ فرجه إلا من زوجته أو سريته وهي ملك يمينه، وهكذا المؤمنة تحفظ فرجها إلا من زوجها أو سيدها وهو مالكها إذا كان لها سيد مالك، فمن فعل الزنى أو اللواط أو أتى المرأة في دبرها أو في حالة الحيض أو النفاس أو تعاطى العادة السرية - وهي الاستمناء - ولم يحفظ فرجه صار عاديا أي ظالما، فالمؤمن يأتي زوجته في قبلها في غير الحيض والنفاس وفي غير الإحرام بل في الوقت الذي أباح الله له أن يأتيها فيه، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٥) هكذا المؤمن والمؤمنة يحفظ الأمانة ويؤديها ولا يخونها أبدا عملا بهذه الآية وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧)

стр. 3227

فلا بد من أداء الأمانة ورعايتها وقد عظم الله شأنها فقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١) فالأمانة أمرها عظيم، والأمانة أمانتان أمانة الله، وأمانة العباد، فعليك أن تؤدي أمانة الله من صلاة وصوم وغير ذلك من الفرائض على الوجه الذي شرعه الله، وعليك أن تؤدي أمانات الناس من ودائع ورهون وعواري وغير ذلك، فعليك أن تؤدي الأمانتين وترعاهما بكل صدق وبكل حرص وبكل عناية. وقال سبحانه في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ (٢) والمعنى أنهم لا يزيدون عليها ولا ينقصون بل يؤدون الشهادة كما أمر الله بدون زيادة ولا نقصان ولا كتمان، عملا بهدي الله وبقوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٣) والشهادة بالزور من أكبر الكبائر، فالمؤمن والمؤمنة يشهدان بالحق الذي عندهما لا يزيدان ولا ينقصان، ولا يكتمان الشهادة بل يؤديانها كما حفظا وكما رأيا وكما سمعا. ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤) هكذا المؤمنون والمؤمنات يحافظون على الصلاة ويؤدونها في وقتها فالرجل يؤديها في الجماعة كما أمر الله بذلك، والمرأة تؤديها في بيتها في وقتها

стр. 3228

كذلك. وكل ما تقدم من الأخلاق التي أمر الله بها يجب على كل مؤمن ومؤمنة مراعاتها والمحافظة عليها، وقد وعدهم الله سبحانه على ذلك بالفردوس الأعلى في دار النعيم في قوله سبحانه في خاتمة الآيات: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) ويقول سبحانه في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣) فمن أخلاق المؤمنين والمؤمنات الصدق واليقين الكامل في إيمانهم بالله ورسوله وبكل ما أخبر الله به ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. وقال سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) هذه الصفات هي صفات المؤمنين والمؤمنات وأخلاقهم ذكرها الله سبحانه في هذه الآية ترغيبا فيها وحثا عليها وهي عشر صفات لأهل الإيمان من الرجال والنساء فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٥) وهم الذين دخلوا في الإسلام ووحدوا الله وانقادوا لشرعه واعتقدوا

стр. 3229

الإسلام ودانوا به ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) يعني أنهم مع خضوعهم لله ظاهرا هم مؤمنون أيضا بالقلوب ومصدقون لا كالمنافقين. ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (٢) القنوت دوام الطاعة يعني أنهم مع إسلامهم وإيمانهم استقاموا على طاعة الله ورسوله. ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ (٣) والمعنى أنهم صابرون على طاعة الله وعلى ترك معصيته رجالا ونساء ولا شك أن الصبر من أخلاق المؤمنين والمؤمنات فهم صابرون على الطاعة، وصابرون عن المعصية، وصابرون على المصائب وهذه أنواع الصبر فمن استكملها استكمل دينه. وقوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ (٤) والمعنى أنهم خاشعون في طاعة الله ورسوله، فهم يؤدون صلواتهم في خشوع وخضوع وطمأنينة، وهم مع ذلك متواضعون في جميع أعمالهم غير متكبرين ولا فخرين، عملا بهذه الآية الكريمة وبالحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد (٥) » ، رواه الإمام مسلم في صحيحه. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ (٦) يعني أنهم مجتهدون في الصدقة والإحسان بالمال والنفس والجاه، يتصدقون بكل ما يستطيعون حسب الطاقة. ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ (٧) كذلك فالصوم من أعظم الطاعات ومن أخلاق المؤمنين والمؤمنات وصوم رمضان هو أحد أركان الإسلام، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (٨) المعنى أنهم يحفظونها عن الزنى وعن كل ما حرم الله. ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٩) هذه من صفاتهم وأخلاقهم العظيمة. فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله العناية بهذه الأخلاق العظيمة التي أثنى الله على أهلها وأعد لهم المغفرة والأجر العظيم. وقال

стр. 3230

سبحانه في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥) هذه الصفات من أخلاق المتقين العظيمة: التهجد بالليل والاستغفار في السحر والصدقة للسائل والمحروم وهو الفقير. وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٦) هذه أيضا من أخلاقهم العظيمة: الإنفاق مما جعلهم الله مستخلفين فيه حسب الطاقة وقد وعدهم الله على ذلك بالأجر الكبير، فعليك يا عبد الله، وعليك يا أمة الله التخلق بهذه الأخلاق العظيمة. ويقول سبحانه في سورة الملك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧) فالخشية لله أمرها عظيم وعاقبتها حميدة يقول النبي ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له (٨) » فلا بد من خوف الله وخشيته مع رجائه وحسن الظن به في جميع الأحوال حتى يؤدي المؤمن والمؤمنة ما أوجب الله ويدع ما حرم الله عن إيمان بالله سبحانه وخوف منه ورجاء لفضله، وهذه الصفات من أعظم الأخلاق وأهمها وأنفعها للعبد في دينه ودنياه، وهي أن يخشى الله ويراقبه ويرجو فضله وإحسانه

стр. 3231

مع القيام بحقه وترك معصيته أينما كان ولقد صدق من قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها وبقاء حكمها ودولتها، ويقول آخر: وليس بعامر بنيان قوم ... إذا أخلاقهم كانت خرابا ومما ذكره الله من صفات أهل الإيمان وأخلاقهم يعلم أن الأمة لا تستقيم إلا بهذه الأخلاق ولا تقوم دولتهم إلا بهذه الأخلاق، فلا بد من التواصي بهذه الأخلاق من الدولة والأمة حتى ينصرهم الله ويعينهم على عدوهم وحتى يحفظ عليهم دينهم ودنياهم وأخلاقهم وصحتهم وملكهم وقهرهم لأعدائهم. فالأخلاق التي شرعها الله ودعا إليها وبعث بها رسوله ﷺ إذا استقامت عليها الأمة حاكما ومحكوما كتب الله لهم النصر وأيدهم بروح منه ونصرهم على أعدائهم كما جرى لسلفنا الصالح في عهد النبي ﷺ وبعده فقد نصرهم الله على عدوهم مع قلة عددهم وعدتهم وفتح عليهم الفتوحات العظيمة وأيدهم بنصر من عنده كما وعدهم سبحانه بذلك في قوله : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢) وفي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣)

стр. 3232

هكذا حصل لهم النصر لما استقاموا على الأخلاق العظيمة التي مدحها الله وأمر بها، لما استقاموا وتواصوا بها نصرهم الله وملكوا غالب الدنيا وقهروا العالم وأدت لهم الجزية اليهود والنصارى والمجوس، وأدى الخراج لهم آخرون من الكفار حتى ملك الصين، إذ بلغت الدولة إلى هناك إلى أقصى المشرق وإلى أقصى المغرب، فمنهم من أدى الخراج، ومنهم من أدى الجزية ومنهم من دخل في دين الله بسبب قوة المؤمنين وأخلاقهم العظيمة التي مدحها الله وأوصاهم بها، فلما قام بها ولاتهم وأمراؤهم وعامتهم وعلماؤهم استقام لهم الأمر وخافهم عدوهم ونصرهم الله عليه، وفتحوا البلاد ودانت لهم العباد وأقاموا شرع الله في بلاد الله حتى بلغ ملك هذه الأمة أقصى المغرب وأقصى المشرق كما أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث ثوبان ﵁ المخرج في صحيح مسلم، فلما غير الناس غير الله عليهم وأخذ العدو بعض ما في أيديهم، ومتى رجعوا إلى ربهم وأنابوا إليه واعتصموا بدينه رجعوا إلى دينهم واستقاموا عليه - رد الله لهم ما كان شاردا وأصلح لهم ما كان فاسدا ونصرهم على عدوهم ورد عليهم ملكهم السليب ومجدهم الغابر. فالواجب على الحكام والأمراء والعلماء والأغنياء والفقراء الإنابة إلى الله والرجوع إليه والتمسك بالأخلاق التي أوصى الله بها عباده، والحذر الحذر من الأخلاق التي نهى الله عنها، فمتى

стр. 3233

استقام الجميع وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بهذه الأخلاق في جميع الأحوال في الشدة والرخاء في السفر والإقامة أيدهم الله ونصرهم على أعدائهم وأعطاهم الملك العظيم ورد إليهم ما سلب منهم وأصلح لهم ما فسد وهابهم أعداؤهم وخضعوا لهم وأدوا لهم الجزية والخراج خوفا من قهرهم لهم أو دخلوا في الإسلام كما جرى لسلفنا الصالح. فوصيتي لكل من قرأ هذه الكلمة أو سمعها، ولكل من تبلغه أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه أينما كان، وأن يتمسك بالأخلاق التي أمر الله بها وأثنى على أهلها في القرآن العظيم أو أقرها أو أثنى عليها رسول الله ﷺ في السنة المطهرة، فيشرع للمسلم أن يلزمها وأن يستقيم عليها وأن يوصي بها إخوانه وأن ينصحهم بها أينما كانوا، وأن يحذر الأخلاق التي ذمها الله وعابها، أو ذمها رسوله محمد ﵊ ليحذرها ولينهى عنها وليوصي إخوانه بتركها، وهذا هو معنى قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) وهذه الآية جامعة لجميع الأخلاق الفاضلة. ثم قال سبحانه في ختامها: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) ومن رحمة الله لهم أن ينصرهم ويؤيدهم على عدوهم، ومن رحمته أن يكفيهم شر الأعداء، ومن رحمته أن يعينهم على هذه الأخلاق ويوفقهم لها، ومن رحمته أن يدر لهم الأرزاق وينزل الأمطار وينبت لهم

стр. 3234

النبات ويعطيهم كل ما يطلبون، ومن رحمته سبحانه إدخالهم الجنة وإنجاؤهم من النار كما قال سبحانه بعدها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) هذا هو جزاؤهم في الآخرة، وفي الدنيا رحمة ونصر وتوفيق وتأييد، وفي الآخرة رحمة لهم بإدخالهم الجنة ونجاتهم من النار. أسال الله بأسمائه الحسنى أن يوفقنا وإياكم للتمسك بهذه الأخلاق التي مدحها الله وأمر بها وأثنى على أهلها وأن يوفقنا وجميع المسلمين في كل مكان وجميع ولاتهم وقادتهم في كل مكان من مشارق الأرض ومغاربها للتمسك بهذه الأخلاق العظيمة الفاضلة، وأن يجنبنا وإياهم جميع الأخلاق المذمومة وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح قادة المسلمين وشعوبهم في كل مكان، وأن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم عليه وأن يجمع كلمتهم على التقوى وأن ينصرهم بالحق وينصر الحق بهم، وأن يفقههم في دينه، وأن يثبتهم عليه، وأن يصلح لهم البطانة ويعينهم على كل خير، وأن يكثر أعوانهم في ذلك إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.

стр. 3235

أسئلة تتعلق بالمحاضرة بعنوان الأخلاق الإسلامية (١) السؤال الأول: إن كثيرا من طلاب العلم الذين يحضرون الدروس والمحاضرات ويزاحمون العلماء في المحاضرات لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر نأمل من سماحتكم توجيه كلمة بهذه المناسبة؟ الجواب: الواجب على الجميع التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر حسب الطاقة، وإذا قام بذلك من يكفي سقط عن الباقين، ولكن إذا أهمل الجميع أثموا. فعلى كل إنسان أن يبذل وسعه، وإذا كان في مكان ليس فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لزمه أن يقوم بذلك لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » ، رواه الإمام مسلم في الصحيح. فالواجب على المسلمين التعاون في هذا الأمر والتواصي به أينما كانوا، في المسجد وفي الطريق وفي البيت مع أهله وفي غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٣) الآية. فالواجب في مثل هذا التعاون على الخير والصبر في ذلك.

стр. 3236

حكم الانتماء إلى أحزاب دينية السؤال الثاني: بماذا تنصحون الدعاة حيال موقفهم من المبتدعة؟ كما نرجو من سماحتكم توجيه نصيحة خاصة إلى الشباب الذين يتأثرون بالانتماءات الحزبية المسماة بالدينية؟ الجواب: نوصي إخواننا جميعا بالدعوة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؟ أمر الله سبحانه بذلك مع جميع الناس ومع المبتدعة إذا أظهروا بدعتهم، وأن ينكروا عليهم سواء كانوا من الشيعة أو غيرهم - فأي بدعة رآها المؤمن وجب عليه إنكارها حسب الطاقة بالطرق الشرعية. والبدعة هي ما أحدثه الناس في الدين ونسبوه إليه وليس منه، لقول النبي: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » ، وقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » ، ومن أمثلة ذلك بدعة الرفض، وبدعة الاعتزال، وبدعة الإرجاء، وبدعة الخوارج، وبدعه الاحتفال بالموالد، وبدعة البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها إلى غير ذلك من البدع، فيجب نصحهم وتوجيههم إلى الخير، وإنكار ما أحدثوا من البدع بالأدلة الشرعية وتعليمهم ما جهلوا من الحق بالرفق والأسلوب الحسن والأدلة الواضحة لعلهم يقبلون الحق.

стр. 3237

أما الانتماءات إلى الأحزاب المحدثة فالواجب تركها، وأن ينتمي الجميع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن يتعاونوا في ذلك بصدق وإخلاص، وبذلك يكونون من حزب الله الذي قال الله فيه سبحانه في آخر سورة المجادلة: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) بعدما ذكر صفاتهم العظيمة في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) الآية. ومن صفاتهم العظيمة ما ذكره الله في سورة الذاريات في قول الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٣) ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (٤) ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٥) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦) ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٧) فهذه صفات حزب الله لا يتحيزون إلى غير كتاب الله، والسنة والدعوة إليها والسير على منهج سلف الأمة من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان. فهم ينصحون جميع الأحزاب وجميع الجمعيات ويدعونهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، وعرض ما اختلفوا فيه عليهما فما وافقهما أو أحدهما فهو المقبول وهو الحق، وما خالفهما وجب تركه. ولا فرق في ذلك بين جماعة الإخوان المسلمين، أو أنصار السنة والجمعية الشرعية، أو جماعة التبليغ أو غيرهم من الجمعيات والأحزاب المنتسبة للإسلام. وبذلك تجتمع الكلمة ويتحد الهدف ويكون الجميع حزبا

стр. 3238

واحدا يترسم خطا أهل السنة والجماعة الذين هم حزب الله وأنصار دينه والدعاة إليه. ولا يجوز التعصب لأي جمعية أو أي حزب فيما يخالف الشرع المطهر.

стр. 3239

السؤال الثالث: نرجو التفضل بإرشادنا إلى أهم كتب العقيدة؟ الجواب: أهم كتب العقيدة وأعظمها وأنفعها القرآن العظيم فهو أهم كتاب وأصدق كتاب وأعظم كتاب وأشرف كتاب، فعليك أن تعض عليه بالنواجذ وتكثر من تلاوته من أوله وآخره، فكله عقيدة وتوجيه إلى كل خير وتحذير من كل شر، فاقرأه بتدبر وعناية ورغبة في العلم واستقم على ما دل عليه قولا وعملا وعقيدة تجد فيه كل خير من أوله إلى آخره من الفاتحة إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١) تأمل ذلك الكتاب العظيم وأكثر من تلاوته وتدبر معانيه، ففيه بيان العقيدة التي رضيها الله لك ورضيها للمؤمنين. ثم بعد ذلك عليك بكتب الحديث الشريف كالصحيحين وغيرهما. ثم كتب أهل العلم المعروفين بالعلم والفضل والعقيدة الصحيحة ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها العقيدة الواسطية والتدمرية والحموية ومنهاج السنة ومجموع الفتاوى، وعقيدة ابن أبي زيد القيرواني وشرح ابن أبي العز للعقيدة الطحاوية فهو شرح مفيد. ومن ذلك كتب ابن القيم ﵀ فهذه كتب طيبة ومفيدة، ومنها كتاب فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن، وكتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكشف الشبهات، وثلاثة الأصول له

стр. 3240

أيضا، ومنها الدرر السنية المشتملة على فتاوى علماء نجد. وأوصي طلبة العلم في ابتداء طلبهم أن يحفظوا كتاب الله أو ما تيسر منه، وأن يحفظوا كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وثلاثة الأصول والعقيدة الواسطية فهي مختصرة في بيان التوحيد بأقسامه الثلاثة، والعقيدة السلفية. وهذه هي العقيدة التي دعا إليها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهي عقيدة السلف، وهي عقيدة الدولة السعودية، وحقيقتها التمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة في العقيدة والأحكام حسبما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وما درج عليه الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، ويسميها بعض الناس العقيدة الوهابية ويحسب أنها عقيدة جديدة تخالف الكتاب والسنة، وليس الأمر كذلك وإنما هي العقيدة التي درج عليها سلف الأمة كما تقدم ولكن الأعداء لقبوها بهذا اللقب تنفيرا منها ومن أهلها، وبعض الناس فعل ذلك جهلا وتقليدا لغيره. فينبغي لطالب العلم ألا يغتر بذلك وأن يعرف الحقيقة من كتبهم وما درجوا عليه لا من أقوال خصومهم ولا ممن يجهل عقيدتهم نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

стр. 3241

السؤال الرابع: ذكرت يا فضيلة الشيخ في كلامك بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالرفق واللين ولكن هناك البعض من الناس لا ينفع معهم اللين والرفق؟ الجواب: إذا كنت ذا سلطة فاعمل بسلطتك حسب ما تقتضيه القواعد

стр. 3242

الشرعية، أما الذي ليس له سلطة فيعمل بالرفق واللين وبذلك يؤدي ما عليه لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) الآية، وقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٣) » . أما إذا كان الآمر والناهي صاحب سلطة كأمير أو رئيس الهيئة أو عضو الهيئة فعليهم أن ينفذوا سلطتهم في المعاند لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤) فالظالم يعامل بشدة، والمعاند يعامل بالشدة أيضا حسب الطاقة مع مراعاة القواعد الشرعية من الأمير أو غيره من أصحاب السلطة ولمن له الأمر. فالرجل مع أهل بيته يعمل حسب طاقته، وهكذا المدرس مع تلاميذه، وشيخ القبيلة مع جماعته - أما غيرهم ممن ليس له سلطة فعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والأسلوب الحسن والتوجيه إلى الخير والدعاء بالهداية، فإن لم يحصل المقصود رفع الأمر إلى ذوي السلطة.

стр. 3243

السؤال الخامس: اشتهر عند بعض العوام أن يقول أحدهم قبل النوم يا ملائكة الحفظ أيقظوني في الساعة كذا أو عند وقت كذا؟

стр. 3244

الجواب: هذا لا يجوز بل هو من الشرك الأكبر؛ لأنه دعاء لغير الله وطلب من الغائب، فهو كالطلب من الجن والأصنام والأموات لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) فسمى سبحانه دعاء غيره من الأموات والأصنام والجن والملائكة شركا به سبحانه، وقال : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) فسمى الداعين لغيره كافرين، وهذا يعم جميع المدعوين من دون الله من أموات أو أصنام أو جن أو ملائكة، ولا يستثنى من ذلك إلا الحي الحاضر القادر لقول الله سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٦) ومن هذا الشرك قول بعض الناس: يا جن خذوه يا سبعة خذوه، أو يا جن الظهيرة خذوه، أو يا جن الشعب الفلاني أو يا جن

стр. 3245

بلد فلان، فهذا كله شرك أكبر ودعوة لغير الله من الغائبين، فإذا قال يا ملائكة الله أيقظوني أو احفظوني فهذا شرك أكبر، أو يا جن البيت احفظوني أو أيقظوني فهذا شرك أكبر نعوذ بالله من ذلك. والواجب على المسلم أن يحذر ذلك وأن يستغيث بالله وحده ويسأله وحده ففيه الكفاية سبحانه، وهو القادر على كل شيء وهو القائل : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) والقائل سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (٣) » . نسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.

стр. 3246

السؤال السادس: هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت، وما هو نص الحديث الذي فيه يا رسول الله ماذا بقي من بر والدي بعد موتهما؟ الجواب: ليس على قراءة القرآن للموتى دليل يدل على استحبابها فيما نعلم فالأحوط ترك ذلك والاكتفاء بما شرع الله من الدعاء لهم والصدقة عنهم وغير ذلك مما ثبت في الشرع المطهر كالحج والعمرة

стр. 3247

وقضاء الدين فإن هذا ينفعه. أما الحديث الذي سألت عنه فلفظه: «إن رجلا قال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به قال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما (١) » ، ويقول ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له (٢) » ، رواه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين أن رجلا قال للنبي ﷺ : «يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها قال النبي: نعم (٣) » .

стр. 3248

السؤال السابع: لي ابنة عم تبلغ من العمر سبعين عاما هل يجوز لي تقبيل رأسها من فوق حجابها أو مصافحتها لكبر سنها أم لا؟ الجواب: ليس لك أن تصافحها ولا أن تقبل رأسها ولا غيره بل يشرع لك أن تسلم بالكلام فقط ولو كانت كبيرة السن؛ لأنها ليست محرما لك. ولا حرج أن تقول: كيف حالك وكيف أولادك ونحو ذلك، يقول الرسول ﷺ : «إني لا أصافح النساء (١) » ، وذلك يعم العجائز وغيرهن، وقالت عائشة ﵂: «والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط (٢) » ، يعني غير محارمه ما كان يبايعهن إلا بالكلام.

стр. 3249

السؤال الثامن: نرجو من سماحتكم أن تذكروا بعض الأسباب المؤدية إلى التحلي بالأخلاق الإسلامية؟

стр. 3250

الجواب: الذي يؤدي إلى ذلك هو الإكثار من قراءة القرآن وتدبر معانيه، والاجتهاد في التخلق بما ذكر الله في القرآن الكريم من صفات الأخيار من عباد الله الصالحين فذلك مما يعين على التخلق بالأخلاق الفاضلة. وهكذا مجالسة الأخيار ومصاحبتهم، وقراءة الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ الدالة على ذلك. وهكذا تدبر أخبار الماضين في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي من صفات العباد والأخيار، كل هذه تعين على التخلق بالأخلاق الفاضلة والاستقامة عليها، وأعظم ذلك القرآن والإكثار من تلاوته وتدبر معانيه بقلب حاضر ورغبة صادقة، هذا هو أعظم ما يعين على ذلك، مع العناية بما جاءت به السنة الصحيحة عن النبي ﷺ في ذلك. والله ولي التوفيق.

стр. 3251

السؤال التاسع: إن بعض الآباء لا يهتم بأبنائه من ناحية أمور الدين فمثلا لا يأمرهم بالصلاة ولا بقراءة القرآن ومجالسة الأخيار، ونجده يأمر بالمحافظة على المدارس ويغضب إذا تخلف ابنه عنها، فما هي نصيحتكم يا سماحة الشيخ؟ الجواب: نصيحتي للآباء والأعمام والإخوان أن يتقوا الله فيمن تحت أيديهم من الأولاد ويأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ويضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع (١) » ، فالواجب على الآباء والأمهات وعلى الإخوان

стр. 3252

الكبار أن يقوموا على من تحت أيديهم في الصلاة وغيرها ويمنعوهم مما حرم الله ويلزموهم بما أوجب الله، هذا هو الواجب فهم أمانة عندهم. يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) ويقول الله : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) ويقول عن نبيه ورسوله إسماعيل ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٤) فعلينا أن نمتثل أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ وأن نلزم أهلينا وأولادنا بطاعة الله ورسوله في الصلاة وغيرها، ونمنعهم مما نهى الله ورسوله كالتخلف عن الصلاة، وشرب الخمر، والتدخين، والاستماع لآلات الملاهي، وصحبة الأشرار ونحو ذلك. ونلزمهم بصحبة الأخيار. هكذا يجب على الأولياء مع من تحت أيديهم من ذكور وإناث. والله سبحانه سائلهم عن ذلك يوم القيامة كما قال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) وقال النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (٧) » .

стр. 3253

السؤال العاشر: ما رأي سماحتكم في رجل يقرأ القرآن الكريم وهو لا يحسن القراءة بسبب أنه لم يحصل على قسط وافر من التعليم، وهو في قراءته يلحن لحنا جليا بحيث يتغير مع قراءته المعنى ويحتج بحديث عائشة ﵂: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به (١) » الحديث؟

стр. 3254

الجواب: عليه أن يجتهد ويحرص على أن يقرأه على من هو أعلم منه ولا يدع القراءة؛ لأن التعلم يزيده خيرا، والحديث المذكور حجة له وهو قول النبي ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق ويتتعتع فيه له أجران (١) » رواه مسلم، ومعنى يتتعتع قلة العلم بالقراءة، وهكذا قوله: وهو عليه شاق معناه قلة علمه بالقراءة، فعليه أن يجتهد ويحرص على تعلم القراءة على من هو أعلم منه، وفي ذلك فضل عظيم لقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٢) » خرجه البخاري في صحيحه، فخيار المسلمين هم أهل القرآن تعلما وتعليما وعملا ودعوة وتوجيها. والمقصود من العلم والتعلم هو العمل، وخير الناس من تعلم القرآن وعمل به وعلمه الناس، ويقول ﵊: «اقرءوا هذا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة (٣) » ، رواه مسلم في صحيحه، ويقول ﵊: «القرآن حجة لك أو عليك (٤) » ، خرجه مسلم أيضا في صحيحه، والمعنى أنه حجة لك إن عملت به، أو حجة عليك إن لم تعمل به.

стр. 3255

السؤال الحادي عشر: هل يجوز أن أقبل أختي أو تقبلني؟ الجواب: لا بأس أن تقبل أختك وتقبلك، وهكذا جميع محارمك كعمتك وخالتك وزوجة أبيك وأمك وبنت أخيك تقبلها مع الخد أو مع الأنف أو جبهتها أو رأسها إن كانت كبيرة، فالنبي ﷺ كان يقبل فاطمة إذا دخلت عليه أو دخل عليها يأخذ بيدها ﵊، والصديق أبو بكر ﵁ لما دخل على ابنته عائشة وهي مريضة قبلها مع خدها. السؤال الثاني عشر: ما حكم الكشف على الشغالة في المنزل؟ الجواب: عليها الاحتجاب، وعليك أن تغض البصر وتأمرها بالحجاب لقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (١) وعليها الحجاب والتستر، وعليك ألا تخلو بها لأن الخلوة من أسباب الفتنة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (٢) » ، فلا تخلو بها، ولا تخلو بزوجة أخيك ولا زوجة عمك ولا غيرهن ممن ليست محرما لك، للحديث المذكور، أما السلام فلا بأس به ولا بالكلام للحاجة لكن بدون خلوة وبدون مصافحة.

стр. 3256

أخلاق المؤمنين والمؤمنات (١) بسم الله الرحمن الرحيم والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وأفضل الدعاة إلى سبيل الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوتي في الله وأخواتي في الله في مقر مستشفى النور التخصصي في مكة المكرمة في رحاب بيت الله العتيق، أسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يمنحنا الفقه في دينه، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ثم أشكر القائمين على هذا المستشفى وعلى رأسهم سعادة المدير على دعوتهم لي لهذا اللقاء، واسأل الله أن يبارك في جهود الجميع، وأن يعينهم على كل ما فيه رضاه وعلى كل ما فيه نجاح هذا المستشفى وسلامة القائمين عليه والمعالجين فيه، كما أسأله سبحانه أن يوفق الجميع لكل خير، وأن يثبت الجميع على دينه ويعيذنا جميعا من مضلات الفتن إنه خير مسئول. أيها الإخوة في الله والأخوات في الله عنوان كلمتي: (أخلاق المؤمنين والمؤمنات) بين الله سبحانه في كتابه الكريم في مواضع

стр. 3257

كثيرة من القرآن أخلاق المؤمنين وأخلاق المؤمنات، وكررها كثيرا ليعلمها المؤمن فيأخذ بها ويستقيم عليها ولتعلمها المؤمنة فتأخذ بها وتستقيم عليها، ولا فرق في ذلك بين الأمراء والأطباء والعلماء وعامة المؤمنين من الذكور والإناث كلهم مطالبون بهذه الأخلاق، مطالبون بالتحلي بالأخلاق الإيمانية التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها وجعلها طريقا للسعادة في الدنيا والآخرة، وسبيلا لمصلحة الجميع في هذه الدار وطريقا للنجاة يوم القيامة، ومن جملة الآيات وأجمعها في ذلك قول الله في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ثم ذكر بعد ذلك جزاءهم في الآخرة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) هذا جزاؤهم في الآخرة فجدير بكل مسلم ومسلمة وبكل مؤمن ومؤمنة أن يتدبر هذه الآية وما جاء في معناها من الآيات ويتفقه في ذلك، وأن يعمل بمقتضاها حتى يكون من المستحقين لرحمة الله في الدنيا والآخرة ومن الفائزين بالجنة والكرامة يوم القيامة. فجميع، المؤمنين والمؤمنات من جميع الطبقات من عرب وعجم

стр. 3258

وجن وإنس وأمراء وعلماء ومديرين وأطباء وطبيبات وباعة وممرضين وممرضات وغير ذلك، جميع هذه الطبقات كلهم إذا آمنوا بالله ورسوله كلهم داخلون في هذه الآية وهي قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) يعني كل واحد ولي أخيه وأخته في الله وكل مؤمنة ولية أخيها في الله وأختها في الله بالتناصح والتواصي بالحق وأداء الأمانة وصدق الحديث وعدم الغش في المعاملة إلى غير ذلك، كلهم أولياء كل واحد ينصح للآخر ويؤدي حقه ولا يغتابه ولا ينم عليه ولا يخونه ولا يشهد عليه بالزور ولا يظلمه لا في نفسه ولا في ماله ولا في عرضه وبذلك يفوز بما وعد الله به المؤمنين إذا استكمل هذه الصفات العظيمة، وعلى المؤمن والمؤمنة أن يعتنيا بهذا الواجب، وأن يجاهدا أنفسهما في التطبيق حتى يكونا ممن شملتهم هذه الآية، فالطبيب ينصح في عمله ويؤدي الواجب في حق المريض من جميع الوجوه ويتقي الله فيه في وصفه للدواء وكيفية العلاج وفي جميع الشئون التي يعتقد أنها تنفع المريض، والطبيبة كذلك وموظفو المستشفى والممرض والممرضة كذلك؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) على كل منهم واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لله ولعباده مع الصدق والإخلاص والاستقامة، فالأمير والمدير والطبيب كل واحد منهم عليه واجبه إذا رأى منكرا أنكره ونهى عنه، وإذا رأى المعروف الذي قد أضاعه مؤمن نهاه عن إضاعته وأمره به قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)

стр. 3259

وبهذا يصلح المجتمع وتستقيم أحواله إذا كان كل واحد ينصح لأخيه ويؤدي الحق الذي عليه ولا يخون أخاه في شيء، وهكذا سائر المجتمع في أعماله كلها في البيع والشراء وفي الزراعة وفي رعاية الإبل والغنم يؤدي الأمانة وينصح لله ولعباده كما قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » ، وقال جرير بن عبد الله البجلي أحد الصحابة ﵃: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٢) » . ثم ذكر الله بعد ذلك الصلاة والزكاة فقال سبحانه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣) يعني أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويحافظون عليها كما أمرهم الله في أوقاتها هكذا يجب على المؤمن والمؤمنة العناية بالصلاة والمحافظة عليها وإقامتها كما شرعها الله، الرجل يؤديها في الجماعة، والمرأة تؤديها في وقتها في بيتها وفي محل عملها بإخلاص وطمأنينة وخشوع، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) وقال جل وعلا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٧) فالصلاة عمود الإسلام وركنه الأعظم بعد الشهادتين، يجب على

стр. 3260

كل مؤمن ومؤمنة أن يعتنيا بها بالطمأنينة والخشوع وأدائها كاملة مع التعاون بين المؤمن وأهله وجيرانه وغيرهم في المحافظة عليها، وهكذا المرأة مع أهلها ومع زوجها ومع أمها ومع إخوانها ومع بناتها ومع غيرهم في المحافظة والتواصي والتناصح. يقول : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) هكذا المؤمنون يتناصحون ويتواصون بالحق والصبر عليه قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) فالمؤمن يعين أخاه في الخير، والمؤمنة كذلك تعين أخاها وأختها في الخير، ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، ومن ذلك ترك الصلاة وترك الأمر بالمعروف، ولكن يتعاونون على طاعة الله ورسوله وعلى البر والتقوى وينهون عن ضد ذلك من الآثام والعدوان والمعاصي. وهكذا الزكاة حق المال يتعاونون على أدائها ويتناصحون في أدائها، فالمؤمن يطيع الله ورسوله في كل شيء، ومن أسباب ذلك ووسائله العناية بالقرآن الكريم وتدبر معانيه فإن هذا من أعظم الأسباب في تقوى الله وصلاح القلوب وأن تؤدي حق الله وحق عباده. وأوصي الجميع بتقوى الله والاستقامة على دينه، والنصح
следующие страницы →