← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

ولم يسلم منه إلا القليل، فالواجب على أهل العلم أن يقدموه على غيره- أعني بيان التوحيد وضده- وأن تكون عنايتهم به أكثر من كل نوع من أنواع العلم لأنه الأساس فإذا فسد هذا الأساس وخرب بالشرك بطل غيره من الأعمال. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) والصوم والحج وغير ذلك من العبادات لا تنفع. وأقسام التوحيد ثلاثة، بالاستقراء والنظر والتأمل في الآيات والأحاديث وما كان عليه أهل الشرك اتضح أنها ثلاثة أقسام، اثنان أقر بهما المشركون، والثالث جحده المشركون وقام النزاع بينهم وبين الرسل في ذلك، والقتال والولاء والبراء والعداوة والبغضاء. ومن تأمل القرآن الكريم والسيرة النبوية وأحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأحوال الأمم عرف ذلك، وقد زاد بعضهم قسما رابعا سماه: " توحيد المتابعة " يعني وجوب اتباع الرسول والتمسك بالشريعة، فليس هناك متبع آخر غير الرسول فهو الإمام الأعظم وهو المتبع، فلا يجوز الخروج عن شريعته فهي شريعة واحدة إمامها واحد وهو نبينا ﵊، فليس لأحد الخروج عن شريعته، بل يجب على جميع الثقلين الجن والإنس أن يخضعوا لشريعته، وأن يسيروا على منهاجه في

стр. 4202

التوحيد، وفي جميع الأوامر والنواهي وهذا القسم الرابع معلوم، وهو داخل في قسم توحيد العبادة؛ لأن الرب سبحانه أمر عباده باتباع الكتاب والسنة، وهذا هو توحيد المتابعة، وقد أجمع العلماء على وجوب اتباع الرسول والسير على منهاجه، وأنه لا يسع أحد الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فإن الخضر نبي مستقل على الصحيح ليس تابعا لموسى، وقد كان الأنبياء والرسل قبل محمد كثيرين كل له شريعة كما قال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) أما هذه الأمة فليس لها إلا نبي واحد وهو محمد ﵊، فالواجب على هذه الأمة من حين بعث الله نبيها محمدا وإلى يومنا هذا إلى يوم القيامة اتباع هذا النبي وحده والسير على شريعته المعلومة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليس لأحد الخروج عن ذلك، ليس لأحد أن يقول أنا أتبع التوراة أو الإنجيل، وفلانا أو فلانا. بل يجب على الجميع اتباع شريعة محمد ﷺ ، ومن زعم أنه يجوز لأحد الخروج عنها فهو كافر ضال بإجماع المسلمين. وقد علمنا مما سبق أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية وهو الإيمان بأفعال الرب سبحانه وأنه فعال لما يريد، وأنه الخلاق الرزاق، وهذا القسم ما أنكره المشركون بل أقروا به، وهو يستلزم توحيد العبادة ويلزمهم بذلك، فمن كان بهذه الصفة من كونه هو الخلاق، الرزاق، المحيي، المميت، ومدبر الأمور، ومصرف

стр. 4203

الأشياء ويجب أن يعبد وأن يخضع له فإنه يقول سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) والمعنى ما دمتم تعلمون أن هذا الله أفلا تتقون الله في توحيده والإخلاص له، وترك الإشراك به، وهم مقرون بهذا يعلمون أنه ربهم وخالقهم ورازقهم، ولكنهم اعتقدوا أن تقربهم إليه بعبادة الأوثان والأصنام أنه شيء يرضيه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) هذا اعتقادهم الباطل ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) الشياطين زينت لهم السوء وزينت عبادة الأصنام، والملائكة، والأنبياء، والأشجار، والأحجار وغير ذلك، فاحتج الله عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، والأسماء والصفات على ما أنكروه من توحيد العبادة؛ لأن الذي يخلق ويرزق ويدبر الأمر ويحيي ويميت هو المستحق لأن يعبد ويطاع وهكذا أسماؤه كلها دليل ظاهر على أنه هو المستحق للعبادة، فهو الرحمن الرحيم، الرزاق العليم المدبر للأمور، مالك الملك، العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء، وهو الفعال لما يريد فمن كان بهذه المثابة وجب أن يعبد وحده دون ما سواه وهذه الأسماء كلها دالة على معان عظيمة: الرحمن يدل على الرحمة،

стр. 4204

العزيز يدل على العزة، الرؤوف يدل على الرأفة، السميع يدل على أنه يسمع دعوات عباده وكلامهم، والبصير الذي يراهم ويشاهد أحوالهم إلى غير ذلك، فهي أسماء عظيمة حسنى دالة على معان عظيمة كلها حق، وكلها ثابتة لله سبحانه على وجه يليق به سبحانه، لا شبيه له فيها ولا نظير، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) والصحابة رضوان الله عليهم وأتباع الرسول ﵊ كلهم مجمعون على إثبات الأسماء والصفات، وأنها حق ثابتة لله تعالى على وجه يليق به بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن الاستواء، والنزول، والسمع والبصر، والكلام وسائر الصفات كلها حق، وهكذا سائر الأسماء حق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) أي اسألوه بها فهو يدعى ويسأل بأسمائه: يا رحمان يا رحيم، يا عزيز يا غفور، اغفر لي، ارحمني، فرج كربتي، إلى غير ذلك. كما أنه يدعى أيضا بتوحيده والإيمان به، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (٤) وكما في الحديث: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (٥) » فهو يسأل بتوحيده والإيمان به، واعتراف العبد

стр. 4205

بأنه ربه الله ومعبوده الحق. وهكذا يسأل بالأعمال الصالحات، ويتوسل إليه بها فهذا كله من أسباب الإجابة كما سأله أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة وهم قوم دخلوا غارا للمبيت فيه والاتقاء من المطر، فأنزل الله عليهم صخرة سدت الغار عليهم، فلم يستطيعوا رفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن يخلصكم من هذه الصخرة إلا الله بسؤالكم الله بأعمالكم الصالحة، فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم الصخرة فخرجوا، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ وهذا من آياته العظيمة ، ومن الدلائل على قدرته العظيمة. فهو يحب من عباده من يتوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمالهم الطيبة، أما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بذات فلان، فهذا بدعة. ولهذا لما توفي النبي ﷺ وكانوا يتوسلون بدعائه في حياته، فيقولون يا رسول الله أدع الله لنا، ويدعو لهم ﷺ كما وقع في أيام الجدب وكان على المنبر، فطلبوا أن يدعو الله لهم، فدعى الله لهم واستجاب الله له وفي بعض الأحيان كان يخرج إلى الصحراء، فيصلي ركعتين ثم يخطب ويدعو. فلما توفي ﷺ عدل عمر إلى عمه العباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقام العباس ودعا فأمنوا على دعائه فسقاهم الله. ولو كان التوسل بالذات أو الجاه مشروعا لما عدل عمر والصحابة ﵃ إلى العباس، ولتوسل الصحابة بذاته؛ لأن

стр. 4206

ذاته عظيمة ﵊ حيا وميتا. والمقصود من هذا أن الرسول ﷺ صان هذا التوحيد وحماه، وبين أن الواجب على الأمة إخلاص العبادة لله وحده، وأن يتوجهوا إليه جل وعلا بقلوبهم وأعمالهم في عبادتهم، وألا يعبدوا معه سواه لا نبيا ولا ملكا ولا جنيا ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك. والله سبحانه أوجب على عباده ذلك في كتابه الكريم، وعلم الأمة ذلك أن يعبدوه وحده، ويتوجهوا إليه وحده، والرسول ﷺ أكمل ذلك وبلغ البلاغ المبين، وحمى حمى التوحيد، وحذر من وسائل الشرك، فوجب على الأمة أن تخلص لله العبادة، فالعبادة حق الله وحده وليس لأحد فيها نصيب، كما قال الله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال النبي ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٧) » متفق على صحته.

стр. 4207

وهذا أمر معلوم بالنصوص من الكتاب والسنة وبالضرورة، ولهذا يجب على علماء الحق أن يبذلوا وسعهم في تبيين هذا الحق بالكتب والرسائل ووسائل الإعلام، والخطب والمواعظ، وبسائر الوسائل الممكنة؛ لأنه أعظم حق وأعظم واجب، ولأنه أصل الدين وأساسه كما تقدم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4208

أسئلة وأجوبتها بعد تعليق سماحته س ١: ما حكم الذبائح التي تكون في المولد، والأذكار وضرب الطبول؟ ج ١: هذه كلها بدعة يجب تركها كما نص عليها أهل العلم، ولم توجد في عهده ﷺ ، ولم يأمر بها، ولم يفعلها لا هو ولا أصحابه ﵃ ولا السلف الصالح، لم يعرفوا هذه البدعة وهي الاحتفال بالموالد، فلم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ ولا بمولد الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم، وإنما هذه بدعة حصلت بسبب الرافضة الفاطميين في القرن الرابع وما بعده، ثم تبعهم بعض الناس، فانتشرت هذه البدعة بسبب الجهل، وكثير من الناس يروجونها ويحثون عليها وهؤلاء ممن يعين على الباطل والواجب الانتباه لذلك والحذر منه، فلا يجوز حضورها ولا مشاركتهم في ولائمهم، ويجب تحذيرهم من ذلك وبيان أن هذا خطأ وأنها بدعة، وأن الاحتفال بالموالد من أسباب الشرك، فكثير من هؤلاء ينتشر بينهم أنواع الشرك الأكبر، هذا يدعو

стр. 4209

النبي ﷺ ، وهذا يدعو الحسين ﵁، وهذا يدعو البدوي. فالحاصل أنها بدعة ومن وسائل الشرك، ويكون فيها منكرات كثيرة في كثير من المجتمعات وفي كثير من البلدان. وقد قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤) » متفق على صحته. وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » وأخرجه مسلم في صحيحه. وكان يقول ﷺ في خطبة الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٦) » أخرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 4210

أما بالنسبة للذبائح فمختلف، فإن كان ذبحها لصاحب المولد فهذا شرك أكبر، أما إن كان ذبحها للأكل فلا شيء في ذلك، لكن ينبغي ألا يؤكل منها، وأن لا يحضر المسلم إنكارا عليهم بالقول والفعل؛ إلا أن يحضر لنصيحتهم بدون أن يشاركهم في أكل أو غيره. والله ولي التوفيق.

стр. 4211

س ٢: هل من أسماء الله ما يجمع اسما وصفة؟ ج ٢: كل أسماء الله على الذات والصفة، حتى كلمة الجلالة (الله) فإنها تدل على الذات وعلى الألوهية، فهو سبحانه الإله الذي يدعى ويعبد ويخضع له، ويستحق العبادة بجميع أنواعها، كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) وهكذا بقية الأسماء فكلها أسماء وصفات.

стр. 4212

س ٣: الشيوعيون والملاحدة في عصرنا ينكرون وجود الله، ألا يعتبر هذا إنكارا لتوحيد الربوبية وخلاف ما قاله بعض أهل العلم، بأن أحدا من الكفار لم ينكر توحيد الربوبيه؟ ج ٣: ذكر العلماء أن توحيد الربوبية أمر معترف به عند الأمم، وإنما أنكره شواذ من الناس لا عبرة بهم، منهم المجوس حيث قالوا: إن هناك إلهين النور والظلمة، وأن النور أعظم من الظلمة وأنه خلق الخير،

стр. 4213

وأن الظلمة خالقة الشر، وأما إنكار الآلهة بالكلية فهذا قد قاله مكابرة فرعون، وهكذا الفلاسفة الأقدمون والملاحدة معروفون بأنهم يرون الأفلاك آلهة، وأن لها حركتها المعروفة، لكن جمهور المشركين وعامتهم يقرون بالرب، وأن هناك ربا خلق ورزق وهو في العلو، وإنما تقربوا إليه بما فعلوا من الشركيات. وكفار قريش أنكروا المعاد، وهم يقرون بأن الله ربهم وخالقهم، ولكنهم أشركوا في العبادة وأنكروا المعاد. وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وأنكروا الجنة والنار فبعث الله محمدا ﷺ إليهم وإلى غيرهم من الجن والإنس بإرشادهم إلى الحق، وإنكار ما هم عليه من الباطل، فاتبعه من أراد الله له السعادة، وكفر به الأكثرون كغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. س ٤: كيف نرد على من قال: إنكم تقولون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا بالثلث الأخير من الليل فإن ذلك يقتضي تركه العرش؛ لأن ثلث الليل الأخير ليس في وقت واحد على أهل الأرض؟

стр. 4214

ج ٤: هذا كلام رسول الله ﷺ فهو القائل ﵊ «ينزل ربنا تبارك وتعالي إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر (١) » متفق على صحته، وقد بين العلماء أنه نزول يليق بالله وليس مثل نزولنا، لا يعلم كيفيته إلا هو فهو ينزل كما يشاء ولا يلزم من ذلك خلو العرش فهو نزول يليق به ﷻ ، والثلث يختلف في أنحاء الدنيا وهذا شيء يختص به تعالى لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٣) وقال في آية الكرسي: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله، فعلينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله، ومع كونه استوى على العرش، فهو ينزل كما يليق به ليس كنزولنا إذا نزل فلان من السطح خلا منه السطح، وإذا نزل من السيارة خلت منه السيارة فهذا قياس فاسد له، لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته.

стр. 4215

كما أننا نقول استوى على العرش على الوجه الذي يليق به سبحانه ولا نعلم كيفية استوائه فلا نشبهه بالخلق ولا نمثله وإنما نقول: استوى استواء يليق بجلاله وعظمته ولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك حيرة عظيمة حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية حتى قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم ولا كذا ولا كذا حتى وصفوه بصفات معناها العدم وإنكار وجوده سبحانه بالكلمة ولهذا ذهب أصحاب رسول الله ﷺ وأهل السنة والجماعة تبعا لهم فأقروا بما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة وقالوا لا يعلم كيفية صفاتة إلا هو سبحانه، ومن هذا ما قاله مالك ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) يعني عن الكيفية- ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة ﵂ عن ربيعه بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمهما الله: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بذلك واجب) . ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات كثيرة ومن اعتقادات لأهل الباطل كثيرة عديدة، وحسبنا أن نثبت ما جاء في النصوص وأن لا نزيد على ذلك هكذا نقول: يسمع ويتكلم ويبصر، ويغضب ويرضى على وجه يليق به سبحانه- ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو، وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة، وطريق العلم وهو مذهب السلف الصالح وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم، وبذلك يسلم المؤمن من شبهات المشبهين، وضلالات المضللين، ويعتصم بالسنة والكتاب المبين، ويرد علم الكيفية إلى ربه . والله سبحانه ولي التوفيق.

стр. 4216

التوحيد أولا (١) س: هل يكفي النطق بالركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أم لا بد من أشياء أخرى حتى يكتمل إسلام المرء؟ ج: إذا شهد الكافر أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عن صدق بذلك ويقين وعلم بما دلت عليه وعمل بذلك دخل في الإسلام ثم يطالب بالصلاة وباقي الأحكام، ولهذا لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن قال له: «ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعملهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم (٢) » فلم يأمرهم بالصلاة والزكاة إلا بعد التوحيد والإيمان بالرسول ﷺ ، فإذا فعل الكافر ذلك صار له حكم المسلمين، ثم يطالب بالصلاة وبقية أمور الدين وإذا امتنع عن ذلك صارت له أحكام أخرى، فإن ترك الصلاة استتابه ولي الأمر فإن تاب وإلا قتل وهكذا بقية الأحكام يعامل فيها بما يستحق.

стр. 4217

أمور التوحيد.. لا عذر فيها (١) س: هل هناك عذر بالجهل في أمور التوحيد التي هي صلب الدين وما حكم تكفير المعين لمن يقع في الأمور الشركية بجهله؟ ج: أمور التوحيد ليس فيها عذر ما دام موجودا بين المسلمين، أما من كان بعيدا عن المسلمين وجاهلا بذلك فهذا أمره إلى الله، وحكمه حكم أهل الفترات يوم القيامة، حيث يمتحن، أما من كان بين المسلمين ويسمع قال الله وقال رسوله، ولا يبالي ولا يلتفت، ويعبد القبور ويستغيث بها أو يسب الدين فهذا كافر، يكفر بعينه، كقولك فلان كافر، وعلى ولاة الأمور من حكام المسلمين أن يستتيبوه فإن تاب وإلا قتل كافرا، وهكذا من يستهزئ بالدين، أو يستحل ما حرم الله: كأن يقول الزنى حلال أو الخمر حلال، أو تحكيم القوانين الوضعية حلال، أو الحكم بغير ما أنزل الله حلال، أو أنه أفضل من حكم الله، كل هذه ردة عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك، فالواجب على كل حكومة إسلامية أن تحكم بشرع الله، وأن تستتيب من وجد منه ناقض من نواقض الإسلام من رعيتها فإن تاب وإلا وجب قتله، لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢) » أخرجه البخاري في صحيحه، وفي الصحيحين «عن معاذ بن جبل ﵁ أنه أمر بعض الولاة بقتل المرتد إذا لم يتب وقال: إنه قضاء الله ورسوله (٣) » . والواجب أن يكون ذلك بواسطة ولي الأمر بواسطة المحاكم الشرعية حتى ينفذ حكم الله على علم وبصيرة بواسطة ولاة الأمر أصلح الله حال الجميع إنه سميع قريب.

стр. 4218

كلمة توجيهية في الدورة الرابعة والثلاثين للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عام (١٤١٦ ه ـ) (١) بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد: فإنني أشكر الله على ما من به علينا في هذا المجلس لإنهاء أعمالنا المهمة العظيمة المتعلقة بمصالح المسلمين عموما ودولهم، ونسأل الله أن يتقبل منا ما بذلنا من الجهود في ذلك، وأن ينفع بهذه الجهود جميع المسلمين في كل مكان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين في كل مكان في الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، كما أسأله سبحانه أن يضاعف الأجر لجميع أعضاء هذا المجلس وأن يعينهم على كل خير وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين. وإنني بهذه المناسبة أوصي جميع دول المسلمين ورؤساء حكوماتهم أوصيهم جميعا بتقوى الله وأن يحكموا شريعة الله في عباد الله وأن يحسنوا إلى شعوبهم ويوجهوهم إلى الخير، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر؛ لأن هذا هو أهم واجب على الرؤساء والأعيان لأن الله

стр. 4219

جل وعلا يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) ويقول النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٢) » . فالإمام راع ومسئول عن رعيته، فالرعاة مسئولون، فالأمراء هم قادة الناس، سواء كانوا ملوكا أو رؤساء جمهوريات وهكذا غيرهم من الرؤساء والأعيان حتى رؤساء العشائر، ورؤساء الشعوب ومديري الشركات كلهم مسئولون يجب عليهم أن يتقوا الله وأن يؤدوا الأمانة التي اؤتمنوا عليها، وعلى الأمراء والرؤساء أن يتقوا الله في تحكيم الشريعة بين الناس والتزامهم بأحكامها وأخذهم بها وأمرهم بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا هو واجبهم جميعا، فعليهم أن يتقوا الله وأن يقيموا دين الله بينهم وأن يقيموا حدود الله في رعاياهم، هكذا تكون الدول الإسلامية، وهكذا يجب أن يكون أمراء المسلمين أن يتقوا الله وينفذوا أحكام الله في عباد الله وأن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر وأن يعينوا العلماء ويشجعوهم على تبليغ رسالة الله ودعوة الله وتعليم الناس الخير وتفقيههم في الدين حتى يكون العلماء والأمراء متعاونين على البر والتقوى متناصحين باذلين كل مستطاع في توجيه الناس وإرشادهم إلى الخير، ونسأل الله أن يوفق العلماء في كل مكان لما يرضيه وأن

стр. 4220

يعينهم على تبليغ رسالة الله إلى عباد الله وأن يمنحهم المزيد من الفقه في الدين والعلم النافع وأن ينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة، كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسلمين شبابا وشيبا رجالا ونساء لكل ما يرضيه وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يعينهم على كل خير، وأن يعيذنا وإياهم وإياكم من شرور الفتن، ومن شرور النفس، وسيئات العمل إنه جل وعلا جواد كريم. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك الكريم فهد بن عبد العزيز أعماله المباركة لدعم هذه الرابطة وإعانتها على تبليغ رسالتها ودعمها بكل ما يعينها على أداء المهمة التي أوكلت إليها، كما أشكره أيضا وحكومته على جهودهم العظيمة فيما يتعلق بمصالح المسلمين ودعم قضاياهم في كل مكان وإعانتهم على ما يرضي الله ويقرب إليه فنسأل الله أن يزيده من الخير، وأن يمن على خادم الحرمين الشريفين بالشفاء والعافية، وأن ينصر به الحق وأن يوفق جميع المسئولين في حكومته لكل ما يرضي الله ويقرب لديه، ولكل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة. ثم لا يفوتني أن أشكر هذه الرابطة وأمينها والعاملين معه، نشكرهم جميعا على جهودهم الطيبة وأعمالهم المباركة، ونسأل الله لهم المزيد من كل خير والإعانة على كل خير ونسأل الله أن يمنحهم الفقه في الدين والبصيرة وأن يعينهم على أداء مهمتهم على الوجه الذي يرضي الله وينفع عباده.

стр. 4221

وأشكر الأمين الجديد على أعماله في هذه الدورة، وأسأل الله له المزيد من كل خير وأن يجعله مباركا أينما كان، وأن يعينه على مهمته على الوجه الذي يرضيه . كما لا يفوتني أن أشكر الأمين العام السابق \ د. أحمد محمد علي على جهوده الطيبة وأعماله المباركة، وأسأل الله أن يعينه على مهمته في البنك التي سار إليها أخيرا، وأن ينفع به المسلمين وأن يوفقنا جميعا لكل ما يرضيه، وأن يحسن لنا جميعا الختام، وأن يعيذنا جميعا من كل ما يغضبه ويقرب من سخطه، وأن يمنحنا الهداية والتوفيق والصلاح في القول والعمل إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 4222

الحث على العناية بكتاب الله وتعلمه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فإني أشكر الله سبحانه على هذا اللقاء بأبنائي الكرام على تعلم القرآن الكريم وحفظه، والدعوة إليه والعمل به، ولا ريب أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، أوحاه إلى عبده ورسوله وخاتم أنبيائه محمد بن عبد الله ﵊، وفيه الحجة على جميع عباده. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٥) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٨) وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٩)

стр. 4223

فالواجب على جميع المكلفين العمل بهذا الكتاب والسير على توجيهه وما بين الله فيه سبحانه، والحذر من مخالفة ذلك، كما يجب عليهم أيضا العمل بسنة الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وأخبر سبحانه أنه أرسله إلى جميع الناس جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣) فالهداية باتباعه ﷺ واتباع ما جاء في كتاب الله ، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) وقال النبي الكريم ﵊: «بعثت إلى الناس عامة (٦) » .

стр. 4224

فالواجب على جميع المكلفين التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﵊. وفي حديث آخر: «وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به (١) » . والله خلق الخلق ليعبدوه قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وأمرهم بذلك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣) وأرسل رسله بذلك قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وهذه العبادة هي طاعة الله، وهي توحيد الله وهي تقوى الله، وهي البر والهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٥) فلا بد من تعلم هذه العبادة والتبصر فيها، وهي دين الإسلام فأنت مخلوق للعبادة فعليك أيها الرجل وعليك أيتها المرأة عليكما جميعا أن تتعلما هذه العبادة وأن تعرفاها جيدا حتى تؤدياها على بصيرة، وهذه العبادة هي دين الإسلام، وهي الحق والهدى، وهي تقوى الله وتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته. هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها. سمى الله دينه عبادة؛ لأن العبد يؤديها في الدنيا بخضوع لله وانكسار، فدين الإسلام

стр. 4225

كله عبادة وتقوى لله، والصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والجهاد عبادة، وهكذا جميع ما فرض الله علينا عبادة تؤدى لله وطاعة لله، فهذا الدين العظيم دين الإسلام: هو العبادة التي أنت مخلوق لها، وهي التقوى، وهي البر والهدى، فالواجب على جميع الثقلين جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم أن يتقوا الله وأن يعبدوه بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإخلاص له، وعدم عبادة سواه، فيجب على كل مكلف أن يصرف عبادته لله وحده، وهذا معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٣) فهذا معنى لا إله إلا الله، والإله هو الذي تألهه القلوب وتعظمه بأنواع العبادة، ولا يستحق ذلك إلا الله وحده، ولا تصح العبادة لغيره، فيجب على أهل الأرض الجن والإنس وجميع المكلفين من ذكور وإناث من عرب وعجم، يجب على الجميع أن يعبدوا الله وأن يتقوه، وأن يطيعوا أوامره، وأن ينتهوا عن نواهيه، وأن يقفوا عند حدوده عن إخلاص وصدق ورغبة ورهبة؛ لأنهم خلقوا لهذه العبادة، وخلقوا ليتقوه ويطيعوه، وخلقوا لدين الإسلام الذي هو عبادة

стр. 4226

الله وأمروا بذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) هذا الإسلام الذي رضيه الله لنا ولن يقبل منا سواه هو عبادة الله وتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته قولا وعملا وعقيدة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) ولا سبيل إلى هذا العلم ومعرفة هذه العبادة إلا بالله ثم بالتعلم والتفقه والدراسة حتى تعلم دين الله الذي خلقت له وهو دين الإسلام وتوحيد الله وطاعته، فيجب التعلم والتفقه والعناية بالقرآن الكريم والسنة حتى تعلم هذه العبادة التي أنت مخلوق لها، وحتى تقوم بذلك وتعمل بذلك عن إخلاص لله ومحبة لله وعن تعظيم لله في جميع الأحوال، يجب أن تستقيم على توحيده وطاعته واتباع شريعته وترك ما نهى عنه: أبدا أبدا، وأينما كنت حتى تموت على ذلك. قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥) أي الموت، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٧) هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها، تقوى الله،

стр. 4227

والاعتصام بحبله، والاستقامة على دينه. ومن وسائلها أن تعنى بكتاب الله، وأن تدرس كتاب الله وأن تتفقه فيه وفي سنة رسول الله ﷺ لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق على صحته، وأنا أهنئ القائمين على مدارس الجيل لعنايتهم بكتاب الله، وإني أشكر هم على ما يقومون به نحو تعظيم كتاب الله، وتعليمه للأجيال، فإن هذا هو طريق السعادة لمن استقام على ذلك، وأخلص في ذلك، نسأل الله أن يعينهم على ما فيه رضاه وعلى ما فيه سعادتهم، وما فيه توفيقهم للفقه في الدين. وإنني أهيب بجميع الدارسين والمدرسين إلى أن يعنوا بكتاب الله أستاذا وطالبا وموظفا، وأنصح الجميع أن يعنوا بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا وحفظا. ففي كتاب الله الهدى والنور كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) فهذا الكتاب العظيم فيه الهدى والنور، وكل حرف بحسنة، وكل من تعلم حرفا فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها.

стр. 4228

وأوصي الجميع بالعناية بكتاب الله دراسة وتلاوة وتدبرا وحرصا على معرفة المعنى وعملا بذلك، مع الحفظ لما تيسر من كتاب الله، وهو أعظم كتاب وأصدق كتاب، فقد أنزله الله رحمة للناس وشفاء لما في الصدور، وجعل الرسول أيضا رحمة للعالمين وهداية للبشر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) فيجب أن نتعلم هذا الكتاب ونتفقه فيه حتى نعلم ما خلقنا له فنعلم العبادة التي خلقنا لها حتى نستقيم عليها، وهكذا السنة سنة الرسول ﷺ نتعلمها ونحفظها ونتفقه فيها، ونسأل عما أشكل علينا والطالب يسأل عما أشكل عليه من كتاب الله وسنة رسوله. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فتعلم كتاب الله من أعظم نعم الله، فهنيئا لكل طالب يعنى بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا، وهذه نعمة عظيمة. وإني أوصيكم بالاستقامة على هذا الخير العظيم، وسؤال الله التوفيق والإخلاص في ذلك لله والعناية

стр. 4229

بالتفقه في كتاب الله والتفقه في سنة رسوله ﷺ مع العمل بأداء فرائض الله وترك محارم الله والمسارعة إلى كل خير والحذر من كل شر مع الإكثار من تلاوة كتاب الله ومدارسته والتفقه فيه، ومراجعة كتب التفسير المفيدة كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي، وغيرهم لمعرفة الحق ولمعرفة ما أشكل عليكم، وينبغي للطالب أن يسأل أستاذه عما أشكل عليه عن قصد صالح ورغبة، كي يتفقه في كتاب الله، وعلى الأستاذ أن يعنى بذلك للتلاميذ من جهة توجيههم وتعليمهم الخير والعمل، وأن يكونوا شبابا صالحين يتعلمون ويعلمون ويسارعون إلى كل خير، فأهم شيء بعد الشهادتين هو أداء الصلوات الخمس، والمحافظة عليها في مساجد الله في الجماعة. ويجب على أهل العلم أن يكونوا قدوة في ذلك، العالم وطالب العلم يجب أن يكونوا قدوة، وأن يكونوا مسارعين إلى أدائها في الجماعة حتى يتأسى بهم غيرهم ويحتذي حذوهم في ذلك. فالعلماء ورثة الأنبياء وعلى رأسهم الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم. والعلماء بعد الرسل هم خلفاؤهم، يدعون إلى الله بالقول والعمل والسيرة. والطلبة كذلك - طلبة العلم - يجب عليهم أن يعلموا ويعملوا، وأن يكونوا قدوة لغيرهم وأن تظهر عليهم آثار العلم والتعلم والتفقه في دين الله وفي كتاب الله.

стр. 4230

نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يمنحنا جميعا الفقه في الدين، وأن يرزقنا العناية بكتابه وسنة رسوله ﵊ والعمل بهما، والدعوة إليهما، والتواصي بهما قولا وعملا وعقيدة وتفقها، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان، كما نسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين، في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق حكام المسلمين وأمراءهم لما فيه رضاه، ويصلح أحوالهم ويمنحهم الاستقامة على دينه وتحكيم شريعته. كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في المملكة العربية السعودية لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة وأن يجعلهم من الهداة المهتدين، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين وحزبه المفلحين إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 4231

بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة [أوضح سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية حقوق ولاة الأمور، ووجوب طاعتهم في غير معصية الله تعالى مستشهدا بما جاء في ذلك من الآيات والأحاديث النبوية وأشار سماحته إلى أصول الدعوة الإسلامية في الدولة السعودية محذرا من الدعوات الباطلة والضالة واصفا أصحابها بأنهم دعاة شر عظيم وجاء ذلك خلال ندوة عقدت بالجامع الكبير بالرياض مساء الخميس ليلة الجمعة ١ \ ٥ \ ١٤١٧ هـ تحت عنوان: " بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة بالأدلة من الكتاب والسنة، وبيان ما يترتب على الإخلال بذلك " حيث قال:] . الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فلا ريب أن الله جل وعلا أمر بطاعة ولاة الأمر والتعاون معهم على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، فقال جل وعلا:

стр. 4232

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) هذا هو الطريق؛ طريق السعادة، وطريق الهداية، وهو طاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة ولاة الأمور في المعروف من طاعة الله ورسوله، ولهذا قال جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فطاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، فإن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء، والواجب طاعتهم في المعروف، أما إذا أمروا بمعصية الله سواء كان أميرا أو ملكا أو عالما، أو رئيس جمهورية، أو غير ذلك، فلا طاعة له في ذلك كما قال النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف (٣) » والله يقول: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٤) يخاطب النبي ﵊، ويقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) فالله أمر بالتقوى، والسمع، والطاعة، يعني: في المعروف، لذا فإن النصوص يشرح بعضها بعضا، ويدل بعضها على بعض فالواجب على جميع المكلفين التعاون مع ولاة

стр. 4233

الأمور في الخير، والطاعة في المعروف، وحفظ الألسنة عن أسباب الفساد، والشر، والفرقة، والانحلال، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) أي: ردوا الحكم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله ﷺ في اتباع الحق والتلاقي على الخير والتحذير من الشر، هذا هو طريق أهل الهدى، وهذا هو طريق المؤمنين. أما من أراد دفن الفضائل والدعوة إلى الفساد والشر ونشر كل ما يقال مما فيه قدح بحق أو باطل فهذا هو طريق الفساد، وطريق الشقاق، وطريق الفتن، أما أهل الخير والتقوى فينشرون الخير ويدعون إليه ويتناصحون بينهم فيما يخالف ذلك حتى يحصل الخير ويحصل الوفاق والاجتماع والتعاون على البر والتقوى لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) ومعلوم ما يحصل من ولاة الأمر المسلمين من الخير والهدى والمنفعة العظيمة. من إقامة الحدود، ونصر الحق، ونصر المظلوم وحل المشاكل، وإقامة الحدود، والقصاص والعناية بأسباب الأمن والأخذ على يد السفيه والظالم، إلى غير هذا من المصالح العظيمة، وليس الحاكم معصوما إنما العصمة للرسل عليهم الصلاة

стр. 4234

والسلام فيما يبلغون عن الله ، لكن الواجب التعاون مع ولاة الأمور في الخير والنصيحة فيما قد يقع من الشر والنقص، هكذا فهم المؤمنون، وهكذا أمر الرسول ﷺ . أمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور، والنصيحة لهم، كما قال رسول الله ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (١) » الحديث، ويقول ﵊: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: يا رسول الله لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢) » وقال ﵊: «من ولي عليه وال فرآه يأت شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة (٣) » ولما سئل عن ولاة الأمر الذين لا يؤدون ما عليهم قال ﷺ : «أدوا الحق الذي عليكم لهم وسلوا الله الذي لكم (٤) » فكيف إذا كان ولاة الأمور حريصين على إقامة الحق، وإقامة العدل، ونصر المظلوم، وردع الظالم، والحرص على استتباب الأمن، وعلى حفظ نفوس المسلمين ودينهم وأموالهم وأعراضهم، فيجب التعاون معهم

стр. 4235

على الخير وعلى ترك الشر ويجب الحرص على التناصح والتواصي بالحق حتى يقل الشر ويكثر الخير. وقد من الله على هذه البلاد بدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ومناصرة جد هذه الأسرة الإمام محمد بن سعود ﵀ لهذه الدعوة، وحصل بذلك من الخير العظيم ونشر العلم والحق، ونشر الهدى، والقضاء على الشرك، وعلى وسائل الشرك، وعلى قمع أنواع الفساد من البدع والضلالات ما يعلمه أهل العلم والإيمان ممن سبر هذه الدعوة، وشارك فيها، وناصر أهلها. فصارت هذه البلاد مضرب المثل في توحيد الله والإخلاص له، والبعد عن البدع والضلالات، ووسائل الشرك حتى جرى ما جرى من الفتنة المعلومة التي حصل بسببها العدوان على هذه الدعوة وأهلها، ثم جمع الله الشمل على يدي الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود والد الإمام فيصل بن تركي رحمة الله على الجميع، ثم على يد ابنه فيصل بن تركي، ثم على يد ابن ابنه عبد الله بن فيصل بن تركي ثم حصلت فجوة بعد موت الإمام عبد الله بن فيصل ﵀ فجاء الله بالملك عبد العزيز ونفع الله به المسلمين، وجمع الله به الكلمة، ورفع به مقام الحق، ونصر به دينه، وأقام به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحصل به من العلم العظيم والنعم الكثيرة، وإقامة العدل، ونصر الحق، ونشر الدعوة إلى الله ما لا يحصيه إلا الله ، ثم سار على ذلك أبناؤه من بعده في إقامة الحق، ونشر العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 4236

فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة التعاون مع هذه الدولة في كل خير وهكذا كل من يقوم بالدعوة إلى الله ونشر الإسلام والدعوة إلى الحق يجب التعاون معه في المشارق وفي المغارب، فكل دولة تدعو للحق، وتدعو إلى تحكيم شريعة الله، وتنصر دين الله يجب التعاون معها أينما كانت. وهذه الدولة السعودية دولة مباركة نصر الله بها الحق، ونصر بها الدين، وجمع بها الكلمة، وقضى بها على أسباب الفساد وأمن الله بها البلاد، وحصل بها من النعم العظيمة ما لا يحصيه إلا الله، وليست معصومة، وليست كاملة، كل فيه نقص فالواجب التعاون معها على إكمال النقص، وعلى إزالة النقص، وعلى سد الخلل بالتناصح والتواصي بالحق والمكاتبة الصالحة، والزيارة الصالحة، لا بنشر الشر والكذب، ولا بنقل ما يقال من الباطل؛ بل يجب على من أراد الحق أن يبين الحق ويدعو إليه، وأن يسعى في إزالة النقص بالطرق السليمة وبالطرق الطيبة وبالتناصح والتواصي بالحق هكذا كان طريق المؤمنين وهكذا حكم الإسلام، وهكذا طريق من يريد الخير لهذه الأمة، أن يبين الخير والحق وأن يدعو إليه، وأن يتعاون مع ولاة الأمور في إزالة النقص، وإزالة الخلل، هكذا أوصى الله جل وعلا بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) ويقول سبحانه:

стр. 4237

﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) فالدين النصيحة، الدين النصيحة، فمن أهم الواجبات التعاون مع ولاة الأمور في إظهار الحق، والدعوة إليه، وقمع الباطل والقضاء عليه وفي نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة بالطرق الشرعية. ويجب على الرعية التعاون مع ولاة الأمور، ومع الهيئات، ومع كل داع إلى الحق، يجب التعاون على الحق وعلى إظهاره والدعوة إليه، وعلى ترك الفساد والقضاء عليه، هذا هو الواجب على جميع المسلمين، بالطرق التي شرعها الله في قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٥) وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٦) وفي قوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٧) الآية. وفي قوله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٨)

стр. 4238

أما ما يقوم به الآن محمد المسعري وسعد الفقيه وأشباههما من ناشري الدعوات الفاسدة الضالة فهذا بلا شك شر عظيم، وهم دعاة شر عظيم، وفساد كبير، والواجب الحذر من نشراتهم، والقضاء عليها، وإتلافها، وعدم التعاون معهم في أي شيء يدعو إلى الفساد والشر والباطل والفتن؛ لأن الله أمر بالتعاون على البر والتقوى لا بالتعاون على الفساد والشر، ونشر الكذب، ونشر الدعوات الباطلة التي تسبب الفرقة واختلال الأمن إلى غير ذلك. هذه النشرات التي تصدر من الفقيه، أو من المسعري أو من غيرهما من دعاة الباطل ودعاة الشر والفرقة يجب القضاء عليها وإتلافها وعدم الالتفات إليها، ويجب نصيحتهم وإرشادهم للحق، وتحذيرهم من هذا الباطل، ولا يجوز لأحد أن يتعاون معهم في هذا الشر، ويجب أن ينصحوا، وأن يعودوا إلى رشدهم، وأن يدعوا هذا الباطل ويتركوه. ونصيحتي للمسعري والفقيه وابن لادن وجميع من يسلك سبيلهم أن يدعوا هذا الطريق الوخيم، وأن يتقوا الله ويحذروا نقمته وغضبه، وأن يعودوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى الله مما سلف منهم، والله سبحانه وعد عباده التائبين بقبول توبتهم، والإحسان إليهم، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 4239

والمقصود أن الواجب على جميع المسلمين التعاون مع ولاة الأمور في الخير والهدى والصلاح حتى يحصل الخير ويستتب الأمن، وحتى يقضى على الظلم، وحتى ينصر المظلوم، وحتى تؤدى الحقوق، هذا هو الواجب على المسلمين التعاون مع الولاة، ومع القضاة، ومع الدعاة إلى الله، ومع كل مصلح في إيجاد الحق، والدعوة إليه وفي نصر المظلوم، وردع الظالم وإقامة أمر الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والتخلص من الباطل، ويجب التعاون والتناصح لمن حاد عن الخير فينصح ويوجه إلى الخير وأسباب النجاة حتى يحصل الخير العظيم، والمصالح العامة، وحتى يقضى على الفساد والشر والاختلاف بالطرق الشرعية، والناس في خير ما تناصحوا وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا تعاونوا على الباطل وعلى الشر والفساد ساد البلاء ونزع الأمن وانتصر الباطل، ودفن الحق وهذا هو الذي يحبه الشيطان والذي يدعو إليه شياطين الإنس والجن، فالواجب الحذر مما يدعو إليه شياطين الإنس والجن، والتواصي بكل أسباب الأمن، وبكل أسباب الخير والهدى، والتواصي بالتعاون مع ولاة الأمور، في كل خير، ومع كل من يدعو إلى الخير، وإقامة أمر الله، وفي نصر الحق وفي إقامة المعروف، والتعاون مع كل مصلح فيما يدحض الباطل وفي التحذير من الباطل، والتحذير من أسباب الفرقة والاختلاف.

стр. 4240

هذا هو الواجب كما قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٥) هذا هو الذي فيه النجاة والإيمان الصادق والعمل الصالح والعاقبة الحميدة، وبهذا يكثر الخير ويحصل التعاون على البر والتقوى، ويدحض الشر، وتأمن البلاد، ويستتب الأمن، ويحصل التعاون على الخير، ويرتدع السفيه المفسد، وينتصر صاحب الحق وصاحب الهدى. ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفق الجميع للخير وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يعيذنا وإياهم من شرور النفس، وسيئات الأعمال واتباع الهوى، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير وأن يعينهم على كل خير وأن ينصر بهم الحق، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق أعوانهم للخير وأن يعيذهم من كل ما يخالف شرع الله، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين. كما نسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى إنه سميع قريب وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وآله وصحبه.
следующие страницы →