وعلى رأس العلماء بعد الرسل أصحاب الرسول ﵊، فإنهم هم الفقهاء على الكمال الذين تلقوا العلم عن رسول الله ﵊، وتفقهوا في كتاب ربهم، وسنة نبيهم عليه الصلاه والسلام، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم غضا طريا تفقهوا وعملوا، ونقلوا العلم إلى من بعدهم من التابعين، نقلوا كتاب الله إلى من بعدهم لفظا وتفسيرا، وقراءة، إلى غير ذلك، ونقلوا إلى من بعدهم أيضا ما بينه لهم نبيهم ﵊ من معنى كلام الله ، ونقلوا أيضا لمن بعدهم أحاديث الرسول ﷺ التي سمعوها منه، والتي رأوها منه ﵊ والتي أقرهم عليها، نقلوها إلى من بعدهم بغاية الأمانة والصدق، نقلوها إلى الأمة بواسطة الثقات من التابعين حتى نقلت إلينا بالطرق المحفوظة الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك، نقلها الثقات عن الثقات، والثقات عن الثقات، حتى وصلت إلى هذا القرن وما بعده، وهذا من إقامة الحجة من الله على عباده، فإن نقل العلم من طرق الثقات عن الرسول ﷺ ثم عن الصحابة إلى من بعدهم إقامة للحجة وإيضاح للمحجة، ودعوة إلى الحق، وتحذير من الباطل وتبصير للعباد بما خلقوا له من عبادة الله وطاعته جل وعلا، وبهذا يعلم أن لهم من الحق على من بعدهم الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والرضا والحرص على الاستفادة من علومهم، وما جمعوه وألفوه من العلوم النافعة فإنهم سبقوا إلى خير عظيم، وإلى علم جم، سبقوا إلى الفقه في كتاب الله وإلى الفقه في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام
стр. 4272
ونقلوا إلينا ما وصل إليهم من علم بالله وبكتابه وبسنة رسوله ﵊، فوجب علينا أن نعرف لهم قدرهم، وأن نشكرهم على علمهم العظيم، وعلى ما قاموا به من حفظ رسالة الله وتفقيه الناس في دين الله، وأن نستعين بما دونوه، وما خلفوه من الكتب المفيدة والعلوم النافعة حتى نعرف بذلك معاني كلام الله، ومعاني كلام رسوله ﵊.
وإن من أعظم الفائدة ومن أكبر الخير الذي نقلوه إلينا أن حفظوا علينا سنة نبينا ﵊، ونقلوها إلينا طرية غضة سليمة محفوظة، وفيها تفسير كتاب الله، وفيها بيان ما أجمل في كتاب الله، وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول الله ﵊، وهو الوحي من الله إلى النبي وهو السنة المطهرة، فإن الله جل وعلا أعطى نبيه ﷺ القرآن ومثله معه كما قال النبي الكريم ﵊: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه (١) » .
فعلى أهل العلم أن ينقلوا ما جاءت به السنة، وأن يوضحوا ذلك للناس وأن يرشدوهم إلى معاني كلام ربهم وسنة نبيهم ﵊، في الخطب والمواعظ والدروس وحلقات العلم، وغير هذا من أسباب التوجيه والتعليم والإرشاد.
стр. 4273
ولهذا ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر للفائدة والعلم، ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة إلى مصر والشام وإلى العراق واليمن وإلى غير ذلك للفائدة، ولنقل العلم، فتجد الصحابة ﵃ وهم أفضل الناس بعد الأنبياء ينتقلون من بلاد إلى بلاد ليسألوا عن سنة من سنن رسول الله ﷺ فاتتهم ولم يحفظوها، فبلغهم ذلك عن صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه ليسمع ذلك منه ولينتفع بذلك ولينقله إلى غيره من إخوانه في الله التابعين لهم بإحسان.
ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين الله وتفقهوا على الصحابة وسألوهم ﵃ وأرضاهم عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية حتى بصروا الناس وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب الله، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة وبها تعلم معانيها، وبذلك يحصل العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم الله عن ذلك خيرا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، ونفعنا بعلومهم جميعا، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومما يتعلق بهذا حضور حلقات العلم لأنها من طريق أهل العلم، وفي الحديث الصحيح:
стр. 4274
«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر (١) » وقال ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (٢) » وقال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) فهذه أشياء مهمة تتعلق بالفقه والفقهاء، وبطلب العلم في المساجد، وبالرحلة إلى البلدان التي فيها العلماء المعروفون بالاستقامة كل هذا من أسباب تحصيل العلم ومن الطرق التي توصل إليه، وصاحبها يدخل في قوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (٤) » .
فإذا سأل أهل العلم، أو سافر إليهم في بلادهم أو زارهم في بيوتهم وفي المساجد فقد سلك طريقا يلتمس فيه علما، وذكر أهل العلم أن من الطرق المعينة على حفظ العلم: كتابته والعناية بحفظه، كما فعل سلفنا الصالح ﵏ ومن بعدهم من أهل العلم، كل هذا من وسائل تحصيل العلم، ومن الطرق الموصلة إليه، كما أن الرحلة والانتقال من بلد إلى بلد، ومن مسجد إلى مسجد، ومن حلقة إلى حلقة، ومن بيت عالم إلى بيت عالم لطلب العلم وللتفقه في الدين، كل ذلك أنواع وطرق من طرق تحصيل العلم وهي داخلة في قوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما (٥) » الحديث.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 4275
وجوب وقاية النفس والأهل من النار (١)
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فيقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) يأمر الله سبحانه عباده المؤمنين بأن يقوا أنفسهم وأهليهم عذاب الله وذلك بتقوى الله وإلزام الأهل بها.
فالوقاية من النار تكون بتقوى الله، والاستقامة على دينه، وهكذا مع أهلك توصيهم بتقوى الله والاستقامة على دينه؛ من والدين وأولاد وإخوة وسائر الأقارب، وذلك بالتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، وبالتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - هكذا المؤمن مع أهله ومع إخوانه المؤمنين ومع غيرهم - بالدعوة إلى الله ، يسعى في وقاية نفسه، وفي وقاية غيره من عذاب الله، وهذا الأمر يحتاج إلى صبر، وإخلاص لله وصدق، ومداومة، فأحق الناس ببرك وإحسانك أهلك وقراباتك كما قال ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته (٣) » وأعظم الرعاية العناية بما يتعلق بنجاتهم من عذاب الله، بأن توصيهم بتقوى الله وأن
стр. 4276
تلزمهم بأمر الله وأن تحذرهم من محارم الله، وأن تستمر في هذا الخير العظيم حتى تلقى ربك كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) ثم قال سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢) فأمر سبحانه بعد حقه وهو توحيده والإخلاص له وترك الإشراك به، أمر بعد ذلك بالإحسان إلى الوالدين والأقارب وهم أهل بيتك، فالواجب على كل مسلم أن يهتم بهذا الموضوع، وأن يحرص أن يكون سببا لنجاتهم يوم القيامة بسبب نصيحته لهم وقيامه عليهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهكذا يجب على المسلم أن يكون كذلك مع إخوانه المسلمين، وأن يكون ناصحا مبصرا موجها إلى الخير يرجو ثواب الله ويخشى عقابه كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)
هكذا المؤمنون فيما بينهم ومع أهليهم، يقومون بالواجب مع أهليهم ويقومون بالواجب مع إخوانهم المسلمين يرجون ثواب الله ويخشون عقاب الله، وقد قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٤) وذكر سبحانه عن نبيه ورسوله إسماعيل ﵊ أنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا، وكان يأمر أهله
стр. 4277
بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا وذلك في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (١) ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٢) فأهلك وأولادك وقراباتك أحق الناس ببرك وإحسانك، وبالسعي لخلاصهم من النار فهذا من أعظم الإحسان إليهم عملا بالآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٣) فهذا الأمر العظيم أهم من أن تعطيهم الدراهم والدنانير وما يحتاجون إليه في الدنيا، فالسعي في خلاصهم من عذاب الله ونجاتهم من غضب الله يوم القيامة أمر مهم وعظيم، والإحسان إليهم بالصدقات وبالنفقة من جملة الخير الذي أنت مأمور به، ولكن الأهم من ذلك أن توصيهم بطاعة الله وأن تلزمهم بما أوجب الله عليهم حسب طاقتك، وأن تمنعهم مما حرم الله عليهم، وأن تستقيم في ذلك وأن تكون أسوة حسنة، وقدوة طيبة في كل خير، فتبدأ بنفسك، حتى يتأسوا بك في كل خير ومن ذلك المسارعة إلى الصلاة والمحافظة عليها في الجماعة وفي حفظ لسانك عما لا ينبغي، وفي إكرام الأقارب والجيران، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الدعوة إلى الله وفي غير ذلك من وجوه الخير. تكون قدوة حسنة لأهل بيتك ولجلسائك ولزملائك وجيرانك، وهذا المقام يحتاج إلى صبر وإلى إخلاص لله وصدق فهو
стр. 4278
مقام عظيم: مقام دعوة، وإرشاد، ونصح، مقام سعي في خلاصك وأهلك من النار عملا بقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) الآية، ناداهم الله سبحانه بوصف الإيمان لأن الإيمان يأمرهم بهذا الأمر ويدعوهم إليه وإن كان الأمر واجبا على الجميع.
فكل المكلفين واجب عليهم أن يتقوا الله وأن يجتهدوا في خلاصهم وخلاص أهليهم وكل الناس من عذاب الله، فكل مكلف مأمور بذلك، لكن أهل الإيمان أخص بهذا الأمر والواجب عليهم أعظم، لأنهم آمنوا بالله وعرفوا ما يجب عليهم فالواجب عليهم أعظم، ولهذا خاطبهم سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) فاحذروا أن تكونوا من وقودها، ثم قال سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣) المعنى أنهم ينفذون ما أمروا به ليسوا مثل أهل الدنيا قد يخونون وقد تنفع فيهم الرشوة، أما هؤلاء الملائكة فلا يمكن أن يتركوا ما أمروا به بل ينفذون ما أمروا به من إدخالك النار أنت وغيرك، فاحذر أن تلقى ربك وأنت على حال تغضب الله سبحانه عليك وتوجب دخولك النار، ولا بد من عناية مستمرة بهذا الأمر، وصدق وإخلاص، وسؤال لله جل وعلا بأن يعينك، وأن يمنحك التوفيق، ويجب أن تكون قدوة صالحة لأهلك،
стр. 4279
ليروا منك المسارعة والمسابقة إلى الخيرات حتى يتأسوا بك في الخير، ولا بد أن يروا منك أيضا الحذر من السيئات والبعد عنها حتى يتأسوا بك في ترك الشر، وهذه الدار دار مجاهدة، ودار صبر وتعاون على البر والتقوى وتواص بالحق والصبر عليه، أما الدار الأخرى فهي دار الجزاء عما عملت من خير أو شر، وهذه الدار أعني دار الدنيا هي دار العمل، ودار الإعداد، ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤) ويقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٥) » فلا بد من التواصي بالحق، والتناصح والصدق، والصبر حتى تلقى ربك وأنت صابر محتسب مجاهد، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) فالمجاهد في الله الصادق يهديه الله ويعينه ويسدده، فقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ (٧) يعني جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا أعداء الله، وجاهدوا الشيطان، وجاهدوا الشهوات ولهذا أطلق سبحانه الجهاد في
стр. 4280
الآية المذكور ليعم أنواع الجهاد فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ (١) أي في الله ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)
فاجتهد في طاعة ربك وجاهد نفسك حتى تستقيم، وجاهد من تحت يدك حتى يستقيم والله معك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)
نسأل الله أن يجعلنا وجميع المسلمين من المجاهدين في سبيله، ونسأل الله أن يجعلنا جميعا من دعاة الهدى وأنصار الحق، وأن يمنحنا التوفيق والمسارعة إلى كل خير والحذر من كل شر إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
стр. 4281
تنبيه على ما وقع من الغلو في قصيدة
المدعو محمد بدر الدين المنشورة في
مجلة الرابطة عدد ٣٦٨ في شهر جمادى الآخرة
من عام ١٤١٦ ه ـ (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرابطة في عددها المذكور الصادر في شهر جمادى الآخرة من هذا العام من الأبيات المنسوبة إلى محمد المذكور نسأل الله لنا وله الهداية وقد اشتملت على كلمات شركية وجب علي التنبيه عليها لئلا يغتر بها أحد من الناس وهي قوله:
فاسأل الرحمن واشفع ... كي ينال العبد عتقا
وقوله:
فامنح الأحباب قربا ... فامتداد البعد شقا
ففي هذين البيتين يسأل الشاعر من النبي ﷺ الدعاء والشفاعة وأن يمنح الأحباب قربا. ومعلوم أن الأنبياء وغيرهم لا يسألون بعد الموت شيئا، بل سؤالهم ودعاؤهم من الشرك الأكبر وإنما يكون الطلب من الله .
فيطلب المؤمن من الله سبحانه أن يشفع فيه نبيه ﷺ وأن يمنحه القرب لديه وحسن الختام وغير ذلك مما يحتاجه العبد من أمور
стр. 4282
الدنيا والآخرة. أما الأموات والغائبون والجمادات فلا يجوز سؤالهم شيئا لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وكل من دعا ميتا أو غائبا أو جمادا فقد اتخذه إلها مع الله كما كان عباد الأصنام من كفار قريش وغيرهم يعبدون الأصنام والأشجار واللات والعزى ومناة، ويسألونها ويتبركون بها فأنكر الله عليهم ذلك، وحكم عليهم بالكفر في هذه الآية الكريمة وبالشرك في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فأوضح سبحانه أن عملهم شرك ونزه نفسه عن ذلك وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٦) أخبر الله سبحانه في هذه الآية من سورة الزمر أن
стр. 4283
المشركين يقولون عن آلهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) ثم إنهم بهذه العبادة وبهذا القول كذبة كفار، فهي لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه وهم بذلك كفار، فيعلم بذلك أنهم لم يعبدوهم لأنهم يتصرفون في الكون أو لأنهم يخلقون أو يرزقون.
فالمشركون من قريش وغيرهم يعلمون أن ذلك لله وحده وإنما عبدوهم بالدعاء والذبح والنذر والتبرك ليشفعوا لهم عند الله وليقربوهم لديه كما دلت على ذلك الآية الأولى من سورة يونس وهي قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) والآية الثانية من سورة الزمر، وقال سبحانه في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤)
فأوضح سبحانه أن المشركين من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار والكواكب وغيرها لا يسمعون دعاء داعيهم ولو سمعوا ما استجابوا له وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، وإنما قد تحصل لهم بعض مطالبهم عند الأصنام بواسطة الشياطين التي تضلهم وتقضي بعض حوائجهم حتى يظنوا أن ذلك من أصنامهم وآلهتهم ومن هذا قوله
стр. 4284
تعالى في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢)
والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على أن دعاء الأموات والغائبين من الملائكة وغيرهم والأشجار والأحجار والكواكب وسائر الجمادات كله شرك بالله وإن كان قصد الداعي من دعائه إياها أن تشفع له وأن تقربه إلى الله؛ لأن هذا هو قصد المشركين الأولين وقد كفرهم الله بذلك وأمر نبيه ﷺ والمسلمين أن يقاتلوهم حتى يدعوا هذا الشرك ويخلصوا لله العبادة كما قال في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣)
وقد أخبر الله سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه أن المشركين يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون ولم يدخلهم ذلك في الإسلام حتى يخلصوا العبادة لله وحده كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٤) وقال : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٥)
стр. 4285
وقال النبي ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١) » متفق على صحته من حديث معاذ ﵁. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: يا رسول الله ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك (٢) » فأنزل الله في ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٣) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٤) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥)
وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله (٦) » والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والشفاعة والدعاء إنما يطلبان من الحي الحاضر القادر كما كان الصحابة ﵃ يطلبون من النبي ﷺ أن يشفع لهم لدى ربهم : وأن يدعو لهم وأن يستسقي لهم عند الجدب وأن يستغيث لهم
стр. 4286
فاستغاث لهم فأمطروا، وكما سأله رجل أعمى أن يشفع له أن يرد الله عليه بصره فشفع له ﷺ ودعا له حال حياته ﷺ ، وهكذا في يوم القيامة يسأله أهل الموقف أن يشفع لهم إلى الله سبحانه حتى يقضي بينهم فيجيبهم إلى ذلك بعد إذن الله له في ذلك، لأنه حي موجود بينهم، وهكذا يسأله المؤمنون أن يشفع لهم في دخول الجنة فيشفع لهم بعد إذن الله سبحانه له في ذلك، وهكذا يشفع ﵊ يوم القيامة لكثير من عصاة المسلمين الذين دخلوا النار بمعاصيهم بعد إذن الله له في ذلك فيخرجهم الله من النار بشفاعته.
أما بعد الموت وقبل البعث والنشور فلا يجوز سؤاله الشفاعة ولا غيرها ولا يجوز سؤال غيره ذلك من الأنبياء ولا غيرهم من الأموات والغائبين والجمادات كما تقدم بيان ذلك، أما الحي الحاضر القادر فلا بأس أن يسأل ما يقدر عليه مما يجيزه الشرع المطهر، كما أخبر الله سبحانه عن موسى في سورة القصص أنه استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، وكما سأل بعض الصحابة النبي ﷺ ودعا له حال حياته ﷺ ، وهكذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه الحاضر القادر: أعني على كذا كسقي الزرع وبناء البيت ونحو ذلك أو يكاتبه إن كان غائبا أو من طريق الهاتف ونحو ذلك من الطرق الحسية فهذا كله لا بأس به بإجماع المسلمين.
والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعا للفقه في دينه والثبات عليه وأن يولي عليهم خيارهم وأن يصلح قادتهم وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان ومن شر دعاة الضلال والبدع إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأتباعه بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 4287
نصيحة حول الزلازل (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإن الله حكيم عليم فيما يقضيه ويقدره، كما أنه حكيم عليم فيما شرعه وأمر به وهو سبحانه يخلق ما يشاء من الآيات، ويقدرها تخويفا لعباده وتذكيرا لهم بما يجب عليهم من حقه وتحذيرا لهم من الشرك به ومخالفة أمره وارتكاب نهيه كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٢) وقال : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٤) الآية.
وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لما نزل قول الله تعالى قال رسول الله ﷺ : أعوذ بوجهك، قال: قال: أعوذ بوجهك (٧) » .
стр. 4288
وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن مجاهد في تفسير هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (١) قال: الصيحة والحجارة والريح. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (٢) قال: الرجفة والخسف.
ولا شك أن ما حصل من الزلازل في هذه الأيام في جهات كثيرة هو من جملة الآيات التي يخوف الله بها سبحانه عباده. وكل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويسبب لهم أنواعا من الأذى، كله بأسباب الشرك والمعاصي، كما قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤) وقال تعالى عن الأمم الماضية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥)
فالواجب على جميع المكلفين من المسلمين وغيرهم، التوبة إلى الله سبحانه، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم العافية والنجاة في الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاء، ويمنحهم كل خير
стр. 4289
كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٣) ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٤) ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥)
وقال العلامة ابن القيم ﵀ ما نصه: (وقد يأذن الله سبحانه للأرض في بعض الأحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية، والإنابة والإقلاع عن المعاصي والتضرع إلى الله سبحانه، والندم كما قال بعض السلف، وقد زلزلت الأرض: (إن ربكم يستعتبكم) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد زلزلت المدينة، فخطبهم ووعظهم.، وقال: (لئن عادت لا أساكنكم فيها) انتهى كلامه ﵀.
والآثار في هذا المقام عن السلف كثيرة.
فالواجب عند الزلازل وغيرها من الآيات والكسوف والرياح الشديدة والفياضانات البدار بالتوبة إلى الله سبحانه، والضراعة إليه وسؤاله
стр. 4290
العافية، والإكثار من ذكره واستغفاره «كما قال ﷺ عند الكسوف: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره (١) » ويستحب أيضا رحمة الفقراء والمساكين والصدقة عليهم لقول النبي ﷺ : «ارحموا ترحموا (٢) » «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء (٣) » وقوله ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم (٤) » . وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يكتب إلى أمرائه عند وجود الزلزلة أن يتصدقوا.
ومن أسباب العافية والسلامة من كل سوء، مبادرة ولاة الأمور بالأخذ على أيدي السفهاء، وإلزامهم بالحق وتحكيم شرع الله فيهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٧) وقال سبحانه:
стр. 4291
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٣) » متفق على صحته.
وقال ﵊: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٤) » رواه مسلم في صحيحه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يمنحهم الاستقامة عليه، والتوبة إلى الله من جميع الذنوب، وأن يصلح ولاة أمر المسلمين جميعا، وأن ينصر بهم الحق، وأن يخذل بهم الباطل، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، وأن يعيذهم وجميع المسلمين من مضلات الفتن، ونزغات الشيطان إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية الإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4292
من حكمة الله تعالى ابتلاء العباد
بالمصائب والفتن، منها الزلازل (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى كافة إخواني المسلمين وفقني الله وإياهم لفعل ما يرضيه وجنبني وإياهم أسباب سخطه وعقابه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فلقد أنعم الله علينا معشر المسلمين بنعم كثيرة وخيرات وفيرة أهمها وأعظمها نعمة الإسلام تلكم النعمة الكبرى التي لا يعادلها شيء، من عقلها وشكرها واستقام عليها قولا وعملا فاز بسعادة الدنيا والآخرة يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٢) ويقول : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٣) فالواجب على الجميع شكر الله على هذه النعم والحذر من عدم الشكر، قال تعالى ممتنا على عباده: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤) فشكر الله على نعمه جملة وتفصيلا قيد لها
стр. 4293
ووسيلة لدوامها وسبب للمزيد منها قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) وقد «أوصى رسول الله ﷺ معاذ بن جبل ﵁ أن يدعو بهذا الدعاء في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك (٥) » وبشكر الله على نعمه واستعمالها فيما يرضيه تستقيم الأمور وتقل الشرور.
وإن من خير ما تحلى به أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من الصفات الفاضلة هو شكرهم للنعمة وطلبهم التوفيق لذلك، قال الله تعالى عن نبيه سليمان ﵊: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦) وقال مثنيا على نبيه نوح ﵊: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٧)
стр. 4294
ومن علامات شكر النعمة استعمالها في طاعة الله وعدم الاستعانة بها على شيء من معاصيه، وكذا التحدث بها على وجه الاعتراف بها لله والثناء عليه، لا تطاولا وفخرا على من حرمها، ولا رياء وسمعة، وعلى العكس من ذلك كفران النعمة وعدم شكرها فهو نكران للجميل وجحد لفضل المنعم وعامل من عوامل زوالها عمن أنعم الله بها عليه وهو ظلم للنفس يجر عليها أسوأ العواقب قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢) أي دنسها بالمعاصي، وبتقوى الله وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تحصل الخيرات وتندفع الشرور والمكروهات وتدوم النعم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) ومن حكمة الله أنه يختبر عباده فيبتليهم بالخير تارة وبالشر أخرى فيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم وتعلقا بالله ولجوءا إليه ويصبرون على ما قدره الله وقضاه ليتضاعف لهم الأجر والثواب من الله وليخافوا من سوء عاقبة الذنوب فيكفوا عنها، قال الله :
стр. 4295
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) وقال : ﴿الم﴾ (٦) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٧) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (٩) وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١٠) وكل هذه الآيات يبين الله فيها أنه لا بد أن يبتلي عباده ويمتحنهم كما فعل بالذين من قبلهم من الأمم فإذا صبروا على هذا الابتلاء وأنابوا إلى الله ورجعوا إليه في كل ما يصيبهم عند ذلك يثيبهم الله رضاه ومغفرته ويسكنهم جنته ويعوضهم خيرا مما فاتهم، وما
стр. 4296
يحصل في هذا الكون من آيات تهز المشاعر والأبدان كالصواعق والرياح الشديدة والفيضانات المهلكة للحرث والنسل والزلازل وما يسقط بسببها من شامخ البنيان وكبار الشجر وما يهلك بسببها من الأنفس والأموال وما يقع في بعض الأماكن من البراكين التي تتسبب في هلاك ما حولها ودماره وما يقع من خسوف وكسوف في الشمس والقمر ونحو ذلك مما يبتلي الله به عباده هو تخويف منه وتحذير لعباده من التمادي في الطغيان وحث لهم على الرجوع والإنابة إليه واختبار لمدى صبرهم على قضاء الله وقدره ولعذاب الآخرة أكبر ولأمر الله أعظم.
ولما كذبت قريش رسول الله ﷺ وأخبر الله نبيه أنه قد أهلك الأمم المكذبة للأنبياء والمرسلين السابقين عليه في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١) وأنزل بعدها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢) فعلى المؤمنين جميعا أن يتقوا الله ويراقبوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وإذا ما حلت بهم نازلة من النوازل فعليهم أن ينيبوا إلى الله ويرجعوا إليه ويفتشوا في أنفسهم عن أسباب ما حصل لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣)
وعليهم أن يتوبوا إلى الله مما حصل منهم من
стр. 4297
نقص في الطاعات أو اقتراف للسيئات فإن التوبة من أسباب رفع المصائب، وعليهم أن يصبروا ويحتسبوا أجر ما حصل لهم من مصائب عند الله قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) المعنى من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه لليمين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويؤمن أن الله سيعوضه عما فاته في الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه، وكون بعض الحقائق قد تبين أن شيئا من الكسوف أو الخسوف وما أشبههما يعرف بالحساب أو ببعض الأمارات قد يحصل، فهذا لا ينافي قدرة الله وتخويف عباده فهو يوقعها متى شاء، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٦)
وحينما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ وصلى بأصحابه صلاة الكسوف، خطب
стр. 4298
فيهم خطبة بليغة أخبرهم فيها أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده، وأمرهم بالصلاة والصدقة والتكبير والذكر والاستغفار والعتق، وقال في خطبته: «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ويا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا (١) » الحديث، وإن واقع أكثر المسلمين اليوم يدل على استخفافهم بحق الله وما يجب من طاعته وتقواه والمتأمل يسمع ويرى كثيرا من العقوبات للأمم والشعوب، تارة بالفيضانات وتارة بالأعاصير وتارة بالهزات الأرضية وتارة بالمجاعات وتارة بالحروب الطاحنة التي تأكل الرطب واليابس، كما بين في كتابه العزيز بعض أنواع العقوبات التي أنزلها بالعاصين والمنحرفين عن الصراط المستقيم من الأمم السابقة المكذبين لرسلهم ليتعظ الناس ويحذروا أعمالهم، قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢)
وإن للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المضرة بالقلب والبدن والمجتمع والمسببة لغضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة ما لا يعلم تفاصيله إلا الله تعالى، فهي تحدث في
стр. 4299
الأرض أنواعا من الفساد في الماء والهواء والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢) وإن فيما يقع من هذه الكوارث عظة وعبرة، والسعيد من وعظ بغيره، وبالجملة فإن جميع الشرور والعقوبات التي يتعرض لها العباد في الدنيا والآخرة أسبابها الذنوب والمعاصي، وإن من علامات قساوة القلوب وطمسها والعياذ بالله أن يسمع الناس قوارع الآيات وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم مغترين بإمهال ربهم لهم عاكفين على اتباع أهوائهم وشهواتهم غير عابئين بوعيد ولا منصاعين لتهديد قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٣) ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤)
كما أن الاستمرار على معاصي الله مع حدوث بعض العقوبات عليها دليل على ضعف الإيمان أو عدمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٦)
стр. 4300
وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٥)
أيها الإخوة في الله لقد حدث في الأيام القريبة الماضية حدث عظيم فيه عظة وعبرة لمن اعتبر ومن واجب المؤمنين أن يعتبروا بما يحدث في هذا الكون قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٦) ما حدث هو ما سمعنا عنه في الإذاعة وقرأنا عنه في الصحف والمجلات وما شاهده الناس على شاشة التلفاز وتحدث به القريب والبعيد ذلك هو ما تعرض له اليمن الشمالي من الزلازل والهزات التي اجتاحت كثيرا من مدنه وقراه، وما نتج عن ذلك من ذهاب كثير من الأنفس والأموال والممتلكات وخراب الكثير من المساكن وجرح الكثير وبقاء أسر كثيرة فاقدة أموالها ومساكنها وأبناءها وأزواجها، فترمل الكثير من النساء وتيتم الكثير من الأطفال وكل هذا حصل في وقت قصير وهو دليل على عظمة الله وقدرته، وأن العباد مهما تمكنوا في هذه الدنيا وكانت لهم قدرة وقوة وعظمة ضعفاء أمام قدرة الله ﵎.
وإن من الواجب
стр. 4301
على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا أسباب غضبه ونقمته، وندعو الله لموتى إخواننا اليمنيين بالمغفرة والرحمة ولأحيائهم بالسكينة وحسن العزاء وأن يجعل الله ما حصل لهم مكفرا لسيئاتهم ورافعا لدرجاتهم وموقظا لقلوب الغافلين منا ومنهم، كما يجب علينا أن نواسيهم بالتعاون معهم والعطف عليهم ببذل ما ينفعهم من أموالنا إحسانا إليهم وصدقة عليهم جبرا لمصيبتهم وتخفيفا من عظمها عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) وقال ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٤) » . رواه مسلم، وقال ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٥) » وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٦) »
стр. 4302
وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١) » متفق عليه، فعلينا جميعا المبادرة إلى مد يد العون لإخواننا في اليمن وبذل ما نستطيع ليتحقق معنى الأخوة الإسلامية التي أشار إليها الرسول في هذه الأحاديث الصحيحة، ولنحصل على الأجر العظيم الذي وعد الله به المنفقين والمحسنين، وفق الله المسلمين عموما وإخواننا في اليمن خصوصا للصبر والاحتساب، وضاعف لنا ولهم الأجر والثواب، وأنزل على المصابين السكينة والطمأنينة وحسن العزاء، ومن على الجميع بالتوبة النصوح والاستقامة على الحق والحذر من أسباب غضب الله وعقابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
стр. 4303
الخشوع لا يصرف للرسول ﵊ (١)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد نشرت صحيفة المدينة في ملحقها الأسبوعي العدد ١١٨٦٩ في ١٠ \ ٥ \ ١٤١٦ هـ ص ٢٢ قصيدة بعنوان - أتيت أزف أشعاري - لمن سمى نفسه عبده محمد درويش. نسأل الله لنا وله الهداية. وقد قال في هذه القصيدة:
حبيبي رسول الله جئتك خاشعا ... خفيفا بأشواقي ثقيلا بأوزاري
حبيبي رسول الله هل من شفاعة ... وهل يا حبيب الله تقبل أعذاري
ولا يخفى على كل ذي بصيرة ما في قوله " جئتك خاشعا" من صرف الخشوع إلى رسول الله ﷺ .
وفي قوله: " ثقيلا بأوزاري " ما يدل على طلبه تخفيف الأوزار من رسول الله ﷺ .
وفي قوله: " حبيبي رسول الله هل من شفاعة" طلب الشفاعة من رسول الله ﷺ بعد وفاته.
وفي قوله: " وهل يا حبيب الله تقبل أعذاري " الطلب من الرسول ﷺ أن يقبل أعذاره.
ومن تأمل هذين البيتين من أهل العلم والبصيرة علم أن نشرهما وأمثالهما غير جائز لما اشتملا عليه من الشرك، ومخالفة العقيدة الإسلامية من صرف الخشوع للرسول ﷺ ، وطلب تخفيف الأوزار منه، وطلب الشفاعة منه بعد موته، وقبول الأعذار، وذلك كله مما يجب طلبه من الله سبحانه.
стр. 4304
كما أن الواجب الخشوع له سبحانه كما قال عن الرسل وأتباعهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على كل من ينوبه حاجة أو ضائقة أن يرفع شكواه إلى الله لا إلى الأنبياء ولا غيرهم من سائر المخلوقات من الأموات والأصنام والكواكب والجن وغيرهم من سائر الخلق لأن الله هو الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع وكشف الكروب وإجابة المضطر، ولا مانع من استعانة المخلوق بالمخلوق الحي الحاضر القادر فيما يستطيع مشافهة أو مكالمة أو مكاتبة أو نحو ذلك كما قال الله سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٤) الآية من سورة القصص أما الأموات من الأنبياء وغيرهم، وهكذا الجمادات من الأصنام والأشجار وغيرها وهكذا الغائبون من الملائكة والجن وغيرهم، فلا تجوز الاستعانة بهم ولا الشكوى إليهم لأن الميت انقطع عمله إلا من ثلاث كما جاء بذلك الحديث عن نبينا محمد ﵊ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٥) » رواه مسلم.
стр. 4305
ومعلوم أن نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أفضل الخلق وأشرفهم أحياء وأمواتا، ومع ذلك فلا يجوز عبادته لا في حياته ولا بعد وفاته لأن العبادة تختص بالله وحده دون غيره، كما أمر الله تعالى بذلك في كثير من آيات القرآن الكريم ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ونهى عن دعاء غيره كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٤) » وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٥) » الحديث. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
فالواجب على الكاتب أن يتوب إلى الله سبحانه مما صدر منه وأن يحذر الشرك دقيقه وجليله، كما أن الواجب على جميع المسلمين الحذر من الشرك بالله ووسائله والتواصي بتركه مع بيانه للناس والتحذير منه.
стр. 4306
كما أنه يجب على جميع القائمين على الصحف والمسئولين عن الإعلام من أهل الإسلام ألا ينشروا ما يخالف شرع الله وأن يتحروا فيما ينشرونه ما ينفع الأمة ولا يضرهم في دينهم ولا دنياهم وأعظم ذلك خطرا ما يوقع في الشرك وأنواع الكفر.
أصلح الله أحوال المسلمين ووفقهم وجميع القائمين على وسائل الإعلام للفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح العباد ونجاتهم وسلامة أمر دينهم ودنياهم إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء.
стр. 4307
تقريظ وتحبيذ
على قصيدة الشيخ راشد بن صالح الخنين
العلامة الورع التقي الغيور على الحق
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإني لما قرأت هذه القصيدة السديدة التي أنشأها الفهم الأديب واللوذعي الأريب، الشاب الفاضل راشد بن صالح بن خنين زاده الله علما وفهما وجدتها قد وافقت الحق الذي يجب اعتقاده في هذا الباب، وزيفت كثيرا من أضاليل هذا الزائغ المرتاب. فإن هذا الضال القصيمي قد أكثر في كتابه (١) من أنواع الضلال والكفر والإلحاد، ليضل بها الناس عن الحق والهدى ويدعوهم بها إلى نبذ الدين وسلوك مسلك أعداء الله الكافرين في حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، وطلبها بكل طريق أوصل إليها سواء أباحه الشرع أو حظره.
ومن أكبر الأضاليل والمنكرات التي سطر في كتابه زعمه في صفحة ٣١٥ منه، أن الإيمان بالله وقدرته التامة على كل شيء مشكلة لم تحل، وقوله في صفحة ٣٢٦ منه: (إن البشر عاجزون فيما يبدو لنا حتى اليوم
стр. 4308
عن أخذه " أي الدين " وفهمه وتصوره على وجهه النافع المفيد، بل هم إما أن يبقوا غير متدينين أو متدينين تدينا باطلا، كما أثبت هذا جملة تاريخ الإنسان، ولا بد من استثناء فترات أو ومضات قليلة خافتة.... إلى أن قال: (والدين هو أحد هذه الأمور الجميلة التي عجز الناس عن تصورها تصورا صحيحا لأنها جاءت قبل استيفاء استعدادهم الموقوت، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل.... إلى أن قال في صفحة ٣٢٨ ولكن ثبت أن البشرية عاجزة إلا فيما ندر عن فهمه على وجهه الصحيح هذه هي المشكلة التي لم تحل) .
فهذا الكلام لا يصدر إلا من شخص عدو لله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكافر بأن القرآن حق ورسالة محمد ﷺ حق؛ لأن القرآن والسنة قد بينا حقيقة الإيمان بالله، وحقيقة الدين الحق أعظم بيان، وصار ذلك عند المؤمنين بالله حقا أوضح من الشمس في رابعة النهار. وقد فهم الرسول ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان حقيقة الإيمان وحقيقة الدين الحق، ودرجوا عليه ودعوا إليه، وجاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ مبشرة بأنه «لا تزال طائفة من الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة (١) » ، وفي بعضها «حتى يأتي أمر الله» فكيف يكون الدين والحالة هذه لم يفهم إلا من ومضات أو فترات قليلة خافتة؟ وكيف يكون البشر عاجزين عن فهمه وتصوره تصورا صحيحا مع وضوحه وظهور أدلته؟ وكيف يجوز نسبة الله سبحانه إلى أنه كلف البشر ما لا يستطيعون فهمه، وأمرهم
стр. 4309
بشرائع قبل استعدادهم لها، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل؟ هذا الكلام في غاية الكفر والضلال والإلحاد، فقاتل الله هذا الرجل الخبيث، ما أعظم جرأته على الله ودينه، وما أشد تلبيسه وأبعده عن الهدى، ومقصده من هذا الكلام دعوة الناس إلى نبذ الدين جملة؛ لأنهم إذا سمعوا أنهم عاجزون عن تصوره تصورا صحيحا، وأنهم إن أخذوه أخذوه على غير وجهه فكان ضارا لهم كرهوه ورفضوه واعتنقوا سواه، لا سيما إن عرفوا أن هذا المفتون الخبيث قد كان قبل هذا يظهر الدعوة إلى الدين الحق ويرد على من خالفه، وإنما يغتر بمثل هذا ضعفاء البصائر، وأما من له أدنى مسكة من عقل صحيح، وعلم نافع صحيح، فإنه لا يغتر بمثل هذا الزائغ وأضاليله للعلم بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولوضوح خطئه وزيغه. نسأل الله العافية والثبات على دينه.
ومن جملة أضاليل هذا الزائغ المفتون قوله في صفحة ٢٩: (إن الدعاء أضعف وسيلة يلقى بها عدو عدوه، بل إنه ليس بوسيلة، وليس له من فائدة سوى أنه يقوم بعملية تعويض وتصريف خبيثة ضارة) وقوله في صفحة ١٨٠: (كانت الخطب أيام الجمعات إحدى النكبات، وذلك أنها لتكررها كل أسبوع استطاعت أن تجعل تخديرها مستمرا مضمونا متجددا، يعني بذلك تحذيرها عن الانهماك في طلب الدنيا والتنافس فيها.... إلى أن قال: لأنها لتكررها لا تترك فرصة لانطلاق معنى طيب من معاني الإنسان.... إلى أن قال في صفحة ١٨٢: ولكن هذا
стр. 4310
الاجتماع الأسبوعي مفروض فرضا، وهذه الخطب مفروضة على هذا الاجتماع فرضا أيضا، فأين النجاة، وكيف الفرار؟) .
فانظر أيها القارئ هذا الكلام وتأمل: هل مثله يصدر من مسلم يعقل ما يقول؟ لا والله، لا والله، إنما يصدر من شخص قد ملئ قلبه من بغض الأديان، ومعاداة حزب الرحمن؛ لأن من ذم ما شرعه الله، وزعم أنه نكبة على العباد، وعملية مضرة لا شك في كفره وبغضه للحق وأهله. وقد دل على أن مثل هذا كفر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) وفي كتاب هذا المفتري الملحد من الترهات والأضاليل غير ما ذكرنا كثير، قد أشار الناظم إلى جملة منها، وبين خطأه فيها. جزاه الله خيرا، وجعلنا وإياه وجميع إخواننا من أنصار الحق ودعاة الهدى.
وبالجملة فمن تأمل كتاب هذا الزائغ المفتون من أوله إلى آخره، عرف أنه لا يدين إلا بعبادة الطبيعة، ولا يدعو في كتابه إلا إلى عبادتها. وأما الإله الحق الذي يميت ويحي، ويسعد ويشقي ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يؤمن به ولا يدعو إلى عبادته،. كما يدل على ذلك كلامه في مبحث القضاء والقدر والأسباب والمشكلة التي لم تحل، وفي مواضع كثيرة من كتابه ومن عظيم إلحاده ودعوته إلى عبادة الطبيعة قوله في صفحة ١٥٨ في وصف النبي ﷺ : (لقد بدأ رسالته بالخلوة بالطبيعة، وبمناجاتها فوق غار حراء، وختمها بمناجاتها أيضا وهو في حجرة عائشة، بينما كان