← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

كل مكان، وفي بلده أيضا يدعو الله للجميع بالتوفيق والصلاح والإعانة على كل خير، وأن يجمعهم الله سبحانه على الخير والهدى، وأن يكفيهم شر الولاة، وأن يعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه على بصيرة، وأن يعيذهم من الأساليب التي تنفر من الحق وتصد عنه، وأن يوفقهم للأساليب الطيبة والطرق الصالحة التي تعينهم على إظهار الحق والدعوة إليه وتعينهم على قبوله والرضى به.

стр. 3362

السؤال الثاني: ما رأيكم في الحملة الإعلامية من كثير من الصحف على الدعاة وبالذات على بعض الهيئات الإسلامية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: الدعاة إلى الحق والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر لهم أعداء ولهم خصوم من الملاحدة والشيوعيين والفساق، فالواجب على الدعاة إلى الله، وعلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر التحمل والصبر لقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (١) ولقوله سبحانه عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢) ولقوله : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) فالحملات

стр. 3363

التي يشنها أهل الباطل من العلمانيين ومن الملاحدة ومن الشيوعيين ومن الوثنيين ومن النصارى ومن اليهود ومن غيرهم على دعاة الحق يجب أن تقابل بالذب عنهم والدعوة إلى الخير، وبيان فساد تلك الأقوال، ووجوب طرحها وعدم الالتفات إليها، مع العناية بتشجيع الدعاة وتشجيع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ووعدهم بأن الله سيعينهم، فعليهم بالصدق وعليهم بالصبر وعليهم بالأسلوب الحسن وعليهم بالعلم والله يجعل العاقبة للمتقين قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) فلا بد من الصبر، ولا بد من الجهاد، ولا بد من النصح للذين يدعون إلى الباطل ويثبطون عن الحق، فلا بد من الرد عليهم وبيان باطلهم وبيان أن الواجب على أهل الحق مناصرة الحق وأهله والدعوة إلى الحق والصبر على ذلك، وعلى ولاة الأمور وفقهم الله القيام بذلك، وقمع كل من يتعرض لأهل الخير وردعه عن باطله، حتى يستقيم على الحق، وحتى يكف عن إيذاء الدعاة وإيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، ويجب على ولاة الأمور أيضا القيام بما أوجب الله عليهم من ردع المبطل وتأديبه ونصر المظلوم والداعي إلى الحق. نسأل الله لهم التوفيق، وهم بحمد الله يقومون بجهود كبيرة مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ومع الداعين إلى الله، نسأل الله لهم المزيد من الخير، ونسأل الله أن يعينهم على ما فيه

стр. 3364

صلاح الأمة ونجاتها. والواجب على جميع المؤمنين والمؤمنات التعاون على البر والتقوى، والتعاون مع ولاة الأمور في الدعوة إلى الخير، وإبلاغ ولاة الأمور بما قد يخفى عليهم بالمكاتبة الصالحة بالنصيحة حتى يكون ولاة الأمور والمسئولون على علم بما يقع من الشر مما قد يخفى عليهم، والمقصود أن التعاون على الخير بين المسلمين حكاما ومحكومين من أهم الواجبات لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) ولقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) فلا بد من التعاون بين المسئولين وبين العلماء وبين الدعاة إلى الحق في إظهار الحق والدعوة إليه وفي قمع الباطل وفي القضاء عليه، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه ولما فيه صلاح الجميع. السؤال الثالث: تكثر المؤسسات التي تشجع على نشر الفاحشة والرذيلة كمحلات الفيديو والتسجيلات الغنائية، فما هي نصيحتكم لأصحاب هذه المحلات، وما هي نصيحتكم لمن يريد أن يدعوهم؟ الجواب: النصيحة لجميع أهل المحلات المذكورة أن يتقوا الله، وأن يحذروا إيجاد فيديو أو شريط أو غيره يدعو إلى الباطل، ويجب على

стр. 3365

من كان عنده أشرطة أو فيديو أو غيرها أن يتحرى الحق، وأن لا يكون عنده إلا ما يدعو إلى الخير والحق والهدى والصلاح، وأن يحذر نشر الباطل بأي وسيلة. وعلى المراقبة أن تراقبهم بكل حزم وقوة. نسأل الله أن يعينها على أداء الواجب حتى يمنع الباطل وحتى يؤدب من يتساهل في إظهار الباطل، وعلى كل من علم ذلك أن يرفع إلى ولاة الأمور إن علم أحدا يتعاطى الباطل ويؤذي الناس به وينشر الرذيلة، يجب أن يرفع بأمره إلى الهيئات، وإلى وزير الداخلية، وإلى أمير البلد الذي هو فيها أي بلد من بلاد المملكة يرفع إلى الأمير وإلى الهيئة، يكون التعاون من الجميع على البر والتقوى، ولا يسكت، يرفع الأمر إلى أمير البلد ورئيس الهيئة حتى يتعاون الجميع على دحض الباطل، وإقامة الحق ونصره. السؤال الرابع: أكثر الحاضرين هم من: الأساتذة سواء في الجامعات، أو المدارس الأخرى بجميع مستوياتها، فما هي نصيحتكم لهؤلاء المعلمين وهم يؤدون هذه الرسالة؟ الجواب: نصيحتي للجميع أن يتقوا الله، وأن يكونوا قدوة في الخير وأئمة في العلم والعمل الصالح حتى يقتدي بهم الطلبة والموظفون وغيرهم، وعلى المعلم أن يكون قدوة في المحافظة على الصلوات في الجماعة، والمسابقة إليها، وتوفير اللحية، وعدم التدخين وعدم الإسبال، وفي الأسلوب الحسن والكلمات الطيبة، وفي كل خير،

стр. 3366

ليكون قدوة صالحة في جميع أحواله وأينما كان في التدريس، وفي الطريق، وفي المسجد، وفي البيت، وفي الطائرة، وفي الباخرة، وفي السيارة، وفي كل مكان قدوة حسنة يعرف بأخلاقه الطيبة وأعماله الصالحة وأسلوبه الصالح، وهذا هو الواجب على أهل العلم، وعلى المدرسين. وعلى القادة من الأمراء وغيرهم، فكل أعظم من غيره بقدر مسئوليته وحسب طاقته لأنه يقتدى به، ولا سيما العلماء فهم قادة الناس وهم خلفاء الرسل، وهكذا من كان إماما في قومه مثل شيخ القبيلة، ومثل أمير البلد، ومثل كبار القوم في مستشفى أو في مستوصف أو في غيره يجب أن يكونوا قدوة في الخير، وأن يبتعدوا عن الشر، فالأطباء من المديرين يجب أن يكونوا قدوة في المسارعة إلى الصلوات في الجماعة، وفي إعفاء اللحى، وفي الكلام الطيب، والأسلوب الحسن في عدم الفحش في الكلام حتى يقتدي بهم الموظفون ومن تحت أيديهم من الأتباع، يقتدون بهم في الأعمال الطيبة والأخلاق الفاضلة والمسارعة إلى الصلاة وغير هذا من الأخلاق الطيبة، فيتحرى المسئول كل شيء طيب حتى يقتدى به في ذلك أينما كان سواء كان في السيارة أو في الطائرة أو في الباخرة أو في أي مكان يكون، فيشرع له أن يظهر العمل الصالح والتقوى والعلم النافع حتى يسأل وحتى يستفاد منه ويقتدى به. السؤال الخامس: في الربا كثرت الأسئلة عن بعض الشركات مثل شركة مكة للإنشاء والتعمير، وشركة القصيم الاستثمارية للزراعة يقولون هل المشاركة فيها من الربا أو لا تتعامل بالربا؟

стр. 3367

الجواب: شركة طيبة وشركة مكة وغيرها من الشركات لا نعلم عنها ما يمنع المشاركة فيها إلا أنه يبلغنا عن كثير من الشركات أنها تستعمل أموالها بالربا بواسطة البنوك، فننصح جميع الشركات التي تستعمل هذا أن تدعه، أو أن تستعمل أموالها في الطرق الشرعية لا بالربا، فالشركة التي تستعمل أموالا بالربا يجب أن تجتنب، وأن لا يتعاون معها في هذا الشيء وإذا عرف الإنسان مقدار الربا الذي دخل عليه فليخرج ما يقابله للفقراء عشرة في المائة أو عشرين في المائة أو أقل أو أكثر حتى يسلم من شر الربا. وعلى كل شركة أن تتقي الله، وأن تحذر الربا في جميع المعاملات فإن الله جل وعلا قد حرم الربا ونزع بركته كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) فالربا منزوع البركة فالواجب الحذر منه، فعلى جميع الشركات: شركة مكة، شركة المدينة، شركة القصيم، وأي شركة كانت، على جميع الشركات أن تتقي الله وأن يتقي رؤساؤها ومديروها في ذلك وأن يحرصوا على أن تكون أعمالهم ومعاملاتهم كلها طبق الشرع، وأن يستفتوا أهل العلم فيما أشكل عليهم حتى يكونوا على بصيرة، وما تجمع لديهم من الأموال يعملون به ما شرع الله من المعاملات السليمة سواء كانت بالنقد أو بالأجل

стр. 3368

فيشترون به السلع ويبيعونها إلى أجل، أو يشترون العمل المختلفة المتنوعة ثم يبيعونها بالعمل الأخرى يدا بيد بفائدة إذا كانت من أجناس مختلفة. فالعملة لا تباع بمثلها إلا يدا بيد مثلا بمثل، وإذا كانت عملة بعملة أخرى كريال بالدولار أو جنيه استرليني بغيره جاز البيع يدا بيد بدون تأجيل ولو تفاضلا، فالطرق الشرعية موجودة وكافية بحمد الله وليس الناس بحاجة إلى الربا لولا أن الشيطان يدعوهم إلى ذلك ويزين لهم الفائدة السريعة بالربا، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يغضبه. السؤال السادس: فيما يتعلق بالربا أسئلة كثيرة منها التحرج عن أخذ الرواتب من البنوك الربوية فما رأي سماحتكم؟ الجواب: هذا لا حرج فيه فأخذ الرواتب بواسطة البنوك لا يضر لأن الموظف لم يجعلها للربا، وإنما جعلت بواسطة ولاة الأمر لحفظها هناك حتى تؤخذ، وهكذا ما يحول عن طريق البنوك من بلد إلى بلد، أو من دولة إلى دولة هذا لا بأس به لدعاء الحاجة إليه، فالمحذور كونه يستعمل الربا أو يعين عليه، أما كونه يحفظ ماله في البنك للضرورة لعدم وجود مكان يحفظه فيه، أو لأسباب أخرى وبدون ربا، أو يحوله بواسطة البنك فلا بأس بذلك إن شاء الله ولا حرج فيه، لكن لو جعلت الدولة الرواتب في غير البنوك لكان أسلم وأحسن.

стр. 3369

السؤال السابع: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار من أجل الدراسة فقط؟ الجواب: السفر إلى بلاد الكفار خطير يجب الحذر منه إلا عند الضرورة القصوى يقول النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين (١) » ، وهذا خطر فيجب الحذر، فيجب على الدولة وفقها الله أن لا تبعث إلى بلاد المشركين إلا عند الضرورة. مع مراعاة أن يكون المبعوث ممن لا يخشى عليه لعلمه وفضله وتقواه، وأن يكون مع المبعوثين من يلاحظهم ويراقبهم ويتفقد أحوالهم، وهكذا إذا كان المبعوثون يقومون بالدعوة إلى الله سبحانه، ونشر الإسلام بين الكفار لعلمهم وفضلهم فهذا مطلوب ولا حرج فيه. أما إرسال الشباب إلى بلاد الكفار على غير الوجه الذي ذكرنا، أو السماح لهم بالسفر إليها فهو منكر وفيه خطر عظيم، وهكذا ذهاب التجار إلى هناك فيه خطر عظيم؛ لأن بلاد الشرك - الشرك فيها ظاهر - والمعاصي فيها ظاهرة، والفساد منتشر، والإنسان على خطر من شيطانه وهواه ومن قرناء السوء فيجب الحذر من ذلك. السؤال الثامن: ما رأيكم في الغلو في النبي ﷺ حيث يقول بعضهم: إنه الأول والآخر والظاهر والباطن. . فما رأيكم في مثل هذا الاعتقاد فيه ﷺ ؟ الجواب: الأول والآخر والظاهر والباطن هو الله قال تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)

стр. 3370

وقال النبي ﷺ في دعائه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر (١) » ، رواه الإمام مسلم في صحيحه. فمن قال: إن النبي ﷺ : هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم فهو كافر، لكونه وصف النبي ﷺ بأسماء أربعة مختصة بالله لا يستحقها غيره. وهذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول، الأول والظاهر هو الله وحده سبحانه، وهو الذي قبل كل شيء وبعد كل شيء . وهو الظاهر فوق جميع خلقه، والباقي بعدهم، والذي يعلم أحوالهم، والرسول ﷺ لا يعلم إلا ما علمه الله، وقد توفي ﵊، ووجد بعد أن كان معدوما، وجد في مكة بين أمه آمنة وأبيه عبد الله، وكان عدما قبل ذلك، ثم وجد من ماء مهين، وغيره من البشر كذلك فالذي يقول: إنه الأول والآخر والظاهر والباطن فهو ضال ومرتد إن كان مسلما. السؤال التاسع: نود منكم نصيحة حول قضاء الإجازة وبماذا تنصحون الإخوة؟ الجواب: أنصح إخواني في الإجازة أن يستغلوها في كل ما يرضي الله: في حفظ القرآن الكريم والإكثار من تلاوته، وفي عمارة المكتبات للمطالعة والاستفادة بحضور المحاضرات العلمية والندوات المفيدة،

стр. 3371

وفي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وفي النصائح إلى غير هذا من وجوه الخير كالتزاور في الله فيما بينهم في أنحاء هذه البلاد؛ لأنها فرصة ينبغي أن تستغل في الخير. ومن أحسن ما تستغل فيه العناية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا. والعناية بالكتب النافعة ومطالعتها، وحفظ الكتب المهمة والمقررات المفيدة ككتاب: التوحيد، وبلوغ المرام، وعمدة الحديث، والعقيدة الواسطية، والأربعين النووية وتتمتها لابن رجب، وبذلك صارت خمسين حديثا من جوامع الكلم، وهذه الخمسون ينبغي أن تحفظ مع مراجعة شرحها للحافظ ابن رجب ﵀، ومما يحسن الاهتمام به في الإجازة زيارة العلماء وسؤالهم عما أشكل على الطالب في وجوه العلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 3372

الدعوة إلى الله بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخواني في الله من: الخطباء، والدعاة، وأئمة المساجد في رحاب بيت الله العتيق للتناصح والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى. وقد سمعنا جميعا كلمة الأمين العام للتوعية عن الدعاة وأعمالهم وعما حصل من الخير العظيم على يد الدعاة، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والتعاون فيما بينهم مع الأجهزة الحكومية، وقد سرنا هذا كثيرا والحمد لله، ونسأل الله أن يزيد الجميع من التوفيق والإعانة والتسديد، وأن يجعلهم مفاتيح خير ومغاليق شر، وأن يسدد خطاهم ويصلح قلوبهم وأعمالهم.

стр. 3373

ولا شك أن الواجب على الجميع التعاون على البر والتقوى، وأن على الدعاة التعاون مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعلى الأجهزة الحكومية التعاون مع الجميع في هذا الأمر؛ لأن التعاون على البر والتقوى يحصل به الخير العظيم وإنجاز المهمة وتحصيل المقصود والحمد لله على ذلك. إن الكلمة الوافية التي تفضل بها فضيلة الشيخ: محمد بن عبد الله بن سبيل الرئيس العام لشئون المسجد الحرام وشئون المسجد النبوي فيما يتعلق بالدعوة والدعاة اتسمت بالجودة وقد أفاد، وأبان ما ينبغي بيانه، وإنني أؤكد على ما ذكره في هذا الباب من أن الداعية عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن يتحلى بالرفق واللين وعدم الشدة، وكذلك الخطيب والواعظ يجب أن يتحريا الأسلوب الذي يحصل به المطلوب، وإزالة المنكر، وتحريك القلوب إلى الخير، وزجرها عن الشر، ولا شك أن الخطيب عليه أن يدعو إلى الخير وإقامة أمر الله وإزالة ما نهى الله عنه، والسعي إلى ذلك بالطرق والوسائل التي يرجى فيها تحقيق ذلك. ولقد استمعنا أيضا إلى كلمة الشيخ: سعيد بن مسفر عن الدعاة هي كلمة أجاد فيها وأفاد وأوضح ما ينبغي إيضاحه فجزاه الله خيرا وبارك فيه، وإنه لا يخفى على الجميع أن الدعوة إلى الله سبحانه وهي وظيفة الرسل وأتباعهم بإحسان وكانوا عليهم الصلاة والسلام يتحرون في دعوتهم، وينظرون في المصالح والمفاسد، ويجتهدون عليهم الصلاة والسلام في تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، ويصرون على الأذى وهم أصبر الناس على الأذى، وهم الصفوة في هذا الباب

стр. 3374

وهم أشد الناس بلاء وهم القدوة الحسنة في كل شيء. والواجب على الدعاة إلى الله من الخطباء وغيرهم وعلى الأمراء والحكام الصبر في ذلك مع القيام بالواجب قولا وعملا، والبدء بالأهم فالأهم والعناية بما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، والتحذير مما انتشر بينهم من المنكرات والدعوة إلى تركها والتحذير منها ومن إشاعة الفاحشة بين الناس لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) الآية من سورة النور. وقوله ﷺ : «من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. وإنما المطلوب النهي عن وجودها والتحذير من اقترافها، والحث على التوبة إلى الله منها، والحث على فعل الأوامر والمسارعة إليها، وإذا كان المؤمن يعلم من إنسان أنه وقع في شيء مما حرم الله فإنه ينصحه بينه وبينه، ويقول للناس كلاما عاما، وينصح الناس ويبين لهم ما حرم الله عليهم. والداعي إلى الله خطيبا كان أو واعظا أو محاضرا أو آمرا بالمعروف أو ناهيا عن المنكر - عليه أن يتحرى في دعوته وأمره ونهيه ما يحقق المطلوب ويزيل المكروه وما يدعو إلى الخير ويبعد عن الشر، ومن المعلوم أن إنكار المنكر على مراتب أربع: الأولى: أن يزول المنكر بالطرق الشرعية، فهذا يجب الإسراع في إنكاره بالطرق الشرعية.

стр. 3375

الثانية: أن يخف ويقل ولكن لا يزول بالكلية، فهذا كالذي قبله يجب الإسراع في إنكاره بإزالته أو تخفيفه. الثالثة: أن يزول ويحل محله منكر آخر مثله، فهذا محل اجتهاد ونظر، فإن رأى في اجتهاده أن المنكر الذي يحل محله أقل منه وأيسر قام بإنكار هذا المنكر وسعى في إزالته ولو ترتب عليه شيء أخف منه في اعتقاده وإلا توقف. الحالة الرابعة: أن يزول المنكر ولكن يأتي شر منه، فهذا لا يجوز إنكاره لما يترتب على إنكاره من وجود ما هو شر منه. كأن تنهى عن معصية ويقع بسبب ذلك الشرك الأكبر أو تنهى عن شرب المسكر فيقع بسبب ذلك القتل. وقد نبه العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه: إغاثة اللهفان على هذه المراتب الأربع، ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف صحة ذلك ومن ذلك قول الله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) الآية من سورة الأنعام. والمقصود أن الآمر والناهي ينظر ما هو أقرب إلى الخير وما هو أكثر خيرا وما هو أقل شرا. ومما يتعلق بهذا الموضوع عدم الاشتغال بعيوب الناس عامة كبيرة أو صغيرة، بل يشتغل بالمنكرات الموجودة يحذر من وجودها، ويدعو إلى القضاء عليها وإنكارها بالحكمة والأسلوب الحسن حتى يقضي عليها، فيذكر المنكر الموجود بين الناس، ويدعو الهيئة

стр. 3376

والدعاة إلى إنكاره، ويدعو المجتمع إلى تركه والحذر منه كالربا وشرب المسكر والغيبة والنميمة والاختلاط بين الرجال والنساء وسماع الأغاني والملاهي إلى غيرها من المنكرات الموجودة بين الناس، ومن ذلك أيضا التثاقل عن الصلاة في الجماعة وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وإيذاء الجار وغير ذلك مما نهى الله عنه سبحانه ورسوله ﷺ . وأما ما يقع من بعض الدعاة في بعض الدول من الإنكار باليد فليس من الحكمة، وإنما الحكمة أن يتصل بالرؤساء والمسئولين ويتفاهم معهم ويدعوهم إلى الله حتى يقوموا هم بإزالة المنكر، وحتى ينتشر الدعاة في المجتمع ويقوموا بالنصيحة والتوجيه فلا تتعرض لهم الدولة بالحبس والإيذاء والتنكيل بل تكون عونا لهم في نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. . ويبقى الدعاة على نشاطهم وقوتهم في الدعوة إلى الله . أما أن يغتال فلانا أو يضرب فلانا ويشتم فلانا - فهذا يسبب مشاكل كثيرة وفتنا كبيرة ويخالف قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) الآية من سورة النحل. وقول الله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) الآية من سورة آل عمران. فعلى الداعي إلى الله سبحانه أن يسلك الطريق الذي سلكه

стр. 3377

النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وأتباعهم بإحسان، فالنبي بقي في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما ما عاقب أحدا وما قاتل أحدا وإنما كان يدعو إلى الله سبحانه هو وأصحابه بالحكمة والموعظة الحسنة ويترك الإنكار الذي يترتب عليه فتنة وشر. فما ضرب ولا قتل ولا سجن حتى مكنه الله من ذلك بعد الهجرة إلى المدينة، ولما توجه إلى مكة للعمرة عام ست من الهجرة، وحالوا بينه وبين ذلك سلك المسلك الذي فيه الخير وهو قبول الصلح، فرضي بالصلح مع قريش لما في ذلك من تحصيل الخير الأكثر والأعظم، فصالحهم على أمر فيه غضاضة على المسلمين، وصبر على ذلك ﵊ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، ولمن يرغب في الدخول في الإسلام فللدعاة أسوة في نبيهم ﵊. ونحن بحمد الله في دولة إسلامية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو إلى الله وتحكم شرعه، فالواجب التعاون معها على الخير وعلى إزالة ما يوجد من الشر بالطرق الحكيمة والأسلوب الحسن مع الإخلاص لله سبحانه والصدق في العمل وعلاج الأوضاع المحتاجة إلى العلاج بالطرق الشرعية حسب الطاقة فيما بيننا وبين ولاة الأمور وفقهم الله بالمكاتبة والمشافهة وبالتعاون مع العلماء بالمناصحة لهم، وهكذا يجب على الدعاة إلى الله سبحانه في جميع الدول أن يعالجوا الأوضاع المخالفة للشرع المطهر بالحكمة والموعظة الحسنة والأسلوب الحسن، ويتعاونوا مع المسئولين على الخير ويتواصوا بالحق مع الرفق والتعاون مع الدولة بالحكمة حتى لا يؤذى الدعاة وحتى لا تعطل الدعوة، فالحكمة في الدعوة بالأسلوب

стр. 3378

الحسن وبالتعاون على البر والتقوى هي الطريق إلى إزالة المنكر أو تقليله وتخفيف الشر، ومن أهم ذلك الدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية فهذا هو الطريق إلى العلاج والإصلاح ولو لم يحصل المطلوب كله لكن يحصل بعض الخير والتجاوب من الحكومة التي ينكرون عليها فيقل الشر ويكثر الخير. فلا بد من الحكمة في الدعوة بالعلم، والعلم يدعو إلى الرفق وإلى تقديم الأفضل فالأفضل، ويدعو إلى تقديم الأهم فالأهم. والدعوة إلى إزالة منكر إذا كانت تؤدي إلى منكر أشد لا تجوز، والدعوة إلى فعل أمر يؤدي إلى ما هو أخطر منه لا تجوز، فالواجب السعي فيما هو سبب لتكثير الخير وتقليل الشر، والبعد عن ما هو أشر وأعظم وما يفضي إلى الشرك الأكبر مع دولتك في بلادك، ومع غيرها، ومع الرؤساء والمسئولين، ومع الأمراء وغيرهم، فالواجب التعاون معهم في إزالة الشر وتقليله وتكثير الخير، وإزالة ما هو مخالف للشرع حسب الطاقة. والمقصود أن الواجب علينا أن نعمل بكتاب الله وبسنة رسوله ﵊ ونسير على ضوئها، وأن نتفاهم فيما بيننا، وإذا أشكل شيء طرحناه للبحث بيننا ورفعناه لمن فوقنا حتى يزال الشر ويقر الخير. والتناصح والتعاون لا يأتي إلا بخير والعجلة تأتي بالشر، فالواجب علينا معشر طلبة العلم ومعشر الدعاة ومعشر الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن نتحرى ما هو الأفضل للحصول على الخير، وأن نتحرى في أسلوبنا وفي أمرنا ونهينا وفي دعوتنا وتصرفاتنا كلها ما هو الأقرب إلى رضى الله، وما هو الأقرب لحصول المطلوب

стр. 3379

الذي يرضي الله سبحانه وإزالة المنكر وحصول الخير، وعلينا أن نحرص عليه ونتعاون فيه ونتظافر فيه، وإذا دعت الحاجة إلى الشدة فالواجب الرفع إلى المسئولين عن إزالة ذلك الأمر ومتابعته حتى يزول. الذي أنصح به إخواني في هذه البلاد وفي كل مكان أن يتحروا طريقة المصطفى ﵊، وطريقة أصحابه ﵃ في القول والعمل، ويكونوا أسوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وأن يبدءوا بأنفسهم في كل خير وفي ترك كل شر حتى يكونوا قدوة عملية في أعمالهم وأحوالهم وأخلاقهم ورفقهم ورحمتهم وإحسانهم، وأن يحرصوا دائما أن يتحروا في الأمر، وأن يكون خطؤهم في العفو والرفق أولى من خطئهم في الشدة. وأسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح القلوب والأعمال، وأن يوفق جميع الدعاة وجميع العلماء في كل مكان لما هو الأهدى والأصلح، ويزيدهم من العلم والإيمان، وأن يوفق قادتهم لما يرضيه ويصلح بطانتهم ويعيذهم من كل سوء، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يوفقهم لتحكيم الشريعة والحكم بها، وأن يزيل كل من لا يرضى بذلك ولا يوافق عليه، وأن يبدلهم بخير منه إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 3380

ليس النصح بالتشهير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد: فإنني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله للتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه. ومعلوم أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه، ولم يخلقهم سدى، ولا عبثا، ولا باطلا، ولكنه خلقهم ليعبدوه ويعظموه ويمسكوا بشرعه. ووعدهم على ذلك في الدنيا النصر والتأييد والمغفرة والأمن في الأوطان، والهداية إلى الخير، ووعدهم في الآخرة جزيل الثواب، وعظيم النعم يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) والله خلق الخلق للعبادة، والعبادة هي الطاعة لله ولرسوله ﷺ . ورأسها توحيد الله واتباع شريعته،

стр. 3381

وترك ما نهى الله عنه من الشرك، وسمى الله طاعته وتوحيده عبادة لأن العبادة هي الذل والخضوع واتباع الأمر. ولهذا يقال طريق معبد أي مذلل. فالعبادة هي طاعة الله ورسوله عن ذل لله وخشوع وخضوع وإنكسار يرجو العبد رحمة ربه، ويخشى عذابه تعالى. وأصلها وأساسها توحيد الله والإخلاص له من العبد في جميع عباداته: في دعائه وخوفه ورجائه وصومه وصلاته وذبحه ونذره. وغير ذلك من أنواع العبادة كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وهذا معنى لا إله إلا الله؛ لأن معناها لا معبود حق إلا الله. فهي تنفي العبادة بحق عن غير الله، وتثبتها بحق لله وحده، فجميع المعبودات غير الله من أصنام أو أحجار أو قبور أو ملائكة، أو أنبياء أو غير ذلك كلهم معبود بالباطل، والمعبود بحق هو الله ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٤) وهذا هو معنى لا إله إلا الله: معناها توحيد الله، والإخلاص له، والاعتقاد أن العبادة حق الله جل وعلا، لا شريك له في ذلك،

стр. 3382

مع الشهادة بأن محمدا عبده ورسوله، وهو خاتم الأنبياء وأفضلهم، مع الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله. ومعنى ذلك: الإيمان بالرسل جميعا، والتصديق بما أخبر الله به ورسوله من البعث والجنة والنار، والحساب والجزاء كل ذلك داخل في الإيمان بالله. فعلى كل مكلف أن يؤمن بالله ورسوله، وأن ينقاد لشرع الله، وأن يخلص لله في العبادة دون ما سواه، وأن يحذر ما نهى الله عنه من قول وفعل وعقيدة، هذا هو دين الله، وهذا هو الإسلام. والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) هذا هو الإسلام: الانقياد لله والعبادة لله، والانقياد لشرعه، وترك ما نهى عنه. ورأس ذلك توحيد الله والإخلاص له، كما قال تعالى عن عباده الصالحين من الأئمة والأخيار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٢) فعلى جميع المكلفين من جن وإنس أن يعبدوا الله بحق، وأن ينقادوا لشرع الله، ويتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يتناصحوا. فالدين النصيحة، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٣) ويقول جل وعلا:

стр. 3383

﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) هؤلاء هم الصالحون، وهم السعداء والبقية خاسرون. فجميع العباد من جن وإنس لا نجاة لهم، ولا سعادة إلا بدين الله تعالى، والعمل الصالح وأداء فرائض الله، وترك نواهيه، والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من التواصي بالحق. وعلى الإنسان أن يعرف قدر هذه النعمة التي خلق لها، فهي نعمة عظيمة، بل هي أعظم نعمة، وأكبر نعمة، وهي نعمة الإسلام. فكون العبد قد هداه الله للإسلام فهي أكبر نعمة أسبغها الله عليه، فيجب أن يعرف فضل هذه النعمة، وأن يشكر الله عليها كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤) وفضل الله هو الإسلام ورحمته أن جعلك من أهله، ثم إن من فضل الله ورحمته أن ولي أمر هذه البلاد حكومة إسلامية ترعى أمر الدين والدنيا، وأمر الأمن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم شريعة الله، وتنهى عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ . ولا شك أن هذه من نعم الله العظيمة، وهذا الأمر بحمد الله هو الأصل الذي درجت عليه هذه الدولة وأسلافها، ودرج عليه علماء المسلمين في هذه البلاد منذ عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

стр. 3384

رحمه الله، وعهد الإمام محمد بن سعود ﵀، فالدعوة إلى الله وإلى توحيده والتواصي بالحق والصبر عليه هو منهج هذه الدولة وأسلافها ومنهج علمائها في الشدة والرخاء في جميع الأحوال، فالواجب شكر الله على هذه النعم والتواصي بالثبات عليها والدعوة إليها بين العلماء والأمراء والأغنياء والعامة والخاصة. هذه كلها نعم، يجب أن نتواصى بشكرها والاستقامة عليها والدعوة إليها وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتواصى بالحق والصبر عليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى سبيله سبحانه كما أمر جل وعلا في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فالنصح يكون بالأسلوب الحسن والكتابة المفيدة والمشافهة المفيدة، وليس من النصح التشهير بعيوب الناس، ولا بانتقاد الدولة على المنابر ونحوها، لكن النصح أن تسعى بكل ما يزيل الشر ويثبت الخير بالطرق الحكيمة وبالوسائل التي يرضاها الله ، ونحن في نعمة عظيمة نعمة الإسلام، ونعمة الأمن، ونعمة الصحة والعافية، ثم النعمة الكبرى التي من الله بها علينا في حادثة الخليج بعد عدوان عدو الله صدام وجنده واجتياحه لبلد الكويت، ثم يسر الله للدولة أن قامت بدورها في هذا الأمر وقامت بجهود عظيمة لرفع هذا الظلم واستعانت بالله العظيم ثم بالجنسيات المتعددة، التي ساعدت في رفع هذا الظلم.

стр. 3385

وكان هذا من توفيق الله وهدايته سبحانه أن جمع جموعا كبيرة ضد الظلم والعدوان حتى قضي على الظلم والعدوان، وحتى قضى الله على الظالم، وحتى رجع المظلومون إلى بلادهم، فهذا من نعم الله العظيمة. فعلينا أن نشكر الله على نعمه العديدة، وأن نتفقه في الدين، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتناصح في دين الله، وأن نتواصى بالحق والصبر عليه، وأن نحمد الله على جميع نعمه. وعلى الدولة والعلماء والعامة شكر الله والقيام بحقه، والتواصي بطاعته، وأن نستقيم على أمر الله، وأن نعالج أنفسنا. فما كان مما يرضي الله شجعناه، وقمنا بالسهر عليه، وما كان مما يغضب الله جل وعلا ابتعدنا عنه، وحذرنا الناس منه. فالدولة عليها واجبها في ترك ما حرم الله، والقيام بما أوجب الله والعناية بشرع الله، وعلى العلماء والأمراء واجبهم في الدعوة والبيان والترغيب والترهيب، وعلى جميع الناس من الأغنياء والأعيان والشركات وسائر الناس، على كل واحد منهم واجب الدعوة إلى الله بالنصيحة ومحاسبة النفس، وجهادها حتى يكون كل واحد قدوة صالحة في طاعة الله ورسوله، وهذا هو الواجب على الجميع، وليس على الدولة وحدها. فالدولة واجبها تقوى الله والقيام بحقه، وترك ما نهى الله عنه، والسير على النهج السليم، وردع الظالم عن ظلمه بالطرق الشرعية. وكل إنسان عليه أن يحاسب نفسه، ويتقي الله ويؤدي الأمانة،

стр. 3386

ويحذر الظلم والعدوان ويجتهد في طاعة الله وطاعة رسوله، مع التواصي بالحق والصبر عليه. هذا واجب الجميع الأغنياء والفقراء، والأمراء والدولة والعلماء، كل واحد منهم عليه واجبه، يقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وهذا هو الواجب على جميع المؤمنين والمؤمنات لقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) كلهم أولياء فلا يغتب بعضهم بعضا، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يظلمه، ولا يدعي عليه الدعاوى الباطلة حكامهم ومحكوموهم، وعلماؤهم وغيرهم، كلهم مقصرون إذا لم يتناصحوا ويتعاونوا على البر والتقوى، ويستقيموا على دين الله قولا وعملا، ويلزموا التوبة إلى الله سبحانه. ثم قال سبحانه: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) أي يكونون أولياء فيما بينهم بالنصيحة والتوجيه، والأمر بالمعروف، والبعد عن أسباب الفرقة والاختلاف والشحناء والغيبة والنميمة، وسائر ما حرم الله في الكتاب والسنة. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات، ومن أعظم فرائض الإسلام وليس خاصا بالبعض، بل واجب علي المؤمنين والمؤمنات جميعا، كما قال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)

стр. 3387

فأوضح سبحانه في هذه الآية أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، لا فرق بين أمير ومدير وعالم وغيرهم وذكر وأنثى من المؤمنين والمؤمنات فكل واحد منهم عليه واجبه على حسب علمه واستطاعته. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) وعليهم أن يشكروا الله أنهم في بلد آمن، ودولة إسلامية تنصح لله ولكتابه ورسوله وعباده، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحكم شرع الله في عباده. ويستطيع كل فرد أن يؤدي فرائض الله ويبتعد عن محارمه سبحانه، ويتواصى مع إخوانه بالحق والصبر عليه، في أمن وعافية. فأسأل الله سبحانه أن يصلح حالهم جميعا، وأن يصلح قادتهم، وأن يوفق جميع حكام المسلمين للحكم بشريعة الله والقيام بها، والتواصي بذلك. كما أسأله أن يصلح ولاة أمرنا وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين، وأسأله سبحانه أن يوفقهم جميعا لما فيه رضاه، وأن يعينهم على شكره وذكره، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يوفقهم لكل خير، وأن يبعدهم عن كل شر، وأن يجعلهم هداة مهتدين.

стр. 3388

ونسأل الله لجميع ولاة أمر المسلمين التوفيق والهداية، والإعانة على كل خير، وأن يوفقهم لكل ما يرضى الله، وأن يعينهم على ترك ما نهى عنه جل وعلا، ورسوله ﷺ ، وأن يعينهم على مساعدة الداعي إلى الحق، وردع صاحب الباطل عن باطله. وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يصلح قادتهم، وأن يوفق حكام المسلمين للحكم بشريعة الله، والقيام بها والتواصي بذلك، وأن يعيذنا من الشيطان ونزغاته، وأن يعيننا جميعا على كل خير. إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 3389

أسلوب النقد بين الدعاة والتعقيب عليه (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمد ﷺ بما بعث به الرسل جميعا من الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. وأمره بإقامة القسط ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت والاعتداء على حقوق العباد. وقد شاع في هذا العصر أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين. يفعلون ذلك سرا في مجالسهم. وربما سجلوه في أشرطة تنشر على الناس، وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد، وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها: أولا: أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم

стр. 3390

وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات وتأليف الكتب النافعة. ثانيا: أنه تفريق لوحدة المسلمين وتمزيق لصفهم. وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعية إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم. ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق أو من أهل البدع والضلال. ثالثا: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين وغيرهم من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة والكذب عليهم والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم. رابعا: إن في ذلك إفسادا لقلوب العامة والخاصة، ونشرا وترويجا للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسببا في كثرة الغيبة والنميمة وفتح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس الذين يدأبون على بث الشبه وإثارة الفتن ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا. خامسا: أن كثيرا من الكلام الذي قيل لا حقيقه له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١)

стр. 3391

والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل، وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملا. سادسا: وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلا للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن، حرصا على الوصول إلى الحق من أقرب طريق ودفعا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة، ودون تهجم أو تجريح أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه. ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها. وقد كان الرسول ﷺ يقول في مثل هذه الأمور ما بال أقوام قالوا كذا وكذا. فالذي أنصح به هؤلاء الأخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة ونالوا منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظت به ألسنتهم مما كان سببا في إفساد قلوب بعض الشباب وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال والكلام عن فلان وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاء للآخرين وتصيدها، وتكلف ذلك.

стр. 3392

كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوا بكتابة أو غيرها مما يبرئون فيه أنفسهم من مثل هذا الفعل ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليه من قولهم، وأن يقبلوا على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله وتكون نافعة للعباد، وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان وقد قال النبي ﷺ : «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما (١) » متفق على صحته. ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أو غيرهم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر ويوقفوهم على حقيقته ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبهة عملا بقول الله في سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا ويجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين، وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه وينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

стр. 3393

السؤال الأول: صدر عن سماحتكم بيان قبل أسابيع حول أسلوب النقد بين الدعاة فتأوله بعض الناس بتأويلات مختلفة، فما قول سماحتكم في ذلك؟ - السائل: ع. ف. ع. الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن اهتدى بهداه أما بعد: فهذا البيان الذي أشار إليه السائل أردنا فيه نصيحة إخواني العلماء والدعاة بأن يكون نقدهم لإخوانهم فيما يصدر من مقالات أو ندوات أو محاضرات أن يكون نقدا بناء بعيدا عن التجريح وتسمية الأشخاص؛ لأن هذا قد يسبب شحناء وعداوة بين الجميع. وكان من عادة النبي ﷺ وطريقته إذا بلغه عن بعض أصحابه شيء لا يوافق الشرع نبه على ذلك بقوله ﷺ : «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا (١) » ثم يبين الأمر الشرعي ﵊. ومن ذلك أنه بلغه أن بعض الناس قال: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، فخطب الناس ﷺ وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني (٢) » . فمقصودي هو ما قاله النبي ﷺ أي أن التنبيه يكون بمثل هذا الكلام، بعض الناس قال كذا، وبعض الناس يقول كذا، والمشروع

стр. 3394

كذا، والواجب كذا فيكون الانتفاد من غير تجريح لأحد معين، ولكن من باب بيان الأمر الشرعي، حتى تبقى المودة والمحبة بين الإخوان وبين الدعاة وبين العلماء. ولست أقصد بذلك أناسا معينين وإنما قصدت العموم جميع الدعاة والعلماء في الداخل والخارج. فنصيحتي للجميع أن يكون التخاطب فيما يتعلق بالنصحية والنقد من طريق الإبهام لا من طريق التعيين إذ المقصود التنبيه على الخطأ والغلط وما ينبغي من بيان الصواب والحق من دون حاجة إلى تجريح فلان وفلان. وفق الله الجميع. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 3395

وصية للهيئة بالرفق والأسلوب الحسن من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم معالي الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأشفع لمعاليكم مع كتابي هذا الرسالة التي كتبها إلي المدعو / ع. ع. إ المصري الجنسية المتضمنة الإفادة عما حصل لزوجته من سوء المعاملة من بعض رجال الهيئة في جدة، وأرجو بعد الاطلاع عليها وصية الهيئة في جدة وغيرها بالرفق والأسلوب الحسن في إنكارهم المنكر ولا سيما كشف الوجه من المرأة؛ لأن الله سبحانه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. ولا يخفى أن كشف الوجه محل خلاف بين أهل العلم وشبهة، فالواجب الرفق في إنكاره والدعوة إلى الحجاب بالأسلوب الحسن من دون حاجة إلى طلب الجواز أو الإقامة، أو إركابها السيارة إلى المكتب ولا سيما الغريبات من النساء فإنهن أحق بالرفق لغلبة الجهل عليهن واعتيادهن الكشف في بلادهن إلا من رحم الله. وأسأل الله سبحانه أن يمنحكم التوفيق لكل ما فيه رضاه ويعينكم على كل خير، إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3396

إنكار المنكر حسب الطاقة إنني فتاة أسكن في السكن الداخلي مع الطالبات، وقد هداني الله إلى الحق وأصبحت متمسكة به ولله الحمد، لكنني متضايقة جدا مما أرى حولي من بعض المعاصي والمنكرات، خصوصا من بعض زميلاتي الطالبات كسماع الأغاني، والغيبة والنميمة، وقد نصحتهن كثيرا ولكن بعضهن يهزأ بي ويسخر مني ويقلن إنني معقدة. سماحة الشيخ: أرجو إفادتي. . ماذا أعمل جزاكم الله خيرا؟ الواجب عليك إنكار المنكر حسب الطاقة بالكلام الطيب والرفق وحسن الأسلوب، مع ذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك حسب علمك، ولا تشاركيهن في الأغاني ولا في الغيبة ولا في غيرها من الأقوال والأفعال المحرمة، واعتزليهن حسب الإمكان حتى يخضن في حديث آخر لقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١) الآية. ومتى أنكرت بلسانك حسب الطاقة واعتزلت عملهن لم يضرك فعلهن ولا عيبهن لك، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)

стр. 3397

فأبان سبحانه أن المؤمن لا يضره من ضل إذا لزم الحق واستقام على الهدى، وذلك بإنكار المنكر، والثبات على الحق، وحسن الدعوة إليه، وسيجعل الله لك فرجا ومخرجا وسينفعهن الله بإرشادك إذا صبرت واحتسبت إن شاء الله، وأبشري بالخير العظيم والعاقبة الحميدة ما دمت ثابتة على الحق منكرة لما خالفه كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) وقال : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) وفقك الله لما يرضيه، ومنحك الصبر والثبات، ووفق أخواتك وأهلك وزميلاتك لما يحبه ويرضاه إنه سميع قريب وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3398

أسئلة وأجوبتها حول الدعوة إلى الله السؤال الأول: عندنا في قريتنا عندما تتوفى زوجة الرجل ويتزوج غيرها يذهبون إلى قبرها ليلة زواجه بالزوجة الجديدة ويضعون عليه ماء. الجواب: لا أصل لهذا وهو بدعة.

стр. 3399

ثقافة الداعية سؤال: نرجو عرض ما ينبغي للداعية أن يفعله تجاه ثقافته؟ ومم يستمد ثقافته حتى تكون دعوته مؤثرة ومستجابة بإذن الله؟ الجواب: إن الدعوة إلى الله من أعظم المهمات ومن أهم الفرائض، وكل مجتمع من الناس في أشد الحاجة إليها سواء كان مجتمعا مسلما أو مجتمعا كافرا. فالمجتمع المسلم في حاجة إلى المزيد من العلم، وإلى التنبيه إلى ما قد يقع منه من أغلاط أو منكرات حتى يدرك ما وقع منه من الأخطاء، وحتى يستقيم على طاعة الله ورسوله وحتى ينتهي عما نهى الله ورسوله، والمجتمع الكافر يدعى إلى الله، ويبين أن الله خلقه لعبادته، وأن الواجب عليه الدخول في الإسلام والالتزام بما جاء به نبي الهدى محمد ﷺ . ولكن الداعي

стр. 3400

إلى الله تلزمه أمور لا بد من مراعاتها حتى تكون دعوته ناجحة وحتى تكون لها العاقبة الحميدة. فأعظمها وأهمها العلم، والعلم إنما يؤخذ من كتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين ﷺ كما قال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) قال أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) يعني على علم؛ لأن العالم بعلمه بالنسبة إلى المعلومات كالبصير بالنسبة إلى المرئيات، فهو يعلم كيف يأمر وكيف ينهى وكيف يدعو إلى الله، كما أن الرائي يرى ما أمامه حتى يتجنب ما يضره من حفر وأشواك ونحو ذلك. ثم أمر آخر وهو أن يكون رفيقا في دعوته وألا يعجل في ذلك حتى يضع الأمور في مواضعها. فإن كان المدعو ممن يفهم العلم ويمكن أن يستجيب من دون حاجة إلى موعظة أو جدال وضح له الحق وأرشد إليه بالأدلة الشرعية والكلام الطيب والأسلوب الحسن، فإذا تقبل ذلك انتهى الموضوع وحصل المطلوب. وإن كان ممن لديه جفاء وإعراض وغفلة وعدم مبالاة، نصح ووعظ بالتي هي أحسن وذكر بالله لعله يستجيب ويقبل الحق، فإن كان ذا شبهة ومجادلة رفق به وجادله بالتي هي أحسن حتى يزيل شبهته ويوضح له الحق الذي أشكل عليه وحتى لا تبقى شبهة يتشبث بها في ترك الحق أو في الاستمرار على الباطل، وهذه المعاني قد دل عليها قول الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣)
следующие страницы →