← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة. والخلاصة أن الأسلوب الحسن في الدعوة والنصح والأمر والنهي من أسباب القبول وعدم النفرة، وضد ذلك الأسلوب السيئ الذي يسبب النفرة. ولذا نبه الله تعالى المؤمنين على ذلك في الآيات السابقة وغيرها، فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه أن يتثبتوا في الأمر، وأن يتبصروا أولا حتى يتيقنوا أن هذا الأمر معروف أو منكر، وعلى القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتحروا في ذلك الدليل الشرعي حتى يكون إنكارهم على بصيرة لقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) مع نصيحتي لهم أيضا بأن يكون الإنكار بالرفق والكلام الطيب والأسلوب الحسن حتى يقبل منهم لقول الله :

стр. 3327

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٣) » ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة. وكذلك أوصي طلبة العلم وجميع المؤمنين بالحذر الشديد من كيد الأعداء وشبهاتهم وافتراءاتهم، وقد أرشدنا كتاب الله إلى الحذر من افتراءاتهم وتآمرهم بقوله جل وعلا: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) وبقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٥) الآية، وكتاب الله تعالى يبين لنا أن العدو الكاشح يحزن إذا رآنا في نعمة وخير ودين ويفرح إذا أصابتنا مصيبة. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦) فأوصي إخواني العلماء وطلبة العلم وسائر المؤمنين بأن يتذكروا هذا الكيد، وأن يعملوا بموجب هذه الذكرى حتى

стр. 3328

يسدوا كل الذرائع التي يتذرع بها العدو لأجل الكيد لنا وتمزيق شملنا. كذلك أنصح لطلبة العلم بالنظرة السليمة إلى الأمور والأحوال العامة، فإن الخير والصلاح في بلادنا كثير ونحمد الله تعالى على ذلك وندعوه جل وعلا أن يزيدنا من فضله وكرمه وأن يوفقنا وولاة أمرنا لكل ما يرضيه وينفع عباده، ويجب أن نعرف هذا الخير والصلاح؛ لأن ذلك من أسباب شكر الله على نعمه وطلب المزيد من فضله، ثم بعد ذلك ننظر في الأخطاء لنعالجها بالقرآن الكريم وحكمته وهديه وإرشاده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وهكذا سيرة النبي ﷺ في دعوته وإبلاغه الناس فيها الخير العظيم والدلالة على الطريق القويم والأسلوب المفيد في الدعوة والتوجيه، كما سبق بيان ذلك. ومن أعظم وسائل النصح والقضاء على أسباب الشر التعاون مع ولاة الأمر في الحق وإصلاح الأوضاع، زادهم الله من التوفيق والهداية إلى أحسن طريق، وأصلح بهم العباد والبلاد، وجعل التوفيق للحق حليفهم في الأقوال والأعمال إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3329

نصيحة عامة موجهة للمسلمين في باكستان وغيرهم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فإني أوصي إخواني في الباكستان حكومة وشعبا بتقوى الله سبحانه في جميع الأمور؛ لأنها وصية الله سبحانه ووصية رسوله الأمين محمد ﵊ كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢) الآية. وكان النبي ﷺ يوصي أمته في خطبه بتقوى الله، والتقوى كلمة جامعة تجمع الدين كله وتشمل العناية بمصالح الدنيا والآخرة وهي الدين كله، وهي البر، وهي الإيمان والإسلام والهدى والصلاح وسمى الله سبحانه دينه تقوى؛ لأن من استقام عليه وحافظ عليه وقاه الله شر الدنيا والآخرة، وأهم التقوى إخلاص العبادة لله وحده والصدق في متابعة رسوله ﷺ وتحكيم شريعته في جميع الأمور والحذر مما يخالفها كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) الآية، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤)

стр. 3330

وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) ولا يخفى على ذوي الألباب أن في تحكيم الشريعة صلاح أمر الدنيا والآخرة كما أن فيه جمع الكلمة على الحق والقضاء على الفساد، ومن أهم التقوى التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، واتحاد العلماء واجتماع كلمتهم على الحق، وإرشادهم العامة إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ومناصحتهم ولاة الأمور وإعانتهم على الخير كما قال النبي ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٣) » . كما أوصي الجميع بالحذر من جميع أنواع الشرك والبدع والمعاصي؛ لأن ظهورها في المجتمع سبب لهلاك الجميع، كما أن الحذر منها والتواصي بتركها من أعظم أسباب النجاة، ولا صلاح للمجتمع الإسلامي إلا بالتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي أخلاق المؤمنين وصفاتهم كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)

стр. 3331

وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » ، وقال ﵊: «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢) » خرجهما الإمام مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأسأل الله أن يوفقنا وجميع إخواننا في الباكستان، وجميع المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه وصلاح عباده، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يمن على الجميع بالفقه في دينه والثبات عليه والدعوة إليه على بصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3332

وجوب التضامن والتكاتف ضد أعداء المسلمين الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله إمام المجاهدين خير الدعاة أجمعين، وقائد الغر المحجلين ﷺ ، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه جميعا وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أشكر الله جل وعلا على ما من به من هذا اللقاء بأخوة في الله من علماء المسلمين وقادتهم أعضاء المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية والثلاثين وفي رحاب بيت الله العتيق لتدارس شئون المسلمين وقضاياهم، وبذل المستطاع من الجهود في كل ما ينفع المسلمين ويعينهم على حل مشكلاتهم، وعلى إقامة دينهم وعلى تمسكهم بما جاء به نبيهم ﵊ دين الهدى ودين الحق. وقد سمعنا جميعا كلمة خادم الحرمين الشريفين الطيبة المباركة، التي شرح فيها - وفقه الله - أحوال المسلمين بعد حادث الخليج من النظام العراقي وما ترتب على ذلك وما حصل بسبب ذلك، وما

стр. 3333

حصل بسبب انحسار الشيوعية وتنفس المسلمين الصعداء بعد ذلك ولا شك أن ما جرى من النظام العراقي من العدوان على دولة الكويت يعتبر جريمة عظيمة ومنكرا عظيما ترتب عليه فساد كبير، ولكن الله جل وعلا برحمته وإحسانه رد كيده في نحره وأذله وقضى على عدوانه وصار بذلك عبرة للمسلمين ورحمة للمؤمنين بأن رد كيد العدو في نحره وهزم جنده ورد المظلومين إلى بلادهم ويسر أمورهم، فالحمد لله على ذلك ولقد أشار خادم الحرمين في كلمته إلى أمر عظيم وهو أن الواجب على المسلمين التضامن الإسلامي والتكاتف ضد أعدائهم والتمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊. ولا شك أن هذا هو الطريق لاستعادة مجدهم وإقامة دينهم ونصرهم على أعدائهم فهم إخوة كما وصفهم الله في قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) فيجب عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناصحوا، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يبذلوا جهودهم في إقامة شعائر ربهم ونصر دينهم ودحض كيد أعدائهم بكل طريق شرعها الله لإقامة الدين ورد كيد الكائدين. ولا ريب أن اعتصامهم بحبل الله جميعا وتضامنهم في نصر دينهم أينما كانوا من أعظم الأسباب في نصرهم على عدوهم واستعادة مجدهم الغابر. فالواجب علينا جميعا في هذا المجلس وعلى جميع علماء المسلمين أينما كانوا التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه،

стр. 3334

والتضامن الإسلامي الذي يوجبه الله علينا في قوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وفي قوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) وفي قول النبي ﷺ : «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٥) » . فالواجب على المسلمين أينما كانوا التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق، والتمسك بدين الله الذي جاء به نبيهم محمد ﷺ وذلك بالتمسك بالقرآن العظيم والسنة الصحيحة المطهرة وتحكيمهما في كل شيء والرجوع إليهما في كل شيء فهما الطريق للسعادة والسيادة، وهما الطريق للسلامة في الدنيا والآخرة. فالواجب على جميع الدول الإسلامية وعلى علماء المسلمين التناصح والتكاتف في هذا الأمر، وأن يتواصوا به، وأن يحكموا شريعة الله في عباد الله كما دل على ذلك كتاب الله وسنة محمد ﷺ . والواجب على الدول الإسلامية أيضا تشجيع المجاهدين والداعين إلى الله حتى يحققوا ما جاهدوا من أجله في أفغانستان وفي الفلبين وفي كل مكان، يجب على المسلمين حكومات وشعوبا أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناصحوا ويهتموا بإخوانهم في حفظ دينهم والاستقامة عليه بكل وسيلة من الوسائل التي شرعها الله لعباده.

стр. 3335

والواجب على رؤساء المسلمين وحكوماتهم أن يتقوا الله ويستقيموا على دين الله، وأن يحكموا شرع الله أينما كانوا في شعوبهم لقول الله في كتابه العظيم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) فالواجب على جميع الدول الإسلامية أن يهتموا بهذا الأمر وأن يقوموا به خير قيام؛ لأن في ذلك عزهم ونصرهم على عدوهم وسعاداتهم في العاجل والآجل، وعليهم أن ينشئوا المعاهد والجامعات الإسلامية لتخريج العلماء والقضاة الذين يعلمون الناس دينهم ويحكمون بينهم بشرع الله، وأن يشجعوا الحكام ويعينوهم ويرشدوهم إلى ما فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، وأن يرشدوا الناس ويعلموهم شريعة ربهم وأحكام دينهم بكل صبر وإخلاص. . وأن يعينوهم على ذلك حسب الطاقة، يرجون بذلك ثواب الله ويخشون عقابه . ولا شك أن في ذلك عزهم وسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة. والواجب على علماء الإسلام أيضا أينما كانوا أن يدرسوا طلابهم ويفقهوا المسلمين في بلادهم في دين الله، وأن يعلموهم شريعة الله في المساجد والمدارس وفي جميع الأماكن حسب الطاقة وفي المجالس العامة، والاحتفالات العامة، وفي دور العلم حسب الطاقة والإمكان كل واحد يتحرى الفرصة المناسبة والمكان المناسب لتعليم شرع الله وإرشاد الناس إلى دين الله، وحثهم على القيام بأمر

стр. 3336

الله والتمسك بشرع الله والتواصي بالحق والصبر عليه أينما كان. هذا هو واجب العلماء وهذا هو واجب رؤساء بلاد المسلمين أن يتقوا الله، وأن يتعاونوا مع علمائهم في تحكيم شرع الله والقيام بأمر الله في كل شيء، والعامة في ذمة الدول وفي ذمة الرؤساء والعلماء فيجب عليهم أن يتعاونوا في تفقيه الناس وتعليمهم وإرشادهم وحل مشاكلهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فلا بد من التواصي بذلك والتعاون فيه حتى يحكم شرع الله وحتى يستقيم المسلمون عليه، وحتى يدخل الناس في دين الله أفواجا بعد ما خرج منه من خرج جهلا وضلالا، أو بسبب دعاة الباطل وأعوانهم حتى استجاب له من استجاب عن جهل وقلة بصيره، فإذا رجع المسلمون إلى دينهم واستقاموا عليه حصل لهم كل خير وسلموا من كل شر ونصرهم الله على أعدائهم وصارت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة. وإني لأرجو من هذه المجالس المجلس التأسيسي للرابطة، والمجلس الأعلى العالمي للمساجد، والمجمع الفقهي أن ينفع الله بها المسلمين، وأن يجعلها سببا لكل خير في جميع الدول الإسلامية وفي جميع مواطن المسلمين في كل مكان، وتعلمون بحمد الله باليقظة الإسلامية والصحوة الإسلامية في سائر أرجاء الدنيا في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا، وفي كل مكان نشاط إسلامي وصحوة إسلامية ورغبة في الدين وهذا يبشر بالخير ويحتاج إلى تكاتف وتعاون من رؤساء الدول الإسلامية وعلماء المسلمين، ومن أغنياء المسلمين حتى يكون الجميع متعاونين على البر والتقوى.

стр. 3337

وهكذا يجب على المسلمين في كل مكان: في مصر، وفي ليبيا، وفي تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب، وفي أمريكا، وفي أوروبا وفي كل مكان يجب أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، ويجب أن يتفقهوا في الإسلام ويحرصوا على الاستفادة من علمائهم في كل وقت حتى يكونوا على بصيرة في دينهم، وحتى يؤدوا أعمالهم على الوجه المطلوب الذي يرضيه سبحانه، وحتى يستقيم أمر الله بينهم، وحتى يحكموا شرع الله في شئونهم الدينية والدنيوية. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يفقههم في الدين، وأن يصلح ولاة أمرهم وقادتهم، وأن يعينهم على تحكيم شرع الله في بلاد الله والرفق بعباد الله، وأن يوجهوهم إلى كل خير، وأن يمنحهم الله الهدى والثبات، وأن يوفق أغنياء المسلمين لإعانة القائمين بالدعوة إلى الله ومعلمي الناس الخير والبذل في سبيل الله. . ولما في ذلك من إعانتهم على هذه المهمة العظيمة، كما نسأله سبحانه أن يعين دولنا الإسلامية وأغنياءنا جميعا على مواساة الفقير والإحسان إليه، والأخذ بيده وتعليمه دينه وإرشاده إلى كل خير إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان. رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3338

حكمة الداعي وأدب المدعو (١) الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد: فإن التذكير بالله والدعوة إلى سبيله من سنة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد بعثهم الله دعاة للحق وهداة للخلق، يبشرون وينذرون لإقامة الحجة وقطع المعذرة كما قال جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤) وهكذا خلفاؤهم من أهل العلم وورثتهم هذا طريقهم وسبيلهم، الدعوة إلى الله والتذكير بالله والتبشير للمتقين والإنذار لغيرهم، فالله سبحانه خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل ليبينوا ذلك ويدعوا إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) فالثقلان:

стр. 3339

الجن والإنس خلقوا ليعبدوا الله، وهذه العبادة هي حق الله على عباده المكلفين من جن وإنس، وقد بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام ليبينوا هذه العبادة ويدعوا إليها ويشرحوها للناس، وأنزل الكتب لهذا الأمر، وأعظمها وأفضلها وأكملها وخاتمها القرآن العظيم، فيه بيان الهدى وطريق السعادة، فيه بيان ما يرضي الله ويقرب إليه من أقوال وأعمال ومقاصد، وبيان ما يغضب الله ويباعد من رحمته كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٢) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٣) وقال سبحانه في أول سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٤) وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وقال في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٦) الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة. فجدير بكل مؤمن ومؤمنة التدبر لكتاب الله والتعقل لما ذكره الله فيه، والإكثار من تلاوته لمعرفة ما فيه، وللعمل بما دل عليه كما قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٧)

стр. 3340

وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١) وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) فجدير بنا جميعا من الرجال والنساء، جدير بالعلماء وغير العلماء التدبر لكتاب الله والتعقل له والعناية به لمعرفة الحق وأتباعه ولمعرفة ما يرضي الله ويقرب إليه من قول وعمل حتى نعمل به، ولمعرفة ما يغضب الله ويباعد من رحمته حتى نتجنبه، وحتى نقوم بالدعوة إلى الخير وإلى ترك الشر على بصيرة وعلى علم، والرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا لهذا الأمر كما تقدم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وهكذا الكتب أنزلت لهذا الأمر كما سبق قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦) وقال جل وعلا: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٧) فالكتب المنزلة من السماء كلها تدعوا إلى طاعة الله ورسوله والإيمان به والوقوف عند حدوده، وهكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم بعثوا لبيان حق الله وإرشاد الناس إلى ذلك من قول وعمل وعقيدة. فالواجب على أهل الإسلام التفقه في العبادة التي خلقوا

стр. 3341

لها وهي توحيد الله، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، هذه هي العبادة التي خلقنا لها جميعا، توحيد الله بأفعالنا وبجميع عباداتنا من قول وعمل واعتقاد وطاعة الأوامر وترك النواهي، أما معنى قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فالمعنى: يطيعوني بإخلاص العبادة له وحده، وبفعل الأوامر وترك النواهي والوقوف عند الحدود. والدعاة إلى الله وعلماء الحق هم خلفاء الرسل، وهم الورثة للرسل في الدعوة إلى الخير، وبيان طريق السعادة ليسلك، وبيان طريق الشقاء والهلاك ليجتنب ويحذر، وعنوان كلمتي هذه كما سبق هو: (حكمة الداعي وأدب المدعو) وهذا العنوان اختارته التوعية ووافقت عليه؛ لأن الحكمة من الداعي إلى الله لها شأن عظيم، فالداعي يتحرى في دعوته الكلمات المناسبة والأوقات المناسبة، والأسلوب المناسب، حتى يكون ذلك أقرب إلى النجاح، ومن أسماء الله جل وعلا الحكيم العليم لأنه سبحانه يضع الأمور مواضعها عن علم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣) وهو يعلم الأشياء على ما هي عليه ويضع أفعاله وأحكامه على ما هو اللائق به سبحانه والمناسب لمنفعة العباد وصلاحهم، فهو الحكيم العليم في قوله وعمله في أمره ونهيه في كل ما يقول ويفعل .

стр. 3342

فالحكيم هو الذي يعلم الأشياء ويضع الأعمال والأقوال مواضعها، وهذا الوصف على الكمال إنما يصدق على الله ؛ لأنه العالم بكل شيء والحكيم في كل شيء ، ومن حكمة الداعي أن يكون عنده العلم بما يدعو إليه وما ينهى عنه، كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١) يعني: بالعلم قال الله وقال رسوله. ومن حكمة الداعي أن يأتي بالأسلوب المناسب والبيان المناسب ويخاطب كل قوم بما يعقلون ويفهمون، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) يعني على علم، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٣) أي بالعلم ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٤) أي الترغيب والترهيب التي تلين القلوب وتقربها من قبول الحق، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥) أي بالأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة لكن بالتي هي أحسن حتى يقبلوا الحق وحتى ينقادوا له، وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) وهم اليهود والنصارى، فلا يجوز جدالهم إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم فمن ظلم له شأن آخر. وإذا كان هذا التوجيه من المولى سبحانه في جدال أهل الكتاب فالمسلمون من باب أولى، وقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٧)

стр. 3343

يخاطب النبي ﵊ بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (١) يعني المدعوين من قريش وغيرهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) وقال لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) وهذا توجيه من الله سبحانه لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون، ليتأسى بذلك الدعاة ويتخلقوا به في دعوتهم إلى الله لا سيما مع الرؤساء والعظماء، ولا سيما في عصرنا هذا، فإن الحكمة والأسلوب الحسن والرفق من أهم المهمات في كل وقت وفي هذا الوقت بوجه أخص، لكثرة الجهل وغلبة الهوى على أكثر الخلق، وبالشدة ينفر منك الناس ويبتعدون عنك ولا يقبل الحق إلا من رحم الله. وقد ذكر بعض المؤرخين أن أحد الدعاة قابل بعض الحكام من بني العباس فقال له: إني قائل لك ومشدد عليك، فقال له الخليفة: لا يا أخي ارفق بي فلست بشر من فرعون ولست خيرا من موسى، وقد قال الله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤) والمقصود أن تحري الألفاظ المناسبة للمدعو والمنصوح أولى مع الرفق، يقول النبي ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٥) » ويقول ﵊: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٦) » .

стр. 3344

ثم إن لكل مقام مقالا فالداعي ينظر حاجة المجتمع الذي يتكلم فيه وما فشا فيه من منكرات فيعالج تلك الأمور بالأدلة الشرعية وهي: قال الله، وقال رسوله بالأدلة، ويرفق بمن سأل أو طرح شبهة حتى يوضح له الحق ويجادله بالتي هي أحسن وحتى تزول الشبهة، إذ المقصود هداية الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وليس المقصود إظهار علمك ولا توبيخهم وإظهار جهلهم، وإنما المقصود دعوتهم إلى الخير وهدايتهم إلى الحق وإخراجهم من الظلمات إلى النور. فالواجب سلوك الطرق والأخذ بالوسائل التي تؤدي إلى هذا الأمر ويرجى منها المنفعة. وهكذا المدعو له آداب: منها الإنصات والإقبال على ما يسمع من الدعوة والتذكير ليستفيد ويفهم، ومنها إخلاص النية، وأن يكون قاصدا للفائدة وللعلم والمعرفة والعمل، ومنها حسن السؤال إذا سأل، هذا كله من أدب المدعو: الإنصات، والإقبال على الناصح، والإخلاص في ذلك، وحسن الرغبة، وطلب الحق، والعزم على فعل الخير، والأخذ بالنصيحة، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٣) ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٦)

стр. 3345

فالمدعو مشروع له أن يقبل بقلبه وقالبه على الدعوة، وأن يريد وجه الله والدار الآخرة، وأن يؤسس بقلبه ونيته قبول الحق والعمل بالحق متى عرفه ومحاربة الهوى والشيطان، وإن أهم الأمور التي يجب التنبيه عليها دائما هو إخلاص العبادة لله وحده، وأن يحاسب العبد نفسه حتى تكون أعماله وأقواله لله وحده في جميع تصرفاته في صلاته وفي صومه ودعوته إلى الله وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إلى غير ذلك فيخلص لله في جميع أعماله، وأن يكون هدفه طاعة الله ورسوله وإرضاءه سبحانه، والفوز بكرامته، وأداء الحق الذي على العبد. وأساس الدين وأصله توحيد الله والإخلاص له سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤) والنبي ﷺ مكث عشر سنين في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله والإخلاص له، وينهاهم عن الشرك بالله ويبين لهم بطلان دعوة الأصنام ودعوة الأنبياء والصالحين، وأن الواجب إخلاص العبادة لله وحده وهو الذي يدعى ويرجى، وهو الذي يتقرب إليه بالذبائح

стр. 3346

والنذور والصلاة والصوم وغير هذا من أنواع العبادة، كما قال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وفي الأحاديث الصحيحة قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (٣) » ، يعني حتى يشهدوا بها قولا وعملا واعتقادا فيعتقدون معناهما ويعملون به وذلك بتوحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به ، ثم يؤدون ما أمروا به من صلاة وصوم وزكاة وغير ذلك ويجتنبون ما نهوا عنه. وفي الصحيح من حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (٤) » . فجميع المكلفين من جن وإنس مأمورون بتوحيد الله والإخلاص له في العبادة، وأن يصدقوا رسوله ﵊ ويؤمنوا بما جاء به من الهدى، وأن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله أرسله الله إلى الناس كافة من الجن والإنس وجعله خاتم الأنبياء، وأوجب على جميع المكلفين الإيمان به وتصديقه واتباع شريعته ﵊. ثم على كل فرد أن يؤدي الحقوق التي عليه بعد توحيد الله، والإخلاص له، وترك الإشراك به، والإيمان برسوله محمد ﵊ وبكل ما أخبر به الله ورسوله، يجب أن تؤدي الحقوق

стр. 3347

التي أوجب الله عليك من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر الوالدين وصلة الرحم وصدق الحديث وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله إلى غير ذلك مع الحذر من كل ما نهى الله عنه، وأعظم ذلك الشرك بالله فإنه أعظم الذنوب، وهكذا جميع المعاصي عليك أن تحذرها من العقوق والزنى وشرب المسكر وقطيعة الرحم وأكل الربا إلى غير ذلك مما حرم الله، فالمؤمن والمؤمنة عليهما الجهاد للنفس حتى يستقيم المؤمن على طاعة الله ورسوله، وحتى تستقيم المؤمنة على طاعة الله ورسوله في جميع الأحوال في الشدة والرخاء في الليل والنهار في السفر والإقامة وفي كل وقت وفي كل مكان، كل واحد يجاهد نفسه حتى يستقيم على أمر الله، وحتى يدع ما حرم الله، وحتى يقف عند حدود الله. والصلاة هي عمود الإسلام وأعظم الواجبات وأهم الأمور بعد الشهادتين، فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة العناية بالصلاة، والمحافظة عليها في أوقاتها وأن يؤديها كل منهما بطمأنينة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) وعلى المؤمن أن يحافظ عليها في الجماعة في بيوت الله لا يتشبه بالمنافقين والكسالى بل ويسارع إليها ويحافظ عليها مع إخوانه في بيوت الله كل وقت، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) يعني صلوا مع المصلين، وقال النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، قيل

стр. 3348

لابن عباس: ما هو العذر قال: خوف أو مرض، فجاءه رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة إذا صليت في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء للصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب (١) » . فهذا رجل أعمى ليس له قائد يقال له: أجب فكيف بحال غيره. فعلى المسلم أن يحافظ على هذه العبادة العظيمة التي هي عمود الإسلام من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد ذكر مالك ﵀ في موطئه عن نافع «أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكتب إلى عماله وأمرائه ويقول لهم: (إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع) (٢) » . وكثير من الناس اليوم ليس عنده عناية بالجماعة وهذا خطر عظيم وشر كبير، وربما ترك بعضهم صلاة الفجر فلم يصلها إلا بعدما تطلع الشمس ويقوم لعمله وهذا منكر عظيم، فالصلاة عمود الإسلام من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، والله يقول سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣) فالواجب العناية بها والمحافظة عليها في أوقاتها، وفي الجماعة في حق الرجل، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٤) » ، ويقول ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٥) » ، وهذا وعيد عظيم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ذلك كفر أكبر،

стр. 3349

وأن تركها كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها، أما إذا جحد وجوبها فهذا كفر أكبر عند جميع العلماء، فالواجب الحذر، وأن نحافظ عليها في الجماعة، وأن نعظمها ونؤديها بقلب حاضر وخشوع وإقبال نرجو ثواب الله ونخشى عقاب الله. وهكذا زكاتك حق المال وهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة عليك أن تعتني بها، وأن تؤديها عن طيب نفس وعن رغبة فيما عند الله، وأن تجتهد في تخليص مالك منها، وأن تضعها في يد المستحقين لها ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. وهكذا صوم رمضان عليك أن تصومه في وقته، وأن تحافظ عليه، وأن تصونه مما حرم الله من غيبة ونميمة ومن سائر المعاصي. وهكذا حج البيت في حق من استطاع السبيل إليه يجب عليه أن يحج من رجل وامرأة مرة واحدة في العمر لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) الآية، وقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس (٢) » ، وذكر منها الحج. وهكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليك أن تعتني بهذا مع أهل بيتك ومع جيرانك ومع غيرهم من إخوانك المسلمين، لكونه من أهم أخلاق المؤمنين والمؤمنات كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) هكذا المؤمنون والمؤمنات

стр. 3350

جميعا ذكر الله سبحانه أنهم أولياء ليسوا أعداء، بل بينهم المحبة والإخاء والتعاون على الخير، وهكذا يجب على المؤمنين والمؤمنات أن تسود بينهم المحبة والإخاء والحب في الله والبغض في الله، وأن يكونوا بعيدين عن الكذب والخيانة والغيبة والنميمة وعن شهادة الزور وعن كل ما يسبب الفرقة والاختلاف والشحناء، وأوضح سبحانه أنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقدم ذلك على الصلاة والزكاة، لعظم الفائدة والمصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي آية أخرى وصف الأمة كلها بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يعني: أمة الإجابة كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وما ذلك إلا لأهمية هذا الواجب وعظم المصلحة فيه. فعلى المؤمن أن يقوم على أهل بيته بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زوجة وأولاد وغيرهم، ينصحهم جميعا ويحذرهم من معاصي الله ويحثهم على الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها، ويحثهم على كل ما أوجب الله، وينهاهم عما حرم الله عليهم ويحذرهم من الغيبة والنميمة ومن إيذاء بعضهم لبعض ومن إيذاء الجيران ومن تخلف الرجال عن الصلاة في الجماعة إلى غير هذا، عملا بهذه الآية الكريمة وهي قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) الآية، وعملا بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٤) الآية.

стр. 3351

وبقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١) وبقوله سبحانه عن نبيه ورسوله إسماعيل ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٢) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٣) فأنت يا عبد الله عليك أهلك جاهدهم في الله بالحكمة والكلام الطيب والشدة تارة والرخاء تارة أخرى من لم ينفع فيه اللين والكلام الطيب ينتقل معه إلى القوة والتأديب كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤) فمن ظلم يعاقب بما يستحق حسب الطاقة وفي حدود الشرع المطهر، والنبي ﵊ قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع (٥) » ، فإذا ما نفع الكلام يضرب، هكذا مع الفساق والعصاة إذا لم تجد فيهم النصيحة والتوجيه إلى الخير وجب على المسئولين أن يؤدبوا ويزجروا بما يردع عن الباطل ويقيم الحق. وعليهم أن يقيموا الحدود الشرعية على أهلها حسب الطاقة لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦) ؛ ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٧) » ، فأنت يا عبد الله عليك

стр. 3352

أن تجتهد حسب طاقتك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أهلك ومع جيرانك ومع غيرهم من المسلمين مع تحريك الأسلوب الحسن لعلك تنجح ولعله يستجاب لك، وإذا قدرت باليد كضرب ولدك أو ضرب زوجتك عند مخالفتهما لأمر الله وعدم انصياعهما للدعوة والحق والهدى، وهكذا خادمك إذا لم يقم بالواجب ولم يقبل النصيحة. والمقصود أن المؤمن يسلك مسلك الحكمة في جميع أموره بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن مهما أمكن فهذا هو المقدم، فإذا دعت الحاجة إلى الضرب أو التوبيخ حين تستطيع الضرب أو التوبيخ فافعل ذلك حسب طاقتك على قدر ما يحتاج إليه مع من تستطيع من ولد أو زوجة أو غيرهما، والأمير مع من تحت يده، والهيئة على حسب ما عندها من التعليمات، وولي الأمر كذلك، كل عليه نصيبه وكل عليه واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلزام الناس بالحق؛ لأن هذه الدار هي دار العمل وهي دار المجاهدة وهي دار الدعوة وهي دار التوجيه إلى الخير وهي دار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخرة هي دار الجزاء. يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢) فلا يجوز التساهل وتمشية الأمور وأنت قادر على إنكار المنكر وإيجاد الحق وعلى التوجيه والإرشاد وعندك علم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ويقول جل وعلا:

стр. 3353

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فعليك يا عبد الله أن تقوم بالواجب من الدعوة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى إخوانك المستمعين والمأمورين أن يستجيبوا للحق، وأن يتأدبوا بالآداب الشرعية من قول الحق وإيثاره والرضا به وتقديمه على الهوى، هذا هو طريق السعادة. يقول سبحانه في كتابه العظيم: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (٢) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٣) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٤) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٥) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٦) فمن خاف مقام الله وراقبه سبحانه قبل النصيحة وخضع للحق وقبله وتأدب بالآداب الشرعية، وسارع إلى ما أوجب الله وإلى ترك ما حرم الله، فالهوى يفضي بأهله إلى النار، ويفضي بأهله إلى الضلالة وإلى سوء المصير، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٨) فبين سبحانه أن الواقع أمران وهما: إما الاستجابة لله والرسول وإما اتباع الهوى فقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ (٩) يعنى يا محمد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١٠) ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (١١)

стр. 3354

ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) فالله ورسوله إنما يدعوان لما يحيي العباد وينقذهم من الضلال، فالحياة والسعادة في قبول الدعوة لما أمر الله به ورسوله، وفي الأخذ بما شرع الله هذا هو طريق السعادة وطريق الحياة وطريق النور، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (٢) فالكافر ميت وفي ظلمة، وحياته: بالإيمان والإسلام، والنور هو ما جاء به الرسول من الإيمان والهدى والعلم النافع في القرآن والسنة، لا يستويان، لا يستوي الكافر الميت البعيد عن الهدى مع المؤمن الذي قد أعطاه الله النور والهدى، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٣) فبين سبحانه أن ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة هو الروح وهو النور، فالقرآن والسنة هما الروح الذي تحصل به الحياة، وهما النور الذي تحصل به البصيرة، فكلما قوي علمك بالكتاب والسنة حصل لك الروح الطيبة والنور، وكلما قل علمك ضعفت الحياة وضعف النور، فالحياة السعيدة لمن أخذ بالوحي واستقام عليه، حيث يحصل به النور وهو البصيرة

стр. 3355

ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١) فأنت يا عبد الله وأنت يا أمة الله كلاكما عليه أن يحرص على هذا النور وعلى هذه الحياة بتدبر القرآن العظيم والعناية بكتاب الله والحرص على سنة الرسول ﷺ ، وسماعها من أهلها ومراجعتها في الكتب الصحيحة، وسؤال أهل العلم المعروفين بحسن العقيدة والسيرة، طالب العلم يسمع من الواعظين والمذكرين والمرشدين في المساجد، وفي خطب الجمعة، وفي الإذاعة مثل: إذاعة القرآن الكريم، وفي نور على الدرب وفي غير هذا من طرق التبليغ لما قاله الله ورسوله فمن حرص عليها وجدها واستفاد منها لكن المصيبة العظيمة هي الإعراض والغفلة واتباع الهوى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٢) وهل ترضى أيها المؤمن وهل ترضين أيتها المؤمنة بمشابهة هؤلاء الكافرين في الإعراض عن دين الله، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (٣) فلا أحد أظلم من هذا الصنف من الناس فاحذر يا عبد الله أن تكون منهم، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٤) والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، شبه سبحانه من أعرض عن دينه وغفل عن اتباع الحق

стр. 3356

بهذه البهائم لعدم انتفاعه بما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق، وجعلهم سبحانه أضل من الأنعام؛ لأنهم أعطوا عقولا وأسماعا وأبصارا فلم يستفيدوا منها في اتباع الحق، فصاروا بذلك شرا من الأنعام وأضل منها. وقال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) فهل ترضى يا عبد الله وهل ترضين يا أمة الله بمشابهة الأنعام في عدم معرفة الحق واتباعه. . فعليكما بالجد في فهم القرآن والسنة، وفي التعلم والسؤال عما أشكل عليكما والعمل بالحق حتى لا تشبها هذه البهائم، فمن جد وجد، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، فالمهم الصدق في طلب الحق، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ قال: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة (٢) » ، أخرجه الترمذي ﵀ بإسناد حسن، فمن خاف صادقا تعلم وتفقه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٣) علق الحكم بالخوف؛ لأن الخوف الصادق يحمل على طاعة الله ورسوله، ويحمل على التفقه والتعلم وعلى ترك كل ما نهى الله عنه ورسوله ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤) فالخشية لله والخوف منه كل ذلك يقتضي الجد في طاعة الله والتعلم والتفقه في الدين.

стр. 3357

والمقصود من هذا كله التنبيه على أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة التفقه في دين الله والتبصر والتعلم والعمل، فالإعراض والغفلة من دلائل الهلاك وأن الله ما أراد بالعبد خيرا، والإقبال على الله والتعلم والتفقه في الدين والسؤال من دلائل الهداية والصلاح وأن الله أراد بالعبد خيرا كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » ، فالتفقه في الدين والتعلم وقبول النصائح وحضور المواعظ والاستفادة منها والإقبال بالقلب على ذلك من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، والإعراض عن ذلك والغفلة عن العلم والتعلم من الدلائل على أن الله أراد بالعبد شرا نسأل الله العافية. فعليك يا عبد الله بالحرص على قبول الحق وعلى الأخذ بأسبابه وعلى الإقبال بقلبك عند الموعظة والذكرى، وأن يكون همك وقصدك أن تفهم حكم الله، وأن تعرف مراد الله وتعمل به، وأن تعرف ما يغضب الله حتى تجتنبه، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤) ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥) الآية. وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا

стр. 3358

ومن سيئات أعمالنا، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا وإياكم من المسارعين إلى كل خير والمتباعدين عن كل شر، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن ينصر بهم دينه، وأن يصلح لهم البطانة وأن يعينهم على كل خير وأن يعيذهم من كل شر، وأن يوفق جميع المسئولين لكل ما فيه رضاه وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يولي عليهم خيارهم وأن يصلح قادتهم، وأن يمنحهم الفقه في الدين والثبات عليه إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 3359

أسئلة وأجوبتها بعد المحاضرة السؤال الأول: ما هو الموقف من البنوك الربوية اليوم؟ وما حكم التعامل معها؟ وما هو موقفنا تجاه ما يحدث لكثير من إخواننا المسلمين في بعض البلاد الإسلامية؟ الجواب: أما ما يتعلق بالربا فالأمر واضح وليس في وجود الربا وتحريمه شك، وهو أمر تدل عليه آيات من القرآن الكريم ودلت عليه السنة وإجماع أهل العلم. فالربا من أكبر الكبائر ومن المحرمات المجمع عليها، وقد بين الله ذلك في كتابه العظيم فقال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) الآية. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) والرسول ﷺ «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء (٤) » ، خرجه مسلم في صحيحه - فالواجب على المسلمين الحذر من الربا وعدم المساهمة فيه لا في بنك فلان ولا بنك فلان. فجميع البنوك الربوية

стр. 3360

في الداخل والخارج يجب الحذر منها وعدم المساهمة فيها وعدم المعاملة معها، ووجود الشيء بين الناس لا يحله، فالخير موجود، والشر موجود والواجب الأخذ بالخير والحذر من الشر، ووجود الشر ليس بدليل على حله، بل يجب الحذر منه. فالحاصل أن الربا من المحرمات والواجب الحذر من ذلك والبعد عن ذلك، والتواصي بترك ذلك، وعن قريب إن شاء الله تزول البنوك الربوية من هذه المملكة، فقد وافق خادم الحرمين الشريفين على إيجاد البنوك الإسلامية، وسيغني الله بها عن هذه البنوك وتزول إن شاء الله من هذه البلاد. فالحاصل أن الإخوان والمحبين للخير حريصون على إيجاد البنوك الإسلامية والمساهمة فيها وينبغي للإخوان جميعا أن يتشجعوا في هذا، وأن يحرصوا على التقدم في طلب البنوك الإسلامية حتى تكثر وحتى يغني الله بها عن هذه البنوك الربوية، وحتى ينتهي أمرها عن قريب إن شاء الله. أما ما يتعلق بإخواننا المسلمين في كل مكان كالجزائر والفلبين وفي أفغانستان والبوسنة والهرسك وغيرها فالواجب الدعاء لهم بالتوفيق والهداية، وأن يفقههم الله في الدين، وأن يجمع كلمتهم على خيرهم، وأن ينصرهم على عدوهم، وأن يهدي المسئولين في جميع بلاد المسلمين، وأن ينصر بهم الحق. والدعاء لإخوانكم بظهر الغيب في كل مكان أمر مشروع وفائدته عظيمة. فالمسلم يدعو الله لإخوانه في الفلبين وفي الجزائر وفي تونس وفي المغرب وفي أفغانستان وفي البوسنة والهرسك وفي

стр. 3361

كل مكان، وفي بلده أيضا يدعو الله للجميع بالتوفيق والصلاح والإعانة على كل خير، وأن يجمعهم الله سبحانه على الخير والهدى، وأن يكفيهم شر الولاة، وأن يعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه على بصيرة، وأن يعيذهم من الأساليب التي تنفر من الحق وتصد عنه، وأن يوفقهم للأساليب الطيبة والطرق الصالحة التي تعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه وتعينهم على قبوله والرضى به.

стр. 3362

السؤال الثاني: ما رأيكم في الحملة الإعلامية من كثير من الصحف على الدعاة وبالذات على بعض الهيئات الإسلامية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: الدعاة إلى الحق والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر لهم أعداء ولهم خصوم من الملاحدة والشيوعيين والفساق، فالواجب على الدعاة إلى الله، وعلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر التحمل والصبر لقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (١) ولقوله سبحانه عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢) ولقوله : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) فالحملات

стр. 3363

التي يشنها أهل الباطل من العلمانيين ومن الملاحدة ومن الشيوعيين ومن الوثنيين ومن النصارى ومن اليهود ومن غيرهم على دعاة الحق يجب أن تقابل بالذب عنهم والدعوة إلى الخير، وبيان فساد تلك الأقوال، ووجوب طرحها وعدم الالتفات إليها، مع العناية بتشجيع الدعاة وتشجيع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ووعدهم بأن الله سيعينهم، فعليهم بالصدق وعليهم بالصبر وعليهم بالأسلوب الحسن وعليهم بالعلم والله يجعل العاقبة للمتقين قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) فلا بد من الصبر، ولا بد من الجهاد، ولا بد من النصح للذين يدعون إلى الباطل ويثبطون عن الحق، فلا بد من الرد عليهم وبيان باطلهم وبيان أن الواجب على أهل الحق مناصرة الحق وأهله والدعوة إلى الحق والصبر على ذلك، وعلى ولاة الأمور وفقهم الله القيام بذلك، وقمع كل من يتعرض لأهل الخير وردعه عن باطله، حتى يستقيم على الحق، وحتى يكف عن إيذاء الدعاة وإيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، ويجب على ولاة الأمور أيضا القيام بما أوجب الله عليهم من ردع المبطل وتأديبه ونصر المظلوم والداعي إلى الحق. نسأل الله لهم التوفيق، وهم بحمد الله يقومون بجهود كبيرة مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ومع الداعين إلى الله، نسأل الله لهم المزيد من الخير، ونسأل الله أن يعينهم على ما فيه

стр. 3364

صلاح الأمة ونجاتها. والواجب على جميع المؤمنين والمؤمنات التعاون على البر والتقوى، والتعاون مع ولاة الأمور في الدعوة إلى الخير، وإبلاغ ولاة الأمور بما قد يخفى عليهم بالمكاتبة الصالحة بالنصيحة حتى يكون ولاة الأمور والمسئولون على علم بما يقع من الشر مما قد يخفى عليهم، والمقصود أن التعاون على الخير بين المسلمين حكاما ومحكومين من أهم الواجبات لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) ولقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) فلا بد من التعاون بين المسئولين وبين العلماء وبين الدعاة إلى الحق في إظهار الحق والدعوة إليه وفي قمع الباطل وفي القضاء عليه، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه ولما فيه صلاح الجميع. السؤال الثالث: تكثر المؤسسات التي تشجع على نشر الفاحشة والرذيلة كمحلات الفيديو والتسجيلات الغنائية، فما هي نصيحتكم لأصحاب هذه المحلات، وما هي نصيحتكم لمن يريد أن يدعوهم؟ الجواب: النصيحة لجميع أهل المحلات المذكورة أن يتقوا الله، وأن يحذروا إيجاد فيديو أو شريط أو غيره يدعو إلى الباطل، ويجب على

стр. 3365

من كان عنده أشرطة أو فيديو أو غيرها أن يتحرى الحق، وأن لا يكون عنده إلا ما يدعو إلى الخير والحق والهدى والصلاح، وأن يحذر نشر الباطل بأي وسيلة. وعلى المراقبة أن تراقبهم بكل حزم وقوة. نسأل الله أن يعينها على أداء الواجب حتى يمنع الباطل وحتى يؤدب من يتساهل في إظهار الباطل، وعلى كل من علم ذلك أن يرفع إلى ولاة الأمور إن علم أحدا يتعاطى الباطل ويؤذي الناس به وينشر الرذيلة، يجب أن يرفع بأمره إلى الهيئات، وإلى وزير الداخلية، وإلى أمير البلد الذي هو فيها أي بلد من بلاد المملكة يرفع إلى الأمير وإلى الهيئة، يكون التعاون من الجميع على البر والتقوى، ولا يسكت، يرفع الأمر إلى أمير البلد ورئيس الهيئة حتى يتعاون الجميع على دحض الباطل، وإقامة الحق ونصره. السؤال الرابع: أكثر الحاضرين هم من: الأساتذة سواء في الجامعات، أو المدارس الأخرى بجميع مستوياتها، فما هي نصيحتكم لهؤلاء المعلمين وهم يؤدون هذه الرسالة؟ الجواب: نصيحتي للجميع أن يتقوا الله، وأن يكونوا قدوة في الخير وأئمة في العلم والعمل الصالح حتى يقتدي بهم الطلبة والموظفون وغيرهم، وعلى المعلم أن يكون قدوة في المحافظة على الصلوات في الجماعة، والمسابقة إليها، وتوفير اللحية، وعدم التدخين وعدم الإسبال، وفي الأسلوب الحسن والكلمات الطيبة، وفي كل خير،
следующие страницы →