← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

س ٦: عندما تقع بعض السلبيات أو المنكرات في المجتمع فما السبيل الأمثل - في نظر سماحتكم - نحو معالجة هذه السلبيات وإنكار المنكرات؟ ج ٦: السبيل أوضحه الله حيث يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) ويقول : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦) وهذا هو السبيل وهو التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والنصحية ودعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والكلمات الطيبة والرفق حتى يعم الخير ويكثر وحتى

стр. 3187

يزول الشر ويندثر. وهذا مطلوب من الجميع من الدولة ومن العلماء ومن أهل الخير ومن أعيان المسلمين ومن العامة كل بحسب طاقته ولكن بتحري العبارات الطيبة والأسلوب الحسن حتى يحصل الخير ويزول الشر.

стр. 3188

س ٧: من الملاحظ - سماحة الشيخ - أن هناك غيرة صادقة لدى الشباب الملتزم على دين الله وحماسة لفعل الخير وإنكار المنكر، فهل ترون أن هذا من الأمور المحمودة للصحوة الإسلامية في عصرنا الحاضر؟ ج ٧: نعم، إن هذا يسر والحمد لله نشاط الشباب في الخير وغيرتهم الإسلامية وحرصهم على العلم كل هذا مما يسر كل مؤمن ويبشر بالخير وهذا من اليقظة الإسلامية ومن أسباب انتشارها أيضا فالواجب تشجيع ذلك. والواجب أيضا ترشيده ونصيحتي للشباب أن يرجعوا إلى العلماء فيما أشكل عليهم ومن أهم الأمور عدم العجلة وعدم الغلو وسلوك منهج التوسط في الأمور.

стр. 3189

حكم التوسل بجاه النبي الكريم ﷺ س: هذه رسالة وردت إلى البرنامج من فواز محمد علي من العراق محافظة نينوى يقول في رسالته: ما هو الحكم على المسلم الذي يقيم الفرائض ويتوسل بجاه النبي الكريم ﷺ ، وهل يجوز رميه بالشرك؟ أفيدونا أفادكم الله. ج: المسلم الذي يوحد الله ويدعوه وحده ويؤمن بأنه الإله الحق، ويعتقد معنى لا إله إلا الله وأن معناها لا معبود حق إلا الله، ويؤمن بمحمد أنه رسول الله حقا أرسله الله إلى الجن والإنس، هذا يقال له مسلم لكونه أتى بالشهادتين ووحد الله، وحده وصدق الرسول ﷺ فإنه يكون مسلما بذلك فإذا أتى شيئا من المعاصي فإنه يكون بذلك ناقص الإيمان كالزنى والسرقة والربا إذا لم يعتقد حل ذلك ولكنه أطاع الهوى والشيطان فعل هذه المعاصي أو بعضها فهذا يكون نقصا في إيمانه وضعفا في إيمانه، أما إذا توسل بجاه النبي ﷺ وقال: اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحق محمد فهذا بدعة عند جمهور أهل العلم نقص في الإيمان ولا يكون مشركا ولا يكون كافرا بل هو مسلم ولكن يكون هذا نقصا في الإيمان وضعفا بالإيمان مثل بقية المعاصي التي تخرج عن الدين؛ لأن الدعاء ووسائل الدعاء توقيفية ولم يرد في الشرع ما يدل على التوسل بجاه محمد ﷺ بل هذا مما أحدثه الناس فالتوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه الأنبياء أو بحق النبي أو بحق الأنبياء أو بجاه فلان أو بجاه علي أو بجاه أهل

стр. 3190

البيت كل هذا من البدع، والواجب ترك ذلك لكن ليس بشرك وإنما هو من وسائل الشرك فلا يكون صاحبه مشركا ولكن أتى بدعة تنقص الإيمان وتضعف الإيمان عند جمهور أهل العلم. لأن الوسائل في الدعاء توقيفية فالمسلم يتوسل بأسماء الله وصفاته؟ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) ويتوسل بالتوحيد والإيمان كما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (٢) » فهذا توسل بتوحيد الله. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات؟ في حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم صخرة لما دخلوا الغار من أجل المطر أو المبيت فانطبقت عليهم صخرة عظيمة فلم يستطيعوا دفعها فقال بعضهم لبعض: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله بصالح أعمالهم فتوسل أحدهم ببره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ثم توسل الآخر بعفته عن الزنى وأنه كان له بنت عم يحبها كثيرا فأرادها لنفسه فأبت عليه ثم إنها ألمت بها سنة وحاجة، فجاءت إليه تطلبه العون فقال: إلا أن تمكنيني من نفسك فوافقت على أن يعطيها مائة وعشرين دينارا من الذهب فلما جلس بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فخاف من الله سبحانه وقام عنها ولم يأت الفاحشة وترك لها الذهب وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة بعض الشيء

стр. 3191

ولكن لا يستطيعون الخروج. ثم توسل الثالث بأدائه الأمانة وقال: إنه كانت عنده أمانة لبعض العمال تركها عنده فنماها وعمل فيها حتى صارت مالا كثيرا من الإبل والبقر والغنم والرقيق فلما جاء صاحبها أداها إليه كلها كاملة فقال: يا ربي إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا. وهذا يدل على أن التوسل بالأعمال الصالحات من أسباب الإجابة، أما التوسل بجاه محمد ﷺ ، أو بجاه فلان، أو بجاه الصديق، أو بجاه عمر، أو بجاه علي، أو بجاه أهل البيت، أو ما أشبه ذلك فهذا ليس له أصل بل هو بدعة وإنما التوسل الشرعي أن يتوسل المسلم بأسماء الله وصفاته أو بإيمانه بالله فيقول: اللهم إني أتوسل إليك بإيماني بك أو بإيماني بنبيك، أو بمحبتي لك، أو بمحبتي لنبيك ﵊ فهذا طيب وهذه وسيلة شرعية طيبة، أو يتوسل بالتوحيد بأن يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد. كل هذا طيب أو يتوسل إلى الله ببره لوالديه، أو بمحافظته على الصلوات، أو بعفته عن الفواحش كل هذه وسائل طيبة بأعمال صالحة، هذا هو الذي قرره أهل العلم وأهل التحقيق من أهل البصرة، أما التوسل بجاه النبي، أو بجاه فلان، أو بحق فلان فهذا بدعة؟ تقدم بيان ذلك والذي عليه جمهور أهل العلم أنه غير مشروع والله ولي التوفيق.

стр. 3192

من هو الذي يعذر بالجهل في العقيدة والأمور الفقهية س: الأخ: م. ص من جمهورية مصر العربية يقول في سؤاله: من هم الذين يعذرون بالجهل؟ وهل يعذر الإنسان بجهله في الأمور الفقهية؟ أم في أمور العقيدة والتوحيد؟ وما هو واجب العلماء نحو هذا الأمر؟ ج: دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل، وليس كل واحد يعذر بالجهل، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول ﷺ للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين لا تقبل فيها دعوى الجهل، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة وأصل الدين. فإن الله بعث نبيه ﷺ ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله ، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو أن الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب فهذا وأمثاله لا تقبل فيه دعوى الجهل ممن هو بين المسلمين لأنها أمور معلومة بين المسلمين. وقد علمت بالضرورة من دين الإسلام وانتشرت بين المسلمين فلا تقبل

стр. 3193

دعوى الجهل في ذلك، وهكذا إذا ادعى أحد بأنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار، أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء. . فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة وأنه شرك كبير، وقد أوضح الله ذلك في كتابه الكريم وأوضحه رسوله ﷺ وبقي ثلاث عشرة سنة في مكة وهو ينذر الناس هذا الشرك وهكذا في المدينة عشر سنين، يوضح لهم وجوب إخلاص العبادة لله وحده ويتلو عليهم كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧) وبقوله سبحانه مخاطبا الرسول ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٨) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٩) وبقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١٠) وبقوله :

стр. 3194

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وهكذا الاستهزاء بالدين والطعن فيه والسخرية به والسب كل هذا من الكفر الأكبر ومما لا يعذر فيه أحد بدعوى الجهل، لأنه معلوم من الدين بالضرورة أن سب الدين أو سب الرسول ﷺ من الكفر الأكبر وهكذا الاستهزاء والسخرية، قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣) فالواجب على أهل العلم في أي مكان أن ينشروا هذا بين الناس وأن يظهروه حتى لا يبقى للعامة عذر وحتى ينتشر بينهم هذا الأمر العظيم، وحتى يتركوا التعلق بالأموات والاستعانة بهم في أي مكان في مصر أو الشام أو العراق أو في المدينة عند قبر النبي أو في مكة أو غير ذلك وحتى ينتبه الحجيج وينتبه الناس ويعلموا شرع الله ودينه، فسكوت العلماء من أسباب هلاك العامة وجهلهم، فيجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوا الناس دين الله وأن يعلموهم توحيد الله وأنواع الشرك بالله حتى يدعوا الشرك على بصيرة وحتى يعبدوا الله وحده على بصيرة وهكذا ما يقع عند قبر البدوي أو الحسين ﵁ أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني أو عند قبر النبي ﷺ في المدينة أو عند غيرهم يجب التنبيه على هذا الأمر وأن يعلم الناس أن العبادة حق لله وحده ليس لأحد فيها حق كما قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤)

стр. 3195

وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) يعنى أمر ربك، فالواجب على أهل العلم في جميع البلاد الإسلامية وفي مناطق الأقليات الإسلامية وفي كل مكان أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبصروهم بمعنى عبادة الله وأن يحذروهم من الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب وقد خلق الله الثقلين ليعبدوه وأمرهم بذلك. لقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وعبادته هي: طاعته وطاعة رسوله ﷺ وإخلاص العبادة له وتوجيه القلوب إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥) أما المسائل التي قد تخفى مثل بعض مسائل المعاملات وبعض شئون الصلاة وبعض شئون الصيام فقد يعذر فيها الجاهل؟ عذر النبي علي الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطين فقال له النبي ﷺ : «اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك (٦) » ، ولم يأمره بفدية لجهله، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلم فيها الجاهل ويبصر فيها، أما أصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة فلا يقبل في ذلك

стр. 3196

دعوى الجهل من أي أحد بين المسلمين فلو قال أحد، وهو بين المسلمين: إنني ما أعرف أن الزنى حرام فلا يعذر، أو قال: ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام فلا يعذر بل يضرب ويؤدب، أو قال: ما أعرف أن اللواط حرام فلا يعذر، لأن هذه أمور ظاهرة معروفة بين المسلمين في الإسلام. لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون قد يقبل منه دعوى الجهل وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، أما الذي بين المسلمين ويقوم بأعمال الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة، فهذا لا يعذر؛ لأن الأمر واضح والمسلمون بحمد الله موجودون، ويصومون ويحجون ويعرفون أن الزنى حرام وأن الخمر حرام وأن العقوق حرام وكل هذا معروف بين المسلمين وفاش بينهم فدعوى الجهل في ذلك دعوى باطلة والله المستعان.

стр. 3197

حكم من هجر والدته (١) س: يسأل الأخ م. ق. ل من جيزان يقول: هناك رجل طالب علم يصلي ويصوم ويتصدق لكن مع الأسف قد هجر أمه. فهل صلاته وصدقته وصومه تنفعه وهو هاجر لأمه لا يلتفت إليها وهي مؤمنة تصلي وتصوم ونحن نعرفها بذلك؟ ج: هجر المسلم لأمه منكر وعقوق عظيم ويجب عليه التوبة إلى الله من ذلك وعليه أن يرجع إلى برها والإحسان إليها والأخذ بخاطرها واستسماحها هذا هو الواجب عليه وليس له أن يبقى على الهجر والعقوق، لأن هذا منكر عظيم وكبيرة عظيمة فيجب عليه تركها واستسماح والدته وطلب رضاها والتوبة إلى الله من ذلك . أما صلاته وصومه وعباداته فلا تبطل. فعباداته صحيحة وأعماله صحيحة إذا أداها على الوجه الشرعي، ولكن يكون إيمانه ضعيفا بكون إيمانه ناقصا بهذه المعصية. فإن المعاصي عند أهل السنة تنقص الإيمان وتضعف الإيمان ولكن لا يكفر صاحبها إنما يكفر بالكبيرة عند الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وهم ظلمة فجرة في هذا القول فقد أخطئوا وغلطوا عند أهل السنة والجماعة. وأما أهل السنة فإنهم يقولون: المعصية تنقص الإيمان ولكن لا يكون صاحبها كافرا ولا خالدا في النار بل هو عاص ومعصيته تنقص إيمانه وتضعف إيمانه وتسبب غضب الله عليه وهو

стр. 3198

على خطر منها بأن يدخل النار ولكن لا يكون كافرا، وحتى لو دخل النار لا يخلد فيها هكذا يقول أهل السنة والجماعة فيهم، لا يخلدون العصاة في النار إذا دخلوا بمعاصيهم. فالحاصل أن هجره لأمه معصية وكبيرة بل وعقوق ولكن لا يكون ذلك من أسباب كفره ولا بطلان عمله إلا إذا استحل ذلك ورأى أن عقوق والديه حلال فهذا يكون كافرا نعوذ بالله من استحلال عقوق الوالدين. فإن من عمل ذلك ورأى أنه حلال أو استحل الربا ورأى أنه حلال أو استحل الزنا ورأى أنه حلال هذا يكون كافرا مرتدا عن الإسلام إلا أن يكون مشركا وجاهلا لبعده عن الإسلام كالذي نشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام يجب أن يعلم أمور الإسلام ويبين له أن عقوق الوالدين مما حرمه الله على عباده، فالبر بالوالدين مما أوجبه الله على كل مسلم وإن عقوقهما مما حرمه الله، فإذا علم الجاهل وبين الأمر لمن دخل في الإسلام ثم أصر يكون كافرا نعوذ بالله وإذا كان طالب علم فكبيرته أشد نعوذ بالله من ذلك.

стр. 3199

وصف الأمة بالأمية كثيرا ما نقرأ في الصحف ونرى إعلانات في الشوارع تشجب الأمية وتعدها من علامات التخلف والله تعالى وصف هذه الأمة بالأمية فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١) فأرجو أن توضحوا ذلك؟ محمد. ع - الرياض. الجواب: كانت أمة محمد ﷺ من العرب والعجم لا يقرءون ولا يكتبون، ولهذا سموا أميين وكان الذين يكتبون ويقرأون منهم قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم وكان نبينا محمد لا يقرأ الكتابة ولا يكتب كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) وكان ذلك من دلائل صدق رسالته ونبوته ﵊، لأنه أتى إلى الناس بكتاب عظيم أعجز به العرب والعجم أوحاه الله إليه ونزل به عليه الروح الأمين جبرائيل ﵊ وأوحى إليه سبحانه السنة المطهرة وعلوما كثيرة من علوم الأولين، وأخبره سبحانه بأشياء كثيرة مما كان في غابر الزمان ومما يكون في آخر الزمان ومما يكون في يوم القيامة، كما أخبره بأحوال الجنة والنار وأهلهما وكان ذلك مما فضله الله به على غيره وأرشد به الناس إلى منزلته العالية مع وصفه بالأمية، لأن ذلك من أوضح الأدلة على نبوته ورسالته

стр. 3200

ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) أما وصف الأمة بالأمية فليس المقصود منه ترغيبهم في البقاء عليها وإنما المقصود الإخبار عن واقعهم وحالهم حين بعث الله إليهم محمدا ﷺ وقد دل الكتاب والسنة على الترغيب في التعلم والكتابة والخروج من وصف الأمية فقال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) الآية. وقال النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٥) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقال أيضا ﵊: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٦) » متفق على صحته والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق.

стр. 3201

أجر الصابرين في الدنيا والآخرة (١) س: حدثنا لو تكرمتم عما وعد الله به الصابرين في الدنيا والآخرة والعاملين بطاعة الله؟ ج: إن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له وأمرهم بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) وهذه العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها هي أن يطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه ويكثروا من ذكره. وأساس هذه العبادة هو توحيده سبحانه بدعائه وبخوفه ورجائه والإخلاص له في جميع العبادة من صلاة وصوم وغير ذلك. وقد وعدهم الله الخير الكثير والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة؟ وعدهم في الآخرة بالجنة والكرامة قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٨) وقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩)

стр. 3202

وقال ﷺ : «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر (١) » ، وقال ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن (٢) » ، فالصابر له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة أو له الجنة والكرامة في الآخرة إذا صبر على تقوى الله سبحانه وطاعته وصبر على ما ابتلي به من شظف العيش والفاقة والفقر والمرض ونحو ذلك؟ قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) والصبر والتقوى عاقبتهما حميدة في جميع الأحوال. قال تعالى في حق المؤمنين مع عدوهم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥)

стр. 3203

حكم الاستعانة بساحر لإخراج السحر س: هل يجوز لي أن أستعين بساحر حتى يخرج لي السحر المتواجد في زرع الحوش ولا أستعين به إلا في هذا الموضوع فقط؟ أرجو من سماحتكم الرد السريع لأنني في ضرورة قصوى وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سيدة من الطائف. ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعده: لا يجوز الاستعانة بالسحرة في شيء من الأمور بل الواجب قتلهم والقضاء عليهم من جهة الدولة إذا ثبت عليهم تعاطي السحر من طريق المحاكم الشرعية ونوصيك بتقوى الله سبحانه وسؤاله الشفاء والعافية من كل سوء والتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء وأن تقولي صباحا ومساء: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات وأن تقرئي آية الكرسي عند النوم، وبعد كل صلاة فريضة بعد الأذكار الشرعية، وأن تقرئي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٢) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٣) ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب وعند النوم، وبذلك تسلمين إن شاء الله من كل سوء، لأن الرسول ﷺ أوصى بذلك شفاك الله وعافاك من كل سوء. ونرى رفع الموضوع إلى رئيس الهيئة بالطائف وإظهاره عن محل الشخص المتهم بالسحر حتى نقيم الدعوى عليه لدى المحكمة لإجراء ما يلزم نحوه وفق الله الجميع لما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3204

اللعن كبيرة نرى بصورة كبيرة انتشار اللعن لأتفه الأسباب بين كثير من الناس، كلعن الشخص المعين، ولعن الوالدين والأقارب. نرجو من سماحتكم بيان خطر ذلك على دين المسلم. .؟ إ. س - الرياض الجواب: لعن المسلم بغير حق من كبائر الذنوب ومن المعاصي الظاهرة، وإذا كان اللعن للوالدين صار الإثم أكبر وأعظم لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن المؤمن كقتله (١) » متفق على صحته. وقال ﵊: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة (٢) » رواه مسلم في صحيحه. . . وقال ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (٣) » متفق عليه. . وقال ﷺ لأصحابه: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور أو قال: وشهادة الزور (٤) » متفق على صحته. . ولا شك أن لعن الوالدين من أقبح العقوق، فالواجب على المسلمين عموما وعلى الأولاد خصوصا مع والديهم الحذر من هذه الجريمة وتطهر ألسنتهم منها حذرا من غضب الله وعقابه، وحرصا على بقاء المودة والأخوة بين المسلم وإخوانه وبين الولد ووالديه. نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير.

стр. 3205

حكم قتل الحشرات التي توجد في البيت مثل النمل والصراصير وما أشبه ذلك س: الحشرات التي توجد في البيت مثل النمل والصراصير وما أشبه ذلك هل يجوز قتلها بالماء أو بالحرق، وإن لم يجز فماذا نفعل؟ ج: هذه الحشرات إذا حصل منها الأذى تقتل لكن بغير النار من أنواع المبيدات. لقول النبي ﷺ : «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور (١) » ، وجاء في الحديث الآخر الصحيح ذكر الحية. وهذا الحديث الصحيح عن النبي ﷺ يدل على شرعية قتل هذه الأشياء المذكورة وما في معناها من المؤذيات كالنمل والصراصير والبعوض والذباب والسباع دفعا لأذاها، أما إذا كان النمل لا يؤذي فإنه لا يقتل، لأن «النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد (٢) » ، وذلك إذا لم يؤذ شيء منها. أما إذا حصل منه أذى فإنه يلحق بالخمس المذكورة في الحديث. والله ولي التوفيق.

стр. 3206

الصبر على البلاء والترغيب فيه س: ما حكم إنكار المنكر هل هو صبر على البلاء وكفى، وما صحة الأحاديث الواردة في الترغيب في الصبر على البلاء؟ ج: ليس من الصبر على البلاء عدم إنكار المنكر فالواجب عند وجود البلاء بالمنكرات هو إنكارها باليد أو باللسان أو بالقلب حسب الطاقة، لقول الله سبحانه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) الآية وعلى المسلمين عند الابتلاء بالمنكرات سواء كان ذلك في البيت أو في الطريق أو في غيرها الإنكار ولا يجوز التساهل في ذلك. أما الأحاديث الواردة في الصبر على البلاء فهي كثيرة ومنها قوله ﷺ : «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل (٢) » . . . الحديث وهو حديث صحيح، ومنها قوله ﷺ مثلا: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (٣) » رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب بن سنان ﵁، وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦)

стр. 3207

وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة نسأل الله أن يجعلنا وإخواننا من الصابرين إنه جواد كريم. ومما ورد في الأحاديث في الصبر على البلاء قول النبي ﷺ : «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة (٢) » رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة. وبعض الناس يظن أن هذا الذي يصاب بالأمراض ونحوها مغضوب عليه وليس الأمر كذلك فإنه قد يبتلى بالمرض والمصائب من هو من أعز الناس عند الله وأحبهم إليه كالأنبياء والرسل وغيرهم من الصالحين كما تقدم في قوله ﷺ : «أشد الناس بلاء الأنبياء (٣) » الحديث وكما حصل لنبينا ﷺ في مكة وفي يوم أحد وغزوة الأحزاب وعند موته ﷺ وكما حصل لنبي الله أيوب ﵊، ولنبي الله يونس ﵊، وذلك ليرفع شأنهم ويعظم أجورهم وليكونوا أسوة صالحة للمبتلين بعدهم. وقد يبتلى الإنسان بالسراء كالمال العظيم والنساء والأولاد وغير ذلك فلا ينبغي أن يظن أنه بذلك يكون محبوبا عند الله إذا لم يكن مستقيما على طاعته، فقد يكون من حصل له ذلك محبوبا، وقد يكون مبغوضا، والأحوال تختلف والمحبة عند الله ليست بالجاه

стр. 3208

والأولاد والمال والمناصب وإنما تكون المحبة عند الله بالعمل الصالح والتقوى لله والإنابة إليه والقيام بحقه وكل من كان أكمل تقوى كان أحب إلى الله. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وإنما يعطي الإيمان والدين من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه (١) » ، فمن ابتلي بالكفر والمعاصي فهذا دليل على أنه مبغوض عند الله على حسب حاله ثم أيضا قد يكون الابتلاء استدراجا فقد يبتلى بالنعم يستدرج بها حتى يقع في الشر وفيما هو أسوأ من حاله الأولى قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٣) روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب على معصيته فاعلم أنما هو استدراج، ثم قرأ قوله تعالى: (٥) » أي آيسون من كل خير والعياذ بالله. ويقول جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٦) ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٧) وقد يبتلى الناس بالأسقام والأمراض ونحو ذلك لا عن بغض ولكن لحكمة بالغة منها رفع الدرجات وحط الخطايا كما تقدم بيان ذلك.

стр. 3209

المذاهب الأربعة ومدى صحتها س: المذاهب الأربعة: الحنبلية والشافعية والمالكية والحنفية - هل هي صحيحة وفي أي زمن وجدت؟ ج: هذه المذاهب الأربعة هي مذاهب معروفة انتشرت في القرن الثاني وما بعده. أما مذهب أبي حنيفة فقد عرف وانتشر في القرن الثاني وهكذا مذهب مالك في القرن الثاني - وأما مذهب الإمام الشافعي وأحمد فانتشر مذهبهما في القرن الثالث وكلهم على خير وهدى وهدفهم تحري الحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولكن ليس معناه أن كل واحد منهم معصوم ولا يقع منه الخطأ بل كل واحد منهم له أغلاط حسب ما بلغهم من السنة وحسب ما عرفوه من كتاب الله . فقد يفوت بعضهم شيء من العلم بكتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ فيفتي بما علم. وهذا أمر معلوم عند أهل العلم. ويلتحق بهؤلاء الأربعة غيرهم من أهل العلم كالأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وغيرهم من الأئمة المعروفين - فكل واحد منهم يجتهد فيما وصل إليه من العلم فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر اجتهاده وإن فاته أجر الصواب كما صحت بذلك السنة عن النبي ﷺ . والله ولي التوفيق.

стр. 3210

الأخلاق الإسلامية (١) الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن موضوع هذه الكلمة هو بيان الأخلاق الإسلامية التي ينبغي لكل مؤمن ولكل مؤمنة التخلق بها والاستقامة عليها حتى الموت، وما ذاك إلا لأن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته ووعدهم عليها أحسن الجزاء إذا استقاموا عليها، وأعد لأوليائه المستقيمن على الأخلاق التي أمر بها ودعا إليها الجنة والكرامة مع التوفيق في الدنيا والإعانة على الخير، وأعد لمن حاد عنها واستكبر عنها دار الهوان وهي النار وبئس المصير نسأل الله العافية. والأخلاق الإسلامية هي التي أمر الله بها في كتابه العظيم، أو أمر بها رسوله الكريم محمد ﵊، أو مدح أهلها وأثنى عليهم ووعدهم عليها الأجر العظيم والفوز الكبير، ومنها الأخلاق التي وعد الرب أو الرسول من تركها وهجرها الجزاء الحسن، فإن ترك المذموم من الخلق الممدوح، ففعل المأمورات وترك المحظورات هو جماع الأخلاق التي أمر الله بها ودعا إليها أو أمر بها الرسول ودعا إليها أو مدح أهلها،

стр. 3211

وهذه هي العبادة التي خلق لها الثقلان في قوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) والمعنى يعبدونه بفعل المأمور من صلاة وصوم وأعظم ذلك توحيده والإخلاص له، وترك المحظور الذي نهى عنه وأعظم ذلك الشرك بالله ودعوة غيره معه وسائر أنواع الكفر والضلال. وهذه الأخلاق التي هي فعل المأمور وترك المحظور هي التي بعث الله بها الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام من عهد آدم أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، وعهد نوح الذي هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعد أن وقع فيهم الشرك إلى آخرهم إلى خاتمهم وأفضلهم محمد بن عبد الله ﵊، فأبونا آدم ﵊ رسول أرسل لأهل الأرض ونبي كريم شرع الله له التوحيد، وشرع له شرائع وسار عليها هو وذريته حتى وقع الشرك في قوم نوح، فأرسل الله نوحا إلى أهل الأرض وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعدما وقع الشرك فيهم، فدعا إلى توحيد الله وأنكر الشرك بالله، وأقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته وترك الإشراك به ومعصيته، ثم بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد ذلك كلهم يدعون إلى توحيد الله وطاعته وترك ما نهى عنه ؟ قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وقال تعالى:

стр. 3212

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ثم ختمهم جميعا بأفضلهم وإمامهم نبينا محمد ﵊ فهو خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين ليس بعده نبي ولا رسول كما قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وخاتم النبين هو خاتم المرسلين لأن كل رسول نبي ولا ينعكس، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، وخاتم النبيين هو خاتم المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والدعوة التي دعا إليها هي الدعوة التي دعا إليها إخوانه المرسلين وهي توحيد الله عز جل والإخلاص له وفعل ما أمر به سبحانه من الطاعات وترك ما نهى عنه من المعاصي. وهذه الأخلاق بينها الله في كتابه العظيم وبينها الرسول ﵊، بينها في القرآن الكريم في غالب سور القرآن بينها آمرا بها وداعيا إليها ومثنيا على أهلها ومحذرا من أضرارها من الإشراك بالله وسائر المعاصي. والله سبحانه بعث رسوله ﵊ يدعو إلى ذلك كما في الحديث الصحيح وهو قوله ﵊: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق (٣) » ، وفي اللفظ الآخر: «لأتمم مكارم الأخلاق» ، فبعثه الله ليدعو الناس لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. وأساسها توحيد الله والإخلاص له هذا هو أصل الأخلاق الكريمة وأساسها وأعظمها وأوجبها وهو توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به، ثم يلي ذلك الصلوات الخمس

стр. 3213

فهي أعظم الأخلاق وأهمها بعد التوحيد وترك الإشراك بالله ، وقد وصف الله نبيه بأنه على خلق عظيم فقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وخلقه ﷺ هو اتباع القرآن والسير على منهج القرآن فعلا للأوامر وتركا للنواهي، هذا هو خلقه ﵊؟ كما قالت أم المؤمنين ﵂ عائشة لما سئلت عن خلق النبي ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن (٢) » ، والمعنى أنه كان يعمل بأوامر القرآن وينتهي عن نواهي القرآن ويسير على المنهج الذي رسمه القرآن ﵊ فهذا هو الخلق العظيم الذي أعطاه الله نبيه وهو الامتثال لأوامر الله وترك نواهيه والاستقامة على الأخلاق والأعمال التي يحبها ويرضاها . ومن تدبر القرآن الكريم واعتنى به وأكثر من تلاوته يريد فهم هذه الأخلاق ويريد العلم بها وجد ذلك. يقول في كتابه العظيم: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥) ويقول : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) ويقول سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٧)

стр. 3214

فهذا الكتاب العظيم فيه بيان الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، وبيان الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ليحذرها المؤمن ويحذرها إخوانه المسلمين، وليحذر أعمال الكافرين والمنافقين والفجار والمجرمين، لأن الله سبحانه بينها ليحذرها عباده المؤمنون، كما بين الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ليأخذ بها المؤمنون وليستقيموا عليها. فعلينا جميعا رجالا ونساء أن نتدبر كتاب الله وأن نتعقل كتاب الله في جميع الأوقات ليلا ونهارا حتى نعرف هذه الصفات وهذه الأخلاق التي يحبها سبحانه ويرضاها، وحتى نعرف الصفات والأخلاق التي يذمها ويعيبها وينهى عنها، والرسول ﷺ بعثه الله مبينا في أعماله وأقواله وسيرته الحميدة كل ما يحبه الله ويرضاه، وناهيا عن كل ما يبغضه ويباعد عن رحمته؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فهو ﵊ يبين لنا الأخلاق والصفات التي يرضاها ربنا والتي أمرنا بها ، ويبين لنا أيضا بتفسيره وسنته ما قد يخفى علينا من الأخلاق والأعمال التي ذمها وعابها ، ومن ذلك ما بينه سبحانه في سورة الفاتحة فإنه أنزلها ليستقيم عليها المؤمنون ويعملوا بمقتضاها وهي أم القرآن علمهم

стр. 3215

كيف يحمدونه ويثنون عليه ويطلبون منه الهداية ، وهذه من الأخلاق العظيمة أن تكثر الثناء على ربك وتحمده، وأن تعترف بأنك عبده وأنه معبودك الحق وأنه المستعان هذا من الأخلاق العظيمة وأن تطلب منه الهداية والتوفيق قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) تعليما لعباده سبحانه أن يثنوا عليه بهذه الأسماء العظيمة ويقول بعد هذا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦) وقال جل وعلا لنبيه ﷺ : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين (٧) » يعني الفاتحة - سماها صلاة لأنها ركن الصلاة - فإذا قال العبد: «الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله: مجدني عبدي (٨) » لأن التمجيد كثرة الثناء «وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله سبحانه: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (٩) » . فإياك نعبد حق الله، وإياك نستعين حاجة العبد ومطلوبه أن يستعين بربه لأنه المستعان المالك لكل شيء جل وعلا القادر على كل شيء يستعين به العبد في عبادته وطاعته وترك معصيته، ويستعين به أيضا في أموره الخاصة من أمور الدنيا كما في حديث ابن عباس: «فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (١٠) » فربك هو المستعان وهو المعبود بالحق، فيعلمك سبحانه أن

стр. 3216

تقول: إياك نعبد وإياك نستعين هذا بينك وبين ربك، إياك نعبد حقه عليك، وإياك نستعين حاجتك إليه تستعين بربك على أمر دينك ودنياك. فعبادته وحده هي أعظم الأخلاق أن تعبده وحده وتخصه بالعبادة، لا تعبد معه ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا صنما ولا شجرا ولا كوكبا ولا غير ذلك، تعبده وحده ؟ قال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وهو المعبود بالحق جل وعلا كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٤) وهذه العبادة هي أعظم الواجبات وأعظم الحقوق وأعظم الأخلاق أن تعبده وحده أينما كنت في الشدة والرخاء في الصحة والمرض في السفر والإقامة حتى تلقى ربك لا تصل إلا له ولا تدع إلا إياه، ولا تستغث إلا به ولا تذبح إلا له، ولا تنذر إلا له، ولا تتصدق إلا له، تقصد بأعمالك كلها وجهه دون كل من سواه، لأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده؟ قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٦) وكل العبادات التي أمر الله بها وشرعها لنا يجب أن تكون لله وحده، فلا يستغاث بالأموات ولا ينذر لهم ولا يطلب منهم النصر على الأعداء ولا شفاء المرضى، ولا يطلب من الأنبياء

стр. 3217

ولا من الكواكب ولا من الملائكة ولا من الجن ولا من غير ذلك، كل هذا يختص بالله وحده فهو الذي يدعى ويرجى ويسأل . أما المخلوق الحي فلا بأس أن يسأل فيما يقدر عليه فيما يجيزه شرع الله المطهر بينك وبينه، كما قال الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢) فلا بأس في الأشياء الحسية الدنيوية أن تخشى اللص والسراق فتغلق بابك أو تجعل عليه حراسة خوفا من شرهم كما قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٣) خرج من مصر خائفا يترقب من شر الفراعنة وهذا من الأسباب الحسية التي شرعها الله لعباده. وهكذا قول الله : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٤) والمعنى أنه استغاثه الإسرائيلي على القبطي فأغاثه موسى لأنه حي موجود قادر على المطلوب، فإذا قلت لصاحبك: يا فلان أعني على إصلاح سيارتي، وهو حاضر يسمعك فلا بأس بذلك فليس هذا من العبادة، وهكذا لو قلت يا أخي أقرضني كذا وكذا من المال، ساعدني على بناء هذا البيت وهو من خواص إخوانك القادرين تطلب منه المساعدة في شيء يقدر عليه فهذا ليس من العبادة أيضا ولا بأس به في الحدود الشرعية، أما أن تأتي لميت فتقول: يا فلان أو يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي أو نحو

стр. 3218

ذلك فهذا شرك أكبر، أو تطلب من الجن أن يغيثوك ويمنعوك من عدوك، أو تطلب من الملائكة أو من الأنبياء الذين قد ماتوا فهذا من الشرك الأكبر، أو تدعو الشمس أو القمر أو النجوم وتسألها النصر أو الغوث على الأعداء وما أشبه ذلك فكل هذا من الشرك الأكبر المخالف لما بينه الله في قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وهذا هو توحيد الله وهذا هو الخلق العظيم خلق الرسل وأتباعهم توحيد الله والإخلاص له دون كل ما سواه . وهكذا طلب الهداية تطلب من ربك الهداية فأنت في حاجة إلى الهداية ولو كنت أتقى الناس ولو كنت أعلم الناس، أنت في حاجة إلى الهداية حتى تموت ولهذا علمنا سبحانه في الفاتحة أن نقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢) في اليوم والليلة سبع عشرة مرة في الفريضة غير النافلة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) وكان النبي وهو أعلم الناس وأكمل الناس هداية ﵊ ومع هذا يقول في استفتاحه في الصلاة: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم (٥) » ، يطلب من ربه الهداية وهو سيد ولد آدم قد هداه الله وأعطاه كل خير، ومع هذا يطلب من ربه الهداية فإننا كلنا في حاجة إلى الهداية، العالم والمتعلم والعامة والخاصة والرجال والنساء كلنا في حاجة إلى الهداية. ولهذا شرع الله لنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) والمعنى دلنا على الخير وأرشدنا إليه

стр. 3219

وثبتنا عليه، والصراط المستقيم هو دين الله وهو القرآن والسنة يعني ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فهذا هو الصراط المستقيم وهو الإسلام وهو الإيمان والبر والتقى وهو دين الله. تطلب من ربك الهداية لهذا الصراط أن تستقيم عليه وأن يثبتك عليه حتى تموت وأنت على هذا الصراط وهو صراط المنعم عليهم من الرسل وأتباعهم وهو الصراط الذي استقاموا عليه وساروا عليه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) ثم يقول تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) والمعنى أنك تسأله أن يجنبك طريق هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، والمغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وهم اليهود وأشباههم، والضالون هم الجهال الذين يتعبدون على غير علم وهم النصارى وأشباههم، تسأل الله أن يجنبك طريق هؤلاء وهؤلاء، وأن يهديك طريق المنعم عليهم وهم الرسل وأتباعهم أهل العلم والعمل الذين عرفوا الحق وعملوا به هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم، تسأل الله أن يهديك طريقهم وأن يمنحك العلم النافع والعمل الصالح حتى تستقيم، وهذا كله من الأخلاق العظيمة، وقال سبحانه في أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦)

стр. 3220

هذه من الأخلاق الفاضلة أيضا، من أخلاق المؤمنين، والإقامة للصلاة، والإيمان بالغيب، والإيمان بالله ورسوله، والإيمان بالآخرة، والإيقان بها، والإيمان بالرسل الماضين وما أنزل إليهم كل هذا من الأخلاق العظيمة، ومنها الإنفاق والجود والكرم كل هذا من الأخلاق العظيمة وهكذا يقول سبحانه في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) هذه أيضا من صفات الأخيار. وهذه من الأخلاق العظيمة التي مدحها الله وأخبر سبحانه أن أهلها هم الصادقون المتقون، فعليك بهذه الأخلاق استقم عليها، وهكذا في سورة آل عمران في أثنائها يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥) اسمع ما مدحهم الله به من الأخلاق، واستقم عليها، ثم قال سبحانه في وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦)

стр. 3221

هذه من أخلاقهم العظيمة من أخلاق المتقين ومنها ما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) والفاحشة هي المعصية. . . هذه من أخلاقهم العظيمة التوبة والاستغفار من جميع المعاصي ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) فليس هناك غافر إلا الله جل وعلا فهو سبحانه الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) والمعنى أنهم لم يقيموا على المعاصي بل تابوا وأقلعوا منها خوفا من الله سبحانه وتعظيما له، وهذه من أخلاقهم العظيمة أخلاق أهل الإيمان ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٤) هذا هو جزاء التائبين الصادقين، فالمؤمنون والمؤمنات هذه أخلاقهم: التقوى لله والاستقامة على هذا الدين والإنفاق في السراء والضراء والشدة والرخاء، ولو بدرهم واحد كما قال النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة (٥) » وفي سورة براءة ذكر سبحانه أيضا جملة من أخلاقهم وذلك في قوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦)

стр. 3222

هذه من أخلاق أهل الإيمان الرجال والنساء بعضهم أولياء بعض، والأولياء فيما بينهم من أخلاقهم: المحبة والتواصي بالخير، والتعاون على البر والتقوى، فلا يغتاب بعضهم بعضا، ولا ينم عليه، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يظلمه، هكذا المؤمنون والمؤمنات أولياء ليسوا متباغضين، ولا متحاسدين، ولا متشاحنين، ولا يكذب بعضهم على بعض، ولا يغتابه، ولا ينم عليه، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يظلمه في قول ولا عمل ولا دم ولا مال، ولا يغشه في معاملة، ولا يخونه في جميع الأحوال. ثم قال سبحانه: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) هكذا أينما كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالأسلوب الحسن وبالطريقة الحميدة وبالعلم والبصيرة كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) فهم يأمرون عن بصيرة وينهون عن بصيرة، والمعروف ما أمر الله به ورسوله، والمنكر ما أنكره الله ورسوله ونهى عنه، هكذا المؤمنون والمؤمنات إذا رأوا من بعض إخوانهم تقصيرا في طاعة الله أمروهم بمعروف، وإن رأوهم يتخلفون عن الصلاة في الجماعة قالوا لهم: اتقوا الله وحافظوا على الجماعة فهي مفروضة عليكم ولا تتشبهوا بالمنافقين، وهكذا لو رأيته يتعاطى الربا نصحته لله، أو رأيته يجالس من ليس من الطيبين تنصحه وتذكره بالله فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ مثلا. هذه من صفات المؤمنين وأخلاقهم دعاة

стр. 3223

إلى الله ناصحون لله ولعباده يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن بالأساليب الطيبة، لا بالعنف والشدة حتى يقبل منهم الحق وحتى يستفيدوا ويستفاد منهم قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) وقال سبحانه في دعوة الكفار: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وهم اليهود والنصارى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) فمن ظلم يعامل بما يستحق، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) هكذا المؤمن من أخلاقه العظيمة الدعوة بالتي هي أحسن ويجادل بالتي هي أحسن يرفق بالناس يقول النبي: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (٥) » ، ويقول ﵊: «إن الرفق لا يكون في الشيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٦) » ، ويقول أيضا ﵊: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٧) » ، فلا بد من صبر ولا بد من حلم ولا بد من رفق في أمرك ونهيك ودعوتك. ويقول سبحانه في آخر سورة التوبة لما ذكر المجاهدين قال في وصفهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٨) هذه أخلاق أهل الإيمان، والجهاد قبلها يقول

стр. 3224

سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ثم ذكر صفاتهم فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٢) هذه صفات الأخيار من أهل الإيمان والجهاد، وقال سبحانه في سورة يونس ﵊: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ثم بينهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤) هؤلاء أولياء الله إذا أردت أن تصير منهم فعليك بهذا الخلق العظيم، وهو الإيمان الصادق بالله ورسوله وبكل ما أخبر الله به ورسوله، والتقوى بطاعة الأوامر وترك النواهي، فمن تخلق بهذا الخلق فهو من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥) والمعنى أنهم آمنوا بالقلوب وصدقوا بالأقوال والأعمال، فهؤلاء هم أولياء الله الذين آمنوا بأن الله هو الواحد المستحق للعبادة وصدقوا ذلك بالعمل ووحدوا الله وخصوه بالعبادة وتركوا الإشراك به، وعرفوا أن الله أوجب الصلاة فصلوا وحافظوا عليها في الجماعة

стр. 3225

وعرفوا الزكاة فأدوا الزكاة وأنها فريضة، وهكذا عرفوا الصوم وأنه من أخلاق المؤمنين فريضة فصاموا رمضان، وعرفوا الحج فأدوه كما أمر الله، وعرفوا الجهاد فجاهدوا، وهكذا عرفوا المحارم فاجتنبوها وحذروها مثل الزنى وعقوق الوالدين وشرب المسكر والربا وأكل مال اليتامى وغير هذه المحرمات عرفوها واجتنبوها، طاعة لله وتعظيما له ورغبة فيما عنده ، هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات. وقال سبحانه في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٨) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٩) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١٠) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١١) هذه أخلاق المؤمنين في كل مكان وزمان يذكرها سبحانه ليعلمها العباد ويستقيموا عليها ويحفظوها ومعنى قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢) أي فازوا وظفروا بكل خير وحصلوا على كل خير ثم ذكر صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١٣) بدأ بالخشوع في الصلاة لعظم شأنه وشأن الصلاة، فإذا دخلت في الصلاة فاخشع فيها لربك، واطمئن وأقبل عليها بقلبك وبدنك حتى تكتب لك كاملة ويحصل لك الأجر العظيم، وإياك والوسوسة وقت
следующие страницы →