← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

صلاتهم، أما في هذه الشريعة المحمدية فإنك تصلي حيث كنت، في أي أرض الله حضرت الصلاة صليت، في أي أرض الله. من الصحاري والقفار، كما قال ﵊: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١) » . فالشريعة الإسلامية التي جاء بها نبينا ﷺ شريعة واسعة ميسرة ليس فيها حرج ولا أغلال، ومن ذلك: المريض؛ لا يلزمه الصوم، بل له أن يفطر ويقضي، والمسافر يقصر الصلاة الرباعية، ويفطر في رمضان، ويقضي الصوم، كما قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) والمصلي إن عجز عن القيام صلى قاعدا، وإن عجز عن القعود صلى على جنبه، وإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ . وإذا لم يجد من الأكل ما يسد رمقه من الحلال جاز له أن يأكل من الميتة ونحوها ما يسد رمقه حتى لا يموت. فالعقيدة الإسلامية: هي توحيد الله والإخلاص له سبحانه، والإيمان به، وبرسله، وبكتبه، وبملائكته، وباليوم الآخر من البعث والنشور، ومن الجنة والنار وغير ذلك من أمور الآخرة، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه سبحانه قدر الأشياء، وعلمها وأحاط بها، وكتبها عنده . ومن أركان الإسلام: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ومن واجباته وفرائضه: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف

стр. 3537

والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، إلى غير ذلك. فالإسلام: هو الاستسلام لله، والانقياد له سبحانه بتوحيده، والإخلاص له والتمسك بطاعته وطاعة رسوله ﵊، ولهذا سمي إسلاما؛ لأن المسلم يسلم أمره لله، ويوحده سبحانه، ويعبده وحده دون ما سواه، وينقاد لأوامره ويدع نواهيه، ويقف عند حدوده، هكذا الإسلام. وله أركان خمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. والشهادتان معناهما: توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأن محمدا رسوله ﵊ إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين، وهما أساس الملة، فلا معبود بحق إلا الله وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وأما شهادة أن محمدا رسول الله فمعناها: أن تشهد - عن يقين وعلم - أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم المدني هو رسول الله حقا، وهو أشرف عباد الله، وقرابته وأسرته هم أفضل العرب على الإطلاق، فهو خيار من خيار من خيار ﵊، وهو أشرف الخلق وسيد ولد آدم ﷺ وعلى آله وأصحابه. فعليك أن تؤمن بأن الله بعثه للناس عامة؛ إلى الجن والإنس، إلى الذكور والإناث، إلى العرب والعجم، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحاضرة

стр. 3538

والبادية، هو رسول الله إلى الجميع، من اتبعه فله الجنة، ومن خالف أمره فله النار، قال النبي ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» . خرجه البخاري في صحيحه (١) . فهذه العقيدة الإسلامية العظيمة مضمونها: توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد ﷺ وأنه رسوله حقا، والإيمان بجميع المرسلين، مع الإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله. هذه هي العقيدة الإسلامية المحمدية، وقد وقع من بعض الناس قوادح فيها، ونواقض تنقضها يجب أن نبينها في هذه الكلمة. والقوادح قسمان: قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها، فيكون صاحبه كافرا، نعوذ بالله. وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها. فالأول: يسمى: ناقضا، وهو: الذي يبطلها ويفسدها، ويكون صاحبه كافرا مرتدا عن الإسلام، وهذا النوع هو: القوادح المكفرة: وهي نواقض الإسلام، وهي الموجبة للردة، هذه تسمى: نواقض. والناقض: يكون قولا، ويكون عملا، ويكون اعتقادا، ويكون شكا. فقد يرتد الإنسان بقول يقوله أو بعمل يعمله، أو باعتقاد يعتقده، أو بشك يطرأ عليه، هذه الأمور الأربعة كلها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذكرها أهل العلم في كتبهم وسموا بابها:

стр. 3539

(باب حكم المرتد) ، فكل مذهب من مذاهب العلماء، وكل ففيه من الفقهاء ألف كتبا - في الغالب - عندما يذكر الحدود يذكر (باب حكم المرتد) : وهو الذي يكفر بعد الإسلام، ويسمى هذا: مرتدا، يعني: أنه رجع عن دين الله وارتد عنه، قال فيه النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» خرجه البخاري في الصحيح (١) . وفي الصحيحين: «أن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل ﵄ فلما قدم عليه قال: انزل. وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه - دين السوء - فتهود. فقال معاذ: لا أنزل حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: انزل. قال: لا أنزل حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به أبو موسى ﵁ فقتل» . فدل ذلك على أن المرتد عن الإسلام يقتل، إذا لم يتب، يستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصر على كفره وضلاله يقتل، ويعجل به إلى النار؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢) » . فالنواقض التي تنقض الإسلام كثيرة، منها: الردة بالقول: مثل: سب الله، هذا قول ينقض الدين، وهكذا سب الرسول ﷺ ، يعني: اللعن والسب لله ولرسوله، أو العيب والتنقص، مثل أن يقول: إن الله ظالم، إن الله بخيل، إن الله فقير، إن الله جل وعلا

стр. 3540

لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، كل هذه الأقوال وأشباهها سب وردة عن الإسلام. فمن انتقص الله أو سبه أو عابه بشيء فهو كافر مرتد عن الإسلام - نعوذ بالله من ذلك - وهذه ردة قولية، إذا سب الله أو استهزأ به أو تنقصه أو وصفه بأمر لا يليق، كما تقول اليهود: إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء، وهكذا لو قال: إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتدا بأقواله السيئة. أو قال مثلا: إن الله لم يوجب علينا الصلاة، فهذه ردة عن الإسلام، فمن قال: إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتد عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلا بعيدا عن المسلمين لا يعرف، فيعلم، فإن أصر كفر، وأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدين، ثم قال: ليست الصلاة بواجبة. فهذه ردة، يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، أو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كفر إجماعا، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل - نعوذ بالله من ذلك - وهذه الأمور ردة قولية. ومنها: الردة بالفعل: والردة الفعلية مثل: ترك الصلاة، فكونه لا يصلي وإن قال: إنها واجبة - لكن لا يصلي - هذه ردة على الأصح من أقوال العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد

стр. 3541

صحيح، وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» . أخرجه مسلم في صحيحه. وقال عبد الله بن شقيق العقيلي - التابعي المتفق على جلالة قدره ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي (١) ، وإسناده صحيح. وهذه ردة فعلية، وهي ترك الصلاة عمدا. ومن ذلك: لو استهان بالمصحف الشريف وقعد عليه مستهينا به، أو لطخه بالنجاسة عمدا، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتد بذلك عن الإسلام. ومن الردة الفعلية: كونه يطوف بالقبور يتقرب لأهلها بذلك، أو يصلي لهم أو للجن، وهذه ردة فعلية. أما دعاؤه لهم والاستعانة بهم والنذر لهم: فردة قولية. أما من طاف بالقبور، يقصد بذلك عبادة الله، فهو بدعة قادحة في الدين، ووسيلة من وسائل الشرك، ولا يكون ردة، إنما يكون بدعة قادحة في الدين إذا لم يقصد التقرب إليهم بذلك، وإنما فعل ذلك تقربا إلى الله سبحانه جهلا منه. ومن الكفر الفعلي: كونه يذبح لغير الله، ويتقرب لغيره سبحانه بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقربا إليهم يعبدهم بها، أو للجن يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرب

стр. 3542

إليها بذلك، وهذا مما أهل به لغير الله، فيكون ميتة، ويكون كفرا أكبر، نسأل الله العافية من ذلك، هذه كلها من أنواع الردة والنواقض عن الإسلام الفعلية. ومنها: الردة بالاعتقاد: ومن أنواع الردة العقدية التي يعتقدها بقلبه وإن لم يتكلم بها ولم يفعل، بل بقلبه يعتقد: إذا اعتقد بقلبه أن الله جل وعلا فقير، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئا، هذا كفر - بمجرد هذه العقيدة - بإجماع المسلمين. أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد بعث ولا نشور، وأن كل ما جاء في هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جنة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفر وردة عن الإسلام - نعوذ بالله من ذلك - وتكون أعماله باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة. وهكذا لو اعتقد بقلبه - ولو لم يتكلم - أن محمدا ﷺ ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء وأن بعده أنبياء، أو اعتقد أن مسيلمة الكذاب نبي صادق، فإنه يكون كافرا بهذه العقيدة. أو اعتقد بقلبه أن نوحا، أو موسى، أو عيسى، أو غيرهم من الأنبياء ﵈ أنهم كاذبون أو أحدا منهم، هذا ردة عن الإسلام. أو اعتقد أنه لا بأس أن يدعى مع الله غيره كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مرتدا عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)

стр. 3543

وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فمن زعم أو اعتقد أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره؛ من ملك، أو نبي، أو شجر، أو جن، أو غير ذلك فهو كافر، وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافرا بالقول والعقيدة جميعا، وإن فعل ذلك ودعا غير الله واستغاث بغير الله صار كافرا بالقول والعمل والعقيدة جميعا، نسأل الله العافية من ذلك. ومما يدخل في هذا: ما يفعله عباد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي، المدد المدد، يا سيدي، الغوث الغوث، أنا بجوارك، اشف مريضي، ورد غائبي، وأصلح قلبي. يخاطبون الأموات الذين يسمونهم: الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نسوا الله وأشركوا معه غيره - تعالى الله عن ذلك - فهذا كفر قولي وعقدي وفعلي.

стр. 3544

وبعضهم ينادي من مكان بعيد وفي أمصار متباعدة: يا رسول الله، انصرني. . . ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله، اشف مريضي، يا رسول الله، المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصرنا على أعدائنا. والرسول ﷺ لا يعلم الغيب؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القولي والعملي، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز، وأنه لا بأس به صار شركا قوليا وفعليا وعقديا، نسأل الله العافية من ذلك. وهذا واقع في دول وبلدان كثيرة، وكان واقعا في هذه البلاد، كان واقعا في الرياض والدرعية قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت لهم آلهة في الرياض والدرعية وغيرهما، أشجار تعبد من دون الله، وأناس يقال: إنهم من الأولياء يعبدونهم مع الله، وقبور تعبد مع الله. وكان قبر زيد بن الخطاب ﵁ موجودا في الجبيلة حيث قتل في حروب الردة أيام مسيلمة، كان قبره يعبد من دون الله حتى هدم ذلك القبر، ونسي اليوم والحمد لله، بأسباب دعوة الشيخ محمد، قدس الله روحه وجزاه عنا وعن المسلمين أفضل الجزاء. وقد كان في نجد والحجاز من الشرك العظيم والاعتقادات الباطلة، ودعوة غير الله ما لا يعد ولا يحصى، فلما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي: قبل ما يزيد عن مائتي سنة، دعا إلى الله وأرشد الناس، فعاداه كثير من العلماء الجهلة وأهل الهوى، لكن الله أيده بعلماء الحق، وبآل سعود - رحم الله الجميع - فدعا إلى الله، وأرشد الناس إلى توحيد الله، وبين

стр. 3545

لهم: أن عبادة الجن والأحجار والأولياء والصالحين وغيرهم شرك من عمل الجاهلية، وأنها أعمال أبي جهل وأمثاله من كفار قريش في عبادتهم اللات، والعزى، ومناة، وعبادة القبور، هذه هي أعمالهم. فبين ﵀ للناس وهدى الله على يديه من هدى، ثم عمت الدعوة بلاد نجد والحجاز وبقية الجزيرة العربية، وانتشر فيها التوحيد والإيمان، وترك الناس الشرك بالله وعبادة القبور والأولياء بعد أن كانوا يعبدونها إلا من رحم الله، بل كان بعضهم يعبد أناسا مجانين لا عقول لهم، ويسمونهم: أولياء، وهذا من عظيم جهلهم الذي كانوا واقعين فيه. ومنها: الردة بالشك: عرضنا للردة التي تكون بالقول، والردة بالعمل، والردة بالعقيدة، أما الردة بالشك: فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حق أم لا؟ أنا شاك. هذا كافر كفر شك، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حق أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حق أم لا؟ أنا لا أدري، أنا شاك. فمثل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا لشكه فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وبالنص والإجماع. فالذي يشك في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حق؟ أو هل الرسول حق؟ وهل هو صادق أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين؟ أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي - الذي ادعى النبوة في اليمن - كاذب أم لا؟ هذه الشكوك كلها ردة عن الإسلام، يستتاب صاحبها ويبين له الحق، فإن تاب وإلا قتل. ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبة أم لا؟ أو الزكاة هل هي واجبة أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجب أم لا؟ أو

стр. 3546

شك في الحج مع الاستطاعة هل هو واجب في العمر مرة أم لا؟ فهذه الشكوك كلها كفر أكبر يستتاب صاحبها، فإن تاب وآمن وإلا قتل؛ لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري في الصحيح (١) . فلا بد من الإيمان بأن هذه الأمور - أعني: الصلاة والزكاة والصيام والحج - كلها حق وواجبة على المسلمين بشروطها الشرعية. هذا الذي تقدم هو القسم الأول من القوادح، وهو القسم الذي ينقض الإسلام ويبطله، ويكون صاحبه مرتدا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. أما النوع الثاني: فهو وجود القوادح دون الكفر، لكنها تضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبها معرضا للنار وغضب الله، لكن لا يكون صاحبها كافرا. وأمثلة ذلك كثيرة منها: الزنا إذا آمن أنه حرام ولم يستحله، بل يزني ويعلم أنه عاص، هذا لا يكون كافرا وإنما يكون عاصيا، لكن إيمانه ناقص. وهذه المعصية قدحت في عقيدته لكن دون الكفر. فلو اعتقد أن الزنا حلال صار بذلك كافرا. وهكذا لو قال: السرقة حلال، أو ما أشبه ذلك، يكون كافرا؛ لأنه استحل ما حرم الله. وكذلك الغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وأكل الربا وأشباه ذلك، كل هذه من القوادح في العقيدة المضعفة للدين والإيمان. وهكذا البدع، وهي أشد من المعاصي، فالبدع في الدين تضعف الإيمان، ولا تكون ردة ما لم يوجد فيها شرك.

стр. 3547

ومن أمثلة ذلك: بدعة البناء على القبور، كأن يبني على القبر مسجدا أو قبة، فهذه بدعة تقدح في الدين وتضعف الإيمان، لكن إذا بناها وهو لا يعتقد جواز الكفر بالله، ولم يقترن بذلك دعاء الميتين والاستغاثة بهم والنذر لهم، بل ظن أنه بفعله هذا يحترمهم ويقدرهم، فهذا العمل حينئذ ليس كفرا، بل بدعة قادحة في الدين تضعف الإيمان وتنقصه، ووسيلة إلى الشرك. ومن أمثلة البدع: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي؛ حيث يحتفل بعض الناس في الثاني عشر من ربيع الأول بمولد النبي ﷺ ، فهذا العمل بدعة، لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه ولا خلفاؤه الراشدون، ولم يفعلها أهل القرن الثاني ولا الثالث، بل هذه بدعة محدثة. أو الاحتفال بمولد البدوي، أو عبد القادر الجيلاني، أو غيرهما، فالاحتفال بالموالد بدعة من البدع، ومنكر من المنكرات التي تقدح في العقيدة؛ لأن الله ما أنزل بها من سلطان، وقد قال النبي ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه مسلم (١) ، وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته (٢) ، أي: فهو مردود عليه، وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» خرجه مسلم في صحيحه، وقال: «إياكم

стр. 3548

ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١) » . فالبدع من القوادح في الدين التي دون الكفر، إذا لم يكن فيها كفر، أما إذا كان في الاحتفال بالمولد دعوة الرسول ﷺ والاستغاثة به وطلبه النصر صار شركا بالله، وكذا دعاؤهم: يا رسول الله انصرنا، المدد المدد يا رسول الله.. الغوث الغوث، أو اعتقادهم أن الرسول ﷺ يعلم الغيب أو غيره، كاعتقاد بعض الشيعة في علي والحسن والحسين أنهم يعلمون الغيب، كل هذا شرك وردة عن الدين، سواء كان في المولد أو في غير المولد. ومثل هذا قول بعض الرافضة: إن أئمتهم الاثني عشر يعلمون الغيب، وهذا كفر وضلال وردة عن الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) أما إذا كان الاحتفال بمجرد قراءة السيرة النبوية، وذكر ما جرى في مولده وغزواته، فهذا بدعة في الدين تنقصه ولكن لا تنقضه. ومن البدع: ما يعتقده بعض الجهال في شهر صفر من أنه لا يسافر فيه، فيتشاءمون به (٣) ، وهذا جهل وضلال، فقد قال النبي ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة (٤) » متفق على صحته، وزاد مسلم: «ولا نوء ولا غول (٥) » ؛ لأن اعتقاد العدوى والطيرة والتعلق

стр. 3549

بالأنواء أو الغول، كل هذه من أمور الجاهلية التي تقدح في الدين. ومن زعم أن هناك عدوى فهذا باطل، ولكن الله جعل المخالطة لبعض المرضى قد تكون سببا لوجود المرض في الصحيح، ولكن لا تعدي بطبعها، ولما سمع بعض العرب قول النبي ﷺ : «لا عدوى ... قال: يا رسول الله، الإبل تكون في الرمال كأنها الظباء، فإذا دخلها الأجرب أجربها؟ قال ﷺ : فمن أعدى الأول؟ (١) » أي: من الذي أنزل الجرب في الأول؟ . فالأمر بيد الله إذا شاء أجربها بسبب هذا الجرب، وإن شاء لم يجربها، وقد قال ﷺ : «لا يوردن ممرض على مصح (٢) » يعني: لا توردوا الإبل المريضة على الصحيحة، بل تكون هذه على حدة وهذه على حدة، وذلك من باب اتقاء الشر والبعد عن أسبابه، وإلا فالأمور بيد الله، لا يعدي شيء بطبعه، إنما هو بيد الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٣) فالخلطة من أسباب وجود المرض فلا

стр. 3550

تنبغي الخلطة، فالأجرب لا يخالط الصحيح، هكذا أمرنا الرسول ﷺ من باب الاتقاء والحذر من أسباب الشر، لكن ليس المعنى: أنه إذا خالط فإنه سيعدي، لا، قد يعدي وقد لا يعدي، والأمر بيد الله ؛ ولهذا قال ﷺ : «فمن أعدى الأول؟ (١) » . ومن هذا الباب قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٢) » والمقصود: أن تشاؤم أهل الجاهلية بالعدوى وبالتطير أو الهامة - وهي: روح الميت، يقولون: إنها تكون كأنها طائر حول قبره يتشاءمون بها - وهذا باطل لا أصل له، وروح الميت مرتهنة بعمله إما في الجنة أو النار. والطيرة والتشاؤم بالمرئيات والسمعيات من عمل الجاهلية، حيث كانوا يتشاءمون إذا رأوا شيئا لا يناسبهم مثل الغراب، أو الحمار الأسود، أو مقطوع الذنب، أو ما أشبه ذلك، فيتشاءمون به، هذا من جهلهم وضلالهم، قال الله جل وعلا في الرد عليهم: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) فالله بيده الضر والنفع، وبيده العطاء والمنع، والطيرة لا أصل لها، ولكنه شيء يجدونه في صدورهم ولا حقيقة له، بل هو شيء باطل، ولهذا قال ﷺ : «لا طيرة (٤) » . ولذا يجب على المسلم إذا رأى ما يتشاءم به: ألا يرجع عن حاجته، فلو خرح ليسافر، وصادفه حمار غير مناسب أو رجل غير مناسب أو ما أشبه ذلك، فلا يرجع، بل يمضي في حاجته ويتوكل

стр. 3551

على الله، فإن رجع فهذه هي الطيرة، والطيرة قادحة في العقيدة ولكنها دون الشرك الأكبر، بل هي من الشرك الأصغر. وهكذا سائر البدع، كلها من القوادح في العقيدة، لكنها دون الكفر، إن لم يصاحبها كفر. فهذه البدع مثل: بدعة الموالد، والبناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، ومثل صلاة الرغائب هذه كلها بدع، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج التي يحددونها بسبع وعشرين من رجب، هذه بدعة ليس لها أصل، وبعض الناس يحتفل بليلة النصف من شعبان ويعمل فيها أعمالا يتقرب بها، وربما أحيا ليلها أو صام نهارها يزعم أن هذا قربة، فهذا لا أصل له، والأحاديث فيه غير صحيحة، بل هو من البدع. والجامع في هذا: أن كل شيء من العبادات يحدثه الناس ولم يأمر به الرسول ﷺ ولم يفعله ولم يقره فهو بدعة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » ، وقال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » وكان يقول في خطبة الجمعة: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٣) » ، يحذر الناس من البدع ويدعوهم إلى لزوم السنة ﷺ . فالواجب على أهل الإسلام أن يلزموا الإسلام ويستقيموا عليه، وفي هذا كفايتهم وكمالهم، فليسوا بحاجة إلى بدع، يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤)

стр. 3552

فالله أكمل الدين وأتمه بحمده وفضله، فليس الناس بحاجة إلى بدع يأتون بها، وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (١) » . فليس الناس بحاجة إلى بدع زيد وعمرو، بل يجب التمسك بما شرعه الله، والسير على منهج الله، والوقوف عند حدوده، وترك ما أحدثه الناس، كما قال الله ذما للبدع وأهلها: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) وفق الله الجميع لما فيه الخير، وأصلح أحوال المسلمين، ووفقهم للفقه في دينه، وجنبهم أسباب الزيغ والضلال والانحراف، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3553

أخطاء في العقيدة من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه وزادهم من العلم والإيمان، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: بلغني أن كثيرا من الناس يقع في أخطاء كثيرة في العقيدة، وفي أشياء يظنونها سنة وهي بدعة، ومن ذلك إنكار علو الله واستوائه على عرشه، ومعلوم أن الله سبحانه بين ذلك في كتابه الكريم حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) الآية، ذكر ذلك سبحانه في سبع آيات من كتابه العظيم منها هذه الآية، ولما سئل مالك عن ذلك ﵀ قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب) ، وهكذا قال غيره من أئمة السلف. ومعنى الاستواء معلوم، يعني: من جهة اللغة العربية: وهو العلو والارتفاع، وقال سبحانه: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣) وقال : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤) في آيات كثيرة كلها تدل على: علوه وفوقيته، وأنه سبحانه فوق العرش فوق جميع الخلق، وهذا قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم.

стр. 3554

فالواجب اعتقاد ذلك، والتواصي به، وتحذير الناس من خلافه. ومن ذلك: اتخاذ المساجد على القبور والصلاة عندها وجعل القباب عليها، وهذا كله من وسائل الشرك، وقد لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى على ذلك، وحذر منه فقال ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » متفق على صحته، وقال ﷺ : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جندب، وخرج مسلم في صحيحه أيضا عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (٣) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على المسلمين الحذر من ذلك، والتواصي بتركه؛ لتحذير النبي ﷺ من ذلك، ولأن ذلك من وسائل الشرك بأصحاب القبور ودعائهم والاستغاثة بهم وطلبهم النصر. . إلى غير ذلك من أنواع الشرك. ومعلوم أن الشرك هو أعظم الذنوب وأكبرها وأخطرها، فالواجب: الحذر منه، ومن وسائله وذرائعه، وقد حذر الله عباده من ذلك في آيات كثيرات، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) ومنها قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) ومنها قوله : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 3555

ومن أنواع الشرك الأكبر: دعاء الأموات والغائبين والجن والأصنام والأشجار والنجوم، والاستغاثة بهم، وسؤالهم شفاء المرضى والنصر على الأعداء. وهذا هو دين المشركين الأولين من كفار قريش وغيرهم، كما قال الله سبحانه عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) الآية، وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن المشركين الأولين يعلمون أن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، وإنما عبدوا آلهتهم ليشفعوا لهم عند الله، ويقربوهم لديه زلفى، فكفرهم سبحانه بذلك، وحكم بكفرهم وشركهم، وأمر نبيه بقتالهم حتى تكون العبادة لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٤) الآية. وقد كتب العلماء في ذلك كتبا كثيرة، وأوضحوا فيها حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وبينوا فيها دين الجاهلية وعقائدهم وأعمالهم المخالفة لشرع الله، كعبد الله بن الإمام أحمد، والإمام الكبير: محمد بن خزيمة في (كتاب التوحيد) ، ومحمد بن وضاح، وغيرهم من الأئمة. ومن أحسن ما كتب في ذلك ما كتبه

стр. 3556

شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة، ومن أخصرها كتابه (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة) ، ومن ذلك ما كتبه الشيخ: عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ في كتابه (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) . ومن الأعمال المنكرة الشركية: الحلف بغير الله؛ كالحلف بالنبي ﷺ ، أو بغيره من الناس، والحلف بالأمانة، وكل ذلك من المنكرات ومن المحرمات الشركية؛ لقول النبي ﷺ : «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك (١) » خرجه الإمام أحمد ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح، وأخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٢) » ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بالأمانة فليس منا (٣) » . والأحاديث في ذلك كثيرة. والحلف بغير الله من الشرك الأصغر عند أهل العلم، فالواجب: الحذر منه، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهكذا قول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، وهذا من الله ومن فلان، والواجب: أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان، أو لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم من فلان؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا تقولوا: ماشاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان (٤) » . ومن المحرمات الشركية التي قد وقع فيها كثير من الناس: تعليق التمائم والحروز من العظام أو الودع أو غير ذلك، وتسمى: التمائم، وقد قال ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك (٥) » وقال ﷺ : «إن

стр. 3557

الرقى والتمائم والتولة شرك (١) » . وهذه الأحاديث تعم الحروز والتمائم من القرآن وغيره؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن شيئا، ولأن تعليق التمائم من القرآن وسيلة إلى تعليق غيرها، فوجب منع الجميع؛ سدا لذرائع الشرك، وتحقيقا للتوحيد، وعملا بعموم الأحاديث، إلا الرقى فإن الرسول ﷺ استثنى منها ما ليس فيه شرك، فقال ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٢) » . وقد رقى ﷺ بعض أصحابه، فالرقى لا بأس بها، فهي من الأسباب الشرعية إذا كانت من القرآن الكريم أو مما صحت به السنة أو من الكلمات الواضحة التي ليس بها شرك ولا لفظ منكر. ومن المنكرات المبتدعة: الاحتفال بالموالد سواء كان ذلك بمولد النبي ﷺ أو غيره؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا بقية الصحابة ﵃، ولا أتباعهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة، وإنما حدث في القرن الرابع وما بعده؛ بسبب الفاطميين وغيرهم من الشيعة، ثم فعله بعض أهل السنة؛ جهلا بالأحكام الشرعية، وتقليدا لمن فعله من أهل البدع، فالواجب: الحذر من ذلك؛ لكونه من البدع المنكرة الداخلة في قوله ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٣) » ، وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤) » متفق على صحته من حديث عائشة ﵂، وقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » خرجه مسلم في صحيحه، وقوله ﷺ في خطبه: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٦) » خرجه مسلم في صحيحه،

стр. 3558

عن جابر بن عبد الله ﵄. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ولأن الاحتفال بالموالد من وسائل الغلو والشرك، فالواجب الحذر منها، والتحذير منها، والتواصي بالاستقامة على السنة وترك ما خالفها. والله المسئول أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لما فيه رضاه، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3559

حوار مع سماحة الشيخ في أمور تتعلق بالحياة الشخصية والأمة الإسلامية أجرته معه مجلة المجلة (١) أدلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء بأحاديث صحفية، تركزت على نفسه، أو على عائلته، وأشار فيه إلى أمور هي مثار جدل في العالم الإسلامي. وفيما يلي نص الحديث: س١: متى انتقلت عائلة الباز إلى الرياض؟ ج١: عائلتي وجماعتي أصلهم من الرياض، أي: أن الآباء والأمهات والأجداد في الرياض، وطائفة منهم في الحوطة، وطائفة في الأحساء، وطائفة في الحجاز، وكلهم يرجعون لنفس العائلة، وهناك ناس يقال لهم: آل باز في الأردن وفي مصر وفي بلاد العجم ولا نعرف عنهم شيئا، ولكن بعضهم يدعي أنه من أهل البيت، وهم الموجودون في الأردن. س٢: لأن وقتك للناس وليس لك، فهل تلتقي بأبنائك وأحفادك كثيرا؟ ج٢: ألتقي بهم بين وقت وآخر، قد رتبت لهم بعض الليالي من الشهر لقراءة القرآن والسؤال عما يشكل عليهم، ولكن قد تحصل عوارض تخل بالموعد، لقد رتبنا لهم ليلتين في الشهر، ليلة للإناث وليلة للذكور، إلا أنه قد تحصل بعض الأشياء التي تعوق عن التنفيذ في بعض الأحيان.

стр. 3560

س٣: هل اخترت لأبنائك طريق الدراسة أم تركت لهم الحرية في اختيار ما يشاؤون في تحصيل العلم؟ ج٣: نشير عليهم بما نرى، وقد تقبل الإشارة، وقد يختار الفرد منهم شيئا آخر، نشير عليهم بكلية الشريعة دائما، وبعضهم قد يختار كلية أخرى. س٤: أي المدن تحب السكنى فيها؟ أي تشعر فيها بالارتياح؟ ج٤: الحمد لله كل مدن المملكة طيبة، لكن أحبها إلينا مكة، ثم المدينة، ثم الرياض، هذه أحسن ما في المملكة. س٥: وهل ترى بوجود حد لتعليم البنات؟ ج٥: لا، ليس هناك حد، بل يتعلمن حتى أعلى المراحل ليستفدن ويفدن. س٦: قبل سنة ١٣٥٧ هجرية، وقبل توليكم القضاء في الخرج ماذا كنتم تعملون؟ ج٦: في طلب العلم في الرياض. س٧: إذا جاز لك أن تسمي شيخا لك فمن هو شيخك؟ ج٧: أفضلهم وأعلمهم الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ هو شيخنا، وهو الذي علمنا وتخرجنا على يديه، وهو أعلمهم وأفضلهم، وقرأنا على غيره من المشايخ من آل الشيخ وغيرهم، مثل: الشيخ صالح بن عبد العزيز قاضي الرياض، والشيخ: محمد بن عبد اللطيف ﵀. من المدرسين في الرياض، وقرأنا على الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق القاضي في الرياض ﵀، وقرأنا على الشيخ: سعد وقاص التجويد في مكة، ﵀.

стр. 3561

س٨: هل يحفظ سماحتكم شيئا من الشعر؟ ألاحظ أحيانا بعض الفتاوى فيها استشهادات من الشعر. ج٨: لا أعتني بالشعر، هي أشياء قد تأتي. لكن ليس لي عناية بالشعر. س٩: هل هناك فتاوى معينة أصدرتها في فترات سابقة ثم تراجعت عنها بعدما تبين لك مزيد من الأدلة؟ ج٩: لا أتذكر شيئا، ربما يكون هناك، لكن لا أتذكر. س١٠: وهل تذكرون أول فتوى في حياتكم؟ ج١٠: لا نتذكر شيئا، نفتي منذ أكثر من خمسين أو ستين سنة، نسأل الله حسن الخاتمة. س١١: حينما كنت قاضيا في الخرج سنة ١٣٥٧ هـ ذاع صيتك بين طلبة العلم وقصدوك، ما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ ج١١: لأنني رتبت الدروس للطلبة في كتب العقيدة، وكتب الحديث الشريف، وكتب الفقه، وكتب النحو، ورتبنا لهم مساعدات شهرية على حساب المحسنين، فاجتمع جمع غفير من داخل المملكة وخارجها في العقد السابع من القرن الرابع عشر ونحن في الخرج والدلم، ثم انتقلنا للرياض، وصارت الدروس في الرياض، ثم انتقلنا إلى المدينة وصارت الدروس في المدينة في المسجد النبوي. س١٢: كيف ترون الآن الاختلافات بين القضاء في تلك الفترة والقضاء في هذه الأيام؟ ج١٢: أهل القضاء أعلم بهذا، الله يعينهم، ونسأل الله لهم العون والتوفيق، لكن لا شك أن الأمر أشد الآن؛ لتغير أحوال الناس، وكثرة الجهل، وكثرة الحيل والمكر، كل هذا يسبب شدة في القضاء وتعبا

стр. 3562

على القاضي، نسأل الله لهم العون والتوفيق. س١٣: تعلمون كثرة القضايا والمشاكل بين الناس، من ازدحام المدن ونموها، فهل تؤيدون استخدام الحاسب الآلي لحفظ القضايا والصكوك بدلا من تعرضها للتلف والضياع؟ ج١٣: على كل حال استعمال الحاسب الآلي مفيد للقضاة وفي القضايا، لكن الصكوك التي درج عليها الأولون كافية، وإذا أعطوا الخصم صكا بحقه الذي له سوف يحفظه، لكن الحاسب الآلي قد يضيع الصك أو ما شابه ذلك، إلا أنهم قد ينتفعون بالحاسب الآلي. س١٤: كثير من الناس يعجزون عن تبيان حجتهم أو استجماع أدلتهم، فهل تؤيدون نظام المرافعات؟ ج١٤: هذا ممكن الاستغناء عنه بالوكيل، والذي عنده عجز في الدعوى يمكن أن يوكل من هو خير منه وأقوى منه. س١٥: سماحتكم توليتم القضاء في سن مبكرة، في سن السابعة والعشرين تقريبا، أليست هذه سنا مبكرة لتولي القضاء؟ ج١٥: تولى القضاء قبلي من هم أقل مني سنا. س١٦: سماحتكم تنقلتم بين القضاء والتعليم والإفتاء ورئاسة هيئة البحوث، أي من هذه الأماكن وجدتم فيها دورا أفضل لكم؟ ج١٦: لا أستطيع أن أحكم على شيء في هذا،. كلها بحمد الله خير، وكلها بحمد الله فعلنا فيها ما نستطيع من الخير، وبذلنا فيها ما نفدر عليه من الخير، ونسأل الله أن يتقبل الأعمال، وأن يعفو عن السيئات والتقصير، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ما قدمنا من خير، وأن يعفو عن السيئات والزلل.

стр. 3563

س١٧: لا شك أنه تصلكم أخبار عن أناس خارج البلاد يتهمون سماحتكم بالتعصب، فما ردكم على مثل هؤلاء؟ بمعنى: أنهم يقولون: هذه الدولة وهابية، وأن الشيخ ابن باز متعصب، بماذا ترد على هؤلاء؟ ج١٧: لا أعلم أنه وردني في هذا شيء لكن لا يستبعد، وقد رمي الأنبياء بأكبر من هذا، رمي الأنبياء والسلف الصالح من أعداء الله ومن الجهال، وأنا والحمد لله لست بمتعصب، ولكن أحكم الكتاب والسنة، وأبني فتاواي على ما قاله الله ورسوله، لا على تقليد الحنابلة ولا غيرهم، الفتاوى التي تصدر مني إنما أبنيها على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة حسب ما ظهر لي، وهذا هو الذي سرت عليه منذ عرفت العلم، منذ أن كنت في الرياض قبل القضاء وبعد القضاء، وكذلك في المدينة، وما بعد المدينة، وإلى الآن والحمد لله. س١٨: سماحتكم أميل للحديث في الدراسة؟ ج١٨: (مقاطعا) لا بد من الحديث، الحديث سمعناه مع القرآن، وكما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) فالرد إلى الله الرد إلى القرآن، والرد إلى الرسول الرد إليه في الحياة وإلى السنة بعد وفاته ﷺ ، فلا علم ولا فتوى إلا عن طريق القرآن والحديث، هذا هو العلم، أما التقليد فليس بعلم. س١٩: ولا تميل إلى كتب الفقه كثيرا؟ ج١٩: نطلع عليها ونستفيد منها، نستفيد من كتب العلم، كتب الفقهاء نقرؤها ونستفيد منها، ولا سيما كتب الخلاف، والكتب التي تقيم الأدلة، نعتمد على الله ثم عليها في أخذ العلم؛ لأنها تأتي

стр. 3564

بالأدلة من القرآن والسنة وترجح. س٢٠: تحفظون عن ظهر قلب عددا من أمهات الكتب؟ ج٢٠: لا، لا أحفظها، قرأنا الكثير ولكن لا أحفظ منها الشيء الكثير، قرأنا البخاري ومسلم مرات، قرأنا سنن النسائي وأكملناها، وسنن أبي داود وما أكملناها، قرأنا سنن الترمذي وأكملناها، قرأنا سنن ابن ماجه لكن ما أكملناها، قرأنا جملة كبيرة من مسند الإمام أحمد، والدارمي، وصحيح ابن خزيمة، نسأل الله أن يتقبل وينفع بالأسباب. س٢١: سمعنا أنكم تعرضتم لمحاولة اغتيال منذ سنوات؟ ج٢١: لا صحة لهذا. س٢٢: ترد عليكم كثير من القضايا المستجدة، خاصة بعض المسائل العلمية، فهل هناك أشخاص معينون تلتقون بهم وتستأنسون برأيهم؟ ج٢٢: عندنا اللجنة الدائمة وأنا رئيسها منذ عام ١٣٩٥ هجرية إلى الآن، ولها إحدى وعشرون سنة، وهي لجنة الإفتاء في دار الإفتاء، نتشاور وإياهم في القضايا التي ترد، ونصدر الفتوى إما جميعا أو بالأكثرية تارة وتارة، وتارة تكون الفتوى مني وحدي. س٢٣: لكن إذا وردت مسألة تتعلق باختراع جديد أو مسألة طبية؟ ج٢٣: ندرسها جميعا ونستعين بأهل الخبرة فيها. س٢٤: شيخ عبد العزيز، في فتاويكم توجد أحيانا لغة مختلفة، فهل تكتب بعض الفتاوى أو النصائح قبلا ثم تصادق عليها، أم أنك تمليها جميعا إملاء؟ ج٢٤: نمليها كلها إملاء، ثم تقرأ علينا جميعا لنصادق عليها. س٢٥: يلاحظ في هذه الفترة أن بعض طلبة العلم يتطاولون

стр. 3565

على كبار المشايخ إذا لم يقولوا ما يتفق مع أهوائهم أو رغباتهم أو معتقداتهم، ما رأيك؟ ج٢٥: نسأل الله لنا ولهم الهداية، والواجب على أهل العلم وعلى غيرهم الحذر من الغيبة، واحترام أعراض المسلمين، والحذر من النميمة، كل هذه يجب الحذر منها، فالغيبة والنميمة من أقبح الخصال، فالواجب على المسلم: الحذر منهما جميعا، فالغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة: نقل الكلام السيئ من قوم إلى قوم، أو من شخص إلى شخص؛ لأن هذا يثير العداوة والشحناء، والواجب على كل مسلم أن يحذر الغيبة والنميمة، وأن يحترم أعراض المسلمين ولا سيما أهل العلم، يحترم أعراضهم، ويحذر من الكلام في أعراضهم، وأما من أظهر المنكر أو البدعة فلا غيبة له فيما أظهر وبين. س٢٦: زراعة الأعضاء البشرية تسهم في إنقاذ حياة الكثيرين من الناس، ما رأيكم فيها؟ ج٢٦: عندي فيها توقف؛ لأن المسلم محترم، وتقطيع أعضائه فيه ضرر، والنبي ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا (١) » ، فأنا عندي توقف في شرائها وفي التبرع بها. س٢٧: توقف وليس تحريما؟ ج٢٧: نعم، لي توقف فيها، بعض أهل العلم أجازوا ذلك؛ للمصلحة، ولأنها تكون ترابا بعد الدفن، والبعض منهم توقفوا في ذلك، وأنا من المتوقفين في جواز هذا الأمر. س٢٨: سماحة الشيخ، حركة (الإخوان المسلمين) دخلت المملكة منذ فترة وأصبح لها نشاط واضح بين طلبة العلم، ما

стр. 3566

رأيكم في هذه الحركة؟ وما مدى توافقها مع منهج السنة والجماعة؟ ج٢٨: حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك وإنكار البدع، لهم أساليب خاصة ينقصها عدم النشاط في الدعوة إلى الله، وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة. فينبغي للإخوان المسلمين أن تكون عندهم عناية بالدعوة السلفية، الدعوة إلى توحيد الله، وإنكار عبادة القبور والتعلق بالأموات والاستغاثة بأهل القبور كالحسين أو الحسن أو البدوي، أو ما أشبه ذلك، يجب أن يكون عندهم عناية بهذا الأصل الأصيل بمعنى لا إله إلا الله، التي هي أصل الدين، وأول ما دعا إليه النبي ﷺ في مكة دعا إلى توحيد الله، إلى معنى لا إله إلا الله، فكثير من أهل العلم ينتقدون على الإخوان المسلمين هذا الأمر، أي: عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله، والإخلاص له، وإنكار ما أحدثه الجهال من التعلق بالأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم والذبح لهم، الذي هو الشرك الأكبر، وكذلك ينتقدون عليهم عدم العناية بالسنة: تتبع السنة، والعناية بالحديث الشريف، وما كان عليه سلف الأمة في أحكامهم الشرعية، وهناك أشياء كثيرة أسمع الكثير من الإخوان ينتقدونهم فيها، ونسأل الله أن يوفقهم ويعينهم ويصلح أحوالهم. س٢٩: تعرفون سماحتكم أن كثيرا من المؤلفات المدرسية ساهم في تأليفها عدد من الإخوان المسلمين منذ الستينات، فهل يتوجب إعادة طباعة ودراسة هذه المؤلفات المدرسية؟ ج٢٩: لا أعرف عنها شيئا، ولأنني مشغول لم أقرأها، أسمع

стр. 3567

عن دعوة الإخوان المسلمين، وعدم نشاطهم فيما يتعلق بالعقيدة، ولكني لم أقرأ قراءة كافية في كتبهم وما جمعوا، لا من جهة الشيخ حسن - يرحمه الله - ولا غيره. س٣٠: ما رأيكم في الحوار الإسلامي المسيحي الآن؟ ج٣٠: إذا دعت له الحاجة فلا مانع منه، إذا كان المحاور عنده علم وبصيرة بالكتاب والسنة فلا مانع من الحوار؛ لإظهار الحق والدعوة إليه وكشف الباطل. س٣١: إلى أي حد تعتقد أن التسامح يمكن أن يحكم العلاقات الإسلامية والدول الإسلامية بعضها مع بعض؟ ج٣١: التسامح يجب أن يكون مقيدا بالكتاب والسنة، أي: التسامح فيما أباحه الشرع. والواجب على ولاة الأمور في الدول العربية والإسلامية التناصح، وأن يحكموا شريعه الله في عباد الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن لا يتساهلوا فيما شرعه الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله، وأن ينقادوا لشرع الله، وأن يلزموا شعوبهم بشرع الله، وهذا هو طريق النجاة وطريق العزة والنصر وطريق جمع الكلمة، أما التسامح فيما سوى ذلك، كالتسامح في الديون التي على بعضهم للبعض أو مساعدة بعضهم لبعض، أو ما أشبهه من الأمور التي يجيزها الشرع فلا بأس.

стр. 3568

العقيدة التي أدين الله بها سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فما هي عقيدتكم التي تدينون الله بها في أسماء الله وصفاته، وبخاصة في إثبات صفة العلو لربنا ﵎ باختصار - بارك الله فيكم وفي علمكم؟ مقدمه ابنكم: ع. ص. ب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعده: عقيدتي التي أدين الله بها وأسأله سبحانه أن يتوفاني عليها هي: الإيمان بأنه سبحانه هو الإله الحق المستحق للعبادة، وأنه سبحانه فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته بلا كيف، وأنه سبحانه يوصف بالعلو فوق جميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وقال : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) الآية، وقال في آخر آية الكرسي: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣) وقال : ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٥)

стр. 3569

والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأؤمن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) والواجب على جميع المسلمين هو الإيمان بأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وإثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) وقال : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٥) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٦) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٧) وهي توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها لله إلا بنص من القرآن أو من السنة الصحيحة؛ لأنه سبحانه أعلم بنفسه وأعلم بما يليق به، ورسوله ﷺ هو أعلم به، وهو المبلغ عنه، ولا ينطق عن الهوى، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٨) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٩) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١٠) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١١) وأؤمن بأن القرآن كلامه وليس بمخلوق، وهذا قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وأؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الجنة والنار والحساب والجزاء،

стр. 3570

وغير ذلك مما كان وما سيكون، مما دل عليه القرآن الكريم، أو جاءت به السنة الصحيحة عن النبي ﷺ . والله المسئول أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق ولاة أمرهم ويصلح قادتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3571

توجيهات للأئمة والدعاة ورجال الحسبة الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله ؛ من خطباء المساجد، وأئمة المساجد، ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعة من الدعاة إلى الله ، وجماعة من إخواننا أيضا ممن يحب الخير ويحب أن يسمع الموعظة، وهذه من نعم الله أشكر الله عليها، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم. ثم لقد سمعت هذه الكلمات الطيبة التي تفضل بها أصحاب الفضيلة: الشيخ حسن الحجاجي مدير عام فرع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بمنطقة مكة المكرمة، والشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام، والشيخ أحمد بن موسى السهلي رئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمحافظة الطائف، والشيخ فراج بن علي العقلا مدير عام فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة. كلها كلمات بحمد الله جيدة ومفيدة، وأنا أؤيد ما فيها، وجميع

стр. 3572

ما ذكره المشايخ الأربعة كلمات مفيدة - والحمد لله - وواقعة في محلها، وأنا أؤيد جميع ما ذكره المشايخ، وخاصة ما ذكره الشيخ حسن الحجاجي. لا شك أن الواجب على الوزارة وفقها الله وإدارة الشئون الإسلامية، الواجب عليهما العناية بالمساجد والأئمة والخطباء وأوقاف المسلمين في هذه المملكة، لا شك أن الواجب عليهما عظيم، ونسأل الله أن يزيدهما من التوفيق، ونسأل الله أن يكثر أعوانهما في الخير. الواجب عظيم والحاجة ماسة إلى مضاعفة الجهود فيما يتعلق بالدعاة وتكثيرهم، وتوصيتهم، وتحريضهم على القيام بالواجب في تبليغ دعوة الله إلى عباد الله في المساجد، والجوامع، والسجون، وفي غير ذلك. الدعاة إلى الله جل وعلا عليهم أن يحرصوا على بذل الدعوة حيث أمكن ذلك؛ في المسجد، وفي المدرسة، وفي السجن، وفي أي مكان يتيسر لهم، وأن يعتنوا بهذا الأمر في الحاضرة والبادية، وفي الباخرة، وفي السيارة، وفي الطائرة، أينما كانوا، الدعاة لهم شأن عظيم، هم خلفاء الرسل، وهكذا جميع علماء الشريعة، والدعاة من خواص العلماء، والله بعث الرسل ليدعو إلى الحق ويبشروا وينذروا، وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم نبينا محمد ﵊. فالواجب على العلماء وفقهم الله، وعلى الدعاة بوجه خاص، وعلى القضاة - الواجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يبلغوا دعوة الله حسب الطاقة والإمكان كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)

стр. 3573

وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فعلى الداعي أينما كان والقاضي أينما كان وعلى كل من لديه علم، أن يتقي الله ويبلغ حسب طاقته وحسب علمه، والواجب أن يحذر أن يدعو إلى الله بغير علم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) الواجب على كل داعية وعالم وقاض ومرشد - الواجب عليهم أن يتقوا الله، وأن لا يقولوا بغير علم، ولا يتكلموا إلا عن بصيرة وعن علم؛ حتى لا يضلوا الناس، وحتى يبلغوا الناس دعوة الله وأحكام الله على بصيرة، وأن يصبروا على الأذى في ذلك. الواجب على الداعي إلى الله أن يتأدب بالآداب الشرعية التي قال فيها سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) فالحكمة: هي العلم بما قال الله ، وقال رسوله ﷺ ، مع وضع الأمور في مواضعها، فيتحرى ويضع الأمور في محلها والكلمة في محلها مع ذكر الدليل، قال الله ، قال الرسول ﷺ ، مع الترغيب والترهيب عند الحاجة. هكذا الداعي إلى الله، وهكذا العالم في دروسه وفي دعوته إلى الله ، وإن كان غير معين من جهة ولاة الأمور للدعوة، لكنه مأمور من جهة الله؛ ليعالج الأمور بالدعوة إلى الله، سواء كان معينا من جهة ولاة الأمور أم لا. والواجب على العلماء أن يقوموا بهذه المهمة، هذه مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي مهمة العلماء أيضا، فالواجب على الجميع أن يدعو إلى الله، وأن يبشروا الناس وينذروهم بالحكمة والرفق، وبالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة، ولا بالتشهير بأحد، قال فلان: كذا، أو فعل فلان كذا، فالمقصود: بيان الحق والدعوة

стр. 3574

إلى الحق، الدعوة إلى الالتزام بما شرع الله وبما أوجب الله، والحذر مما حرم الله ومما وقع في الناس من الشر، فعلى الداعي إلى الله أن يحذر من الشر من دون بيان أنه فعل فلان كذا، وفعل فلان كذا، أو فعلت الدولة كذا، الواجب بيان المنكر والتحذير منه، وبيان الواجب والدعوة إليه، والدعاء لولاة الأمور وللمسلمين جميعا بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل مع الرفق في كل شيء؛ لقول النبي ﷺ : «لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (١) » ، ويقول ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٢) » . والأصل في هذا: قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) وقال الله جل وعلا لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤) فالواجب على الدعاة الصبر والاحتساب، وتحري الحق، والعناية بالأدلة الشرعية والألفاظ الحسنة في دعوتهم، والرفق بالناس مهما أمكن إلا الظالم؛ فإن الظالم له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٥) فالظالم له شأن آخر يعامل بما يقتضيه ظلمه وردعه عن ظلمه، لكن في الجملة: الداعي إلى الله يتحرى الكلمات الطيبة، ويتحرى الدعوة بالحكمة، والكلام الطيب، والترغيب والترهيب، ويتجنب كل شيء يسبب الفرقة والاختلاف، ويسبب أيضا الوحشة بينه وبين الإخوان. الواجب على الداعي وعلى العالم أن يتحرى الألفاظ المناسبة،

стр. 3575

وأن يرفق في أمره كله، وأن يحرص على الإخلاص لله بأن يكون هدفه إيصال دعوة الله إلى عباد الله، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه، لا لرياء ولا سمعة، ولا عن فخر وخيلاء، ولكن يريد وجه الله والدار الآخرة، ثم يريد بعد ذلك نفع الناس، وإصلاح أوضاعهم، وتقريبهم من الخير وإبعادهم عن الشر، وجمع كلمتهم على الحق، هذا هو المقصود من الداعي والعالم، وهو مقصود الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالمقصود: إيضاح الحق للناس وبيان ما أوجب الله وما حرم الله، وترغيبهم في الخير وتحذيرهم من الشر، وجمع كلمتهم على تقوى الله ودينه، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) هكذا جاء القرآن وجاءت السنة، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢) ويقول : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) فالواجب على الدعاة إلى الله جل وعلا أن يعتنوا بالدعوة، وأن يصبروا، وأن يتحروا الرفق والكلمات الواضحة، وأن يحرصوا على جمع الكلمة وعلى تجنب أسباب الفرقة والاختلاف، لا مع الشباب ولا مع الشيب ولا مع الدولة ولا مع غيرها. الواجب تحري الحق وتحري العبارات الحسنة التي توضح الحق وترشد إليه وتمنع من الباطل، مع الرفق في كل الأمور واجتناب أسباب الفرقة والاختلاف إلا من ظلم، أما من ظلم فله شأن آخر مع الهيئة ومع القضاة ومع ولاة الأمور، الظالم له شأنه وله حكمه، لكن في الجملة: الواجب هو تحري الحق والدعوة إليه، كما قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٤)
следующие страницы →