← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

حقيقة الإخلاص (١) سؤال: هل يصح أن نقول: إن الإخلاص هو الإحسان وهو الإيمان والأمانة؟ ع. م الرياض. جواب: الإخلاص جزء من الأمانة والإيمان، وكون العمل موافقا للشريعة جزء من الأمانة والإيمان، وتأدية الصلاة بالوضوء من الأمانة والإيمان، وتأديتها في وقتها إيمان وأمانة. هكذا الزكاة وغيرها من الواجبات، والإحسان في العمل شيء آخر فهو كمال الأمانة والإيمان وذلك بأن تستكمل العمل في طاعة الله من واجب ومندوب، وتبتعد عن معاصي الله وما كرهه الله من ذلك لعباده. والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه، ولهذا قال النبي ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (٢) » ، وأهل هذه المرتبة هم السابقون المقربون المذكورون في قوله سبحانه في سورة الواقعة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤) ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥) ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦) ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٧) الآية، وبالله التوفيق.

стр. 3502

هذا الجواب منكر وغلط عظيم من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم \ رئيس تحرير جريدة عكاظ وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد اطلعت على ما ورد في العدد ٩٤٣ من الجريدة الصادر في يوم الاثنين ٢٣ \ ١١ \ ١٤١٢ هـ في الصفحة ٢٢ الأخيرة عن الأطفال الذين أصابهم الاختناق في مكة بسبب الحريق وقول والدهم لما سأله الأطفال أين الله؟ أجاب بأنه موجود في كل مكان. وأفيدكم أن هذا الجواب منكر وغلط عظيم بل كفر أكبر؛ لأن الله سبحانه فوق العرش، فوق جميع خلقه، وعلمه في كل مكان كما دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع سلف الأمة. فالواجب على والد الأطفال أن يتوب إلى الله من ذلك، وأن يعلم يقينا أن الله سبحانه فوق العرش، فوق جميع خلقه كما قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (١) الآية، وقال سبحانه في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)

стр. 3503

وقال : ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على علوه سبحانه واستوائه على العرش. أما قوله سبحانه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) وقوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٤) وما جاء في معنى هاتين الآيتين، فمعنى المعية هنا الكلاءة والحفظ والنصر والتأييد مع العلم بكل شيء. وهكذا قوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥) وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٦) ومعنى المعية هنا العلم والإحاطة والاطلاع على شئونهم وهو سبحانه فوق العرش لا تخفى عليه خافية. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر الطلمنكي

стр. 3504

وآخرون من أهل العلم إجماع العلماء على هذا المعنى، والمراد العلماء من أهل السنة والجماعة، ولا شك أن ذلك هو معنى الآيات المذكورة وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث. فالواجب التمسك بذلك والإيمان به، والحذر مما يخالفه من أقوال أهل البدع والضلال. فأرجو نشر هذا الإيضاح للمسألة في الصحيفة، تصحيحا لما نشر وبيانا للحق وفق الله الجميع لما يرضيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 3505

من لم يكفر الكافر فهو مثله سؤال: هل تارك الصلاة يكون معذورا إذا لم يكن يدري بأن عقوبة تارك الصلاة الكفر الأكبر الناقل عن الملة؟ وهل علي إثم أن أصل رحمي الذي لا يصلي أو أتناول معهم الأطعمة، وما حكم من يصر على عدم تكفير تارك الصلاة، أو تكفير من يأتي بأفعال شركية مثل: (الذبح، النذر، المدد) ويقول: إن هذا العمل شرك ولكن فاعله لا يجوز أن نطلق عليه كلمة الكفر بعينه؟ ت. ر مصري مقيم في الخرج. جواب: حكم من ترك الصلاة من المكلفين الكفر الأكبر في أصح قولي العلماء وإن لم يعتقد ذلك هو؛ لأن الاعتبار في الأحكام بالأدلة الشرعية لا بعقيدة المحكوم عليه. وهكذا من تعاطى مكفرا من المكفرات كالاستهزاء بالدين، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والاستغاثة بالأموات وطلبهم النصر على الأعداء أو شفاء المرض ونحو ذلك لقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)

стр. 3506

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) ومعلوم أن من دعا الأموات، أو استغاث بهم، أو نذر لهم، أو ذبح لهم قد اتخذهم آلهة مع الله وإن لم يسمهم آلهة. وقال في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٥) فسمى دعاءهم غير الله شركا به سبحانه، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٦) » خرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄، وقال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٧) » أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁، والأدلة في ذلك من

стр. 3507

الكتاب والسنة كثيرة. . ومن لم يكفر الكافر فهو مثله إذا أقيمت عليه الحجة وأبين له الدليل فأصر على عدم التكفير، كمن لا يكفر اليهود أوالنصارى أو الشيوعيين أو نحوهم ممن كفره لا يلتبس على من له أدنى بصيرة وعلم. وليس للمسلم أن يتخذ من ترك الصلاة أو فعل شيئا من أنواع الكفر صديقا، ولا أن يجيب دعوته، ولا أن يدعوه إلى بيته؛ بل الواجب هجره مع النصيحة والدعوة حتى يتوب إلى الله سبحانه مما هو عليه من الكفر إلا إذا دعت المصلحة الشرعية لعدم الهجر، ليتمكن من دعوته ويتابعها لعله يستجيب للحق ويدع ما هو عليه من الباطل من دون اتخاذه صديقا أو جليسا، وقد ترك النبي ﷺ هجر عبد الله بن أبي رأس المنافقين من أجل المصلحة العامة، وهجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر لعدم ما يقتضي عدم هجرهم. فالواجب على ولاة الأمور وعلى العلماء والدعاة إلى الله سبحانه أن يراعوا في هذه الأمور ما تقتضيه القواعد الشرعية، والمصلحة العامة للمدعو وللمسلمين، والله ولي التوفيق.

стр. 3508

حكم طلب المدد من الرسول سؤال: نسمع أقواما ينادون مدد يا رسول الله، أو مدد يا نبي، فما الحكم في ذلك؟ جواب: هذا الكلام من الشرك الأكبر، ومعناه طلب الغوث من النبي ﷺ وقد أجمع العلماء من أصحاب النبي ﷺ ﵃ وأتباعهم من علماء السنة على أن الاستغاثة بالأموات من الأنبياء وغيرهم، أو الغائبين من الملائكة أو الجن وغيرهم، أو بالأصنام والأحجار والأشجار أو بالكواكب ونحوها من الشرك الأكبر، لقول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) وقول الله : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤)

стр. 3509

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا العمل هو دين المشركين الأولين من كفار قريش وغيرهم، وقد بعث الله الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب بإنكاره والتحذير منه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٣) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٧) فأوضح سبحانه في هذه الآيات أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له بأنواع العبادة من الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء والصلاة والصوم والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة، وأخبر أن المشركين من قريش وغيرهم يقولون للرسل ولغيرهم من دعاة الحق: " ما نعبدهم - يعنون الأولياء - إلا ليقربونا إلى الله زلفى "، والمعنى أنهم عبدوهم

стр. 3510

ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم، لا لأنهم يخلقون ويرزقون ويتصرفون في الكون، فأكذبهم الله وكفرهم بذلك. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (١) فبين سبحانه أنهم كذبة في قولهم: إن الأولياء المعبودين من دون الله يقربونهم إلى الله زلفى، وحكم عليهم أنهم كفار بذلك. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٢) وبين سبحانه في آية أخرى من سورة يونس أنهم يقولون في معبوديهم من دون الله: إنهم شفعاء عند الله، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) فأكذبهم سبحانه فقال: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) وبين في سورة الذاريات أنه خلق الثقلين الجن والإنس ليعبدوه وحده دون كل ما سواه، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) فالواجب على جميع الجن والإنس أن يعبدوا الله وحده وأن يخلصوا له العبادة، وأن يحذروا عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم، لا بطلب المدد ولا بغير ذلك من أنواع العبادة، عملا بالآيات

стр. 3511

المذكورات وما جاء في معناها، وعملا بما ثبت عنه ﷺ وعن غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم دعوا الناس إلى توحيد الله وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، ونهوهم عن الشرك به وعبادة غيره، وهذا هو أصل دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وخلق من أجله الثقلين، فمن استغاث بالأنبياء أو غيرهم، أو طلب منهم المدد أو تقرب إليهم بشيء من العبادة، فقد أشرك بالله وعبد معه سواه، ودخل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وفي قوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤) ولا يستثنى من هذه الأدلة إلا من لم تبلغه الدعوة ممن كان بعيدا عن بلاد المسلمين، فلم يبلغه القرآن ولا السنة، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم في شأنه أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع الأمر دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، وهكذا أولاد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ، فإن الصحيح فيهم قولان: أحدهما: أنهم يمتحنون يوم

стр. 3512

القيامة، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار لقول النبي ﷺ لما سئل عنهم: «الله أعلم بما كانوا عاملين (١) » متفق على صحته. فإذا امتحنوا يوم القيامة ظهر علم الله فيهم. والقول الثاني: أنهم من أهل الجنة؛ لأنهم ماتوا على الفطرة قبل التكليف، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة (٢) » ، وفي رواية: «على هذه الملة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (٣) » ، وثبت عنه ﷺ أنه رأى إبراهيم الخليل ﵊ في روضة من رياض الجنة وعنده أطفال المسلمين وأطفال المشركين. وهذا القول هو أصح الأقوال في أطفال المشركين للأدلة المذكورة، ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤) ونقل الحافظ ابن حجر ﵀، في الفتح جـ ٣ ص ٢٤٧ في شرح باب: ما قيل في أولاد المشركين من كتاب الجنائز: إن هذا القول هو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، انتهى المقصود. ويستثنى من ذلك أيضا دعاء الحي الحاضر، فيما يقدر عليه، فإن ذلك ليس من الشرك لقول الله في قصة موسى مع القبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٥) ولأن كل إنسان يحتاج إلى إعانة إخوانه فيما يحتاج إليه في الجهاد وفي غيره مما يقدرون عليه، فليس ذلك من الشرك، بل ذلك من الأمور المباحة، وقد يكون ذلك التعاون مسنونا، وقد يكون واجبا على حسب الأدلة الشرعية. والله ولي التوفيق.

стр. 3513

زيارة قبور الأولياء (١) سؤال: ما حكم من يزور القبور ثم يقرأ الفاتحة، وخاصة على قبور الأولياء كما يسمونهم في بعض البلاد بالرغم أن بعضهم يقول: لا أريد الشرك، ولكن إذا لم أقم بزيارة هذا الولي فإنه يأتي إلي في المنام ويقول لي: لماذا لم تزرني؟ فما حكم ذلك جزاكم الله خيرا؟ جواب: يسن للرجال من المسلمين زيارة القبور كما شرعه الله سبحانه لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وروى مسلم في صحيحه أيضا عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (٣) » . وصح عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه كان إذا زار القبور يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤) » . ولم يكن حال الزيارة ﵊ يقرأ سورة الفاتحة ولا غيرها من القرآن، فقراءتها وقت الزيارة بدعة، وهكذا قراءة غيرها من القرآن، لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٥) » متفق على صحته،

стр. 3514

وفي رواية مسلم ﵀ يقول ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » . وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٢) » ، وأخرجه النسائي وزاد: «وكل ضلالة في النار (٣) » . فالواجب على المسلمين التقيد بالشرع المطهر والحذر من البدع في زيارة القبور وغيرها. والزيارة مشروعة لقبور المسلمين جميعا سواء سموا أولياء أم لم يسموا أولياء. وكل مؤمن وكل مؤمنة من أولياء الله كما قال الله : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥) وقال سبحانه في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) ولا يجوز للزائر ولا لغيره دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم أو النذر لهم أو الذبح لهم عند قبورهم أو في أي مكان يتقرب بذلك إليهم ليشفعوا له أو يشفوا مريضه أو ينصروه على عدوه أو لغير ذلك من الحاجات؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٧) وقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٨) وقال

стр. 3515

سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) والمعنى أمر ووصى، وقال عز جل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٦) » متفق على صحته من حديث معاذ ﵁. وهذا يشمل جميع العبادات من صلاة وصوم وركوع وسجود وحج ودعاء وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، كما أن الآيات السابقات تشمل ذلك كله وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله (٧) » . وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله (٨) » . والأحاديث في الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن الإشراك به، وعن وسائل ذلك كثيرة معلومة. أما النساء فليس لهن زيارة القبور؛ لأن رسول الله ﷺ : «لعن زائرات القبور» ، والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن زيارتهن قد تحصل بها الفتنة لهن ولغيرهن

стр. 3516

من الرجال، وقد كانت الزيارة للقبور في أول الإسلام ممنوعة حسما لمادة الشرك، فلما فشا الإسلام وانتشر التوحيد أذن ﷺ في الزيارة للجميع ثم خص النساء بالمنع حسما لمادة الفتنة بهن. أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار، ولكن لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها. وأسأل الله أن يوفق المسلمين رجالا ونساء للفقه في الدين والاستقامة عليه قولا وعملا وعقيدة، وأن يعيذهم جميعا من كل ما يخالف شرعه المطهر إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 3517

لا يجوز تعظيم آثار العلماء بما يفضي إلى الغلو فيهم والشرك بهم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد. فقد نشرت صحيفة الرياض في عددها الصادر في ٢١ \ ١٠ \١٤١٢ هـ مقالا بقلم: س. د تحت عنوان: (ترميم بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحريملاء) وذكر أن الإدارة العامة للآثار والمتاحف أولت اهتماما بالغا بمنزل مجدد الدعوة السلفية الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀ في حي غيلان بحريملاء؛ حيث تمت صيانته وأعيد ترميمه بمادة طينية تشبه مادة البناء الأصلية. إلى أن قال: وتم تعيين حارس خاص لهذا البيت. إلخ وقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية على المقال المذكور ورأت أن هذا العمل لا يجوز، وأنه وسيلة للغلو في الشيخ محمد ﵀ وأشباهه من علماء الحق والتبرك بآثارهم والشرك بهم، ورأت أن الواجب هدمه وجعل مكانه توسعة للطريق سدا لذرائع الشرك والغلو، وحسما لوسائل ذلك وطلبت من الجهة المختصة القيام بذلك فورا، ولإعلان الحقيقة والتحذير من هذا العمل المنكر جرى تحريره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3518

لا يجوز دفن الميت في المسجد (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم: هـ. ع. ن. م. م، سلمه الله آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد. . فإشارة إلى رسالتك الكريمة المتضمنة طلب بعض الكتب والإجابة عن السؤال الذي ذكرته. نشكر لك اهتمامك وغيرتك ويسرنا تحقيق رغبتك بإرسال نسخة من زاد المعاد، والعقيدة الواسطية شرح محمد خليل الهراس، والقاعدة الجليلة لشيخ الإسلام ابن تيمية. وفتح المجيد، وشرح الطحاوية لابن أبي العز. أما بالنسبة للسؤال فالواجب منع الدفن في المسجد، وإزالة ما أعده الشخص المذكور ليدفن فيه، وأن يستعان في ذلك بالله ثم بأهل العلم حتى يقنع الرجل بأن عمله لا يجوز لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢) » متفق على صحته من حديث عائشة ﵂، ولقول النبي ﷺ : «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: «أن

стр. 3519

أم سلمة، وأم حبيبة ﵄ ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال ﵊: أولئك إذا مات الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (١) » . فهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم بناء المساجد على القبور، ووضع القبور في المساجد؛ لأن ذلك من وسائل الشرك الأكبر، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (٢) » . وما ذلك إلا أن البناء على القبور وتجصيصها ووضع الستور عليها والصلاة عندها وبناء المساجد عليها كل ذلك من وسائل الشرك. نسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك، وأن يفقههم في الدين، وأن يعينهم على التمسك بشرع الله والاستقامة عليه، وأن يوفق علماءهم لتبصيرهم وتوجيههم إلى الخير على ضوء الكتاب والسنة إنه سميع مجيب. وأسأل الله لك التوفيق والإعانة على كل خير إنه خير مسئول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 3520

سؤال الميت والاستغاثة به من الشرك الأكبر سؤال: ما يفعله بعض الجهلة حول بعض القبور من سؤال الميت والاستغاثة به وطلبه الشفاء أو النصر على الأعداء أو المدد، ما حكمه؛ لأن هذا موجود في كثير من الأمصار؟ جواب: بسم الله والحمد لله: هذا العمل من الشرك الأكبر وهو شرك المشركين الأولين من قريش وغيرهم كانوا يعبدون اللات والعزى ومناة وأوثانا وأصناما كثيرة ويستغيثون بها ويستعينون بها على الأعداء كما قال أبو سفيان يوم أحد: «قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: (اعل هبل) (١) » ، مراده اعل يا هبل يعني الصنم الذي كانت تعبده قريش في مكة فقال النبي ﷺ : «ردوا عليه، فقالوا: ما نقول يا رسول الله قال: قولوا: الله أعلى وأجل (٢) » . والمقصود أن دعاء الأموات والأصنام والأحجار والشجر وغيرها من المخلوقات والاستغاثة بها أو الاستنصار بها والذبح لها والنذر لها والطواف بها كل ذلك من الشرك الأكبر؛ لأن ذلك كله من العبادة لغير الله ومن أعمال المشركين الأولين والآخرين، فالواجب الحذر منها والتوبة إلى الله من ذلك. والواجب على أهل العلم والدعاة إلى الله سبحانه أن ينصحوا من يتعاطى ذلك ويعلموه ويرشدوه ويوضحوا له أن هذا شرك المشركين الأولين الذين قال

стр. 3521

الله فيهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) الآية، وقال سبحانه في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وقال فيه سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقال فيه سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤) وقال فيه يخاطب نبيه محمدا ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) وقال فيه النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٦) » رواه البخاري في صحيحه وقال ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٧) » متفق على صحته، وقال ﵊: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار (٨) » رواه مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ونسأل الله أن يمنح المسلمين الفقه في دينه، وأن يعيذهم من كل ما يغضبه، وأن يمن عليهم بالتوبة النصوح من كل شر، وأن يوفق علماء المسلمين في كل مكان لنشر العلم وإرشاد الجهال إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، وأن ينصر

стр. 3522

دينه ويعلي كلمته وأن يوفق قادة المسلمين ورؤساءهم للبصيرة في دينه وتحكيم شريعته وإلزام الشعوب بها إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3523

عادات الاحتفال بعد موت أحد سؤال: هناك في اليمن عادات يفعلها بعض الناس بعد موت أحد أقاربهم فهم يضطرون إلى أن يستدينوا من أجل الاحتفالات والأكل والشرب وما أشبه ذلك حتى وإن كان المتوفى فقيرا لم يخلف شيئا، فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرا؟ جواب: لا يجوز الاحتفال عند موت أحد من الناس وليس لأهل الميت أن يقيموا احتفالا ولا يذبحوا ذبائح ويصنعوا طعاما للناس كل هذا من البدع ومن أعمال الجاهلية فالواجب تركه. وقد ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الموت من النياحة" رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، فالمشروع للمسلمين إذا مات الميت المسلم أن يسألوا الله له المغفرة والرحمة، وأن يتركوا هذه الاحتفالات الجاهلية لكن يشرع لجيرانهم وأقاربهم أن يصنعوا لهم طعاما؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة لما ثبت من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ «أن النبي ﷺ لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قتل في غزوة مؤتة في أرض الشام إلى المدينة أمر النبي ﵊ أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاما قال: لأنه أتاهم ما يشغلهم (١) » ، أما أهل الميت فليس لهم صنع الطعام للناس لما تقدم، أما إذا صنعوا ذلك فلا بأس لأنفسهم أو لضيوف نزلوا بهم فلا بأس.

стр. 3524

تنويه يلاحظ القارئ أن الأجزاء المتعلقة بالعقيدة وما يلحق بها من مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز -أمد الله في عمره- يدخل فيها أسئلة وأجوبة عن موضوعات ليست في العقيدة. ومن باب التنويه، فإن هذه الأسئلة كانت جزءا من محاضرات تداولها الناس على الأشرطة، ومن المصلحة أن ترد كاملة. وبتوجيه من سماحة الشيخ فإن كل سؤال وجوابه سوف يوضع في مكانه من أبواب الفقه عندما يصل إليها الكتاب وينبه على مكانه السابق من الكتاب.

стр. 3525

صفحة فارغة

стр. 3526

صفحة فارغة

стр. 3527

صفحة فارغة

стр. 3528

نصيحة واجبة لتحكيم شرع الله المطهر (١)

стр. 3529

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » . وقياما بهذا الواجب فإني أعيد التذكير بما سبق أن كتبت وتحدثت عنه مرارا، من بيان وجوب التحاكم إلى شرع الله، ونبذ ما خالفه. لقد دلت الأدلة الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة على أنه يجب على المسلمين جميعا؛ أفرادا أو جماعات، أو حكومات ودولا: التحاكم فيما شجر بينهم من خصومات ونزاعات إلى شرع الله سبحانه، والرضوخ له، والتسليم به. ومن هذه الأدلة الصريحة: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقوله . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) وقوله سبحانه:

стр. 3530

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومنها يعلم أنه لا يجوز للمسلم التحاكم إلى القوانين الوضعية، أو الأعراف القبلية المخالفة للشرع. كما أوجه نصيحتي الخالصة في هذه الكلمة إلى حكام الدول الإسلامية جميعا بسبب ما وقع ويقع بينهم من النزاعات المتعددة، بأن الطريق الوحيد الذي يجب اللجوء إليه لحل النزاعات بين دولهم في الممتلكات والحقوق والحدود السياسية وغيرها - هو تحكيم شرع الله، وذلك بتشكيل لجنة أو محكمة شرعية، أعضاؤها من علماء الشرع المطهر ممن هم محل رضا الجميع: علما، وفهما، وعدلا، وورعا، تنظر في محل النزاع، ثم تحكم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية، وليعلموا أن ما يقع من بعضهم من التحاكم إلى محكمة العدل الدولية وأمثالها من الهيئات غير الإسلامية هو تحاكم إلى غير شرع الله، ولا يجوز التقاضي إليها، أو تحكيمها بين المسلمين، فليحذروا ذلك، وليتقوا الله ويخشوا عقابه الذي توعد به من يعرض عن شرعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٢) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (٣) ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٤) وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٥) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٦)

стр. 3531

والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كلها تؤكد أن طاعة الله ورسوله سبب لسعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وأن معصية الله ورسوله، والإعراض عن ذكر الله، والتولي عن حكمه سبب لضنك العيش وشقاء الحياة والعذاب في الآخرة. والله أسأل أن يهدي الجميع إلى الحق، ويرزقهم الاستقامة، ويصلح أحوالهم، ويعينهم على كل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، وأن يمنح الجميع الرضا بحكم الله ورسوله، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 3532

القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها (١)

стр. 3533

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فلا ريب أن سلامة العقيدة أهم الأمور، وأعظم الفرائض؛ ولهذا رأيت أن يكون عنوان هذه الكلمة: (القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها) . العقيدة: هي ما يعتقده الإنسان ويدين به، من خير وشر، من فساد وصلاح. والمطلوب: هو التمسك بالعقيدة الصحيحة، وما يجب على العبد في ذلك؛ لأن في هذا العالم عقائد كثيرة، كلها فاسدة إلا العقيدة التي جاء بها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وهي العقيدة الإسلامية الصافية النقية من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، هذه هي العقيدة التي جاء بها كتاب الله، ودلت عليها سنة رسول الله ﷺ ، وهي: الإسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)

стр. 3534

فالإسلام هو دين الله، لا يقبل من أحد سواه، قال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) وهو دين الأنبياء كلهم؛ فهو دين آدم أبينا ﵊، وهو دين الأنبياء بعده: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ودين غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو دين نبينا محمد ﵊ الذي بعثه الله به للناس عامة، قال النبي ﵊: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد (٢) » وفي لفظ: «أولاد علات (٣) » . والمعنى: أن دين الأنبياء واحد: وهو توحيد الله، والإيمان بأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق للعبادة دون كل ما سواه، والإيمان بالآخرة والبعث والنشور، والجنة والنار والميزان، وغير هذا من أمور الآخرة، أما الشرائع فهي مختلفة، وهذا معنى أولاد علات: أولاد لضرات، كنى بهذا عن الشرائع، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤) إخوة الأب: أبوهم واحد وأمهاتهم متفرقات، هكذا الأنبياء دينهم واحد وهو: توحيد الله والإخلاص له.

стр. 3535

وهو معنى (لا إله إلا الله) ، وهو: إفراد الله بالعبادة، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وما يتفرع بعد ذلك من البعث والنشور، والجنة والنار، والميزان والحساب والصراط، وغير هذا. هكذا الأنبياء دينهم واحد، كلهم جاءوا بهذا الأمر - عليهم الصلاة والسلام - ولكن الشرائع تفرقت، بمثابة الأولاد لأمهات العلات، فشريعة التوراة فيها ما ليس في شريعة الإنجيل، وفي الشرائع التي قبلها أشياء ليست فيها، وفي شريعة نبينا محمد ﷺ أشياء غير ما في التوراة والإنجيل، فقد يسر الله على هذه الأمة وخفف عنها الكثير، كما قال جل وعلا: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقال ﵊: «بعثت بالحنيفية السمحة (٢) » . فالله بعثه بشريعة سمحة ليس فيها آصار، وليس فيها أغلال، وليس فيها حرج، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) كان أتباع الشرائع الماضية قبل شريعة نبينا ﷺ لا يتيممون عند فقد الماء، بل يؤخرون الصلوات ويجمعونها حتى يجدوا الماء، ثم يتوضئون ويصلون، وجاء في هذه الشريعة المحمدية التيمم، فمن عدم الماء أو عجز عنه تيمم بالتراب وصلى، وجاء في ذلك أنواع كثيرة من التيسير والتسهيل. وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث النبي محمد ﷺ إلى الناس عامة؛ إلى الجن والإنس، والعرب والعجم، وجعله الله خاتم الأنبياء. وكان من قبلنا لا يصلون إلا في بيعهم ومساجدهم ومحلات

стр. 3536

صلاتهم، أما في هذه الشريعة المحمدية فإنك تصلي حيث كنت، في أي أرض الله حضرت الصلاة صليت، في أي أرض الله. من الصحاري والقفار، كما قال ﵊: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١) » . فالشريعة الإسلامية التي جاء بها نبينا ﷺ شريعة واسعة ميسرة ليس فيها حرج ولا أغلال، ومن ذلك: المريض؛ لا يلزمه الصوم، بل له أن يفطر ويقضي، والمسافر يقصر الصلاة الرباعية، ويفطر في رمضان، ويقضي الصوم، كما قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) والمصلي إن عجز عن القيام صلى قاعدا، وإن عجز عن القعود صلى على جنبه، وإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ . وإذا لم يجد من الأكل ما يسد رمقه من الحلال جاز له أن يأكل من الميتة ونحوها ما يسد رمقه حتى لا يموت. فالعقيدة الإسلامية: هي توحيد الله والإخلاص له سبحانه، والإيمان به، وبرسله، وبكتبه، وبملائكته، وباليوم الآخر من البعث والنشور، ومن الجنة والنار وغير ذلك من أمور الآخرة، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه سبحانه قدر الأشياء، وعلمها وأحاط بها، وكتبها عنده . ومن أركان الإسلام: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ومن واجباته وفرائضه: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف

стр. 3537

والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، إلى غير ذلك. فالإسلام: هو الاستسلام لله، والانقياد له سبحانه بتوحيده، والإخلاص له والتمسك بطاعته وطاعة رسوله ﵊، ولهذا سمي إسلاما؛ لأن المسلم يسلم أمره لله، ويوحده سبحانه، ويعبده وحده دون ما سواه، وينقاد لأوامره ويدع نواهيه، ويقف عند حدوده، هكذا الإسلام. وله أركان خمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. والشهادتان معناهما: توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأن محمدا رسوله ﵊ إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين، وهما أساس الملة، فلا معبود بحق إلا الله وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وأما شهادة أن محمدا رسول الله فمعناها: أن تشهد - عن يقين وعلم - أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم المدني هو رسول الله حقا، وهو أشرف عباد الله، وقرابته وأسرته هم أفضل العرب على الإطلاق، فهو خيار من خيار من خيار ﵊، وهو أشرف الخلق وسيد ولد آدم ﷺ وعلى آله وأصحابه. فعليك أن تؤمن بأن الله بعثه للناس عامة؛ إلى الجن والإنس، إلى الذكور والإناث، إلى العرب والعجم، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحاضرة

стр. 3538

والبادية، هو رسول الله إلى الجميع، من اتبعه فله الجنة، ومن خالف أمره فله النار، قال النبي ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» . خرجه البخاري في صحيحه (١) . فهذه العقيدة الإسلامية العظيمة مضمونها: توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد ﷺ وأنه رسوله حقا، والإيمان بجميع المرسلين، مع الإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله. هذه هي العقيدة الإسلامية المحمدية، وقد وقع من بعض الناس قوادح فيها، ونواقض تنقضها يجب أن نبينها في هذه الكلمة. والقوادح قسمان: قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها، فيكون صاحبه كافرا، نعوذ بالله. وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها. فالأول: يسمى: ناقضا، وهو: الذي يبطلها ويفسدها، ويكون صاحبه كافرا مرتدا عن الإسلام، وهذا النوع هو: القوادح المكفرة: وهي نواقض الإسلام، وهي الموجبة للردة، هذه تسمى: نواقض. والناقض: يكون قولا، ويكون عملا، ويكون اعتقادا، ويكون شكا. فقد يرتد الإنسان بقول يقوله أو بعمل يعمله، أو باعتقاد يعتقده، أو بشك يطرأ عليه، هذه الأمور الأربعة كلها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذكرها أهل العلم في كتبهم وسموا بابها:

стр. 3539

(باب حكم المرتد) ، فكل مذهب من مذاهب العلماء، وكل ففيه من الفقهاء ألف كتبا - في الغالب - عندما يذكر الحدود يذكر (باب حكم المرتد) : وهو الذي يكفر بعد الإسلام، ويسمى هذا: مرتدا، يعني: أنه رجع عن دين الله وارتد عنه، قال فيه النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» خرجه البخاري في الصحيح (١) . وفي الصحيحين: «أن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل ﵄ فلما قدم عليه قال: انزل. وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه - دين السوء - فتهود. فقال معاذ: لا أنزل حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: انزل. قال: لا أنزل حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به أبو موسى ﵁ فقتل» . فدل ذلك على أن المرتد عن الإسلام يقتل، إذا لم يتب، يستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصر على كفره وضلاله يقتل، ويعجل به إلى النار؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢) » . فالنواقض التي تنقض الإسلام كثيرة، منها: الردة بالقول: مثل: سب الله، هذا قول ينقض الدين، وهكذا سب الرسول ﷺ ، يعني: اللعن والسب لله ولرسوله، أو العيب والتنقص، مثل أن يقول: إن الله ظالم، إن الله بخيل، إن الله فقير، إن الله جل وعلا

стр. 3540

لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، كل هذه الأقوال وأشباهها سب وردة عن الإسلام. فمن انتقص الله أو سبه أو عابه بشيء فهو كافر مرتد عن الإسلام - نعوذ بالله من ذلك - وهذه ردة قولية، إذا سب الله أو استهزأ به أو تنقصه أو وصفه بأمر لا يليق، كما تقول اليهود: إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء، وهكذا لو قال: إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتدا بأقواله السيئة. أو قال مثلا: إن الله لم يوجب علينا الصلاة، فهذه ردة عن الإسلام، فمن قال: إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتد عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلا بعيدا عن المسلمين لا يعرف، فيعلم، فإن أصر كفر، وأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدين، ثم قال: ليست الصلاة بواجبة. فهذه ردة، يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، أو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كفر إجماعا، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل - نعوذ بالله من ذلك - وهذه الأمور ردة قولية. ومنها: الردة بالفعل: والردة الفعلية مثل: ترك الصلاة، فكونه لا يصلي وإن قال: إنها واجبة - لكن لا يصلي - هذه ردة على الأصح من أقوال العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد
следующие страницы →