← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

والحج المبرور هو الذي ليس فيه رفث ولا فسوق. وهكذا يجب عليك في جميع المعاملات الحذر من الغش والخيانة والكذب فقد «مر النبي ﷺ على رجل عنده صبرة من طعام في السوق فكأنه أحس بشيء فيها فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني (١) » أخرجه مسلم في صحيحه. والمقصود أن كتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التحذير من كل شر، وهكذا سنة رسول الله ﷺ فيها الدعوة إلى كل خير والتحذير من كل شر.

стр. 4167

فوصيتي لنفسي ولجميع إخواني المسلمين هي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، وتقوى الله: هي طاعته سبحانه بفعل الأوامر وترك النواهي مع الإخلاص له جل وعلا في ذلك والوقوف عند حدوده، ومن تقوى الله سبحانه العناية بالقرآن وتدبر معانيه والإكثار من تلاوته حفظا أو نظرا مع التدبر والتعقل والعمل قال الله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) فهو لم ينزل لجعله في الدواليب ولا لمجرد القراءة، أو الحفظ وإنما نزل ليقرأ،

стр. 4168

ويتدبر، ويعمل به قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ للناس يوم عرفة في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (٣) » ويقول ﷺ أيضا: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (٤) » يعني بهم زوجاته وقراباته من بني هاشم، يذكر الناس بالله في أهل بيته بأن يرفقوا بهم، وأن يحسنوا إليهم، ويكفوا الأذى عنهم، ويوصوهم بالحق، ويعطوهم حقوقهم ما داموا مستقيمين على دينه متبعين لشريعته ﵊، وصح «عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أنه سئل عما أوصى رسول الله ﷺ فقال: أوصى بكتاب الله (٥) » ، يعني أوصى بالقرآن، فالقرآن وصية الله ووصية رسوله ﵊ فالله جل وعلا أوصانا بهذا الكتاب فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٦) فهذه وصيته وأمره سبحانه باتباع كتابه والتمسك به. وقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧) الآية

стр. 4169

فهذا كتاب الله هو أحسن الحديث، وهو أحسن القصص كما قال سبحانه في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١) فهو أحسن القصص، قص الله علينا فيه أخبار الماضين من أخبار آدم، وأخبار نوح، وهود، وصالح، وغيرهم من الرسل المذكورين في القرآن، وقص علينا أخبار أممهم وما جرى لهم من العقوبات، وما جرى للمتقين من النصر والتأييد والعاقبة الحميدة وليس هناك قصص أحسن منه، كما قص علينا صفات أهل الجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وأخبار يوم القيامة والجزاء والحساب إلى غير ذلك من الأخبار العظيمة. فالوصية أيها الإخوة: رجالا ونساء، جنا وإنسا هي العناية بكتاب الله والإكثار من تلاوته وتدبره والعمل بما فيه، وبسنة الرسول لأنها داخلة في ذلك، فسنة الرسول ﷺ داخلة في الوصية بكتاب الله؛ لأن الله سبحانه أوحى إليه القرآن والسنة قال جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٦)

стр. 4170

وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (١) » فالوصية بالقرآن وصية بالسنة فالواجب على جميع المسلمين هو العمل بالكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شيء. وسنة رسول الله ﷺ هي: أحاديثه الصحيحة، والاستفادة منها وحفظ ما تيسر منها أيضا والسؤال عما أشكل منها لأن الله أوصى بها قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٣) يعني عن أمر النبي ﷺ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقال جل وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٦) نسأل الله العافية. الوصية لنفسي ولكم ولجميع المسلمين ولجميع من بلغه هذا الكلام، الوصية هي تقوى الله، والعناية بكتاب الله الكريم والتواصي بذلك قولا وعملا ومذاكرة، ومن ضيع ذلك فهو خاسر. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٧) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٨) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٩) فهؤلاء هم أهل السعادة وهم أهل الربح الذين آمنوا بالله وبرسوله

стр. 4171

ووحدوه، وأخلصوا لله العبادة وأدوا فرائضه، وتركوا محارمه، وتواصوا بالحق: أي تناصحوا فيما بينهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم مع ذلك صبروا ولم يجزعوا حتى لحقوا بربهم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (١) هذا هو شأنهم، وهذا شأن المؤمنين، وقد وعدهم الله بالرحمة فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) وهذا جزاؤهم في الدنيا بالتوفيق والهداية والتسديد وفي الآخرة بدخول الجنة، والنجاة من النار، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) ويقول سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦) البر والتقوى هو أداء فرائض الله وترك محارمه، ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٧) ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٨) » رواه مسلم في الصحيح،

стр. 4172

ويقول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (١) » . ويقول النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى (٢) » هكذا كان أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان متعاونين على البر والتقوى متناصحين، متواصين بالحق والصبر عليه، دعاة للخير محذرين من الشر صبر في جميع الأحوال وعليكم أن تكونوا كذلك مع أهلكم، ومع أولادكم، ومع جيرانكم، ومع جلسائكم، ومع جميع المسلمين أينما كانوا في الباخرة، وفي الطائرة، وفي السيارة، في البر، وفي البحر وفي أي مكان، فعليكم أيها الإخوة أن تكونوا متواصين بالحق متناصحين متعاونين على البر والتقوى، دعاة للخير، محذرين من الشر، معتنين بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا. والله المسئول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يوفقنا للعناية بكتابه، وسنة رسوله ﷺ ، والاهتداء بها والعمل بما فيها، وأن يكون كتاب الله سبحانه خلقا لنا كما كان خلقا لرسولنا الكريم ﷺ ، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن، ومن نزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 4173

الإجابة عن أسئلة متفرقة بعد المحاضرة س ١: استقمت بحمد الله على دين الله منذ شهر تقريبا، وأشعر بالثبات إذا كنت مع بعض الإخوة الصالحين، وعندما أفارقهم بسبب انشغالي وأعمالي أجد نقصا في الإيمان، بماذا تنصحوني؟ ج ١: نوصيك بالاستقامة على صحبة الأخيار، وإذا فارقتهم لبعض أشغالك فاتق الله وتذكر أنه سبحانه رقيب عليك وهو أعظم منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢) ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤) فالله مراقبك فاتق الله، وتذكر أنك بين يديه وأنه يراك على الطاعة والمعصية جميعا، فاحذر عقاب الله، واحذر أن تعمل ما يغضبه سبحانه. وقال جل وعلا: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٦)

стр. 4174

فعليك بالصدق مع الله، والاستقامة على دين الله سبحانه في خلوتك ومع أصحابك وفي كل مكان فأنت في مسمع من الله ومرأى، يسمع كلامك ويرى فعالك، فعليك أن تستحي من الله جل وعلا أعظم من حيائك من أهلك ومن غير أهلك. س ٢: ما حكم من مات على الشرك وهو لا يعلم أنه من الشرك؟ ج ٢: من مات على الشرك فهو على خطر عظيم لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) فهذا وعيدهم ومصيرهم كسائر الكفرة الكفر الأكبر، وحكمهم في الدنيا أنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين، أما إن كان أحد منهم لم تبلغه الدعوة- أعني القرآن والسنة- فهذا أمره إلى الله سبحانه يوم

стр. 4175

القيامة كسائر أهل الفترة، والأرجح عند أهل العلم في ذلك في حكمهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أجاب دخل الجنة ومن عصى دخل النار. وقد بسط الكلام في ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في آخر كتابه " في طريق الهجرتين ". حيث قال: " (المذهب الثامن) أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول الله وإلى كل من لم تبلغه الدعوه فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار، وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها ". أما إن كان أحد منهم عنده جهل فيما وقع فيه من الشرك فأمره إلى الله جل وعلا، والحكم على الظاهر، فمن كان ظاهره الشرك حكمه حكم المشركين وأمره إلى الله جل وعلا الذي يعلم كل شيء . س ٣: هذه أيام امتحانات فهل من نصيحة إلى الطلاب يا سماحة الشيخ؟ ج ٣: ننصح الطلاب جميعا بالجد والعناية والمذاكرة في الدروس ليلا ونهارا، والتعاون فيما بينهم في حل المشكلات، وسؤال الله التوفيق والعون، والحذر من المعاصي، والحرص على الصلاة والمحافظة عليها في الجماعة، صلاة الفجر وغيرها، وعلى بر الوالدين، وصلة الرحم، وأداء حق الزوجة إلى غير ذلك.

стр. 4176

فنوصي الطلاب بتقوى الله، والاستقامة على دينه والمحافظة على ما أوجب الله، وترك ما حرم الله، وهذا يعينهم على النجاح في دروسهم، كل واحد عليه أن يتقي الله وأن يحافظ على ما أوجب الله من صلاة وغيرها. وأن يجتهد في بر والديه، وإعطائهم حقوقهم وإنصاف الزوجة، وإعطائها حقوقها إن كان له زوجة، وحفظ الوقت من القيل والقال الذي لا فائدة فيه وذلك بالمذاكرة وحده، أو مع إخوانه. س ٤: قائل يقول: إن العقيدة تعقيد وتكلف، فكيف يكون الرد على قوله هذا؟ ج ٤: هذا كلام شنيع إذا قصد القائل عقيدة التوحيد عقيدة المؤمنين، فهذه الكلمة ردة عن الإسلام وكفر بالله لأن معناها أنها ليس فيها فائدة معلومة، وأنها معقدة، فهذا كلام قبيح وردة عن الإسلام فلا بد أن يراجع القائل نفسه، ويتقي الله ويتوب إليه، فالعقيدة هي أصل الدين وهي الإيمان بالله ورسوله وتوحيد الله والإخلاص له وهي معنى لا إله إلا الله؛ لأن معناها لا معبود حق إلا الله وذلك هو توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به والإيمان بأسمائه وصفاته، وطاعة أوامره ، وترك نواهيه، وليس في ذلك تعقيد بل ذلك كله واضح لمن هداه الله وألهمه رشده ووفقه لطلب الحق. س ٥: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١) الآية. ما المقصود ب " النور " في الآية؟

стр. 4177

ج ٥: إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم، ومعينهم، وموفقهم، يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك، وظلمات المعاصي، والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان، يعني: بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة، فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت الشيطان من الإنس والجن فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة يخرجونهم من نور التوحيد والحق إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع، فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع، نسأل الله العافية. س ٦: ما رأيكم في لبس البنطلون. بالنسبة للنساء لأنه انتشر في هذه الأزمنة؟ ج ٦: ننصح أن لا يلبس البنطلون لأنه من لباس الكفرة فينبغي تركه وأن لا تلبس المرأة إلا لباس بنات جنسها، بنات بلدها، ولا تشذ عنه، وتحرص على اللباس الساتر المتوسط الذي ليس فيه ضيق، ولا رقة، بل يستر من غير ضيق، ولا يصف البدن، وليس فيه تشبه بالكفار، ولا بالرجال ولا تلبس ملابس الشهرة. س ٧: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للدراسة؟ ج ٧: الوصية الحذر من ذلك إلا إذا كان المسافر عنده علم وبصيرة، يدعو إلى الله ويعلم الناس، ولا يخشى على دينه لأنه صاحب علم وبصيرة يقول النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين (١) »

стр. 4178

والله جل وعلا قال في كتابه الكريم عن المسلمين المقيمين بين المشركين وهم لا يستطيعون إظهار دينهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (٢) الآية. وفي الحديث الصحيح: «لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملا أو يفارق المشركين (٣) » . والمعنى حتى يفارق المشركين. فالوصية مني لجميع المسلمين الحذر من الذهاب إلى بلاد المشركين، والجلوس بينهم لا للتجارة، ولا للدراسة، إلا من كان عنده علم، وهدى، وبصيرة ليدعو إلى الله ويتعلم أشياء أخرى تحتاجها بلاده، ويظهر دينه فهذا لا بأس به كما فعل جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن معه من الصحابة لما هاجروا إلى الحبشة من مكة المكرمة بسبب ظلم المشركين لهم، وعجزهم عن إظهار دينهم بمكة حين كان رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة. س ٨: أنا موظف في صيدلية وقد جعل صاحب المحل الرئيسة علينا امرأة فبماذا تنصحونني؟ ج ٨: ننصحك بأن لا تبقى في هذه الصيدلية، واحذر وابحث عن عمل آخر وأبشر بالخير لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥) وإن تيسر لك أن تنصح صاحب الصيدلية حتى يعين رئيسا رجلا فافعل ذلك لقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة (٦) » وفق الله الجميع.

стр. 4179

التواصي بالحق الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فإنني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله، في بيت من بيوت الله في رحاب بيت الله العتيق، للتواصي بالحق والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والتذكير بالله وبحقه، نسأل الله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا وأن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يمنحنا الفقه فيه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعيذهم من بطانة السوء، وأن ينصر بهم الحق ويجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين.

стр. 4180

أيها الإخوه في الله: إن الله جل وعلا خلق الثقلين ليعبدوه وأرسل الرسل لهذا الأمر العظيم وأنزل الكتب لهذا الأمر قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) لهذا الأمر خلق الله الناس جنهم وإنسهم رجالهم ونسائهم عربهم وعجمهم، أغنيائهم وفقرائهم كلهم خلقوا ليعبدوا الله، لم يخلقوا عبثا ولا سدى. قال جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢) إنكارا على من ظن ذلك. وقال جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٣) يعنى مهملا لا يؤمر ولا ينهى. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ (٤) فالله خلق الخلق ليعبدوه، ما خلقهم باطلا ولا عبثا ولا سدى، خلقهم لأمر عظيم وهو: أن يعبدوه بطاعة أمره وترك نواهيه والإخلاص له في جميع العبادات والوقوف عند حدوده، هذه هي العبادة التي خلقوا لها. كما قال سبحانه في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٧) وهذه العبادة هي توحيده وطاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وهي الإسلام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٨) وهي الإيمان

стр. 4181

والهدى. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) فهذه العبادة هي الإيمان، وهي التي قال فيها ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٣) » فالإيمان هو عبادة الله وهو الإسلام وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو طاعة الله ورسوله وهو توحيد الله والإخلاص له والقيام بأوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذه هي العبادة، وهذا هو الإسلام والإيمان وهذا هو التقوى وهذا هو البر والهدى قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٦) وهذا هو معنى العبادة التي أمر الله بها الناس جميعا وخلقهم لها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٧) أمرهم بهذه العبادة التي خلقوا لها وأرسل بها الرسل عليهم الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) ومعنى قوله سبحانه: ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٩) يعني وحدوا الله

стр. 4182

وأطيعوا أوامره ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) يعني: اجتنبوا الشرك والمعاصي. فالله أرسل الرسل جميعا من أولهم نوح إلى آخرهم محمد ﵊ كلهم أرسلوا ليدعوا الناس لعبادة الله وأن يوحدوا الله ويخصوه بالعبادة وأن يطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه ويقفوا عند حدوده ويرجوا ثوابه ويخشوا عقابه ، بهذا الأمر بعث الله الرسل وبه أرسلوا قال ابن عباس ﵄: (كان آدم أبونا ﵊ وذريته على الإسلام عشرة قرون، حتى وقع الشرك في قوم نوح فأرسل الله إليهم نوحا ﵊، ودعاهم إلى الله ووجههم إلى الخير، وقص الله لنا قصتهم في مواضع كثيرة يأمرهم بتوحيد الله وطاعته يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) فلما استكبروا وأصروا على الباطل أخذهم الله بالغرق كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣) ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله سبحانه، فلما استكبروا وعتوا أخذهم الله بالطوفان بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض، حتى غرقوا عن آخرهم إلا من كان مع نوح في السفينة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥) ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦) وهكذا غيرهم، من

стр. 4183

لم يستجب للرسل فهو الهالك في الدنيا والآخرة، وآخرهم وخاتمهم نبينا محمد ﵊ هو آخرهم وأفضلهم كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) وقال ﵊ «إنه لا نبي بعدي (٢) » وقال «بعثت للناس عامة (٣) » قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥) عليه من ربه الصلاة والسلام، فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس اتباعه وطاعته والسير على منهاجه ﵊ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٦) والمعنى: قل يا محمد للناس جنهم وإنسهم إن كنتم تحبون الله يعني صادقين فاتبعوني يحببكم الله. فمن كان يحب الله فليتبع محمدا ﵊ بطاعة أوامره واجتناب نواهيه وذلك بتوحيد الله والإخلاص له وأداء حقه وترك معصيته، ومن ذلك المحافظة على الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وبر الوالدين وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك جميع المعاصي، وترك الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، وترك جميع المعاصي من الزنا، والسرقة، واللواط، والربا، وشرب المسكرات، والغيبة والنميمة وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم إلى غير ذلك.

стр. 4184

يجب على كل مكلف من الرجال أو النساء أن يعبد الله، وأن يطيع أوامره، وأن ينتهي عن نواهيه، وأن يقف عند حدود الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه يقول جل وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس من الرجال والنساء أن يعبدوا الله وأن يتقوه وأن يعظموا أمره ونهيه، ولا بد من التواصي في ذلك والتناصح والتعاون على البر والتقوى من الرجال والنساء والعرب والعجم وجميع الناس، لا بد من التواصي والتناصح قال جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) وقال سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧) يقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر، والعصر: هو الزمان الليل والنهار، والله يقسم بما يشاء من خلقه كما أقسم

стр. 4185

بالطور، والذاريات، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٢) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (٣) ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٤) إلى غير ذلك، وهذه مخلوقات يقسم بها سبحانه لأنها دالة على عظمة الله ودالة على أنه رب العالمين وأنه سبحانه هو المستحق لأن يعبد فهو سبحانه يقسم بما يشاء، أما المخلوق فليس له أن يحلف إلا بالله ولا يجوز له أن يحلف بالنبي ولا بالأمانة ولا بأبيه، ولا بغير ذلك من المخلوقات لقول النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٥) » ولقوله ﵊: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك (٦) » أخرجه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح فلا يجوز لأحد أن يحلف بأبيه أو بأمه أو بالنبي أو بفلان إنما الحلف بالله وحده كوالله وبالله وتالله. . . وغيرها ويقول ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (٧) » . يبين جل وعلا في هذه السورة العظيمة أن الإنسان في خسران، الرجال والنساء والجن والإنس كلهم في خسارة، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٨) هؤلاء هم الرابحون السعداء، الذين آمنوا بالله ورسوله، آمنوا بأن الله ربهم ومعبودهم الحق، وأنه فوق السماوات وفوق العرش وفوق جميع الخلق ، آمنوا بعلو الله وأنه سبحانه فوق العرش بائن من خلقه كما قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٩)

стр. 4186

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) هذا هو ربنا له الخلق والأمر وهو فوق العرش وعلمه في كل مكان، ترفع الأيدي إليه بالدعاء ، وهو العلي العظيم قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣) وهو جل وعلا فوق العرش استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) ولا يعلم كيفية صفاته أحد سواه، فربنا هو العلي الأعلى فوق الخلق، وهو الرحمن الرحيم، وهو العزيز الحكيم، وهو الرؤوف الرحيم، والقادر على كل شيء، وهو المستحق لأن يعبد، فالواجب علينا جميعا رجالا ونساء أن نعبده، بماذا؟ بطاعة أوامره، وبترك نواهيه، والإخلاص له في العبادة وحده، فندعوه وحده، ونرجوه، ونستعين به وننذر له، ونصلي له، ونسجد له، ونصوم له ونصرف جميع العبادة له وحده سبحانه، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦)

стр. 4187

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) ويقول النبي ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٤) » ويقول ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (٥) » متفق على صحته.

стр. 4188

فعلى جميع المكلفين أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن يعلموا أنه لا معبود حق سواه ، وأن يؤمنوا بأنه فوق العرش وأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شريك له ولا كفء له ولا ند له ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وعليهم أن يؤمنوا بأنه سبحانه هو الخلاق الرزاق كما أنه المستحق للعبادة فهو الخلاق الرزاق لا خالق غيره ولا رب سواه، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) فهو سبحانه له الأسماء الحسنى يدعى بها مثل: الحكيم والعليم والرحمن والرحيم والعزيز والرؤوف والعليم والقادر على كل شيء والسميع والبصير إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى الواردة في كتابه العظيم وفي سنة نبيه الأمين ﵊.

стр. 4189

والواجب على جميع المكلفين التناصح في ذلك والتواصي بهذا. قال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) فالناس في خسران وهلاك، إلا الذين آمنوا بالله يعني آمنوا بأن الله هو معبودهم الحق، وهو ربهم وهو الرزاق، آمنوا بذلك وصدقوا بذلك فهم يؤمنون أن الله سبحانه هو خالقهم وهو رازقهم، وهو فوق العرش وفوق جميع المخلوقات، ويؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من أمر الآخرة والجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك، ويصدقون بما أخبر الله به في كتابه العظيم القرآن وبما أخبر به رسوله ﷺ يصدقون بكل ذلك، ويؤمنون بالله ويصدقون ما قاله ويؤمنون بالرسول محمد ﷺ ويصدقون بما جاء به، فهم يؤمنون بالله وبرسوله، ويصدقون بكل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما سيكون، ويؤمنون بأنه سوف يعيدنا يوم القيامة، وسوف يبعثنا، وسوف يجازينا بأعمالنا إن خيرا فخير وإن شرا فشر. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٥) يعني: يوم القيامة فإنهم مجموعون ليوم القيامة ومجزيون بأعمالهم، فعلى العبد أن يؤمن بذلك وأن يصدق بكل ذلك وأن يعد العدة لذلك اليوم وهو يوم القيامة

стр. 4190

بتوحيد الله وطاعته وترك معصيته والقيام بحقه فلهذا قال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) يعني الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا الله ورسوله ثم عملوا الصالحات: أي أدوا الصلوات الخمس وحافظوا عليها كما أمر الله وأدوها بالطمأنينة والخشوع، وأدوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجوا البيت، وبروا الوالدين، ووصلوا الأرحام، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في سبيل الله إلى غير ذلك مما أوجب الله ورسوله وتركوا الإشراك بالله، وخصوه سبحانه وحده بالعبادة لا يشركون به شيئا، ولا يأتون شيئا مما نهاهم عنه من جميع المعاصي التي نهاهم عنها، ويجب على المؤمن أن يحذر مما حرم الله عليه، وهكذا المؤمنة تحذر من سائر المعاصي. فعبادة الله والإيمان بالله معناه: الإخلاص لله في العمل وطاعة الأوامر وترك النواهي على المنهج الذي جاء به النبي ﷺ فالمؤمن يصلي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويزكي كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، ويجاهد كما أمر الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، وينصح ويوصي إخوانه بالخير، هكذا بالله وباليوم الآخر ثم قال بعدها ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (٢) يعني: مع العمل تواصوا فيما بينهم أن يعملوا، ويؤدوا فرائض الله، وينتهوا عن محارم الله، يرجون ثوابه، ويخافون عقابه عن صدق وعن إخلاص، ثم يتواصون بالصبر فكل واحد ينصح أخاه إذا رأى منه تقصيرا ينصحه يوضح له الخير ويدعوه إلى الله، ويقول: يا أخي اتق الله يا أخي فعلت كذا يا أخي تركت كذا

стр. 4191

يوصيه بالخير إذا رآه يتكاسل عن الصلاة نصحه قال له: يا أخي اتق الله، الصلاة عمود الإسلام، والواجب عليك المحافظة عليها في الفجر وفي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي جميع الأوقات يجب أن تنهض إليها إذا أذن المؤذن، بادر إليها في جميع الأوقات، الرجل يؤديها في الجماعة، والمرأة تؤديها في البيت بإخلاص وصدق وخشوع وطمأنينة وإحضار قلب، وهكذا يزكي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، يبيع كما أمره الله، ويشتري كما أمره الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى غير ذلك، وفي جميع أحواله يراقب الله في المزرعة، وفي العمل، وفي صلاته، وفي صومه، وفي أهله، وفي كل مكان يراقب الله ويتقيه ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه، يرجو ثوابه ويخشى عقابه، وهذا هو معنى قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) ثم هو مع هذا يوصي إخوانه وأهل بيته، وينصح زوجته وينصح أولاده، ويوصيهم بطاعة الله يوصي جيرانه، ويوصي جلساءه وزملاءه وينصح لهم ويحذرهم من معاصي الله، ويصبر أيضا ويوصي بالصبر إذ لا بد من الصبر لأن هذه الأعمال تحتاج إلى صبر، فالإيمان يحتاج إلى صبر والعمل يحتاج إلى صبر والتواصي بالحق والصبر عليه يحتاج إلى صبر، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى صبر.

стр. 4192

وقد سمعتم ما قرأ إمامنا عن وصية لقمان لابنه يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) ثم ذكر الله الوصية بالوالدين وأوصى الولد بوالديه وإن كانا كافرين بأن يحسن إليهما ويصحبهما بالمعروف لعل الله أن يهديهما بأسبابه، ثم يقول لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢) ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٣) يعنى إياك والتكبر والتعاظم في نفسك والعجب، وعليك بالتواضع وعدم التكبر. فالمؤمن يتقي الله ويراقب الله في جميع أموره، فيؤدي ما أوجب الله، ويترك ما حرم الله وينصح لإخوانه ويوصيهم بطاعة الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر ولا يفعله. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦) وهذه الصفات الأربع هي صفات الرابحين الناجين السعداء: الإيمان الصادق بالله ورسوله وبما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما سيكون، ثم العمل بأداء فرائض الله وترك محارم الله، ولا يكفي القول فقط، فلا بد من عمل القلب والجوارح، فالقلب يعمل ويخاف الله ويرجوه ويحبه ويخشاه : ومع ذلك يعمل بالجوارح فيؤدي فرائض الله، وينتهي عن محارم الله، ويقف عند حدود الله، ويتناصح مع

стр. 4193

إخوانه يوصي إخوانه وينصح لهم أينما كان، في أي مكان، في البحر، في البر، في السيارة، في الطائرة في الباخرة، في مجلس خاص، في مجلس عام، إذا رأى المنكر أنكره إذا رأى تقصيرا وعظ وذكر، يوصي بالخير وينصح بالخير، ويحذر من الشر، هكذا المؤمن مع إخوانه، وهكذا المؤمنة مع أخواتها في الله، ومع زوجها، ومع أولادها، ومع قراباتها ومع جيرانها تنصح لهم، فالرجل ينصح، والمرأة تنصح، يقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) ويقول النبي ﷺ «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢) » ويقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الصحابي الجليل: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٣) » فالمؤمن ينصح لإخوانه إذا رأى تقصيرا لا يغفل مع الجيران ومع غيرهم، يقول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) هذه صفات المؤمنين وهذه أخلاقهم في هذه الآية العظيمة، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٥)

стр. 4194

ضد أعداء الله فالمؤمنون أولياء يتحابون في الله ويتناصحون في الله لا يغش المؤمن أخاه ولا يخونه ولا يكذب عليه فالمؤمن أخو المؤمن لا غش ولا خداع، أولياء فيما بينهم، فالذي يغش أخاه أو يكذب عليه أو يظلمه قد خان الأخوة الإيمانية، وقد خرقها وقصر فيها، وعصى ربه في ذلك، فلا بد من المحافظة على هذا الإيمان بأداء الفرائض وترك المحارم مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيقا لقوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) هكذا المؤمنون يتراحمون ويتناصحون ويتعاطفون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرشدون إلى الخير مع أهل بيتهم ومع إخوانهم ومع جيرانهم ومع غيرهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) فالعلماء أهل البصائر يدعون إلى الله وإلى اتباع الرسول ﷺ وهم أهل البصائر وأهل

стр. 4195

العلم يدعون إلى الله ويرشدون الناس إلى الخير على بصيرة وعلى علم يرجون ثواب الله ويخشون عقابه، فالواجب على كل مؤمن وكل مؤمنة الدعوة إلى الله حسب العلم وحسب الطاقة، فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بغير علم، بل يدعو إلى الله حسب علمه وحسب البصيرة التي عنده، فإذا رأى المؤمن أو المؤمنة من يقصر في الصلاة أو يتساهل أو يتكاسل فلينصحه وليأمره بالمعروف وليحذره من التساهل بالصلاة والتكاسل عنها، وهكذا إذا رأى منه عقوقا للوالدين أو قطيعة للرحم أو رآه يكذب ويغش في معاملته فعليه أن ينصحه ويقول له اتق الله، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ومتى رأى منه خللا نصحه ووجهه إلى الخير في جميع الأحوال، والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ومن النصح والتواصي بالحق في الاختبارات أداء الأمانة وعدم الغش في الاختبارات، ولا شك أن هذا من النصح لله ولعباده، تنصح زميلك وترشده إلى ما تعلم وتعينه على مهمته في الحق والمذاكرة بينكما، والحذر من الخيانة والغش وهكذا في المعاملات، من النصيحة عدم الغش في المعاملة تبيع وتشتري ولكن بأمانة، وهكذا الذين يجلبون الحاجات من المزارع عليهم أن ينصحوا ولا يغشوا وأن يجعلوا المبيع ظاهره كباطنه وهكذا كل مسلم ينصح في وظيفته التي عنده ويؤدي حقها حسب الطاقة، مع ملاحظة الأمانة وعدم تقديم من لا يستحق على

стр. 4196

من يستحق، عدم أخذ الرشوة بل يجب أن يؤدي عمله بالأمانة كما أمر الله على الوجه الذي يجب عليه فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يحابي هذا دون هذا، ويعطل هذا ويقدم هذا لهدية أو لصداقة، بل يجب أن ينصح لله ويؤدي الأمانة كما أمر الله، وهكذا الزوج مع زوجته يجب أن ينصحها وأن يعلمها ويرشدها وأن يكون طيبا رقيقا حسن العشرة طليق الوجه طيب الابتسامة ولا يجوز أن يكون معبسا عند أهله مكفهر الوجه بل يكون طيب العشرة طيب الكلام حسن المحادثة مع زوجته ومع أهل بيته ومع والديه ومع أولاده، ومع ذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسن خلق وطيب كلام، وهكذا الزوجة مع زوجها تكون طيبة الأخلاق وتكون ناصحة له وتكون حسنة المحادثة صبورة والرجل كذلك وهكذا الأب مع أولاده يتقي الله فيهم وينصح لهم والأم مع أولادها تتقي الله فيهم وتنصح لهم وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وهكذا مع الجيران ينصح لهم ويحب لهم الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فإذا رآهم يتخلفون عن صلاة الفجر أو غيرها نصحهم وأنكر عليهم ويقول لهم هذه فريضة الله والصلاة عمود الإسلام من تركها كفر، يقول النبي ﷺ «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (١) » ويقول ﷺ : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (٢) » ويقول ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٣) »

стр. 4197

وبذلك يعلم أن الصلاة شأنها عظيم فيجب الحذر من التساهل فيها، وهكذا في جميع الأمور يجب التناصح والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى وعلى ترك الباطل وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا جميعا على دينه وأن يعيذنا وسائر المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، وأن يمنحنا الفقه في الدين، وأن يحسن لنا جميعا الختام ونسأله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 4198

أقسام التوحيد (١) . التوحيد موضوع عظيم هو أساس الملة وأساس جميع ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم. ولا ريب أن هذا المقام جدير بالعناية، وإنما ضل من ضل وهلك من هلك بسبب إعراضه عن هذا الأصل وجهله به وعمله بخلافه، وكان المشركون قد جهلوا هذا الأمر من توحيد العبادة الذي هو الأساس الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب وخلق من أجله الثقلان " الجن، والإنس " وظنوا أن ما هم عليه من الشرك دين صالح وقربة يتقربون بها إلى الله مع أنه أعظم الجرائم وأكبر الذنوب وظنوا بجهلهم وإعراضهم وتقليدهم لآبائهم ومن قبلهم من الضالين أنه دين وقربة وحق وأنكروا على الرسل وقاتلوهم على هذا الأساس الباطل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٤) وأول من وقع

стр. 4199

في هذا البلاء واعتقد هذا الشرك قوم نوح ﵊ فإنهم أول الأمم الواقعة في الشرك، وقلدهم من بعدهم، وكان سبب ذلك: الغلو في الصالحين وأنهم غلوا في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، وكان هؤلاء رجالا صالحين فيهم فماتوا في زمن متقارب فأسفوا عليهم أسفا عظيما وحزنوا عليهم حزنا شديدا فزين لهم الشيطان الغلو فيهم وتصويرهم ونصب صورهم في مجالسهم وقال لعلكم بهذا تسيرون على طريقتهم وفي ذلك هلاكهم وهلاك من بعدهم فلما طال عليهم الأمر عبدوهم. وقال جماعة من السلف: فلما هلك أولئك وجاء من بعدهم عبدت هذه الأصنام وأنزل الله فيهم جل وعلا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (٢) ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٣) فالغلو في الصالحين من البشر وفي الملائكة والأنبياء والجن والأصنام هو أصل هذا البلاء، والله بين على أيدي الرسل أن الواجب عبادته وحده سبحانه وأنه الإله الحق وأنه لا يجوز اتخاذ الوسائط بينه وبين عباده، بل يجب أن يعبد وحده مباشرة من دون واسطة وأرسل الرسل وأنزل الكتب بذلك وخلق الثقلين لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٥)

стр. 4200

وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وهذا المقام- أعني مقام التوحيد- دائما وأبدا يحتاج إلى مزيد العناية بتوجيه الناس إلى دين الله وتوحيده وإخلاص العبادة له؛ لأن الشرك هو أعظم الذنوب وقد وقع فيه أكثر الناس قديما وحديثا، فالواجب بيانه للناس والتحذير منه في كل وقت وذلك بالدعوة إلى توحيد الله سبحانه والنهي عن الشرك وبيان أنواعه للناس حتى يحذروه، وقد قام خاتم الأنبياء محمد ﷺ بذلك أكمل قيام في مكة والمدينة ومع هذا فقد ملئت الدنيا من هذا الشرك بسبب علماء السوء ودعاة الضلالة وإعراض الأكثر عن دين الله وعدم تفقههم في الدين وعدم إقبالهم على الحق وحسن ظنهم بدعاة الباطل ودعاة الشرك إلا من رحم الله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) وقال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٦) فلهذا انتشر الشرك في الأمم بعد نوح في عاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم شعيب وقوم لوط ومن بعدهم من سائر الأمم وصاروا يقلد بعضهم بعضا يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٧) وإذا كان هذا البلاء قد عم وطم

стр. 4201

ولم يسلم منه إلا القليل، فالواجب على أهل العلم أن يقدموه على غيره- أعني بيان التوحيد وضده- وأن تكون عنايتهم به أكثر من كل نوع من أنواع العلم لأنه الأساس فإذا فسد هذا الأساس وخرب بالشرك بطل غيره من الأعمال. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) والصوم والحج وغير ذلك من العبادات لا تنفع. وأقسام التوحيد ثلاثة، بالاستقراء والنظر والتأمل في الآيات والأحاديث وما كان عليه أهل الشرك اتضح أنها ثلاثة أقسام، اثنان أقر بهما المشركون، والثالث جحده المشركون وقام النزاع بينهم وبين الرسل في ذلك، والقتال والولاء والبراء والعداوة والبغضاء. ومن تأمل القرآن الكريم والسيرة النبوية وأحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأحوال الأمم عرف ذلك، وقد زاد بعضهم قسما رابعا سماه: " توحيد المتابعة " يعني وجوب اتباع الرسول والتمسك بالشريعة، فليس هناك متبع آخر غير الرسول فهو الإمام الأعظم وهو المتبع، فلا يجوز الخروج عن شريعته فهي شريعة واحدة إمامها واحد وهو نبينا ﵊، فليس لأحد الخروج عن شريعته، بل يجب على جميع الثقلين الجن والإنس أن يخضعوا لشريعته، وأن يسيروا على منهاجه في

стр. 4202

التوحيد، وفي جميع الأوامر والنواهي وهذا القسم الرابع معلوم، وهو داخل في قسم توحيد العبادة؛ لأن الرب سبحانه أمر عباده باتباع الكتاب والسنة، وهذا هو توحيد المتابعة، وقد أجمع العلماء على وجوب اتباع الرسول والسير على منهاجه، وأنه لا يسع أحد الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فإن الخضر نبي مستقل على الصحيح ليس تابعا لموسى، وقد كان الأنبياء والرسل قبل محمد كثيرين كل له شريعة كما قال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) أما هذه الأمة فليس لها إلا نبي واحد وهو محمد ﵊، فالواجب على هذه الأمة من حين بعث الله نبيها محمدا وإلى يومنا هذا إلى يوم القيامة اتباع هذا النبي وحده والسير على شريعته المعلومة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليس لأحد الخروج عن ذلك، ليس لأحد أن يقول أنا أتبع التوراة أو الإنجيل، وفلانا أو فلانا. بل يجب على الجميع اتباع شريعة محمد ﷺ ، ومن زعم أنه يجوز لأحد الخروج عنها فهو كافر ضال بإجماع المسلمين. وقد علمنا مما سبق أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية وهو الإيمان بأفعال الرب سبحانه وأنه فعال لما يريد، وأنه الخلاق الرزاق، وهذا القسم ما أنكره المشركون بل أقروا به، وهو يستلزم توحيد العبادة ويلزمهم بذلك، فمن كان بهذه الصفة من كونه هو الخلاق، الرزاق، المحيي، المميت، ومدبر الأمور، ومصرف

стр. 4203

الأشياء ويجب أن يعبد وأن يخضع له فإنه يقول سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) والمعنى ما دمتم تعلمون أن هذا الله أفلا تتقون الله في توحيده والإخلاص له، وترك الإشراك به، وهم مقرون بهذا يعلمون أنه ربهم وخالقهم ورازقهم، ولكنهم اعتقدوا أن تقربهم إليه بعبادة الأوثان والأصنام أنه شيء يرضيه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) هذا اعتقادهم الباطل ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) الشياطين زينت لهم السوء وزينت عبادة الأصنام، والملائكة، والأنبياء، والأشجار، والأحجار وغير ذلك، فاحتج الله عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، والأسماء والصفات على ما أنكروه من توحيد العبادة؛ لأن الذي يخلق ويرزق ويدبر الأمر ويحيي ويميت هو المستحق لأن يعبد ويطاع وهكذا أسماؤه كلها دليل ظاهر على أنه هو المستحق للعبادة، فهو الرحمن الرحيم، الرزاق العليم المدبر للأمور، مالك الملك، العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء، وهو الفعال لما يريد فمن كان بهذه المثابة وجب أن يعبد وحده دون ما سواه وهذه الأسماء كلها دالة على معان عظيمة: الرحمن يدل على الرحمة،

стр. 4204

العزيز يدل على العزة، الرؤوف يدل على الرأفة، السميع يدل على أنه يسمع دعوات عباده وكلامهم، والبصير الذي يراهم ويشاهد أحوالهم إلى غير ذلك، فهي أسماء عظيمة حسنى دالة على معان عظيمة كلها حق، وكلها ثابتة لله سبحانه على وجه يليق به سبحانه، لا شبيه له فيها ولا نظير، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) والصحابة رضوان الله عليهم وأتباع الرسول ﵊ كلهم مجمعون على إثبات الأسماء والصفات، وأنها حق ثابتة لله تعالى على وجه يليق به بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن الاستواء، والنزول، والسمع والبصر، والكلام وسائر الصفات كلها حق، وهكذا سائر الأسماء حق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) أي اسألوه بها فهو يدعى ويسأل بأسمائه: يا رحمان يا رحيم، يا عزيز يا غفور، اغفر لي، ارحمني، فرج كربتي، إلى غير ذلك. كما أنه يدعى أيضا بتوحيده والإيمان به، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (٤) وكما في الحديث: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (٥) » فهو يسأل بتوحيده والإيمان به، واعتراف العبد

стр. 4205

بأنه ربه الله ومعبوده الحق. وهكذا يسأل بالأعمال الصالحات، ويتوسل إليه بها فهذا كله من أسباب الإجابة كما سأله أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة وهم قوم دخلوا غارا للمبيت فيه والاتقاء من المطر، فأنزل الله عليهم صخرة سدت الغار عليهم، فلم يستطيعوا رفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن يخلصكم من هذه الصخرة إلا الله بسؤالكم الله بأعمالكم الصالحة، فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم الصخرة فخرجوا، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ وهذا من آياته العظيمة ، ومن الدلائل على قدرته العظيمة. فهو يحب من عباده من يتوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمالهم الطيبة، أما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بذات فلان، فهذا بدعة. ولهذا لما توفي النبي ﷺ وكانوا يتوسلون بدعائه في حياته، فيقولون يا رسول الله أدع الله لنا، ويدعو لهم ﷺ كما وقع في أيام الجدب وكان على المنبر، فطلبوا أن يدعو الله لهم، فدعى الله لهم واستجاب الله له وفي بعض الأحيان كان يخرج إلى الصحراء، فيصلي ركعتين ثم يخطب ويدعو. فلما توفي ﷺ عدل عمر إلى عمه العباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقام العباس ودعا فأمنوا على دعائه فسقاهم الله. ولو كان التوسل بالذات أو الجاه مشروعا لما عدل عمر والصحابة ﵃ إلى العباس، ولتوسل الصحابة بذاته؛ لأن
следующие страницы →