«كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (١) » متفق على صحته، وقوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢) » . والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة، وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يثبتنا وإياهم على دينه، وأن يمنحنا جميعا الفقه فيه والاستقامة عليه، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من شر أعداء الله ومكائدهم كالجارودي وأشباهه من سائر الملحدين والكافرين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء ورئيس المجلس
التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4342
تحذير وبيان عن مؤتمر بكين للمرأة (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد نشر في وسائل الإعلام خبر انعقاد المؤتمر الدولي الرابع المعني بالمرأة، من ٩ إلى ٢٠ \ ٤ عام ١٤١٦ هـ الموافق ٤ \ ١٥ سبتمبر عام ١٩٩٥ م في بكين عاصمة الصين، واطلعت على الوثيقة المعدة لهذا المؤتمر المتضمنة (٣٦٢) مادة في (١٧٧) صفحة. وعلى ما نشر من عدد من علماء بلدان العالم الإسلامي في بيان مخاطر هذا المؤتمر، وما ينجم عنه من شرور على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة، وتأكد لنا أن هذا المؤتمر من واقع الوثيقة المذكورة هو امتداد لمؤتمر السكان والتنمية المنعقد في القاهرة في شهر ربيع الثاني عام ١٤١٥ هـ، وقد صدر بشأنه قرار هيئة كبار العلماء، وقرار المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، كلاهما برئاستي واشتراكي، وقد تضمن القراران إدانة المؤتمر المذكور بأنه مناقض لدين الإسلام ومحادة لله ولرسوله ﷺ ، لما فيه من نشر للإباحية وهتك للحرمات، وتحويل المجتمعات إلى قطعان بهيمية وأنه تتعين مقاطعته.... إلى آخر ما تضمنه القراران المذكوران.
والآن يأتي هذا المؤتمر في نفس المسار والطريق الذي سار عليه المؤتمر المذكور، متضمنا التركيز على مساواة المرأة بالرجل والقضاء على جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة في كل شيء ... وقد تبنت مسودة
стр. 4343
الوثيقة المقدمة من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة على مبادئ كفرية، وأحكام ضالة في سبيل تحقيق ذلك منها:
الدعوة إلى إلغاء أي قوانين تميز بين الرجل والمرأة على أساس الدين، والدعوة إلى الإباحية باسم: الممارسة الجنسية المأمونة وتكوين الأسرة عن طريق الأفراد وتثقيف الشباب والشابات بالأمور الجنسية ومكافحة التمييز بين الرجل والمرأة، ودعوة الشباب والشابات إلى تحطيم هذه الفوارق القائمة على أساس الدين، وأن الدين عائق دون المساواة. إلى آخر ما تضمنته الوثيقة من الكفر والضلال المبين، والكيد للإسلام وللمسلمين، بل للبشرية بأجمعها وسلخها من العفة، والحياء، والكرامة.
لهذا فإنه يجب على ولاة أمر المسلمين، ومن بسط الله يده على أي من أمورهم أن يقاطعوا هذا المؤتمر، وأن يتخذوا التدابير اللازمة لمنع هذه الشرور عن المسلمين، وأن يقفوا صفا واحدا في وجه هذا الغزو الفاجر. وعلى المسلمين أخذ الحيطة والحذر من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين.
نسأل الله ، أن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم، وأن يبطل عملهم هذا، وأن يوفق المسلمين وولاة أمرهم إلى ما فيه صلاحهم، وصلاح أهليهم رجالا ونساء، وسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والمفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4344
معنى تنقض عرى الإسلام عروة عروة (١)
س: قال رسول الله ﷺ : «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة (٢) » . ما معنى هذا الحديث؟ وما المقصود بنقض الحكم؟
ج: الحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة (٣) » اهـ ومعناه ظاهر وهو أن الإسلام كلما اشتدت غربته كثر المخالفون له والناقضون لعراه يعني بذلك فرائضه وأوامره، كما في قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (٤) » أخرجه مسلم في صحيحه.
ومعنى قوله في الحديث: «وأولها نقضا الحكم (٥) » معناه ظاهر وهو عدم الحكم بشرع الله وهذا هو الواقع اليوم في غالب الدول المنتسبة للإسلام. ومعلوم أن الواجب على الجميع هو الحكم بشريعة الله في كل شيء والحذر من الحكم بالقوانين والأعراف المخالفة للشرع المطهر لقوله سبحانه:
стр. 4345
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)
وقد أوضح العلماء ﵏ أن الواجب على حكام المسلمين أن يحكموا بشريعة الله في جميع شئون المسلمين، وفي كل ما يتنازعون فيه، عملا بهذه الآيات الكريمات، وبينوا أن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا استحل ذلك كفر كفرا أكبر مخرجا له من الملة الإسلامية..... أما إذا لم يستحل ذلك وإنما حكم بغير ما أنزل الله لرشوة أو غرض آخر مع إيمانه بأن ذلك لا يجوز، وأن الواجب تحكيم شرع الله، فإنه بذلك يكون كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر.
стр. 4346
فنسأل الله سبحانه أن يوفق حكام المسلمين جميعا للحكم بشريعته والتحاكم إليها وإلزام شعوبهم بها، والحذر مما يخالف ذلك. إنه جواد كريم، ولا شك أن في تحكيم الشريعة والتحاكم إليها، والعمل بها صلاح أمر الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة، والسلامة من مكائد الأعداء والإعانة على النصر عليهم. كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما قول النبي ﷺ في الحديث المذكور «وآخرهن الصلاة (٧) » فمعناه كثرة التاركين لها والمتخلفين عنها. وهذا هو الواقع اليوم في كثير من البلدان الإسلامية. فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للثبات على دينه والاستقامة عليه، وأن يعينهم على إقام الصلاة
стр. 4347
والمحافظة عليها في أوقاتها في جماعة، في بيوت الله ، وهي المساجد التي قال الله فيها : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١) ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٢) ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) والصلاة هي عمود الإسلام وهي الركن الثاني من أركانه العظام كما في قول النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (٤) » وقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٥) » .
وقد أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم فقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٧) وقال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٨) والوسطى هي صلاة العصر كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ ، فأوجب سبحانه
стр. 4348
المحافظة على الصلوات الخمس وإقامتها كما شرع الله، وخص الوسطى بمزيد التأكيد، ولعل الحكمة في ذلك أنها تقع في آخر النهار بعد مباشرة الناس للأعمال، وربما كسلوا عنها أو ناموا عنها بسبب تعب العمل، فحثهم الله سبحانه على المحافظة عليها وحذرهم من إضاعتها وقال سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١) والآيات في شأن الصلاة كثيرة.
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح وقال ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄.
وقال عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل ﵁: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها
стр. 4349
حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
والأحاديث في شأن الصلاة والحث عليها والتحذير من تركها والتهاون بها كثيرة جدا، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العظيم أن التكاسل عنها من صفات المنافقين الموعودين بالدرك الأسفل من النار، كما قال الله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) وقال سبحانه بشأن المنافقين في سورة التوبة: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٤)
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من صفات الكفار والمنافقين ونسأله سبحانه أن يوفقنا وجميع المسلمين للثبات على دينه والاستقامة عليه والسلامة من أسباب غضبه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 4350
الإمام ابن تيمية لم يستحسن الاحتفال بالمولد النبوي (١)
س: الأخ أ. م. م من الكويت يقول في سؤاله: ذكر أحد العلماء أن الإمام ابن تيمية ﵀ يستحسن الاحتفال بذكرى المولد النبوي فهل هذا صحيح يا سماحة الشيخ.
ج: الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بدعة لا تجوز في أصح قولي العلماء لأن النبي ﷺ لم يفعله وهكذا خلفاؤه الراشدون، وصحابته جميعا ﵃ وهكذا العلماء وولاة الأمور في القرون الثلاثة المفضلة وإنما حدث بعد ذلك بسبب الشيعة ومن قلدهم، فلا يجوز فعله ولا تقليد من فعله، والشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ ممن ينكر ذلك ويرى أنه بدعة. ولكنه في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ذكر في حق من فعله جاهلا ولا ينبغي لأحد أن يغتر بمن فعله من الناس أو حبذ فعله أو دعا إليه كمحمد علوي مالكي وغيره لأن الحجة ليست في أقوال الرجال وإنما الحجة فيما قال الله سبحانه أو قاله رسوله ﷺ أو أجمع عليه سلف الأمة، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) الآية. وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤)
стр. 4351
وهو ﵊ لم يفعل ذلك، وقد بلغ البلاغ المبين بأقواله وأفعاله ﷺ ، وأصحابه ﵃ لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقد قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته، وقال ﵊ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه، وكان ﷺ يقول في خطبه: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وقد كتبت في ذلك كتابة مطولة بعض الطول، وفي بدع أخرى كبدع الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وقد طبعت كلها في كتيب بعنوان (التحذير من البدع) وهو يوزع من دار الإفتاء ومن وزارة الشئون الإسلامية، وهو موجود في كتابي بعنوان (مجموع فتاوى ومقالات) في المجلد الأول صـ ٢٢٧ فمن أحب أن يراجع ذلك فليفعل. ونسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لمعرفة الحق واتباعه وأن يعيذنا جميعا من البدع والمنكرات ما ظهر منها وما بطن إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 4352
كلمة في حفل التوعية الإسلامية في الحج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فإني أشكر الله على ما من به علينا وعلى حجاج بيت الله الحرام من أداء مناسك الحج في أمن وعافية وسلامة وهدوء، والحمد لله جل وعلا على ذلك، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومن جميع حجاج بيت الله الحرام، كما أسأله سبحانه أن يوفق حكومتنا لكل خير وأن يجزيها عما فعلت من التسهيل لحجاج بيت الله الحرام لأداء مناسكهم أفضل الجزاء، وأن يعينها على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد كما أسأله سبحانه أن يجزي أيضا العاملين في هذه الدولة من عسكريين ومدنيين أحسن الجزاء عما فعلوا من الخير، وأن يضاعف مثوبتهم على ما فعلوه من تيسير وتسهيل وإعانة لإخوانهم حجاج بيت الله الحرام، وأسأله أن يتقبل من الجميع عملهم وحجهم.
ثم إني أشكر أخي صاحب الفضيلة معالي الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ محمد بن عبد الله السبيل على كلمته القيمة، وتوجيهاته السديدة المفيدة، فجزاه الله خيرا، وقد أحسن
стр. 4353
وأجاد في نصيحة إخوانه الدعاة، ووصيتهم بما ينبغي أن يعتمدوه في نصحهم ودعوتهم إلى الله ، وعنايتهم بإخوانهم حجاج بيت الله الحرام وغيرهم فإن الدعوة إلى الله شأنها عظيم، وهي من أهم الفرائض، وهي مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والعلماء هم ورثة الأنبياء فالواجب عليهم العناية بالدعوة، وأن تكون الأساليب التي يرجى منها حصول المطلوب والسلامة من النفور عن الحق، ويرجى منها الإفادة للمدعو وقبوله الحق، وعليهم أن يحذروا الأساليب التي يخشى منها بقاء المنكر، أو وجود ما هو أنكر منه.
فالداعي إلى الله يجب أن ينظر في أسلوب دعوته، وأن يتحرى الأساليب التي يرجى من ورائها حصول الخير والفائدة والسلامة من ضد ذلك، فجزى الله أخانا صاحب الفضيلة الشيخ محمد عن كلمته خيرا. كما أشكره أيضا على جهوده العظيمة الإصلاحية في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأسأل الله أن يزيده والعاملين معه من التوفيق والهداية، وأن يبارك في جهودهم وينفع بهم عباده من حجاج بيت الله الحرام وزوار هذا المسجد العظيم للعمرة وزواره للصلاة وزوار المسجد النبوي، نسأل الله أن يبارك في جهود القائمين على هذين المسجدين وأن يجعلهم هداة مهتدين.
كما أشكره أيضا هو وإخوانه، على ما يبذلونه من الدعوة إلى الله في المسجدين، وتوجيه الناس إلى الخير، وإفتائهم فيما يحتاجون إليه فجزاهم الله جميعا خيرا.
стр. 4354
ثم أشكر الأمانة العامة للتوعية على جهودها في هذا السبيل سبيل تسهيل أداء المناسك لحجاج بيت الله الحرام، أشكر الأمانة والعاملين فيها على جهودهم الطيبة، في تسهيل أمر الحجيج وإعانتهم على أداء مناسكهم بما يسهل عليهم ذلك، وبما يعينهم على فهم ما أوجب الله عليهم، وعلى ترك ما حرم الله عليهم.
ولا شك أن جهود الأمانة العامة لها ثمار عظيمة، ولها فوائد جمة، ونسأل الله أن يبارك في هذه الجهود وأن يجزي العاملين فيها جزاء حسنا، وأن يثيبهم ويأجرهم على ما فعلوا، ويزيدهم من فضله، فإن الله سبحانه هو الجواد الكريم، وهو الذي يجازي العاملين بما يستحقون فنسأل الله أن يجزي العاملين في سبيله جزاء حسنا، وأن يثيبهم على ما قدموا، وأن يجعل لهم مثل ثواب إخوانهم الذين ساعدوهم في الخير، وسهلوا لهم طريق الخير.
ثم أشكر إخواني الدعاة إلى الله ، وأدعو لهم بمزيد من التوفيق، فقد بذلوا جهودا كبيرة وأسأل الله أن يجزيهم عن جهودهم خيرا، وأن يضاعف مثوبتهم، ولا شك أن الواجب عليهم عظيم، ونسأل الله أن يتقبل منهم جهودهم، وأن يعطيهم مثل أجور من هداه الله على أيديهم. قال الله في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فالدعوة
стр. 4355
إلى الله هي: سبيل الأنبياء وأتباعهم على بصيرة، فنسأل الله أن يوفقنا وإخواننا الدعاة وسائر علماء المسلمين لما يرضيه، وأن يجعلنا جميعا من الدعاة إليه على بصيرة، وأن يعيننا على أداء الواجب، إنه خير مسئول.
ولا شك أن الدعاة إلى الله سبحانه في جهاد عظيم وهم جديرون بأن يبذلوا وسعهم في هذا السبيل؛ لأن الله جل وعلا قد أتاح لهم في هذا الموسم أمما كثيرة من سائر أرجاء الدنيا في حاجة إلى الدعوة والتوجيه فيما يتعلق بالعقيدة، ومناسك الحج، وفيما يتعلق بأحكام الدين، فهم جديرون بأن يوجهوهم ويرشدوهم إلى ما يجب عليهم وإلى ما يحرم عليهم حتى يفعلوا ما شرع الله، ويدعوا ما حرم الله.
وأسأل الله أن يبارك أعمالهم، وأن ينفع بها عباده المسلمين، وأن يجزيهم عن ذلك جزاء حسنا، وأن يجعلهم من الهداة المهتدين، ولا ريب أن الحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه والإرشاد، فالواجب أن تكون دعوتهم بالأساليب الحسنة التي يرجى منها قبول الحق وترك الباطل، قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فهذه الطريقة التي رسمها الله لعباده، فيها الخير العظيم، فيها توجيه الناس وإرشادهم بالعلم والحكمة، فإن الحكمة هي: العلم وذلك بوضع الأمور في مواضعه عن علم وبصيرة، ثم الموعظة الحسنة
стр. 4356
بالترغيب والترهيب، ثم الجدال بالتي هي أحسن: لإزالة الشبه وإيضاح الحق.
وبذلك يحصل المطلوب ويزول المرهوب بخلاف الشدة والغلظة، فإنه يترتب عليها شر عظيم، وعواقب وخيمة منها: عدم قبول الحق، ومنها: أنه قد يقع بذلك منكرات أخرى. قال الله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) وقال الله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢)
فالواجب على الدعاة أن يسلكوا المسالك التي يرونها ناجحة مفيدة صالحة لإرشاد المدعوين وتوجيههم إلى الخير، ولا شك أن الحكمة في الدعوة والتبصر فيها من أهم المهمات، والدعوة إلى الله أحسن ما يبذله المسلم في نفع غيره، قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٣) وموسم الحج من أحسن مواضعها وأوقاتها، فالحج فرصة للدعاة إلى الله لينشروا فيه دعوة الحق، ويرشدوا فيه الخلق إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، ويحذرهم عما نهى الله عنه من سائر الأخلاق والأعمال، فهي نعمة من الله عظيمة على من دعا إلى الله ونعمة من الله عظيمة على المدعوين. فنسأل الله أن يجزي الداعين خيرا، وأن يثيبهم عن دعوتهم، وأن يزيدهم علما إلى علمهم، وخيرا إلى
стр. 4357
خيرهم، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن ينفع المدعوين بما سمعوا، وبما شاهدوا وأن يرزقهم البصيرة، والفقه في الدين، كما أسأله سبحانه أن يجزي ولاة أمرنا عما فعلوا وبذلوا من الخير، في إعانة الدعاة على أداء واجبهم، وفي إعانة الحجاج على أداء مناسكهم، نسأل الله أن يجزيهم على ذلك الجزاء الحسن، وأن يضاعف مثوبتهم، وأن يزيدهم من كل خير وأن يعينهم على إزالة كل شر.
وإن واجب العلماء النصيحة لله، ولعباده، والنصيحة لولاة الأمور بالمكاتبة والمشافهة للأمير، والرئيس، لكل ولي أمر من ملك، أو رئيس جمهورية، أو أمير ورئيس عشيرة، أو جماعة إلى غير ذلك، فكل من له رئاسة، وكل من له شيء يستطيع أن يتصرف فيه، هو جدير بأن ينصح ويوجه، حتى يبذل جهوده في من تحت يديه، هذا واجب العلماء أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها وفي هذه الدولة، وفي هذه البقعة بصورة خاصة، وفي بقاع الدنيا عامة.
والواجب على العلماء أن يرشدوا الناس إلى توحيد الله وطاعته، ويتعاونوا مع ولاة الأمور بالحكمة، والأسلوب الحسن، والكلام الطيب، والنصيحة الطيبة وبالمشافهة والمكاتبة، واجتناب الألفاظ والوسائل التي قد تنفر من الحق، وقد تضر الدعوة، يجب على العلماء أينما كانوا أن يكونوا بصيرين في أمر الدعوة، وأن يتحروا الأسباب والوسائل التي يرجى من ورائها حصول المطلوب، وأن يحذروا كل سبب، وكل وسيلة يخشى من ورائها عدم حصول المطلوب، أو حصول ضده، هذا هو الواجب على الجميع.
стр. 4358
وفي مكة المكرمة كان نبينا ﵊ يدعو الناس بالكلام الطيب والأسلوب الحسن حسب الطاقة والإمكان، ويتابع البعد عن كل ما يضر الدعوة، وهكذا لما هاجر إلى المدينة فعل ذلك حتى شرع الله الجهاد، وأعطاه قوة، فعند ذلك جاهد الناس، وشرع في قتال الكفار إلى أن يستجيبوا للحق.
وعلى الدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن يجتهدوا في إيصال الدعوة إلى المدعوين بالطرق التي يرجى منها حصول المطلوب. وإذا قوي من له سلطان، قام على تنفيذ الحق بالقوة بطريقة يحصل بها المطلوب، ولا يحصل منها ضده. وهذا هو الواجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحق بالطريقة التي يمكن بها تنفيذه بدون حصول ما هو شر ومنكر.
والواجب على الدعاة إلى الله أن يبلغوا ولاة الأمور الحق، بالوسائل الكتابية، والشفهية حتى يحصل التعاون بين الجميع بين السلطان وبين الأمير وبين كبير القبيلة وبين كبير الأسرة حتى يحصل التعاون بين الجميع بالأسلوب الحسن والدعوة المباركة، ولا شك أن الدعوة إلى الله يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الدعوة تدخل في الأمر والنهي عند الإطلاق. كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١) وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٢) الآية تعم الدعاة وتعم الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 4359
المنكر، وتعم كل من قام بالإصلاح، والدعوة إلى الله ، في درس أو مجلس، أو غير ذلك، وهكذا الأمر بالمعروف، إذا أطلق دخلت فيه الدعوة، كما في قوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) فالواجب على كل إنسان أن يبذل وسعه في تنفيذ الحق حسب طاقته، فالسلطان عليه واجبه الأعظم حسب طاقته، والأمير في القرية أو البلد أو القبيلة عليه تنفيذ الحق حسب طاقته بالفعل والقول جميعا، وكبير الأسرة وصاحب البيت عليه تنفيذ الحق بالقول وبالعمل حسب طاقته ومع أولاده وأهله، وهكذا كل إنسان عليه أن يعمل حسب طاقته، كما قال الله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) وكما قال ﵊ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٣) » .
فمن كان يستطيع بيده مثل السلطان والأمير فيما حدد له، والهيئة فيما حدد لها، وصاحب البيت فيما يقدر عليه، نفذ الأمر بيده، ومن كان بصفة أخرى نفذ بالكلام والتوجيه والإرشاد وبالتي هي أحسن حتى يحصل الحق، وحتى يزول الباطل، وعليه أن يستمر ولا ييأس ويرجو ما عند
стр. 4360
الله من المثوبة فيصبر، كما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) هذه صفة الرابحين، والمؤمنين السعداء، إيمان صادق وعمل صالح، وتواص بالحق وتواص بالصبر، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٥) » ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٦) فالواجب نصر الله والعناية بأمره، والاجتهاد في ذلك ويشرع للمؤمن أن يجتهد في أن يكون في حاجة أخيه الدينية والدنيوية وأن يعينه على الخير حسب طاقته وبهذا تجتمع القلوب، ويحصل التعاون والتآلف والمحبة في الله، وكثرة الخير وقلة الشر.
فنسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه وأن يوفقنا جميعا لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد أينما كانوا. كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسئولين لما يرضيه في كل مكان وأن يصلح بطانتهم وأن يصلح
стр. 4361
العلماء ويعينهم على أداء الواجب، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمور المسلمين في كل مكان للحكم بشريعته، والتحاكم إليها، والفقه فيها، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وأن ينصر بهم الحق، وأن يوفقهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يوفق علماءنا وجميع المسلمين للتعاون على البر والتقوى إنه خير مسئول، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 4362
موقف الدعاة والعلماء من كثرة انتشار الباطل
س: إن هداية الناس ثمرة لانتشار العلم الشرعي بين الناس. ولكن من الملاحظ أن الباطل أكثر انتشارا عبر الصحافة، وكافة وسائل الإعلام ومناهج التدريس. فما موقف الدعاة والعلماء من هذا؟
ج: هذه واقعة منتشرة في الزمان كله، وحكمة أرادها الله سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) لكن هذا يختلف: ففي بلاد يكثر وفي بلاد يقل، وفي قبيلة يكثر، وفي قبيلة يقل، وأما بالنسبة إلى الدنيا فأكثر الخلق على غير الهدى. ولكن هذا يتفاوت بالنسبة إلى بعض الدول، وبعض البلاد، وبعض القرى، وبعض القبائل، فالواجب على أهل العلم أن ينشطوا، وألا يكون أهل الباطل أنشط منهم. بل يجب أن يكونوا أنشط من
стр. 4363
أهل الباطل، في إظهار الحق والدعوة إليه أينما كانوا في الطريق، وفي السيارة، وفي الطائرة، وفي المركبة الفضائية، وفي البيت، وفي أي مكان، عليهم أن ينكروا المنكر بالتي هي أحسن، ويعلموا بالتي هي أحسن، بالأسلوب الطيب والرفق واللين، يقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٣) » .
فلا يجوز لأهل العلم السكوت وترك الكلام للفاجر والمبتدع والجاهل، فإن هذا غلط عظيم، ومن أسباب انتشار الشر والبدع واختفاء الخير وقلته وخفاء السنة.
فالواجب على أهل العلم أن يتكلموا بالحق، ويدعوا إليه، وأن ينكروا الباطل ويحذروا منه، ويجب أن يكون ذلك عن علم وبصيرة كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٤) وذلك بعد العناية بأسباب تحصيل العلم، من دراسة على أهل العلم وسؤالهم عما أشكل، وحضور حلقات العلم والإكثار من تلاوة القرآن الكريم وتدبره ومراجعة الأحاديث الصحيحة، حتى تستفيد
стр. 4364
وتنشر العلم كما أخذته عن أهله بالدليل، مع الإخلاص والنية الصالحة والتواضع، ويجب أن تحرص على نشر العلم بكل نشاط وقوة، وألا يكون أهل الباطل أنشط في باطلهم، وأن تحرص على نفع المسلمين في دينهم ودنياهم.
وهذا واجب العلماء شيوخا وشبابا أينما كانوا، بأن ينشروا الحق بالأدلة الشرعية، ويرغبوا الناس فيه، وينفروهم من الباطل، ويحذروهم منه، عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤)
هكذا يكون أهل العلم أينما كانوا يدعون إلى الله، ويرشدون إلى الخير وينصحون لله ولعباده بالرفق فيما يأمرون به وفيما ينهون عنه وفيما يدعون إليه. حتى تنجح دعوتهم، ويفوز الجميع بالعاقبة الحميدة والسلامة من كيد الأعداء. والله المستعان.
стр. 4365
رد على المفترين على العلماء (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم وفقه الله لما فيه رضاه
آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
بعده: كتابكم الكريم المؤرخ ٢١ \ ١٠ \ ١٣٩٧ هـ وصل وصلكم الله بهداه، وأفيدكم أني لم أطلع على كتابكم السابق الذي أشرتم إليه، بل سلم لمندوبكم قبل أن أطلع عليه، وقد كان فضيلة مدير مكتبي أخبرني به وذكر أنه مطول، فأجلت قراءته إلى وقت مناسب خارج المكتب، فطلبتموه قبل ذلك، فأمرت بتسليمه لمندوبكم.... وقد اطلعت على ما نشرته صحيفة السياسة الكويتية، فألفيتها قد ذكرت ما أشرتم إليه من زعمها أن مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كفر من قال بهبوط الإنسان على سطح القمر، أو قال: إن الأرض كروية، أو أنها تدور، وهذا تنقله السياسة عن البيان الذي أصدره كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر. ولا شك أنهم يقصدون بمدير الجامعة شخصي؛ لأني أنا الذي كتبت في الموضوع حينما أذيع خبر النزول على سطح القمر وكنت ذلك الوقت رئيس الجامعة، ولا شك أن الأمر كما أشرتم إليه من جهة وجود المفترين على العلماء وغيرهم، كما يوجد من ينقل الأخبار على غير وجهها كما قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها، ومقالكم الذي نشر في
стр. 4366
المجلة الأمريكية ونقلت بعضه مجلة الاعتصام هو من هذا الباب، وكنت كلمت جلالة الملك خالد في الموضوع بحضرة المشايخ؛ لأن المقال خطير فأردت من ذلك أن يطلع على الواقع ويوعز إليكم أن تكذبوه إن كان كذبا؛ لأن أعداء الله قد يكذبون عليكم وعلى غيركم، أو تتوبوا منه حتى يعلم ذلك كل من اطلع على المقال وغيرهم، وبذلك ينتهي الأمر ويتضح الحق، وليس في هذا الإجراء غرابة؛ لأن المنكر العظيم إذا ظهر وجب أن ينكر ظاهرا حتى لا يغتر به أحد، وحتى لا يلتبس أمره على بعض الناس.
ومن هذا الباب قصة حاطب بن أبي بلتعة الصحابي المشهور أحد المهاجرين لما كتب إلى قريش يخبرهم بعزم النبي ﷺ على غزوهم عام ثمان من الهجرة، فأخبر الله نبيه بذلك، فأرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود ﵃، إلى المرأة التي تحمل الكتاب وقال: تجدونها في روضة خاخ فذهبوا وأدركوها وأخذوا الكتاب منها وسلموه للنبي ﷺ فأحضره النبي ﷺ وسأله بحضرة الناس عما حمله على الكتاب، فأجاب بما لا يخفى على مثلكم، وقال عمر في ذلك قوله المشهور وهو طلب قتله، فقال النبي ﷺ : «إنه قد شهد بدرا (١) » الحديث. وليس أحد منا معصوما وإنما العصمة لله ولرسله فيما يبلغونه عنه سبحانه، والمؤمن يبتلى ويمتحن بالغلط منه وبالكذب عليه وبغير ذلك، والواجب عليه عند ذلك تكذيب الكذب والتوبة مما زل به لسانه أو قلمه أو غير ذلك من جوارحه.
стр. 4367
وقد اطلعت على ما كتبتم في صحيفة " المدينة " من التكذيب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، كما أسأله سبحانه أن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من جميع ذنوبنا وتقصيرنا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا إنه سميع قريب.
أما ما نشرته عني مجلة " السياسة " نقلا عن البيان الذي كتبه كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر من إنكاري هبوط الإنسان على سطح القمر وتكفير من قال بذلك، أو قال إن الأرض كروية، أو تدور، فهو كذب بحت لا أساس له من الصحة، وقد يكون الناقل لم يتعمد الكذب ولكن لم يتثبت في النقل، ومقالي مطبوع ومنشور وقد أوضحت فيه الرد على من أنكر هبوط الإنسان على سطح القمر، أو كفر من صدق بذلك، وبينت أن الواجب على من لا علم لديه التوقف وعدم التصديق والتكذيب حتى يحصل له من المعلومات ما يقتضي ذلك. كما أني قد أثبت في المقال فيما نقلته عن العلامة ابن القيم ﵀ ما يدل على إثبات كروية الأرض، أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به، وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير جارية لأن هذا القول مصادم لصريح القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة الدالين على أن الشمس والقمر يجريان، وإليكم نسخة من المقالات الثلاث الصادرة مني في هذه المسائل، وسأكتب إن شاء الله كلمة للسياسة أوضح فيها بطلان ما نقلته صحيفة السياسة عن البيان المشار إليه فيما يتعلق بالمسائل الأربع المذكورة وسأنشره في غيرها من الصحف إن شاء الله ليعلم القراء
стр. 4368
غلط أو كذب أصحاب البيان المذكور فيما نقلوه عني.... والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا وإياكم وسائر إخواننا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العامة والإفتاء
والدعوة والإرشاد
стр. 4369
الوهابية لا تناصب آل البيت العداء
بل هي على طريقة السلف الصالح (١)
س: هل صحيح أن الوهابية تناصب آل البيت العداء، وأنها تنتقص من سيد الخلق، وما حقيقة الدعوة الوهابية؟ ولماذا تحارب بهذا الشكل؟
ج: الوهابية منسوبة إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ، وهو الذي قام بالدعوة إلى الله سبحانه في نجد، وأوضح للناس حقيقة التوحيد والشرك، ودعا الناس إلى توحيد الله وإفراد العبادة له سبحانه، وترك التعلق على أصحاب القبور، ممن يسمون بالأولياء، ودعاؤهم من دون الله والاستغاثة بهم والاستعاذة بهم والنذر لهم، وهكذا من يتعلق بالجن أو بعض الأشجار والأحجار، وأوضح للناس هو وأتباعه من العلماء: أن هذا هو الشرك الأكبر، وكان ذلك في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، إلى أن توفي ﵀ في التاريخ المذكور، وساعده في ذلك ونصر دعوته الإمام محمد بن سعود ﵀، جد الأسرة المالكة اليوم من آل سعود، وناصر دعوته وقام بها كل من لديه علم بما بعث الله به نبيه محمدا ﷺ من الهدى ودين الحق، فانتشرت دعوته ﵀ في نجد وملحقاتها، وأيدها علماء السنة في نجد والحجاز واليمن، وفي مصر والشام والعراق، والهند وغيرها. وحقيقتها هي الدعوة إلى ما بعث الله
стр. 4370
به نبيه محمدا ﷺ من توحيد الله، والإخلاص له، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وذلك بالإخلاص لله ومتابعة رسوله ﷺ ، وترك ما عليه عباد القبور والأولياء من دعوة غير الله والاستغاثة بغير الله والذبح والنذر لغير الله، وعاداها وأنكرها الجهال الذين لم يعرفوا ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق، أو من نقلت لهم على غير حقيقتها ممن جهلها أو تعمد الكذب عليها. والشيخ محمد ﵀ وأتباعه الذين ناصروا دعوته، كلهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ الذين ساروا على نهجه ﵊، ويعرفون فضلهم، ويتقربون إلى الله سبحانه بمحبتهم والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضا، كالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وأبنائه، وكالخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب ﵁، وأبنائه الحسن والحسين ومحمد ﵃، ومن سار على نهجهم من أهل البيت في توحيد الله وطاعته، وتعظيم شريعتيه، كما أن الوهابية يسيرون على منهج السلف الصالح من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان في العقيدة والقول والعمل، ويبغضون من خالف سيرتهم، وخرج عن نهجهم من سائر الطوائف، وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يسير عليه، ويعتقده ويدعو إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١)
стр. 4371
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)
وقال النبي ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٣) » الحديث متفق عليه وكان ﷺ يقول في خطبته: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٤) » . أخرجه مسلم في صحيحه. وقال ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٥) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومما ذكرنا يعلم السائل وغيره أن الوهابيين وهم أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذين ناصروا دعوته وساروا عليها، وأوضحوها للناس، ليسوا مبتدعة، وليسوا ينصبون العداوة لأهل البيت
стр. 4372
أو يتنقصون النبي محمدا ﵊، بل هم على طريقة السلف الصالح، من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، وهم يحبون رسول الله ﷺ محبة صادقة أعظم من محبتهم لأنفسهم ووالديهم والناس أجمعين، عملا بقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (١) » .
ولما «قال له عمر ﵁: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر ﵁: لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال له ﷺ : الآن يا عمر (٢) » أي قد تم الإيمان وكمل لكونه ﷺ أحب إلى كل مؤمن من نفسه.
ومن أدلة صدق المحبة اتباعه ﷺ ، والتمسك بما جاء به، والحذر مما يخالف ذلك، لقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)
أما الذين عادوا هذه الدعوة فهم الجهال بها، أو أصحاب الهوى الذين باعوا آخرتهم بدنياهم وتابعوا أهل الباطل في عداء الحق، إما عن جهل أو عن هوى، كما فعلت اليهود في عداء نبينا محمد ﷺ وما بعثه الله به من الهدى، حسدا وبغيا واتباعا للهوى، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 4373
الإجابة عن عدة أسئلة لصحيفة المدينة
رد الافتراء على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
﵀ ودعوته (١)
س: ما حكم من قام بالتهجم والافتراء على الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وعلى دعوته ووصفه بأنه مبتدع وقد جاء بمذهب خامس، ووصف أتباعه بالوهابيين وغير ذلك من الصفات التي قد يلقيها أعداء هذه الدعوة على الإمام؟
ج: هذا من جهل الجاهلين؛ فالذين عادوا الشيخ قسمان: قسم على الشرك: فعادوه لأنه دعا إلى التوحيد وهم مشركون ضالون، وقسم آخر: جهال غرهم دعاة الباطل. فهم جهال قلدوا جهالا، أو قلدوا مغرضين.... والمشركون عادوا الرسل وحاربوا دعوة الرسل جهلا وضلالا، وقوم آخرون - عن بصيرة كاليهود وأشباههم - عادوا الرسل وعادوا ما جاء به الرسل عن بصيرة حسدا وبغيا وطاعة للهوى نسأل الله العافية.
стр. 4374
حول تفضيل أحد الأولاد على الآخرين في العطاء
س: إن بعض الناس يمتاز أحد من أولاده على الآخر بالبر والعطف على والديه، فيخصه والده بالبر والعطية من أجل ما امتاز به من البر. فهل من العدل أن يعطى المتميز بالبر عوضا عن بره؟
стр. 4375
ج: لا شك أن بعض الأولاد خير من بعض هذا أمر معلوم لكن ليس للوالد أن يفضل بسبب ذلك، بل يجب أن يعدل لقول النبي ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم (١) » فلا يجوز له تفضيل من أجل أن هذا أحسن من هذا وأبر من هذا، بل يجب أن يعدل بينهم ونصيحة الجميع حتى يستقيموا على البر وعلى طاعة الله ورسوله؛ ولكن لا يفضل بعضهم على بعض في العطية، ولا يوصي لبعضهم دون بعض؛ بل كلهم سواء في الميراث والعطية على حسب ما جاء به الشرع من الميراث، والعطية، يعدل بينهم كما جاء في الشرع فللرجل مثل حظ الأنثيين، فإذا أعطى الرجل من أولاده ألفا يعطي المرأة خمسمائة، وإذا كانوا مرشدين وتسامحوا، وقالوا: أعط أخانا كذا، وسمحوا سماحا واضحا. فإذا قالوا: نسمح أن تعطيه سيارة أو تعطيه كذا.... ويظهر له أن سماحهم حقيقة ليس مجاملة ولا خوفا منه، فلا بأس.
والمقصود أن يتحرى العدل إلا إذا كان الأولاد مرشدين سواء، أكانوا ذكورا أو إناثا وسمحوا لبعضهم أن يعطوا شيئا لأسباب خاصة، فلا بأس، فالحق لهم.
стр. 4376
حول اعتماد طالب العلم أو الداعية على الكتب الفكرية والثقافية وعدم قراءة الكتب الشرعية
س٣: بعض الناس يعتمد على الكتب الفكرية والثقافية ويقرأ منها ثم بعد ذلك يظن أنه عالم وداعية مع أنه ضعيف في الفقه في الدين ولم يقرأ في الكتب الشرعية. فما هو توجيه سماحتكم لمثل ذلك؟
стр. 4377
ج: العلم: قال الله وقال رسوله، وليس قال فلان وفلان، العلم: قال الله وقال رسوله، بعد ذلك قول أهل العلم بما يفسرونه ويوضحونه للناس، وأهل العلم هم خلفاء الله في عباده بعد الرسل قال جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١) والعلم هو العلم بالله وبدينه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) وهم الرسل وأتباعهم أهل البصائر، أهل الدين، أهل الحق، أهل القرآن والسنة، فالعلماء هم خلفاء الرسل وهم الموضحون والدالون على الله وعلى دينه، ولا يكون طالب العلم من أهل العلم إلا بتدبر وتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والأخذ من علماء السنة، هذا هو طريق العلم: أن يقبل على الطاعات والتدبر والتعقل والاستفادة، ويقرأ قراءة المستفيد الطالب للعلم من أوله إلى آخره، ويتدبر ويتعقل ويطالع ما أشكل عليه في كتب التفسير المعتمدة كتفسير ابن كثير والبغوي ونحوهما من التفاسير المعتمدة، ويعتني بكتب الحديث الشريف، ويأخذ العلم عن علماء أهل السنة والجماعة من أهل البصيرة، لا من علماء الكلام، ولا من علماء البدع، ولا من الجهلة، فالعلم الذي ليس من كتاب الله وسنة رسوله لا يسمى علما بل يسمى جهلا، وإن كان علما نافعا في الدنيا، لكن المقصود الذي ينفع في الآخرة وينقذ من الجهالة، ويتبصر به الإنسان في الدين ويعرف ما أوجب الله عليه وما حرم عليه هذا هو العلم الشرعي.
стр. 4378
نصيحة للدعاة في عدم استعجال ثمار دعوتهم
س: ما هي نصيحتكم للدعاة الذين يستعجلون قطف ثمار الدعوة ونتائجها؟
ج: الواجب على الدعاة التحمل والصبر وعدم العجلة، حتى يفقهوا الناس وحتى يرشدوا الناس، فيعلموا ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم عن بصيرة، الواجب التأني والتثبت حتى يفقه العامي ويفقه المتعلم ما قيل له، ولا مانع من ترداد الكلام وإيضاحه بأنواع العبارات التي توضح للسائل أو للحاضرين مراد المعلم ومراد المرشد؛ لأن الحاضرين قد يكون فيهم من لا يفهم لغة المعلم ولغة المرشد فيكرر العبارات ويوضحها بالعبارات التي يفهمونها والألفاظ التي يفهمونها حتى يكون البيان كاملا وحتى تقوم الحجة ولا بد من الصبر كما قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢) والله ولي التوفيق.
стр. 4379
ليس الحنابلة هم السلفيون فقط (١)
س: هل صحيح أن الحنابلة هم السلفيون فقط؟ وما حقيقة السلفية، هل هي قرينة التشدد والتزمت كما يروج البعض؟
ج: ليس هذا القول بصحيح. وإنما السلف الصالح هم الصحابة ﵃ ومن سلك سبيلهم من التابعين وأتباع التابعين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم ممن سار على الحق وتمسك بالكتاب العزيز والسنة المطهرة، في باب التوحيد، وباب الأسماء والصفات، وفي جميع أمور الدين، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يوفق جميع المسلمين حكومات وشعوبا في كل مكان للتمسك بكتابه العزيز وسنة رسوله الأمين وتحكيمهما، والتحاكم إليهما، والحذر من كل ما يخالفهما إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله ولي التوفيق.
стр. 4380
تحذير من الوقوع في أعراض الناس والغيبة (١)
س: ما هي الغيبة؟ وما حكم الوقوع في أعراض الناس وهل يجوز مجالسة من يغتاب؟
ج: إن الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون منكر عظيم وهو من الغيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب لقوله : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته (٣) » رواه مسلم.
ولقد صح عنه ﷺ أنه لما عرج به مر على قوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: «يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم (٤) » . فالواجب عليك يا عبد الله وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه، لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٥) » . فإن لم يمتثل بعد ذلك فاترك مجالسته لأن ذلك من تمام الإنكار عليه.