٦ - آخر نهار الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس هو من أوقات الإجابة في حق من جلس على طهارة ينتظر صلاة المغرب، فينبغي الإكثار من الدعاء بين صلاة العصر إلى غروب الشمس يوم الجمعة، وأن يكون جالسا ينتظر الصلاة؛ لأن المنتظر في حكم المصلي. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «في يوم الجمعة ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله إياه (١) » وأشار إلى أنها ساعة قليلة، فقوله ﷺ : «لا يسأل الله فيها شيئا وهو قائم يصلي (٢) » قال العلماء: يعني ينتظر الصلاة، فإن المنتظر له حكم المصلي؛ لأن وقت العصر ليس وقت صلاة.
فالحاصل أن المنتظر لصلاة المغرب في حكم المصلي، فينبغي أن يكثر من الدعاء قبل غروب الشمس، إن كان في المسجد ففي المسجد وإن كان امرأة أو مريضا في البيت شرع له أن يفعل ذلك وذلك بأن يتطهر وينتظر صلاة المغرب، هذه الأوقات كلها أوقات إجابة ينبغي فيها تحري الدعاء والإكثار منه مع الإخلاص لله والضراعة والانكسار بين يدي الله والافتقار بين يديه ، والإكثار من الثناء عليه وأن يبدأ الدعاء بحمد الله والصلاة على النبي ﷺ فإن البداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ من أسباب الاستجابة، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ .
س: ما حكم قول المسلم لأخيه: يا غبي يا خبل وأمثالها، وما حكم قوله لجماعة من الناس: يا ضعفاء الإيمان وإذا كانت هذه الأقوال تنطبق عليهم؟
ف. ع.
ج: المشروع للمؤمن أن يخاطب إخوانه المسلمين بالألفاظ الحسنة وأسمائهم التي سموا بها، ثم ينصحهم في ما ينتقده عليهم بالأسلوب الحسن؛ لأن ذلك أقرب إلى قبول النصيحة وبقاء الأخوة الإيمانية لقول الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) والولي ضد العدو، ومن صفات الولي أن يخاطب أخاه بما يسره لا بما يكره، ولقول النبي ﷺ : «البر حسن الخلق (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه. وقال أيضا ﵊: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» . أخرجه أبو يعلى وصححه الحاكم.
وقال ﷺ : «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء (٣) » أخرجه الترمذي وصححه الحاكم وإسناده جيد.
س: سائلة من الجزائر تقول: السلام عليكم ورحمة الله كنت أول عمري ملتزمة متحجبة. ثم تغيرت أخلاقي واتبعت أصحاب اللهو والشهوات تزوجت ولكني قمت بالخيانة الزوجية وأقمت علاقة مع عدد من الرجال علاقة غير شرعية. ثم ندمت على ما فعلت من الخيانة والفواحش، وأنا حائرة هل يغفر الله لي ذنوبي ويقبل توبتي، وما هي الأشياء التي يجب علي عملها حتى يغفر الله لي ويقبل توبتي؟
ص. ن.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
بعده: يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها (٤) » فنوصيك
стр. 4556
بلزوم التوبة وهي: ١ - الندم على ما مضى. ٢ - وترك المعاصي. ٣ - والعزم الصادق ألا تعودي فيها. وبذلك يغفر الله جميع ما مضى وهناك شرط رابع، إذا كانت المعصية تتعلق بحق الغير، فإذا كان عندك لأحد حق من دين أو قرض أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك، فأعطيه حقه، وبذلك تتم التوبة مع مراعاة الشروط الثلاثة السابقة. وأبشري بالخير وعليك بحسن الظن بالله وصحبة النساء الطيبات والإكثار من قراءة القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة.
نسأل الله لنا ولك ولجميع المسلمين الثبات على الحق والعافية من شرور النفس وسيئات العمل، ومن نزغات الشيطان إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار
العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء: من أعظم شروط الدعاء الثقة بالله والتصديق له ولرسوله، والإيمان بأن الله هو الحق ولا يقول إلا الحق، والإخلاص لله سبحانه والمتابعة لرسوله ﷺ مع الإيمان بأن الرسول ﵊ بلغ الحق وهو الصادق فيما يقول.
وأضاف سماحته: وأن يأتي بذلك عن إيمان وثقة بالله ورغبة فيما عنده، وأنه سبحانه مدبر الأمور ومصرف الأشياء، وأنه القادر على كل شيء : لا عن شك ولا عن سوء ظن بل عن حسن ظن بالله وثقة به، وأنه متى تخلف المطلوب فلعلة من العلل، فالعبد عليه أن يأتي بالأسباب، والله مسبب الأسباب، وهو الحكيم العليم. وقال سماحته: وقد يحصل الدواء ولكن لا يزول الداء لأسباب أخرى جهلها العبد ولله فيها حكم ، وهذا يشمل الدواء الحسي والمعنوي؛ الحسي الذي يقوم به الأطباء من أدوية وعمليات ونحو ذلك، والمعنوي الذي يحصل بالدعاء والقراءة ونحو ذلك من الأسباب الشرعية، ومع هذا كله قد يتخلف المطلوب لأسباب كثيرة، منها: الغفلة عن الله سبحانه، ومنها: المعاصي ولا سيما أكل الحرام.
стр. 4559
واستشهد سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية بما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر. قال: الله أكثر (١) » .
واختتم سماحته إجابته بقوله: وبذلك يعلم المؤمن أن إجابته قد تؤجل إلى الآخرة لأسباب اقتضتها حكمة الله سبحانه، وقد يصرف عنه بأسباب الدعاء شر كثير بدلا من أن يعطى طلبه، والله هو الحكيم العليم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره كما قال : ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) .
س: هل من الممكن أن لا يأخذ المؤمن بالأسباب إذا وصل إلى درجة معينة من الإيمان لقوة يقينه؟ .
ج: ليس الأمر كذلك، بل لا بد من الأخذ بالأسباب مهما كان المرء مؤمنا حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم أفضل الخلق وأرفع الناس درجة في الإيمان كانوا يأخذون بالأسباب وهم أكمل الناس إيمانا وأرجحهم ميزانا وأكملهم عقولا، ومع هذا يأخذون بالأسباب، فالنبي ﷺ يوم أحد أخذ بالأسباب فحمل السلاح وجعل على رأسه البيضة تقيه السلاح وظاهر بين درعين أي لبس درعين وهو سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكملهم إيمانا وأكملهم توكلا على الله ﵊ وكان يأكل ويشرب ويجامع النساء ويأخذ بالأسباب. فلا يجوز تعطيل الأسباب لأي أحد من الناس مع القدرة، بل على كل أحد وإن بلغ القمة في الإيمان أن يأخذ بالأسباب، كما أن أفضل الناس وهم الرسل يأخذون بالأسباب.
стр. 4562
جمع المصحف على حرف واحد
س: هل صحيح أن عثمان ﵁ عندما جمع القرآن في مصحف واحد حذف بعض الأحرف أم أنه أثبت بعض القراءات دون بعض؟ .
ج: ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه (١) » . وقال المحققون من أهل العلم: إنها متقاربة في المعنى مختلفة في الألفاظ.
стр. 4563
وعثمان ﵁ لما بلغه اختلاف الناس وجاءه حذيفة ﵁ وقال: أدرك الناس. استشار الصحابة الموجودين في زمانه كعلي وطلحة والزبير وغيرهم فأشاروا بجمع القرآن على حرف واحد حتى لا يختلف الناس فجمعه ﵁، وكون لجنة رباعية لهذا، ويرأسهم زيد بن ثابت ﵁، فجمعوا القرآن على حرف واحد وكتبه ووزعه في الأقاليم حتى يعتمده الناس وحتى ينقطع النزاع. أما القراءات السبع أو القراءات العشر فهي موجودة في نفس ما جمعه عثمان ﵁ في زيادة حرف أو نقص حرف أو مد أو شكل للقرآن، كل هذا داخل في الحرف الواحد الذي جمعه عثمان ﵁. والمقصود من ذلك حفظ كلام الله ومنع الناس من الاختلاف الذي قد يضرهم ويسبب الفتنة بينهم. والله جل وعلا لم يوجب القراءة بالأحرف السبعة؛ بل قال النبي ﷺ : « (٢) » فجمع الناس على حرف واحد عمل طيب ويشكر عليه عثمان والصحابة ﵃ وأرضاهم لما فيه من التيسير والتسهيل وحسم مادة الخلاف بين المسلمين.
стр. 4564
كيفيه التكفير عن المعاصي
س: سائل يقول: إني طالب في معهد، وأبلغ الآن الحادية والعشرين سنة وقد من الله علي بنعمة الإيمان وقررت أن أكفر عما كنت عليه بأن أتزهد واستغفر الله؛ ما هو أحسن طريق ترشدوني إليه، جزاكم الله خيرا؟ .
стр. 4565
ج: نرشدك إلى لزوم التوبة عما سلف من سيئاتك والندم على ما مضى والاستقامة على طاعة الله ورسوله والعزم الصادق أن لا تعود إلى الذنوب والمعاصي، ونوصيك بالإكثار من قراءة كتاب الله وتدبر معانيه والإكثار من حفظ الحديث النبوي، مثل بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وعمدة الحديث للحافظ عبد الغني المقدسي، والأربعين النووية وتتمتها لابن رجب، فهذه كتب مفيدة ونافعة، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
وننصحك بمراجعة كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم فهو كتاب عظيم الفائدة، وكذلك فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن.
س: لقد أغواني الشيطان وفعلت جريمة الزنا وأنا أعلم أنها جريمة بشعة وأريد أن أتوب إلى الله ، فهل يتوب الله علي، علما أنني كنت أقول: سوف أفعلها ثم أتوب، فهل لي من توبة؟ .
ج: التوبة بابها مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا من الشرك فما دونه تاب الله عليه.
والتوبة النصوح هي المشتملة على الإقلاع من الذنوب، والندم على ما فات منها، والعزم الصادق على ألا يعود فيها، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له ورجاء لعفوه ومغفرته، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣) وقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)
стр. 4568
وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين، ويزاد على الشروط الثلاثة المذكورة في صحة التوبة شرط رابع فيما إذا كانت الحقوق لآدميين، وهو أن يؤدي إليهم حقوقهم من مال أو غيره أو يستحلهم منها لقول النبي ﷺ : «من كان عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (١) » أخرجه البخاري في صحيحه. والواجب على المسلم أن يحذر الشرك ووسائله وجميع المعاصي لأنه قد يبتلى بشيء من ذلك، ثم لا يوفق للتوبة، فتعين عليه أن يحذر كل ما حرم الله عليه وأن يسأل ربه العافية من ذلك، وألا يتساهل مع الشيطان فيقدم على المعاصي بنية التوبة منها، ولا شك أن ذلك خداع من الشيطان وتزيين منه للوقوع في المعاصي بدعوى أنه سيتوب منها، وقد يعاقب العبد فيحال بينه وبين ذلك، فيندم غاية الندامة، وتعظم حسرته حين لا ينفعه الندم.
وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 4569
الحفظ والتفقه في الدين لتعليم أهل القرية
والصلاة بهم عمل صالح تشكر وتؤجر عليه (١) .
стр. 4570
س: إذا حفظ الإنسان علما من علوم الدين لكي يقوم بدوره في القرية التي يسكنها. وحفظ القرآن لكي يصلي بالشباب صلاة قيام رمضان، هل يكون هناك نوع من الشرك الأصغر؟ .
ج: من المعلوم بالأدلة الشرعية أن طلب العلم والتفقه في الدين من أفضل القربات والطاعات، وهكذا دراسة القرآن الكريم والعناية بالإكثار من تلاوته والحرص على حفظه أو ما تيسر منه، كل ذلك من أفضل القربات، فإذا قمت بما ينبغي من تعليم أهل قريتك وتوجيههم والصلاة بهم والصلاة بالشباب وغيرهم فكل هذا عمل صالح تشكر عليه وتؤجر عليه، وليس ذلك من الرياء، وليس من الشرك إذا كان قصدك وجه الله والدار الآخرة، ولم ترد رياء الناس، ولا حمدهم، ولا ثناءهم، وإنما أردت بذلك أن تنفعهم وأن تتزود من العلم والفقه في الدين. وإنما يكون ذلك شركا أصغر إذا فعلت ذلك رياء للناس، وطلبا لثنائهم، كما قال النبي ﵊: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء (١) » «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه (٢) »
стр. 4571
يقول الله سبحانه يوم القيامة للمرائين: «اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء (١) » . فالرياء أن تعمل العمل وتقصد الناس أن يشاهدوك ويثنوا عليك ويمدحوك، ومن ذلك السمعة، كان تقرأ ليثنوا عليك ويقولوا: إنه جيد القراءة ويحسن القراءء أو تكثر من ذكر الله ليثنوا عليك ويقولوا: يكثر من الذكر، أو تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لتمدح ويثنى عليك، وهذا هو الرياء، وهو الشرك الأصغر. فالواجب الحذر من ذلك، وأن تعمل أعمالك لله وحده، لا لأجل مراعاة الناس وحمدهم وثنائهم ولكنك تتعلم لتعمل وتعلم إخوانك وتصلي بهم وترجو ما عند الله من المثوبة وتقصد بذلك نفعهم لا رياء ولا سمعة، وإذا قرأت من المصحف فلا بأس أن تصلي بإخوانك من المصحف في رمضان فكان مولى عائشة ﵂ يصلي بها من المصحف، فلا حرج على المصلي أن يقرأ من المصحف في قيام رمضان إذا كان لا يحفظ، وإن كان يحفظ عن ظهر قلب وقرأه حفظا فهو أفضل وأحسن ولكن لا حرج في القراءة من المصحف عند الحاجة إلى ذلك.
стр. 4572
الواجب على العاق لوالديه الاستغفار
والدعاء لهما بعد موتهما
س: ما صحة هذا الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتب عند الله بارا» ؟
ج: لا أعرف حال هذا الحديث، ولا أدري عن صحته ولكن المعنى صحيح، فإن الدعاء للوالدين والاستغفار لهما والصدقة عنهما من جملة البر بعد الموت، ولعل الله يخفف عنه بذلك ما سبق منه من عقوق مع التوبة الصادقة، وعليه أن يتوب إلى الله ويندم على ما فعل ويكثر من الاستغفار والدعاء لهما بالرحمة والعفو والمغفرة مع الإكثار من الصدقة عنهما، فإن هذا كله مما شرعه الله تعالى في حق الولد لوالديه: فقد ثبت عنه ﷺ «أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله هل بقي لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال ﵊: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما (١) » .
стр. 4573
والصلاة عليهما: يعني الدعاء لهما؛ ومن ذلك صلاة الجنازة، والاستغفار لهما: أي طلب المغفرة من الله لهما، وإنفاذ عهدهما: يعني وصاياهما إذا أوصيا بشيء لا يخالف الشرع، فمن برهما تنفيذ الوصية الموافقة للشرع، وإكرام صديقهما: أي أصدقاء والديه يكرمهم ويحسن إليهم ويراعي حقوق الصداقة بينهم وبين والديه، وإن كان الصديق فقيرا واساه، وإن كان غير فقير اتصل به للسلام عليه والسؤال عن حاله استصحابا للصداقة التي بينهم وبين والديه إذا كان ذلك الصديق ليس ممن يستحق الهجر، كذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما كالإحسان إلى أخواله وأعمامه وأقاربه من جهة أبيه وأمه، فكل هذا من بر الوالدين.
стр. 4574
س: ما الفرق بين الشيطان والجن، وهل الشيطان يتناسل من ذكر وأنثى؟ وإذا كان أبوهم طرد من الجنة لأنه عصى ربه وتوعده الله بالنار، فلماذا لا ينصح أبناءه لينجوا من النار؟ وهل الشيطان يتعامل مع الإنسان بأن يخدمه مقابل عصيان الإنسان لربه؟ وهل هناك جن مسلمون يخدمون المسلمين كخدمتهم لسيدنا سليمان ﵇؟ وإذا كان الشيطان أو الجن باستطاعته خدمة الإنسان فلماذا لا يساعد المسلمون من الجن المسلمين من الإنس في حربهم مع الكفار
стр. 4575
ونقل أسرارهم، ونصرة الإسلام؟ ولماذا لا يساعد الكفار منهم الكفار من الإنس بأي شكل من الأشكال أرجو التوجيه حول هذه الأمور، وإذا نويت عمل خير في قلبي هل يعلم به الشيطان ويحاول صرفي عنه؟ وإذا كان هذا كله يوجد فهل هناك دليل من القرآن والسنة؟ وهل حصلت أمثلة في زمن الرسول ﷺ وإذا كان يوجد كتاب فيه مثل هذه المسائل دلوني عليه حتى استطيع أن أنجو من شر الشياطين، نجاني الله وإياكم من شرورهم. .
ج: الشياطين من الجن، وهم المتمردون منهم وأشرارهم كما أن شياطين الإنس هم متمردو الإنس وأشرارهم، فالجن والإنس منهم شياطين وهم متمردوهم وأشرارهم من الكفرة والفسقة وفيهم المسلمون من الأخيار الطيبين كما في الإنس الأخيار الطيبون. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (١) والشيطان هو أبو الجن عند جمع من أهل العلم، وهو الذي عصى ربه واستكبر عن السجود لآدم، فطرده الله وأبعده. وقال آخرون من أهل العلم: إن الشيطان من طائفة من الملائكة يقال لهم الجن استكبر عن السجود فطرده الله وأبعده، وصار قائدا لكل شر، وكل خبيث، وكل كافر وظالم، وكل إنسان معه شيطان ومعه
стр. 4576
ملك، كما قال النبي ﷺ : «ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» . وأخبر ﷺ أن الشيطان يملي على الإنسان الشر ويدعوه إلى الشر وله لمة في قلبه وله اطلاع بتقدير الله على ما يريده العبد وينويه من أعمال الخير والشر، والملك كذلك له لمة بقلبه يملي عليه الخير ويدعوه إلى الخير فهذه أشياء مكنهم الله منها: أي مكن القرينين القرين من الجن والقرين من الملائكة، وحتى النبي ﷺ معه شيطان وهو القرين من الجن كما تقدم وهو الحديث بذلك قول النبي ﵊: «ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير (١) » والمقصود أن كل إنسان معه قرين من الملائكة وقرين من الشياطين، فالمؤمن يقهر شيطانه بطاعة الله والاستقامة على دينه، ويذل شيطانه حتى يكون ضعيفا لا يستطيع أن يمنع المؤمن من الخير ولا أن يوقعه في الشر إلا ما شاء الله، والعاصي بمعاصيه وسيئاته يعين شيطانه حتى يقوى على مساعدته على الباطل، وتشجيعه على الباطل، وعلى تثبيطه عن الخير. فعلى المؤمن أن يتقي الله وأن يحرص على جهاد شيطانه بطاعة الله ورسوله والتعوذ بالله من الشيطان، وعلى أن يحرص في مساعدة ملكه على طاعة الله ورسوله والقيام بأوامر الله
стр. 4577
والمسلمون يعينون إخوانهم من الجن على طاعة الله ورسوله كالإنس وقد يعينهم الإنس في بعض المسائل وإن لم يعلم بذلك الإنس، فقد يعينونهم على طاعة الله ورسوله بالتعليم والتذكير مع الإنس، وقد يحضر الجن دروس الإنس في المساجد وغيرها فيستفيدون من ذلك. وقد يسمع الإنس منهم بعض الشيء الذي ينفعهم، وقد يوقظونهم للصلاة، وقد ينبهونهم على أشياء تنفعهم وعن أشياء تضرهم. فكل هذا واقع وإن كانوا لا يتمثلون للناس. وقد يتمثل الجني لبعض الناس في دلالته على الخير أو في دلالته على الشر، فقد يقع هذا ولكنه قليل، والغالب أنهم لا يظهرون للإنسان وإن سمع صوتهم في بعض الأحيان يوقظونه للصلاة أو يخبرونه ببعض الأخبار. فالحاصل أن الجن من المؤمنين لهم مساعدة للمؤمنين وإن لم يعلم المؤمنون ذلك، ويحبون لهم كل خير. وهكذا المؤمنون من الإنس يحبون لإخوانهم المؤمنين من الجن كل خير ويسألون الله لهم الخير. وقد يحضرون الدروس، ويحبون سماع القرآن والعلم كما تقدم فالمؤمنون من الجن يحضرون دروس الإنس، في بعض الأحيان وفي بعض البلاد، ويستفيدون من دروس الإنس، كل هذا واقع ومعلوم. وقد صرح به كثير من أهل العلم ممن اتصل به الجن وسألوه عن بعض المسائل العلمية وأخبروه أنهم يحضرون دروسه، كل هذا أمر معلوم والله المستعان، وقد أخبر الله سبحانه عن سماع الجن للقرآن من النبي ﷺ في آخر سورة الأحقاف حيث قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (١) ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)
стр. 4578
والآيتين بعدها وأنزل سبحانه في ذلك سورة مستقلة وهي سورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (١) السورة.
وهناك كتب كثيرة ألفت في هذا الباب، وابن القيم ﵀ في كتبه قد ذكر كثيرا من هذا، وفيه كتاب لبعض العلماء سماه المرجان في بيان أحكام الجان لمؤلفه الشبلي، وهو كتاب مفيد وهناك كتب أخرى صنفت في هذا الباب، وبإمكان الإنسان أن يلتمسها ويسأل عنها في المكتبات التجارية، وبإمكانه أن يستفيد من كتب تفسير سورة الجن والآيات الأخرى من سورة الأحقاف وغيرها التي فيها أخبار الجن، وبمراجعة التفاسير يستفيد الإنسان من ذلك ومما قاله المفسرون ﵏ في أخبار الجن أشرارهم وأخيارهم.
стр. 4579
حكم الصلاة خلف من يتبرك بالقبور (١)
س: ما حكم الصلاة خلف من يذهب إلى قبور الصالحين للتبرك بها، وتلاوة القرآن في الموالد وغيرها بأجر على ذلك؟
стр. 4580
ج: هذا فيه تفصيل: إن كان مجرد الاحتفال بالموالد من دون شرك فهذا مبتدع، فينبغي أن لا يكون إماما لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١) » والاحتفال بالموالد من البدع، أما إذا كان يدعو الأموات ويستغيث بهم، أو بالجن، أو غيرهم من المخلوقات فيقول: يا رسول الله انصرني أو اشف مريضي، أو يقول: يا سيدي الحسين، أو يا سيدي البدوي، أو غيرهم من الأموات، أو الجمادات كالأصنام، المدد المدد، فهذا مشرك شركا أكبر لا يصلى خلفه، ولا تصح إمامته - نسأل الله العافية - أما إذا كان يرتكب بدعة كأن يحضر المولد ولكن لا يأتي بشرك، أو يقرأ القرآن عند القبور، أو يصلي عندها، ولا يأتي بشرك، فهذا يكون قد ابتدع في الدين، فيعلم ويوجه إلى الخير وصلاته صحيحة إذا لم يفعلها عند القبور. أما الصلاة في المقبرة فلا تصح لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢) » متفق عليه.
стр. 4581
الصلاة خلف المبتدع (١)
س: ما حكم المقيم في بلد أهله متمسكون بالبدعة، هل يصح له أن يصلي معهم صلاة الجمعة والجماعة أو يصلي وحده أو تسقط عنه الجمعة؟ وإذا كان أهل السنة ببلد أقل من اثني عشر فهل تصح لهم الجمعة أم لا؟
стр. 4582
ج: إن إقامة الجمعة واجبة مع كل مسلم أو فاجر، فإذا كان الإمام في الجمعة لا تخرجه بدعته عن الإسلام فإنه يصلى خلفه قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم) انتهى.
قال الشارح لهذه العقيدة، وهو من العلماء المحققين في شرح هذه الجملة. قال ﷺ : «صلوا خلف كل بر وفاجر (١) » رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة، وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وأخرج الدارقطني أيضا وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر والجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر (٢) » وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقا ظالما، وفي صحيحه أيضا أن النبي ﷺ قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم (٣) » وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا على من قال لا إله إلا الله وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله (٤) » أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها.
стр. 4583
اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج ابن يوسف، وكذلك أنس بن مالك ﵁ كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعا ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة. وفي الصحيح أن عثمان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أسأءوا فاجتنب إساءتهم.
والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.
ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإن أمكن
стр. 4584
هجره حتى يتوب كان حسنا وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة.
وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن للإنسان ألا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر ولا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء، منهم من قال يعيد، ومنهم من قال لا يعيد.
стр. 4585
وموضع بسط ذلك في كتب الفروع. انتهى كلام الشارح. والأقرب في هذه المسألة الأخيرة عدم الإعادة للأدلة السابقة ولأن الأصل عدم وجوب الإعادة فلا يجوز الإلزام بها إلا بدليل خاص يقتضي ذلك، ولا نعلم وجوده، والله الموفق.
وأما السؤال الثاني: فجوابه أن يقال: هذه المسألة فيها خلاف مشهور بين أهل العلم، والصواب في ذلك جواز إقامة الجمعة بثلاثة فأكثر إذا كانوا مستوطنين في قرية لا تقام فيها الجمعة، أما اشتراط أربعين أو اثني عشر أو أقل أو أكثر لإقامة الجمعة فليس عليه دليل يعتمد عليه فيما نعلم، وإنما الواجب أن تقام في جماعة وأقلها ثلاثة، وهو قول جماعة من أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب كما تقدم.
стр. 4586
الكتابة على القبور (١)
س: هل يجوز وضع قطعة من الحديد أو لافتة على قبر الميت مكتوب عليها آيات قرآنية. بالإضافة إلى اسم الميت وتاريخ وفاته. . إلخ؟
ج: لا يجوز أن يكتب على قبر الميت لا آيات قرآنية ولا غيرها، لا في حديدة ولا في لوح ولا في غيرهما، لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ «نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه، زاد الترمذي والنسائي بإسناد صحيح " وأن يكتب عليه ".
стр. 4587
الفتنة بالمال أكثر وأشد (١)
س: سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن الحكمة من ذكر المال مقدما على الأولاد في القرآن الكريم، رغم أن الأولاد أغلى لدى الأب من ماله.
стр. 4588
ج: فأجاب سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء قائلا: إن المال يعين على تحصيل الشهوات المحرمة بخلاف الأولاد فإن الإنسان قد يفتن بهم ويعصي الله من أجلهم.
وبين سماحته أن الفتنة بالمال أكثر وأشد، ولهذا بدأ سبحانه بالأموال قبل الأولاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣)
стр. 4589
معنى الخلود في النار (١)
س: قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٣) الآية أرجو من فضيلة الشيخ أن يذكر الجمع بين الآيتين الكريمتين؟
ج: ليس هناك بحمد الله بينهما اختلاف، فالآية الأولى فيها بيانه سبحانه لعباده أن ما دون الشرك تحت مشيئته قد يغفره فضلا منه سبحانه، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته لانتهاكه حرمات الله ولتعاطيه ما يوجب غضب الله، أما المشرك فإنه لا يغفر له بل له النار مخلدا فيها أبد الآباد إذا مات على ذلك - نعوذ بالله من ذلك - وأما الآية الثانية:
ففيها الوعيد لمن قتل نفسا بغير حق وأنه يعذب وأن الله يغضب عليه بذلك. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٤) معنى ذلك: أن هذا هو جزاؤه إن جازاه سبحانه وهو مستحق لذلك وإن عفا سبحانه فهو أهل العفو وأهل المغفرة جل وعلا، وقد يعذب بما ذكر الله مدة من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلود مؤقت، ليس كخلود الكفار، فإن الخلود خلودان:
стр. 4590
خلود دائم أبدا لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله سبحانه في شأنهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١) هكذا في سورة البقرة.
وقال في سورة المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) أما العصاة: كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، وهكذا أشباههم هم تحت مشيئة الله كما قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين أو بشفاعة الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم.
وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊ أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حدا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع ﵊ (أربع مرات) ، وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون وهكذا الأفراط كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء