وهاتان الآيتان تعم جميع من يعبد من دون الله من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وقد أوضح سبحانه أن دعاء المشركين لهم شرك به سبحانه، كما بين أن ذلك كفر به سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)
والآيات الدالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتوجيه الدعاء إليه دون كل ما سواه، وعلى تحريم عبادة غيره سبحانه من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار ونحو ذلك كثيرة جدا، يعلمها من تدبر كتاب الله وقصد الاهتداء به.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 7002
حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها
س: ما حكم التقرب بذبح الذبائح في أضرحة الأولياء الصالحين وقول: "بحق وليك الصالح فلان اشفنا أو أبعد عنا الكرب الفلاني؟ (١)
стр. 7003
ج: من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات- شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) والنسك هو: الذبح، بين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والذبح من العبادة، فيجب إخلاصه لله وحده. وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٧) » .
стр. 7004
وأما قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي- فهذا ليس من الشرك، ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك؛ لأن الدعاء عبادة وكيفيته من الأمور التوقيفية، ولم يثبت عن نبينا ﷺ ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق، فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق على صحته، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » ومعنى قوله: فهو رد أي مردود على صاحبه لا يقبل. فالواجب على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع.
أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته
стр. 7005
وبتوحيده وبالأعمال الصالحات، ومنها الإيمان بالله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، ونحو ذلك من أعمال البر والخير. والأدلة على ذلك كثيرة، منها: قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) ومنها: أنه ﷺ «سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال ﷺ لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب (٢) » أخرجه أهل السنن الأربع وصححه ابن حبان.
ومنها: حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، فإن الأول منهم توسل إلى الله سبحانه ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته عليه، والثالث توسل إلى الله سبحانه بكونه نمى أجرة الأجير ثم سلمها له، ففرج الله كربتهم وقبل دعاءهم وأزال عنهم الصخرة التي سدت عليهم باب الغار، والحديث متفق على صحته. والله ولي التوفيق.
стр. 7006
فائدة فيما يتعلق بزيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها (١) .
стр. 7007
لا شك أن موضوع زيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها موضوع مهم، والناس في حاجة دائمة لبيان ما شرع الله في ذلك وما نهى الله عنه حتى يكون الناس على بصيرة، فإن القبور قد ابتلي الناس فيها منذ قديم الزمان، من عهد نوح ﷺ ؛ فقد وقعت الفتنة بالموتى والغلو فيهم في زمن أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بعدما وقع فيهم الشرك- وهو نوح ﵇ ثم لم يزل الناس يقع منهم ما يقع من الفتن في القبور والغلو فيها والشرك بأهلها إلى يومنا هذا.
فإن الناس كانوا قبل زمن نوح ﵊ على الإسلام، من عهد آدم ﵇ إلى زمن نوح ﵊ عشرة قرون، كما قال ابن عباس ﵄، ثم إن الناس وقعوا في الشرك بعد ذلك بسبب الغلو في خمسة من الصالحين ماتوا في زمن متقارب يقال لهم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر؛ فعظم عليهم ذلك واشتدت
стр. 7008
بهم المصيبة بموت هؤلاء الأخيار منهم، فجاءهم الشيطان وزين لهم أن يصوروا صورهم، وأن ينصبوها في مجالسهم، وقال لهم: هذا تذكار تذكرونهم به في عبادتهم وأحوالهم الطيبة حتى لا تنسوهم، وتجتهدوا في العبادة كما اجتهدوا، فأتاهم من باب النصح، وقال بالتذكير بطاعة الله ، والخبيث له مقاصد أخرى فيما بعد، فيهم أو فيمن بعدهم في آخر زمانهم وعند طول الأمد، فإنه اعتقد أن هؤلاء إذا طال بهم الأمد سوف تتغير حالهم، وسوف يتغير اعتقادهم بهذه الصور، أو من يأتي بعدهم من ذرياتهم. فوقع كما اعتقد الخبيث، وكما ظن إذا طال الأمد: عبدوهم من دون الله، أو عبدهم ذرياتهم من دون الله، كما ذكر العلماء ذلك رحمة الله عليهم، وأنزل الله فيهم قوله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (٢) بين الله سبحانه أنهم أضلوا كثيرا بسبب الشيطان وتزيينه لهم صور هؤلاء الخمسة الصالحين حتى عبدوهم من دون الله فاستغيث بهم وعظمت قبورهم، وبني عليها، إلى غير ذلك، حتى بعث الله نبيه خاتم النبيين ﵊ فبين للناس ما فعله من قبلهم وما فعله اليهود والنصارى مع الأنبياء في هذا
стр. 7009
الصدد، فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » وأخبرهم عما تفعله النصارى في شأن موتاها، كما في الحديث الذي روته أم حبيبة وأم سلمة عن النبي ﷺ من قصة الكنيسة التي رأتاها في أرض الحبشة، فقال فيها ﵊: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (٢) » . فبين أن النصارى من عادتهم البناء على قبور صالحيهم، ووضع الصور على تلك القبور، ثم أخبر أنهم شرار الخلق عند الله بسبب ذلك.
وشرعت الزيارة للقبور لا للطواف بها والتبرك بها؛ وإنما شرعت لتذكر الناس الآخرة، ولقاء الله، والزهد في الدنيا، وأن الموت لا بد منه، وأنه سوف يأتي عليه كما أتى على من قبله من الأموات.
وفي الزيارة إحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين.
ولقد «استأذن الرسول ﷺ ربه في زيارة قبر أمه فأذن له (٣) » ؛ لما في زيارتها
стр. 7010
من الاعتبار والذكرى للموت والآخرة. ولما استأذن في أن يستغفر لها لم يؤذن له؛ لأنها ماتت على الجاهلية دين قومها؛ فدل ذلك على أن القبور إذا كانت قبور كفار أو من قبور أهل الجاهلية فإنه لا يدعى لهم، ولا يستغفر لهم، ولا يسلم عليهم، وإنما تزار للذكرى والاعتبار، ولكن لا يسلم عليهم ولا يدعى لهم؛ لأنهم ماتوا على غير دين الإسلام، وقد قال : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)
فالسنة أن يقول الزائر إذا زار مقابر المسلمين: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٢) » وفي لفظ آخر: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٣) » .
وكان إذا زار القبور ﷺ يدعو لهم ويستغفر لهم، ولما زار البقيع قال: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤) » وإذا زار الشهداء دعا لهم، وهذه هي السنة في زيارة القبور.
وقد نهى ﷺ عن زيارة القبور في أول الأمر، لما
стр. 7011
كان الناس حديثي عهد بالجاهلية والكفر، وقد كانوا اعتادوا الغلو في الموتى ودعاءهم والاستغاثة بهم، فمنعهم ﷺ عن الزيارة؛ لئلا يبقى في قلوبهم تعلق بالشرك بالله ، ولئلا تقع منهم أشياء لا ترضي الله؛ لأنهم حدثاء عهد بعبادة القبور وتعظيمها.
ولما استقر التوحيد في قلوب المسلمين، وعرفوا معنى الشهادتين، وعرفوا شريعة الله، أذن لهم بزيارة القبور بعد ذلك؛ لما فيها من المصلحة والتذكر للآخرة، ولقاء الله ، والزهد في الدنيا، والاستعداد للموت، وأن ما أصاب هؤلاء الموتى سيصيبك، مع ما فيها من الإحسان إلى الموتى بالدعاء والاستغفار لهم.
وقد كانت القبور في عهد النبي ﷺ ترفع عن الأرض قدر شبر، وليس هناك بناء عليها ولا تجصيص ولا قباب، هكذا كان الحال في عهد النبي ﷺ وعهد أصحابه والقرون المفضلة، ثم غير الناس بعد ذلك، وبنوا على القبور وجصصوها وفرشوها تقليدا لليهود والنصارى إلا من رحم الله، وقد قال النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن (١) »
стр. 7012
متفق على صحته. والمعنى فمن المعني إلا أولئك؟ فلهذا وقع ما وقع، قلدوا اليهود والنصارى بالبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب وفرشها حتى حدث الغلو فيها، وحتى عبدها الناس من دون الله وطافوا بها وطلبوا منها المدد من دون الله فوقع الشرك من الأكثرين. وكثير من العامة الذين لا بصيرة لهم يدعونها ويطلبون منها المدد والغوث وشفاء المرضى والنصر على الأعداء، وهذا هو الشرك بالله جل وعلا.
قال تعالى في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢) وهو ما وقع في الناس اليوم، فكثير منهم ممن يعرفون بالشيعة وغيرهم يدعون الحسين بن علي، ويدعون الرسول ﷺ أيضا من مكان بعيد، ويدعون عليا ﵁، وكل هذا من الجهل العظيم، فيقولون: الغوث الغوث، المدد المدد، النصر على الأعداء، وأنت تعرف ما جرى في الأمة وما جرى فينا، فأسعفونا وأغيثونا وانصرونا، إلى غير ذلك، ينسون الله ويدعون هؤلاء
стр. 7013
الأموات، وإذا اشتدت الأمواج في البحار كذلك يسألون الموتى ويصرخون بهم لإنقاذهم من الغرق. والمشركون الأولون أقل شركا من هؤلاء، كان الأولون إذا نزلت بهم الشدة استغاثوا بالله وحده وأفردوا له العبادة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١)
هذه حال الأولين من المشركين، كأبي جهل وأشباهه، أما هؤلاء المتأخرون - عباد القبور عباد الأموات - فشركهم دائم في الرخاء والشدة جميعا.
ومما وقع في الناس أيضا الإيقاد عند الموتى في المقابر، وهذا لا أصل له، وما جاء فيه من الأخبار فهو موضوع لا أساس له، ولا أساس للقراءة على الموتى في المقابر، كل هذا باطل، كذلك القراءة عند دفن الميت. وبعضهم أحدث بدعة أخرى، وهي بدعة الأذان والإقامة في القبر، إذا حفروه نزلوا فأذنوا وأقاموا فيه ثم جعلوا الميت فيه بعد ذلك، وهي بدعة جديدة لا أساس لها، وكذلك التلقين، تلقين الميت بعد إنزاله في القبر ودفنه بقولهم: يا فلان بن فلانة، فإن لم تعرف أمه قالوا: يا فلان بن حواء، اذكر ما كنت عليه في الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلى آخره.
وهذا لا أصل
стр. 7014
له، والأخبار فيه موضوعة لا أساس لها، وإنما فعلها بعض أهل الشام بعد انقراض القرن الأول، وليس في قول أحد أو فعله حجة فيما يخالف سنة رسول الله ﷺ ، وإنما المشروع الذي فعله الرسول ﷺ أنه إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يدعى له بالتثبيت والمغفرة، والسنة للمشيعين أن لا يعجلوا بالانصراف حتى يفرغ من دفن الميت؛ لقول النبي ﷺ : «من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها وحتى يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد (١) » يعني من الأجر، فدل على أن المشيع يبقى مع الجنازة حتى يفرغ من دفنها، وكان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل (٢) » هذه هي السنة، ولم يكن يلقنه، فالتلقين يكون قبل الموت ما دام حيا وظهرت عليه أمارات الموت، فإنه يلقن بأن يقول: لا إله إلا الله، أو يذكرون الله عنده حتى يقولها ويختم له بها؛ لقول النبي ﷺ :
стр. 7015
«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (١) » ولقوله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله (٢) » رواه مسلم في صحيحه.
وإذا لم ينتبه فلا بأس لمن عنده من إخوانه أن يقول: يا فلان، قل: لا إله إلا الله، برفق وكلام طيب.
وكذلك لا يجلس الإنسان على القبر، ولا يجوز الصلاة في المقبرة إلا صلاة الجنازة على القبر إذا لم يصل الإنسان على الميت، فلا بأس أن يصلي على القبر، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، وقد صلى على قبر مضى عليه شهر؛ فدل ذلك على أنه لا بأس أن يصلى على القبر بعد مضي شهر على دفنه، وإن مضى على الدفن أكثر من شهر فالواجب ترك ذلك، إلا أن تكون الزيادة يسيرة كاليوم واليومين؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما شرعه الله سبحانه أو رسوله ﵊. وهكذا لا تجوز «الكتابة على القبور ولا البناء عليها ولا تجصيصها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك (٣) » فيما رواه مسلم في صحيحه، وغيره؛ فعلى الجميع التعاون على البر والتقوى.
ونسأل الله
стр. 7016
التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 7017
حكم الإقامة عند القبر بالمدح والأذكار ثلاثة أيام
س: يوجد في بلدتنا رجل صالح متوفى قد بني له مقام على قبره وله عادة عندنا في كل عام، نذهب مع الناس إليه رجالا ونساء ويقيمون عنده ثلاثة أيام بالمدح والتهاليل والأذكار ويستمر بالأوصاف المعروفة، فنرجو التوجيه والإرشاد (١) .
ج: هذا العمل لا يجوز، وهو من البدع التي أحدثها الناس، فلا يجوز أن يقام على قبر أحد بناء، سواء سمي مقاما أو قبة أو مسجدا أو غير ذلك. وكانت القبور في عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة في البقيع وغيره مكشوفة ليس عليها بناء، والنبي ﷺ «نهى أن يبنى على القبر أو يجصص (٢) » وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » متفق على صحته.
وقال جابر بن
стр. 7018
عبد الله الأنصاري ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها. وهكذا زيارتها على الوجه الذي ذكره السائل من الجلوس عندها والتهاليل وأكل الطعام والتمسح بالقبر والدعاء عند القبر والصلاة عنده كل هذا منكر وكله بدعة لا يجوز، إنما المشروع زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم ثم ينصرف.
والمشروع للزائر للقبور أن يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٣) » وما أشبه ذلك من الدعوات فقط. هذا هو المشروع الذي علمه النبي ﷺ أصحابه ﵃. وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «مر النبي ﷺ على قبور المدينة فقال السلام عليكم
стр. 7019
يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (١) » وأما الإقامة عند القبر للأكل والشرب أو التهاليل أو للصلاة أو قراءة القرآن فكل هذا منكر لا أصل له في الشرع المطهر.
وأما دعاء الميت والاستغاثة به وطلب المدد منه فكل ذلك من الشرك الأكبر، وهو من عمل عباد الأوثان في عهد النبي ﷺ من اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنام الجاهلية وأوثانها. فيجب الحذر من ذلك وتحذير العامة منه وتبصيرهم في دينهم حتى يسلموا من هذا الشرك الوخيم، وهذا هو واجب العلماء الذين من الله عليهم بالفقه في الدين ومعرفة ما بعث الله به المرسلين، كما قال الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥)
стр. 7020
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ولما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (١) » وفي رواية للبخاري ﵀: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (٢) » متفق على صحته. فأمره أن يبدأهم بالدعوة إلى التوحيد والسلامة من الشرك مع الإيمان بالرسول ﷺ والشهادة له بالرسالة.
فعلم بذلك أن الدعوة إلى إصلاح العقيدة وسلامتها مقدمة على بقية الأحكام؛ لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأحكام، كما قال الله : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)
стр. 7021
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على أهل العلم في كل مكان وزمان مضاعفة الجهود في ذلك حتى يبصروا العامة بحقيقة الإسلام ويبينوا لهم العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وسيدهم محمد ﷺ . وفق الله علماء المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه، إنه خير مسئول.
стр. 7022
من بدع زيارة القبور
س: إذا توفي واحد عندنا في السودان بعد أربعين يوما تقوم الأسرة بزيارة القبر النساء والأولاد يفتحون القبر ومعهم حبوب ذرة ينشرونها على الميت ويرمون فيما أعتقد حجارة على الميت، وهل الحريم يزرن القبر؟ (١)
стр. 7023
ج: هذا بدعة لا أصل له في الشرع، فرمي الحبوب والطيب والملابس كله منكر لا أصل له، فالقبر لا يفتح إلا لحاجة كأن ينسى العمال أدواتهم كالمسحاة فيفتح لأجل ذلك، أو يسقط لأحدهم شيء له أهمية فيفتح القبر لذلك، أما أن يفتح للحبوب أو ملابسه أو نحو ذلك فلا يجوز، وليس للنساء زيارة القبر؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وحسان بن ثابت ﵃، فلا يجوز لهن زيارتها، لكنها مشروعة للرجال؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » رواه مسلم في صحيحه. والحكمة- والله أعلم- في نهي النساء عن ذلك هي أنهن فتنة وقليلات الصبر.
стр. 7024
حكم زيارة النساء للقبور
س: توفي والد خالتي، وزارت قبره مرة، وتريد أن تزوره مرة أخرى، وسمعت حديثا معناه تحريم زيارة المرأة للقبور، فهل هذا الحديث صحيح؟ وإذا كان
стр. 7025
صحيحا فهل عليها إثم يستوجب الكفارة؟ (١)
ج: الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز؛ للحديث المذكور، وقد ثبت عنه ﷺ أنه لعن زائرات القبور. فالواجب على النساء ترك زيارة القبور، والتي زارت القبر جهلا منها فلا حرج عليها، وعليها أن لا تعود، فإن فعلت؛ فعليها التوبة والاستغفار، والتوبة تجب ما قبلها، فالزيارة للرجال خاصة، قال ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » وكانت الزيارة في أول الأمر ممنوعة على الرجال والنساء؛ لأن المسلمين حدثاء عهد بعبادة الأموات والتعلق بالأموات، فمنعوا من زيارة القبور؛ سدا لذريعة الشر، وحسما لمادة الشرك، فلما استقر الإسلام وعرفوا الإسلام، شرع الله لهم زيارة القبور؛ لما فيها من العظة والذكرى، من ذكر الموت والآخرة والدعاء للموتى والترحم عليهم، ثم منع الله النساء من ذلك في أصح قولي العلماء؛ لأنهن يفتن الرجال وربما فتن في أنفسهن ولقلة صبرهن وكثرة جزعهن، فمن رحمة الله وإحسانه إليهن أن حرم عليهن زيارة القبور، وفي ذلك أيضا إحسان للرجال؛ لأن اجتماع الجميع عند القبور
стр. 7026
قد يسبب فتنة، فمن رحمة الله أن منعن من زيارة القبور.
أما الصلاة فلا بأس، فتصلي النساء على الميت، وإنما النهي عن زيارة القبور، فليس للمرأة زيارة القبور في أصح قولي العلماء؛ للأحاديث الدالة على منع ذلك، وليس عليها كفارة وإنما عليها التوبة فقط.
стр. 7027
س: ما حكم زيارة المرأة للقبور؟ (١) .
ج: لا يجوز للنساء زيارة القبور؛ «لأن الرسول ﷺ لعن زائرات القبور (٢) » ، ولأنهن فتنة، وصبرهن قليل، فمن رحمة الله وإحسانه أن حرم عليهن زيارة القبور؛ حتى لا يفتن ولا يفتن. أصلح الله حال الجميع.
стр. 7028
س: هل تشرع زيارة القبور للنساء؟ (١) .
ج: «ثبت عن رسول الله ﵊ أنه لعن زائرات القبور (٢) » من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من
стр. 7029
الكبائر.
فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. والسبب في ذلك- والله أعلم- أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب. وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتتن بالرجال. والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده.
وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (١) » متفق على صحته. فوجب بذلك سد الذرائع المفضية إلى الفتنة المذكورة. ومن ذلك ما جاءت به الشريعة المطهرة من تحريم تبرج النساء، وخضوعهن بالقول للرجال، وخلوة المرأة بالرجل غير المحرم، وسفرها بلا محرم. وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الفتنة بهن. وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄ قول بلا دليل. والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور، حتى قبر النبي ﷺ ، وحتى قبر صاحبيه ﵄.
وهذا هو
стр. 7030
المعتمد من حيث الدليل. وأما الرجال فيستحب لهم زيارة القبور، وزيارة قبر النبي ﵊ وقبر صاحبيه، لكن بدون شد الرحل؛ لقوله ﷺ «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » رواه مسلم في صحيحه.
وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٢) » متفق على صحته.
وإذا زار المسلم مسجد النبي ﷺ دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل. فلا يسافر لأجل الزيارة، ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء.
أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٣) » أما إذا شد الرحل إلى المسجد
стр. 7031
النبوي فإن الزيارة للقبر الشريف والقبور الأخرى تكون تبعا لذلك. فإذا وصل المسجد صلى فيه ما تيسر، ثم زار قبر النبي ﷺ ، وزار قبر صاحبيه، وصلى وسلم عليه ﵊ ودعا له، ثم سلم على الصديق ﵁ ودعا له، ثم على الفاروق ودعا له، هكذا السنة. وهكذا القبور الأخرى، لو زار مثلا دمشق، أو القاهرة، أو الرياض، أو أي بلد، يستحب له زيارة القبور؛ لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين. فالنبي ﵊ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٢) » هذه هي السنة من دون شد الرحل، ولكن لا يزورهم لدعائهم من دون الله؛ لأن هذا شرك بالله وعبادة لغيره، وقد حرم الله ذلك على عباده في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٥)
стр. 7032
فبين سبحانه أن دعاء العباد للموتى ونحوهم شرك به سبحانه وعبادة لغيره.
وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فسمى الدعاء لغير الله كفرا؛ فوجب على المسلم أن يحذر هذا، ووجب على العلماء أن يبينوا للناس هذه الأمور، حتى يحذروا الشرك بالله. فكثير من العامة إذا مر بقبور من يعظمهم استغاث بهم وقال: المدد المدد، يا فلان أغثني، انصرني، اشف مريضي، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهذه الأمور تطلب من الله ، لا من الموتى ولا من غيرهم من المخلوقين.
أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه، إذا كان حاضرا يسمع كلامك، أو من طريق الكتابة، أو من طريق الهاتف وما أشبه ذلك من الأمور الحسية، تطلب منه ما يقدر عليه. تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف، تقول ساعدني على عمارة بيتي، أو على إصلاح مزرعتي؛ لأن بينك وبينه شيئا من المعرفة أو التعاون. وهذا لا بأس به، كما
стр. 7033
قال الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام، شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر. وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله يعتبر شركا به ؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) أو تعتقد أن له سرا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان.
فالزيارة الشرعية للموتى زيارة إحسان وترحم عليهم وذكر للآخرة والاستعداد لها، فتذكر أنك ميت مثلما ماتوا، فتستعد للآخرة وتدعو لإخوانك المسلمين الميتين وتترحم عليهم وتستغفر لهم. وهذه هي الحكمة في شرعية الزيارة للقبور. والله ولي التوفيق.
стр. 7034
الجواب عن حديث تعليم
النبي ﷺ لعائشة دعاء زيارة القبور
س: كيف يحمل حديث تعليم النبي ﷺ لعائشة دعاء زيارة القبور؟ (١)
ج: كانت الزيارة أولا منهيا عنها للجميع، ثم رخص فيها للجميع ثم خصت النساء بالمنع فعلى هذا يكون تعليم النبي ﷺ لعائشة آداب الزيارة كان ذلك في وقت شرعية الزيارة للجميع والله ولي التوفيق.
стр. 7035
الجواب عن حديث «اتقي الله واصبري (١) »
س: هل في قول النبي ﷺ : «اتقي الله واصبري (٢) » للمرأة التي رآها تبكي عند القبر دليل على جواز زيارة النساء للقبور؟
стр. 7036
ج: لعل هذا كان في وقت الإذن العام منه ﷺ للرجال والنساء في الزيارة؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها.
стр. 7037
المرأة لا تسلم على الموتى
ولو مرت بسور المقبرة أو فوقها .
س: إذا مرت المرأة بسور المقبرة فهل تسلم على الأموات؟
ج: الذي يظهر لي أنه لا ينبغي لها ذلك؛ لأنه وسيلة إلى الزيارة، وقد يعد زيارة فالواجب ترك ذلك، وتدعو لهم من غير زيارة.
س: إذا وجد فوق المقبرة جسر وتوقفت السيارة وفيها امرأة هل يعد هذا من جنس الزيارة، وهل تسلم المرأة على الأموات؟ .
ج: هذا ليس من الزيارة وحتى لو مرت بالأرض ونظرت فهذا ليس بزيارة وترك السلام على الموتى بالنسبة للمرأة أولى ولو كانت مارة بالمقبرة.
стр. 7038
حكم زيارة النساء لقبر النبي ﷺ
س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهيا عاما، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق.
стр. 7039
الأفضل لمن مر بجوار سور المقبرة أن يسلم
س: إذا مر المسلم بجوار سور المقبرة أو شاهد القبور فهل يسلم عليهم؟ .
ج: الأفضل أن يسلم حتى ولو كان مارا؛ ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل.
стр. 7040
س: أنا أسكن في حي به مقبرة وأسلك كل يوم طريقا بجانبها بل أسلك هذا الطريق في اليوم أكثر من مرة. ماذا يجب علي في هذه الحالة، هل أسلم على الموتى دائما أم ماذا أفعل؟ أرشدوني بارك الله فيكم. (١) .
ج: زيارة القبور الزيارة الشرعية سنة؛ لما فيها من التذكير بالآخرة وبالموت، ولما فيها من الدعاء للموتى- إذا كانوا مسلمين- بالمغفرة والرحمة والعافية من النار؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٣) » والأحاديث في الزيارة كثيرة، ويشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها وتدعو لهم بالمغفرة والعافية، وليس ذلك واجبا، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج. وبالله التوفيق.