كما أنه يجب على جميع القائمين على الصحف والمسئولين عن الإعلام من أهل الإسلام ألا ينشروا ما يخالف شرع الله وأن يتحروا فيما ينشرونه ما ينفع الأمة ولا يضرهم في دينهم ولا دنياهم وأعظم ذلك خطرا ما يوقع في الشرك وأنواع الكفر.
أصلح الله أحوال المسلمين ووفقهم وجميع القائمين على وسائل الإعلام للفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح العباد ونجاتهم وسلامة أمر دينهم ودنياهم إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء.
стр. 4307
تقريظ وتحبيذ
على قصيدة الشيخ راشد بن صالح الخنين
العلامة الورع التقي الغيور على الحق
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإني لما قرأت هذه القصيدة السديدة التي أنشأها الفهم الأديب واللوذعي الأريب، الشاب الفاضل راشد بن صالح بن خنين زاده الله علما وفهما وجدتها قد وافقت الحق الذي يجب اعتقاده في هذا الباب، وزيفت كثيرا من أضاليل هذا الزائغ المرتاب. فإن هذا الضال القصيمي قد أكثر في كتابه (١) من أنواع الضلال والكفر والإلحاد، ليضل بها الناس عن الحق والهدى ويدعوهم بها إلى نبذ الدين وسلوك مسلك أعداء الله الكافرين في حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، وطلبها بكل طريق أوصل إليها سواء أباحه الشرع أو حظره.
ومن أكبر الأضاليل والمنكرات التي سطر في كتابه زعمه في صفحة ٣١٥ منه، أن الإيمان بالله وقدرته التامة على كل شيء مشكلة لم تحل، وقوله في صفحة ٣٢٦ منه: (إن البشر عاجزون فيما يبدو لنا حتى اليوم
стр. 4308
عن أخذه " أي الدين " وفهمه وتصوره على وجهه النافع المفيد، بل هم إما أن يبقوا غير متدينين أو متدينين تدينا باطلا، كما أثبت هذا جملة تاريخ الإنسان، ولا بد من استثناء فترات أو ومضات قليلة خافتة.... إلى أن قال: (والدين هو أحد هذه الأمور الجميلة التي عجز الناس عن تصورها تصورا صحيحا لأنها جاءت قبل استيفاء استعدادهم الموقوت، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل.... إلى أن قال في صفحة ٣٢٨ ولكن ثبت أن البشرية عاجزة إلا فيما ندر عن فهمه على وجهه الصحيح هذه هي المشكلة التي لم تحل) .
فهذا الكلام لا يصدر إلا من شخص عدو لله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكافر بأن القرآن حق ورسالة محمد ﷺ حق؛ لأن القرآن والسنة قد بينا حقيقة الإيمان بالله، وحقيقة الدين الحق أعظم بيان، وصار ذلك عند المؤمنين بالله حقا أوضح من الشمس في رابعة النهار. وقد فهم الرسول ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان حقيقة الإيمان وحقيقة الدين الحق، ودرجوا عليه ودعوا إليه، وجاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ مبشرة بأنه «لا تزال طائفة من الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة (١) » ، وفي بعضها «حتى يأتي أمر الله» فكيف يكون الدين والحالة هذه لم يفهم إلا من ومضات أو فترات قليلة خافتة؟ وكيف يكون البشر عاجزين عن فهمه وتصوره تصورا صحيحا مع وضوحه وظهور أدلته؟ وكيف يجوز نسبة الله سبحانه إلى أنه كلف البشر ما لا يستطيعون فهمه، وأمرهم
стр. 4309
بشرائع قبل استعدادهم لها، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل؟ هذا الكلام في غاية الكفر والضلال والإلحاد، فقاتل الله هذا الرجل الخبيث، ما أعظم جرأته على الله ودينه، وما أشد تلبيسه وأبعده عن الهدى، ومقصده من هذا الكلام دعوة الناس إلى نبذ الدين جملة؛ لأنهم إذا سمعوا أنهم عاجزون عن تصوره تصورا صحيحا، وأنهم إن أخذوه أخذوه على غير وجهه فكان ضارا لهم كرهوه ورفضوه واعتنقوا سواه، لا سيما إن عرفوا أن هذا المفتون الخبيث قد كان قبل هذا يظهر الدعوة إلى الدين الحق ويرد على من خالفه، وإنما يغتر بمثل هذا ضعفاء البصائر، وأما من له أدنى مسكة من عقل صحيح، وعلم نافع صحيح، فإنه لا يغتر بمثل هذا الزائغ وأضاليله للعلم بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولوضوح خطئه وزيغه. نسأل الله العافية والثبات على دينه.
ومن جملة أضاليل هذا الزائغ المفتون قوله في صفحة ٢٩: (إن الدعاء أضعف وسيلة يلقى بها عدو عدوه، بل إنه ليس بوسيلة، وليس له من فائدة سوى أنه يقوم بعملية تعويض وتصريف خبيثة ضارة) وقوله في صفحة ١٨٠: (كانت الخطب أيام الجمعات إحدى النكبات، وذلك أنها لتكررها كل أسبوع استطاعت أن تجعل تخديرها مستمرا مضمونا متجددا، يعني بذلك تحذيرها عن الانهماك في طلب الدنيا والتنافس فيها.... إلى أن قال: لأنها لتكررها لا تترك فرصة لانطلاق معنى طيب من معاني الإنسان.... إلى أن قال في صفحة ١٨٢: ولكن هذا
стр. 4310
الاجتماع الأسبوعي مفروض فرضا، وهذه الخطب مفروضة على هذا الاجتماع فرضا أيضا، فأين النجاة، وكيف الفرار؟) .
فانظر أيها القارئ هذا الكلام وتأمل: هل مثله يصدر من مسلم يعقل ما يقول؟ لا والله، لا والله، إنما يصدر من شخص قد ملئ قلبه من بغض الأديان، ومعاداة حزب الرحمن؛ لأن من ذم ما شرعه الله، وزعم أنه نكبة على العباد، وعملية مضرة لا شك في كفره وبغضه للحق وأهله. وقد دل على أن مثل هذا كفر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) وفي كتاب هذا المفتري الملحد من الترهات والأضاليل غير ما ذكرنا كثير، قد أشار الناظم إلى جملة منها، وبين خطأه فيها. جزاه الله خيرا، وجعلنا وإياه وجميع إخواننا من أنصار الحق ودعاة الهدى.
وبالجملة فمن تأمل كتاب هذا الزائغ المفتون من أوله إلى آخره، عرف أنه لا يدين إلا بعبادة الطبيعة، ولا يدعو في كتابه إلا إلى عبادتها. وأما الإله الحق الذي يميت ويحي، ويسعد ويشقي ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يؤمن به ولا يدعو إلى عبادته،. كما يدل على ذلك كلامه في مبحث القضاء والقدر والأسباب والمشكلة التي لم تحل، وفي مواضع كثيرة من كتابه ومن عظيم إلحاده ودعوته إلى عبادة الطبيعة قوله في صفحة ١٥٨ في وصف النبي ﷺ : (لقد بدأ رسالته بالخلوة بالطبيعة، وبمناجاتها فوق غار حراء، وختمها بمناجاتها أيضا وهو في حجرة عائشة، بينما كان
стр. 4311
يجود بأنفاسه فلقد كان في تلك الساعة شاخصا ببصره إلى السماء لا يحوله عنها هول ولا أهل، ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى (١) » فنسبة النبي ﷺ إلى مناجاة الطبيعة كذب ظاهر وكفر واضح، ومخالفة لما فهمه المؤمنون من هذا الحديث الشريف، وقد أقذع هذا الضال في ذم الدين والسلف الصالحين، وحذر من سلوك سبيلهم، وحرف آيات كثيرة وأحاديث ليقودها إلى مذهبه الباطل، ورد أحاديث أخرى صحيحة لما لم توافقه على مذهبه العاطل، وأكثر من التلبيس والتدليس والخداع ليغير بذلك دين من لا بصيرة له بالدين الحق، وشابه في ذلك إخوانه من اليهود والمنافقين.
فنسأل الله الثبات على دينه، ونعوذ به من زيغ القلوب ورين الذنوب، وأساله أن يمن على هذا الضال بالهداية والرجوع إلى الحق والتوبة النصوح، وأن يعيذنا والمسلمين مما ابتلاه به إنه سميع الدعاء قريب الإجابة.
ولقصد تأييد ما دلت عليه هذه القصيدة من الحق وتزييف أباطيل هذا المارق والتحذير من خطئه لئلا يغتر به حررت هذه الأحرف، وأنا الفقير إلى الله تعالى عبد العزيز بن عبد الله بن باز، قاضي الخرج سامحني الله وغفر لي ولوالدي ومشائخي وجميع المسلمين. وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم سنة ١٣٦٦ هـ.
стр. 4312
تقريظ على قصيدة الشيخ \ صالح بن حسين العلي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد: فإني لما قرأت هذه القصيدة التي نظمها الابن الأديب، والفاضل الأريب صالح بن حسين العلي، وجدتها قد اشتملت على إيضاح كثير من أضاليل هذا القصيمي الزائغ، ورد جمل كثيرة من أخطائه ردا صحيحا مستندا إلى الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة النبوية وإجماع سلف الأمة، مع الإشارة إلى بعض ما يقضي بردة القصيمي صاحب " الأغلال "، ومروقه من دين الإسلام. فجزى الله هذا الناظم خيرا وزاده من العلم والعمل، وجعلنا وإياه وجميع إخواننا من أنصار دينه والدعاة إلى سبيله على بصيرة.
ونسأل الله أن يهدي صاحب " الأغلال " ويمن عليه بالتوبة النصوح، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن آمين.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
قاله الفقير إلى ربه عبد العزيز بن عبد الله بن باز قاضي الخرج عفا الله عنه وغفر له.
حرر في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام، من شهور سنة ١٣٦٧ هـ من هجرة النبي عليه الصلاة وأزكى السلام.
стр. 4313
الفرق بين الكفر والشرك (١)
س: الأخت ن. س. ع من الرياض، تقول في سؤالها: ما هو الفرق بين الكفر والشرك أفتونا مأجورين. .
ج: الكفر جحد الحق وستره، كالذي يجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب صوم رمضان أو وجوب الحج مع الاستطاعة أو وجوب بر الوالدين ونحو هذا.
وكالذي يجحد تحريم الزنا أو تحريم شرب المسكر أو تحريم عقوق الوالدين أو نحو ذلك.
أما الشرك فهو: صرف بعض العبادة لغير الله كمن يستغيث بالأموات أو الغائبين أو الجن أو الأصنام أو النجوم ونحو ذلك، أو يذبح لهم أو ينذر لهم.
ويطلق على الكافر أنه مشرك وعلى المشرك أنه كافر كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٣) وقال
стр. 4314
جل وعلا في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢) فسمى دعاءهم غير الله شركا في هذه السورة، وفي سورة قد أفلح المؤمنون سماه كفرا.
وقال سبحانه في سورة التوبة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٤) فسمى الكفار به كفارا وسماهم مشركين. فدل ذلك على أن الكافر يسمى مشركا، والمشرك يسمى كافرا والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
ومن ذلك قول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٥) » أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ وقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٦) » . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁، والله ولي التوفيق.
стр. 4315
السنة ومكانتها في الإسلام وفي أصول التشريع (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا بحث مهم يتعلق بالسنة وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام يجب الأخذ بها والاعتماد عليها إذا صحت عن رسول الله ﷺ فأقول: من المعلوم عند جميع أهل العلم أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله ، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط فقد ضل ضلالا بعيدا، وكفر كفرا أكبر، وارتد عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلا عظيما فرض الله الرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم عليه، وكذب به، وجحده، وقد أجمع علماء الإسلام على أن الأصول المجمع عليها ثلاثة: الأصل الأول: كتاب الله. والأصل الثاني: سنة رسول الله ﵊. والأصل الثالث: إجماع أهل العلم وتنازع أهل العلم في
стр. 4316
أصول أخرى، أهمها: القياس، والجمهور على أنه أصل رابع إذا استوفى شروطه المعتبرة.
أما السنة: فلا نزاع ولا خلاف في أنها أصل مستقل وأنها هي الأصل الثاني من أصول الإسلام وأن الواجب على جميع المسلمين، بل على جميع الأمة الأخذ بها، والاعتماد عليها والاحتجاج بها إذا صح السند عن رسول الله ﵊. وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات من كتاب الله، وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﵊، كما دل على هذا المعنى إجماع أهل العلم قاطبة على وجوب الأخذ بها، والإنكار على من أعرض عنها أو خالفها.
وقد نبغت نابغة في صدر الإسلام أنكرت السنة بسبب تهمتها للصحابة ﵃ وأرضاهم، كالخوارج فإن الخوارج كفروا كثيرا من الصحابة، وفسقوا كثيرا منهم، وصاروا لا يعتمدون بزعمهم إلا على كتاب الله. لسوء ظنهم بأصحاب رسول الله ﵊، وتابعتهم الرافضة فقالوا: لا حجة إلا فيما جاء من طريق أهل البيت فقط، وما سوى ذلك لا حجة فيه.
ونبغت نابغة بعد ذلك، ولا يزال هذا القول يذكر فيما بين وقت وآخر، وتسمى هذه النابغة الأخيرة القرآنية، ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط، ولأن الكتب قد يقع فيها غلط، إلى غير هذا مما قالوا من الترهات،
стр. 4317
والخرافات، والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط. وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا، وكفروا بذلك كفرا أكبر بواحا.
فإن الله أمر بطاعة رسوله ﵊، واتباع ما جاء به وسمى كلامه وحيا في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) ولو كان رسوله ﷺ لا يتبع ولا يطاع لم يكن لأوامره ونواهيه قيمة.
وقد أمر ﷺ أن تبلغ سنته، فكان إذا خطب أمر أن تبلغ السنة، فدل ذلك على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع وعلى أن طاعته واجبة على جميع الأمة، كما تجب طاعة الله تجب طاعة رسوله ﵊، ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحا قال تعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) فقرن طاعة الرسول بطاعته سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٧) فعلق الرحمة بطاعة الله ورسوله وقال سبحانه أيضا في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٨) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٩)
стр. 4318
وقال سبحانه في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله أمرا مستقلا وكرر الفعل في ذلك ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢) ثم قال ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) ولم يكرر الفعل لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله وإنما تجب في المعروف حيث كان ما أمروا به من طاعة الله ورسوله ومما لا يخالف أمر الله ورسوله، ثم بين أن العمدة في طاعة الله ورسوله فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ولم يقل إلى أولي الأمر منكم بل قال: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) فدل ذلك على أن الرد في مسائل النزاع والخلاف إنما يكون لله ولرسوله، قال العلماء معنى إلى الله: الرد إلى كتاب الله، ومعنى والرسول الرد إلى الرسول في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﵊. فعلم بذلك أن سنته مستقلة وأنها أصل متبع، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٧) وقبلها قوله جل وعلا:
стр. 4319
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) فجعل الفلاح لمن اتبعه ﵊ لأن السياق فيه ﵊ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فذكر أن الفلاح لهؤلاء المتبعين لنبي الله ﵊ دون غيرهم، فدل ذلك على أن من أنكر سنته ولم يتبعه فإنه ليس بمفلح وليس من المفلحين، ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٣) يعني قل يا محمد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤)
فعلق الهداية باتباعه ﵊ فدل ذلك على وجوب طاعته، واتباع ما جاء به من الكتاب والسنة ﵊، وقال في آيات أخرى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥) وقال جل وعلا أيضا في هذه السورة سورة النور: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) فأفرد طاعته وحدها بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٧)
стр. 4320
وقال في آخر السورة سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فذكر جل وعلا أن المخالف لأمر النبي ﷺ على خطر عظيم من أن تصيبه فتنة بالزيغ والشرك والضلال أو عذاب أليم، نعوذ بالله من ذلك، وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)
فهذه الآيات وما جاء في معناها كلها دالة على وجوب اتباعه وطاعته ﵊ وأن الهداية والرحمة والسعادة والعاقبة الحميدة كلها في اتباعه وطاعته ﵊، فمن أنكر ذلك فقد أنكر كتاب الله، ومن قال إنه يتبع كتاب الله دون السنة فقد كذب وغلط وكفر، فإن القرآن أمر باتباع الرسول ﷺ ، فمن لم يتبعه فإنه لم يعمل بكتاب الله ولم يؤمن بكتاب الله، ولم ينفذ كتاب الله، إذ كتاب الله أمر بطاعة الرسول ﷺ وأمر باتباعه، وحذر من مخالفته ﵊، ولا يمكن أن يكون الإنسان متبعا للقرآن بدون اتباع السنة، ولا يكون متبعا للسنة بدون اتباع القرآن فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
ومما جاء في السنة عن رسول الله ﵊ وما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما في
стр. 4321
الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني (١) » وفي صحيح البخاري رحمة الله عليه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٢) » وهذا واضح في أن من عصاه فقد عصى الله، ومن عصاه فقد أبى دخول الجنة والعياذ بالله، وفي المسند وأبي داود وصحيح الحاكم بإسناد جيد عن المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا وإنني أوتيت الكتاب ومثله معه (٣) » والكتاب هو القرآن، ومثله معه يعني: السنة وهي الوحي الثاني «ألا يوشك رجل شبعان يتكئ على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينهم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه (٤) » وفي لفظ: «يوشك رجل شبعان على أريكته يحدث بالأمر من أمري مما أمرت به ونهيت عنه يقول: بيننا وبينهم كتاب الله ما وجدنا فيه اتبعناه ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (٥) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
стр. 4322
فالواجب على جميع الأمة أن تعظم سنة الرسول ﵊، وأن تعرف قدرها، وأن تأخذ بها، وتسير عليها، فهي الشارحة والمفسرة لكتاب الله ، والدالة على ما قد يخفى من كتاب الله، والمقيدة لما قد يطلق من كتاب الله، والمخصصة لما قد يعم من كتاب الله، ومن تدبر كتاب الله وتدبر السنة عرف ذلك لأن الله يقول جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) فهو المبين للناس ما نزل إليهم ﵊، فإذا كانت سنته غير معتبرة ولا يحتج بها فكيف يبين للناس دينهم وكتاب ربهم؟ ، هذا من أبطل الباطل فعلم بذلك أنه المبين لما قاله الله، وأنه الشارح لما قد يخفى من كتاب الله، وقال في آية أخرى في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فبين جل وعلا أنه أنزل الكتاب عليه ليبين للناس ما اختلفوا فيه فإذا كانت سنته لا تبين للناس ولا تعتمد بطل هذا المعنى، فهو بين أنه ﷺ هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وأنه ﵊ هو الذي يفصل النزاع بين الناس فيما اختلفوا فيه، فدل ذلك على أن سنته لازمة الاتباع، وواجبة الاتباع.
стр. 4323
وليس هذا خاصا بأهل زمانه وصحابته ﵃ بل هو لهم ولمن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة فإن الشريعة شريعة لأهل زمانه ولمن يأتي بعد زمانه ﵊ إلى يوم القيامة، فهو رسول الله إلى الناس عامة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) فهو رسول الله إلى جميع العالم الجن والإنس، العرب والعجم، الأغنياء والفقراء، الحكام والمحكومين، الرجال والنساء إلى يوم القيامة، ليس بعده نبي ولا رسول بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊.
فوجب أن تكون سنته موضحة لكتاب الله وشارحة لكتاب الله، ودالة على ما قد يخفى من كتاب الله، وسنته أيضا جاءت بأحكام لم يأت بها كتاب الله، جاءت بأحكام مستقلة شرعها الله لم تذكر في كتاب الله ، من ذلك: تفصيل الصلوات وعدد الركعات، وتفصيل أحكام الزكاة، وتفصيل أحكام الرضاع، فليس في كتاب الله إلا الأمهات والأخوات من الرضاع وجاءت السنة ببقية المحرمات بالرضاع، فقال ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٣) » وجاءت السنة بحكم مستقل في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وجاءت بأحكام مستقلة لم تذكر في كتاب الله في
стр. 4324
أشياء كثيرة، في الجنايات والديات، والنفقات، وأحكام الزكوات، وأحكام الصوم والحج إلى غير ذلك.
ولما قال بعض الناس في مجلس عمران بن حصين ﵄: (دعنا من الحديث وحدثنا عن كتاب لله) غضب عمران ﵁ وأرضاه، واشتد إنكاره عليه وقال: (لولا السنة كيف نعرف أن الظهر أربع، والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث) إلى آخره.
فالسنة بينت لنا تفاصيل الصلاة، وتفاصيل الأحكام، ولم يزل الصحابة ﵃ وأرضاهم يرجعون إلى السنة ويتحاكمون إليها ويحتجون بها، ولما ارتد من العرب من ارتد وقام الصديق ﵁ وأرضاه ودعا إلى جهادهم توقف عمر في ذلك، وقال: كيف نقاتلهم، وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (١) » قال الصديق ﵁: «أليست الزكاة من حقها - من حق لا إله إلا الله - والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها (٢) » قال عمر ﵁: (فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر لقتالهم فعرفت أنه الحق) ثم وافق المسلمون، ووافق الصحابة واجتمع رأيهم على قتال المرتدين فقاتلوهم بأمر الله ورسوله.
стр. 4325
ولما جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله عن إرثها قال: ما أعلم لك شيئا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ولكن سوف أسال الناس، يعني عما جاء في السنة، فسأل الناس فأخبر أن رسول الله ﷺ قضى لها بالسدس، فقضى لها بالسدس ﵁ وأرضاه، وهكذا عمر ﵁ لما أشكل عليه حكم إملاص المرأة: وهو خروج الجنين ميتا بالجناية على أمه ما حكمه؟ توقف حتى سأل الناس، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة بأن النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقضى بذلك. ولما أشكل على عثمان حكم المعتدة من الوفاة، هل تكون في بيت زوجها أو تنتقل إلى أهلها؟ فشهدت عنده فريعة بنت مالك الخدرية أخت أبي سعيد أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيت زوجها، فقضى بذلك عثمان ﵁ وأرضاه، ولما سمع علي ﵁ عثمان في بعض حجاته ينهى عن المتعة ويأمر بإفراد الحج أحرم علي رضي عنه بالحج والعمرة جميعا وقال: لا أدع سنة رسول الله ﷺ بقول أحد من الناس، ولما سمع ابن عباس بعض الناس ينكر عليه الفتوى بالمتعة ويحتج عليه بقول أبي بكر وعمر أنهما يريان إفراد الحج قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) ، ولما ذكر لأحمد ﵀ جماعة يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان الثوري ويسألونه عما لديه وعما يقول، تعجب وقال: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته - يعني عن رسول الله ﷺ -
стр. 4326
يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ولما ذكر عند أيوب السختياني ﵀ رجل يدعو إلى القرآن ويثبط عن السنة قال: (دعوه فإنه ضال) والمقصود أن السلف الصالح قد عرفوا هذا الأمر، ونبغت عندهم نوابغ بسبب الخوارج في هذا الباب، فاشتد نكيرهم عليهم، وضللوهم، وحذروا منهم، مع أنه إنكار ليس مثل الإنكار الموجود الأخير لأنه إنكار له شبهة بالنسبة إلى الخوارج وما اعتقدوه في الصحابة ﵃ وأرضاهم في بعضهم دون بعض. أما هؤلاء المتأخرون فجاءوا بداهية كبرى ومنكر عظيم وبلاء كبير، ومصيبة عظمى حيث قالوا: إن السنة برمتها لا يحتج بها بالكلية لا من هنا ولا من هنا، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها، وساروا على هذا النهج الوخيم وأعلنه كثيرا العقيد القذافي الرئيس الليبي المعروف فضل وأضل، وهكذا جماعة في مصر، وغير مصر قالوا هذه المقالة، فضلوا وأضلوا وسموا أنفسهم بالقرآنيين، وقد كذبوا وجهلوا ما قام به علماء السنة لأنهم لو عملوا بالقرآن لعظموا السنة وأخذوا بها، ولكنهم جهلوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضلوا وأضلوا.
стр. 4327
وقد احتاط أهل السنة كثيرا للسنة حيث تلقوها أولا عن الصحابة حفظا ودرسوها، وحفظوها حفظا كاملا، وحفظا دقيقا حرفيا، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم ألف العلماء على رأس القرن الأول وفي أثناء القرن الثاني ثم كثر ذلك في القرن الثالث، ألفوا الكتب، وجمعوا فيها الأحاديث حرصا على بقائها وحفظها وصيانتها فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك، ثم نقبوا عن الرجال، وعرفوا ثقاتهم من كذابيهم وضعفائهم، ومن هو سيئ الحفظ منهم حتى حرروا ذلك أتم تحرير، وبينوا من يصلح للرواية، ومن لا يصلح للرواية، ومن يحتج به ومن لا يحتج به، وأوضحوا ما وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط، وسجلوها عليهم، وعرفوا الكذابين والوضاعين، وألفوا فيهم وأوضحوا أسماءهم، فأيد الله بهم السنة، وأقام بهم الحجة، وقطع بهم المعذرة، وزال تلبيس الملبسين، وانكشف ضلال الضالين، فبقيت السنة بحمد الله جلية واضحة لا شبهة فيها، ولا غبار عليها، وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيرا، وإذا رأوا من أحد أي تساهل بالسنة أو إعراض أنكروا عليه.
حدث ذات يوم عبد الله بن عمرو ﵄ بقول النبي ﷺ : «ولا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١) » فقال بعض أبنائه: والله لنمنعهن - عن اجتهاد منه - ومقصوده أنهن تغيرن، وأنهن قد يتساهلن في الخروج، وليس قصده إنكار السنة، فأقبل عليه عبد الله وسبه سبا سيئا وقال: أقول: قال رسول الله وتقول: والله لنمنعهن.
стр. 4328
ورأى عبد الله بن مغفل المزني ﵁ بعض أقاربه يخذف، فقال له: «إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوا (١) » . ثم رآه في وقت آخر يخذف، فقال: أقول إن الرسول نهى عن هذا ثم تخذف، لا كلمتك أبدا.
فالصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يعظمون هذا الأمر جدا ويحذرون الناس من التساهل بالسنة أو الإعراض عنها أو الإنكار لها برأي من الآراء أو اجتهاد من الاجتهادات، وقال أبو حنيفة في هذا المعنى ﵁ ورحمه: (إذا جاء الحديث عن رسول الله فعلى العين والرأس وإذا جاء عن الصحابة ﵃ فعلى العين والرأس) إلى آخر كلامه. وقال مالك ﵀: (ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر) يعني النبي ﵊ وقال أيضا: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وهو اتباع الكتاب والسنة) . وقال الشافعي ﵀: (إذا رويت عن الرسول حديثا صحيحا ثم رأيتموني خالفته فاعلموا أن عقلي قد ذهب) وفي لفظ آخر، قال: (إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ وقولي يخالفه فاضربوا بقولي الحائط) وقال أحمد ﵀: (لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي وخذوا من حيث أخذنا) وسبق قوله ﵀: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)
стр. 4329
فالأمر في هذا واضح، وكلام أهل العلم في هذا جلي ومتداول عند أهل العلم، وقد تكلم المتأخرون في هذا المقام كلاما كثيرا كأبي العباس ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم وأوضحوا أن من أنكر السنة فقد زاغ عن سواء السبيل، وأن من عظم آراء الرجال وآثرها على السنة فقد ضل وأخطأ، وأن الواجب عرض آراء الرجال مهما عظموا على كتاب الله وسنة الرسول ﵊ فما شهدا له أو أحدهما بالقبول قبل، وما لا فإنه يرد على قائله، ومن آخر من كتب في هذا الحافظ السيوطي ﵀ حيث كتب رسالة سماها: (مفتاح الجنة في الاحتفاء بالسنة) وذكر في أولها أن من أنكر السنة وزعم أنه لا يحتج بها فقد كفر إجماعا، ونقل كثيرا من كلام السلف في ذلك.
فهذه منزلة السنة من الإسلام، وهذه مكانتها من الشريعة وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأنها حجة مستقلة قائمة بنفسها، يجب الأخذ بها والرجوع إليها، وأنه متى صح السند إلى رسول الله ﷺ وجب الأخذ به مطلقا، ولا يشترط في ذلك أن يكون متواترا أو مشهورا أو مستفيضا أو بعدد كذا من الطرق. بل يجب أن يؤخذ بالسنة ولو كانت من طريق واحدة، متى استقام الإسناد وجب الأخذ بالحديث مطلقا بسند واحد أو بسندين أو بثلاثة، أو بأكثر، سواء سمي خبرا متواترا، أو خبر آحاد، لا فرق في ذلك، كلها حجة، يجب الأخذ بها، مع اختلاف ما تقتضيه من العلم الضروري أو العلم النظري، أو الظني إذا استقام الإسناد وسلم من العلة فالعمل بها واجب، والأخذ بها
стр. 4330
متعين، متى صح الإسناد وسلم من العلة عند أهل العلم بهذا الشأن، أما كونه متواترا، أو كونه مشهورا، أو مستفيضا أو آحادا غير مستفيض ولا مشهور، أو غريبا، أو غير ذلك، فهذه أشياء اصطلح عليها أهل الحديث في علم الحديث وبينوها في أصول الفقه أيضا، وأحكامها عندهم معلومة والعلم بها يختلف بحسب اختلاف الناس، فإنه قد يكون هذا الحديث متواترا عند زيد وعمرو وليس متواترا عند خالد وبكر، لما بينهما من الفرق في العلم، واتساع المعرفة فقد يروي زيد حديثا في عشرة طرق أو من ثمانية، أو من سبعة، أو من ستة أو خمسة ويقطع هو أنه بهذا متواتر لما اتصف به رواته من العدالة والحفظ والإتقان والجلالة، وقد يروي الآخر حديثا من عشرين سندا، ولا يحصل له ما حصل لذلك من العلم اليقيني القطعي بأنه عن الرسول ﷺ أو بأنه متواتر.
فهذه أمور تختلف بحسب ما يحصل للناس من العلم بأحوال الرواة وعدالتهم، ومنزلتهم في الإسلام، وصدقهم، وحفظهم، وغير ذلك. هذا شيء يتفاوت فيه الرجال حسب ما أعطاهم الله من العلم بأحوال رواة الحديث، وصفاتهم، وطرق الحديث إلى غير ذلك، لكن أهل العلم أجمعوا على أنه متى صح السند وسلم من العلة وجب الأخذ به، وبينوا أن الإسناد الصحيح هو ما ينقله العدل الضابط عن مثله، عن مثله، عن مثله إلى الصحابة ﵃ إلى النبي ﷺ من دون شذوذ ولا علة، فمتى جاء الحديث بهذا المعنى متصلا لا شذوذ فيه ولا علة
стр. 4331
وجب الأخذ به والاحتجاج به على المسائل التي يتنازع فيها الناس سواء حكمنا عليه بأنه غريب أو عزيز أو مشهور أو متواتر، أو غير ذلك إذ الاعتبار باستقامة السند وصلاحه وسلامته من الشذوذ والعلة سواء تعددت أسانيده أم لم تتعدد.
هذا وأسال الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه، والاستقامة على ما يرضيه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه جل وعلا جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 4332
بيان حكم الشرع في الجارودي على ضوء المقابلة معه في مجلة المجلة (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد كثر في الآونة الأخيرة في الصحف، والمجلات، الكلام عن الرجل المسمى (روجيه جارودي) الشيوعي الفرنسي، الذي ادعى أنه دخل الإسلام عن اقتناع ومحبة، ففرح بذلك بعض المسلمين، وأظهروا حفاوة به وأكرموه ومنحوه الثقة، وجعلوه عضوا في المجلس الأعلى العالمي للمساجد في رابطة العالم الإسلامي، وصار يحضر الندوات واللقاءات التي تعقد في العالم الإسلامي عن الإسلام متحدثا ومناظرا. ثم لم يلبث أن تكشفت حقيقته، وافتضح أمره، وبان ما كان يخفيه في صدره من حقد على الإسلام والمسلمين، وأنه لم يزل على كفره وإلحاده، فانضم إلى أشكاله من المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٢) وآخر ما نشر عنه الحوار الذي أجرته معه مجلة المجلة في عددها (٨٣٩) حيث جاء فيه أنه لم يتخل عن اعتقاداته الخاصة، وأنه لم يعتنق الإسلام الذي عليه المسلمون، وإنما اعتنق إسلاما آخر تخيله بذهنه، زعم أنه خليط من الأديان: اليهودية والنصرانية، ومن الإسلام الذي تخيله هو لا الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ وقال:
стр. 4333
إن هذا الإسلام المزعوم هو دين إبراهيم ﵇، فإبراهيم بزعمه هو أول المسلمين، فالإسلام بدأ من عهد إبراهيم قال: ولم يكن إبراهيم يهوديا، ولا مسيحيا، ولا مسلما بالإسلام التاريخي للكلمة أي الذي عليه المسلمون اليوم. وكذب في ذلك، فإن الإسلام الذي هو توحيد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه هو موجود من قبل إبراهيم من عهد آدم ونوح والنبيين من بعده وهو دين جميع الرسل. وهو الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وهو دين المسلمين اليوم من أتباع محمد ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) ولم يكن دين إبراهيم ﵊ خليطا من الحق والباطل كما زعم هذا الضال بل كان دينه التوحيد الخالص لله والبراءة من الشرك وأهله قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٥) وهو الدين الذي بعث
стр. 4334
الله به محمدا ﷺ ، ويرى هذا الضال أن البراءة من الكفر والشرك وما عليه اليهود والنصارى من الوثنيات والتحريفات الباطلة دين تفرقة؛ لأن الإسلام في مخيلته معناه التوحيد والتقارب بين المسلمين، وغير المسلمين، يريد إسلاما يجمع بين المتناقضات والمتضادات ويكفر المسلمين الذين يخالفونه في ذلك.
ويرى أيضا أن سنة الرسول ﷺ وأن الفقه الإسلامي المستنبط من الكتاب والسنة انتهت صلاحيتهما في هذا الزمان؛ لأنهما كانا لزمان معين، وأنه يجب إحداث فقه جديد وهذا معناه ترك دين الرسول ﷺ لأنه لا يصلح لهذا الزمان وإحداث دين جديد وهذا كفر بعموم رسالة الرسول لكل زمان ومكان، ولكل جيل، ولكل البشرية إلى أن تقوم الساعة، وكفر بختم الرسالة بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وكفر بصلاحية رسالته لكل زمان ومكان، وهذا كفر صريح، وقول قبيح مناقض لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) وقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤)
وقول النبي ﷺ : «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٥) » متفق على صحته.
وقوله ﷺ :
стр. 4335
«والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (١) » أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد أجمع العلماء ﵏ من الصحابة ﵃ ومن بعدهم إجماعا قطعيا على أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ هو رسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن وهو خاتم النبيين لا نبي بعده.
ثم يتناول هذا الملحد الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة وهو الصلوات الخمس الثابت بالكتاب والسنة والمعلوم من الدين بالضرورة، فيرى أن الصلوات ثلاث صلوات في اليوم والليلة لا خمس صلوات ويزعم أن هذا هو ما يدل عليه القرآن.
وهذا القول الباطل بل الكفر الصريح ناتج عن كفره بالسنة التي بينت الأوامر التي جاءت في القرآن ومن ذلك الصلوات، فقد بينت السنة الصحيحة المتواترة أنها خمس صلوات في اليوم والليلة وأجمع المسلمين على ذلك. ثم بين هذا الضال الصلاة التي يعنيها، وأنها ليست الحركات التي هي عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما هي التفكير العميق في الذات الإلهية، وذلك يستغرق عنده ساعات الليل والنهار الأربع والعشرين ساعة. وهذه صلاة الباطنية الملاحدة لا صلاة الأنبياء وأتباعهم، وهذا القول كفر صريح وردة عن الإسلام عند جميع أهل العلم.
стр. 4336
ثم تناول الركن الرابع من أركان الإسلام وهو الصيام وقال: إنه ليس هو الامتناع عن الأكل والشرب وإنما هو معاني الصيام وأهدافه، ثم إنه أعفى سكان المناطق القطبية من الصيام؛ لأنه لا يمكن تطبيقه في مناطقهم لأنه ليس عندهم طلوع فجر ولا غروب شمس وهذا تكذيب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين في أن الصيام ترك الأكل والشرب وسائر المفطرات قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (٢) » متفق على صحته.
فمن أعظم منافيات الصيام الأكل والشرب وأما الاقتصار على معاني الصيام وأهدافه، فليس صياما شرعيا، وإنما هو صيام الباطنية الذين يقولون: الصيام هو كتم الأسرار، وهذا إلحاد في دين الله ، وكذلك لا يعفى أحد من الصيام في جميع أقطار الأرض لأن أحكام الشريعة عامة للبشرية أينما كانت وإنما يصوم المسلم حسب استطاعته. وكيفية صيام أهل المناطق القطبية قد بحثها علماء المسلمين قديما وحديثا وقرروا فيها رأيهم حسب ما ظهر من أدلة الكتاب والسنة.
ثم إن هذا الملحد يجهل علماء المسلمين فيقول: قد عملت معهم عندما كنت عضوا في المجلس الأعلى العالمي للمساجد واكتشفت أنهم أناس جهلة، بل
стр. 4337
إنهم من أجهل الناس إطلاقا يرددون بطرق آلية الأحاديث النبوية وآراء فقهاء القرون الوسطى التي حفظوها عن ظهر قلب، ولا أعتقد أن لدي استعدادا للتعاون مع هؤلاء بشأن أي موضوع كان، بسبب الانطباعات السيئة التي تركوها في ذهني.
هذا شعوره نحو علماء الإسلام الذين اغتر الكثير منهم به وأحسنوا به الظن وأكرموه وأشركوه معهم في مؤتمراتهم وندواتهم. وإنها لموعظة للعلماء أن لا يتسرعوا بمنح الثقة لكل من تظاهر بالإسلام خصوصا من أمثال جارودي ممن عرفوا بالإلحاد والزندقة والشيوعية قبل ادعاء الإسلام حتى يتثبتوا في شأنه.
ومن كفر جارودي الصريح أنه يدعو إلى تعطيل حد السرقة وتغيير مقادير المواريث، فيرى أن قطع يد السارق اليوم غير مناسب، وهذا اتهام للإسلام بالقصور وعدم صلاحيته لكل زمان ومكان. بل هو وصف لله سبحانه بالجهل، وأنه لا يعلم ما يجد في المستقبل وما يناسبه من العقوبة فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق والسارقة جزاء بما كسبا ثم ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
فهو سبحانه يشرع لكل ذنب من العقوبة ما يناسبه ويمنع وقوعه في كل زمان ومكان ثم يقول: لو كنت قاضيا وجاءني أخ وأخت يتنازعان في قضية ميراث لأعطيت البنت ضعف ما أعطي الذكر، وهذا مصادم لقول الله تعالى
стр. 4338
في شأن الإخوة في آخر سورة النساء: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) ولقوله تعالى في أول السورة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) فهو اعتراض على الله في حكمه وكفى بذلك كفرا وإلحادا.
ثم يدعو علماء الإسلام أن يتمردوا على شرع الله كما تمرد المسيحيون على البابا وثاروا في وجه الكنيسة، فهو يسوي بين الدين الحق الذي هو دين الإسلام ودين الكفر الذي هو دين البابوات ورجال الكنيسة المغير لشرع الله.
وأخيرا فإن روجيه جارودي لا يحكم عليه بأنه مرتد عن دين الإسلام كما توهمه بعضهم، وإنما هو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام كما اعترف هو بذلك حيث يقول: (انتهيت إلى الإسلام دون التخلي عن اعتقاداتي الخاصة وقناعاتي الفكرية) .
إن دين الإسلام لا يجتمع مع القناعات الإلحادية، ولا يجتمع مع اليهودية والنصرانية؛ لأنهما ديانتان محرفتان ومنسوختان بدين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ ، وأمره أن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)
стр. 4339
وقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (١) » أخرجه مسلم في صحيحه كما تقدم، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٢) » وبذلك يعلم أنه لا يسع أحدا من هذه الأمة جنها وإنسها إلا اتباع محمد ﷺ ولا يقبل الله من أحد بعد بعثته إلا دينه، ودينه هو الإسلام وهو صالح لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٦)
стр. 4340
وتقدم قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (١) » . وذلك أن الله سبحانه أخذ الميثاق على الأنبياء كلهم من أولهم إلى آخرهم بالإقرار بنبوة محمد ﷺ وعموم رسالته، وأنه لو بعث وأحد منهم حي وجب عليه اتباعه وطاعته ومناصرته وهذا الحكم يتناول أتباعهم أيضا، فإن من زعم أنه يتبع موسى وعيسى يجب عليه أن يؤمن بمحمد ﷺ بعدما بعثه الله ويتبعه لأن رسالته ختمت الرسالات وشريعته نسخت الشرائع، ولم يبق دين مقبول عند الله سوى الدين الذي بعثه الله به كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وهذا الحكم واجب على جميع المكلفين من الجن والإنس إلى يوم القيامة، كما تقدم ذلك في قوله سبحانه آمرا نبيه محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣) الآية من سورة الأعراف. وتقدم قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) وقول النبي ﷺ :
стр. 4341
«كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (١) » متفق على صحته، وقوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢) » . والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة، وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يثبتنا وإياهم على دينه، وأن يمنحنا جميعا الفقه فيه والاستقامة عليه، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من شر أعداء الله ومكائدهم كالجارودي وأشباهه من سائر الملحدين والكافرين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء ورئيس المجلس
التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4342
تحذير وبيان عن مؤتمر بكين للمرأة (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد نشر في وسائل الإعلام خبر انعقاد المؤتمر الدولي الرابع المعني بالمرأة، من ٩ إلى ٢٠ \ ٤ عام ١٤١٦ هـ الموافق ٤ \ ١٥ سبتمبر عام ١٩٩٥ م في بكين عاصمة الصين، واطلعت على الوثيقة المعدة لهذا المؤتمر المتضمنة (٣٦٢) مادة في (١٧٧) صفحة. وعلى ما نشر من عدد من علماء بلدان العالم الإسلامي في بيان مخاطر هذا المؤتمر، وما ينجم عنه من شرور على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة، وتأكد لنا أن هذا المؤتمر من واقع الوثيقة المذكورة هو امتداد لمؤتمر السكان والتنمية المنعقد في القاهرة في شهر ربيع الثاني عام ١٤١٥ هـ، وقد صدر بشأنه قرار هيئة كبار العلماء، وقرار المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، كلاهما برئاستي واشتراكي، وقد تضمن القراران إدانة المؤتمر المذكور بأنه مناقض لدين الإسلام ومحادة لله ولرسوله ﷺ ، لما فيه من نشر للإباحية وهتك للحرمات، وتحويل المجتمعات إلى قطعان بهيمية وأنه تتعين مقاطعته.... إلى آخر ما تضمنه القراران المذكوران.
والآن يأتي هذا المؤتمر في نفس المسار والطريق الذي سار عليه المؤتمر المذكور، متضمنا التركيز على مساواة المرأة بالرجل والقضاء على جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة في كل شيء ... وقد تبنت مسودة
стр. 4343
الوثيقة المقدمة من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة على مبادئ كفرية، وأحكام ضالة في سبيل تحقيق ذلك منها:
الدعوة إلى إلغاء أي قوانين تميز بين الرجل والمرأة على أساس الدين، والدعوة إلى الإباحية باسم: الممارسة الجنسية المأمونة وتكوين الأسرة عن طريق الأفراد وتثقيف الشباب والشابات بالأمور الجنسية ومكافحة التمييز بين الرجل والمرأة، ودعوة الشباب والشابات إلى تحطيم هذه الفوارق القائمة على أساس الدين، وأن الدين عائق دون المساواة. إلى آخر ما تضمنته الوثيقة من الكفر والضلال المبين، والكيد للإسلام وللمسلمين، بل للبشرية بأجمعها وسلخها من العفة، والحياء، والكرامة.
لهذا فإنه يجب على ولاة أمر المسلمين، ومن بسط الله يده على أي من أمورهم أن يقاطعوا هذا المؤتمر، وأن يتخذوا التدابير اللازمة لمنع هذه الشرور عن المسلمين، وأن يقفوا صفا واحدا في وجه هذا الغزو الفاجر. وعلى المسلمين أخذ الحيطة والحذر من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين.
نسأل الله ، أن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم، وأن يبطل عملهم هذا، وأن يوفق المسلمين وولاة أمرهم إلى ما فيه صلاحهم، وصلاح أهليهم رجالا ونساء، وسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والمفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4344
معنى تنقض عرى الإسلام عروة عروة (١)
س: قال رسول الله ﷺ : «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة (٢) » . ما معنى هذا الحديث؟ وما المقصود بنقض الحكم؟
ج: الحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة (٣) » اهـ ومعناه ظاهر وهو أن الإسلام كلما اشتدت غربته كثر المخالفون له والناقضون لعراه يعني بذلك فرائضه وأوامره، كما في قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (٤) » أخرجه مسلم في صحيحه.
ومعنى قوله في الحديث: «وأولها نقضا الحكم (٥) » معناه ظاهر وهو عدم الحكم بشرع الله وهذا هو الواقع اليوم في غالب الدول المنتسبة للإسلام. ومعلوم أن الواجب على الجميع هو الحكم بشريعة الله في كل شيء والحذر من الحكم بالقوانين والأعراف المخالفة للشرع المطهر لقوله سبحانه:
стр. 4345
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)
وقد أوضح العلماء ﵏ أن الواجب على حكام المسلمين أن يحكموا بشريعة الله في جميع شئون المسلمين، وفي كل ما يتنازعون فيه، عملا بهذه الآيات الكريمات، وبينوا أن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا استحل ذلك كفر كفرا أكبر مخرجا له من الملة الإسلامية..... أما إذا لم يستحل ذلك وإنما حكم بغير ما أنزل الله لرشوة أو غرض آخر مع إيمانه بأن ذلك لا يجوز، وأن الواجب تحكيم شرع الله، فإنه بذلك يكون كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر.