ج: ليس على قراءة القرآن للموتى دليل يدل على استحبابها فيما نعلم، فالأحوط ترك ذلك والاكتفاء بما شرع الله من الدعاء لهم والصدقة عنهم وغير ذلك مما ثبت في الشرع المطهر كالحج والعمرة وقضاء الدين فإن هذا ينفعه، أما الحديث الذي سألت عنه فلفظه «إن رجلا قال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما (١) » والله ولي التوفيق. ويقول ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٢) » رواه مسلم في صحيحه.
وفي الصحيحين أن رجلا قال للنبي ﷺ : «يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها قال النبي ﷺ نعم (٣) » .
стр. 6967
حكم إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول ﷺ
س: ما حكم إهداء قراءة القرآن الكريم للرسول ﷺ أو لغيره؟ (١)
ج: إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول ﷺ والأموات لا أصل له وليس بمشروع، ولا فعله الصحابة ﵃، والخير في اتباعهم. ولأن الرسول ﷺ يعطى مثل أجورنا عما فعلناه من الخير فله مثل أجورنا؛ لأنه الدال عليه، ﵊، وقد قال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » فهو الذي دل أمته على الخير وأرشدهم إليه، فإذا قرأ الإنسان أو صلى أو صام أو تصدق، فالرسول يعطى مثل أجور هؤلاء من أمته؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير وأرشدهم إليه ﵊، فلا حاجة به إلى أن تهدى له القراءة أو غيرها؛ لأن ذلك ليس له أصل، كما تقدم، وقد قال ﷺ :
стр. 6968
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » وهكذا القراءة للأموات أيضا ليس لها أصل والواجب ترك ذلك.
أما الصدقة عن أموات المسلمين والدعاء لهم، فكل ذلك مشروع، كما قال الله في صفة عباده الصالحين التابعين للسلف الصالح: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) وقد شرع الله صلاة الجنازة للدعاء والترحم عليهم، وهكذا الصدقة عن الميت تنفعه كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وهكذا الحج عنهم، والعمرة، وقضاء الدين، كل ذلك ينفع الميت المسلم.
стр. 6969
حكم قراءة الفاتحة على جميع الأموات والأحياء بعد الصلاة
س: هل تجوز قراءة الفاتحة على جميع الأموات والأحياء - أعني الأنبياء والشهداء والأولياء وسائر المؤمنين والأقارب - بعد الانتهاء من الصلاة أو في أي
стр. 6970
وقت آخر؟ (١)
ج: ليس لهذا أصل في الشرع المطهر، ولم تشرع قراءة الفاتحة لأحد؛ لأن هذا لم يرد عنه ﷺ ولا عن الصحابة، فلا أصل له. وقال بعض أهل العلم لا مانع من تثويب القراءة للنبي ﷺ وغيره، ولكنه قول لا دليل عليه، والأحوط ترك ذلك؛ لأن العبادات توقيفية؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » ولكن ينبغي الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء للوالدين والأقارب، فالدعاء ينفع.
أما قراءة الفاتحة أو غيرها من القرآن للنبي ﷺ أو لغيره فغير مشروعة في أصح قولي العلماء؛ للحديث المذكور، وهو قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » والله ولي التوفيق.
стр. 6971
حكم قضاء الصلاة عن الميت
س: هل تجوز الصلاة عن الميت للفروض التي لم يصلها؟ (١)
ج: الصلاة عن الميت لا تجوز، وليس لذلك أصل،
стр. 6972
وإنما جاء ذلك في الصيام والحج وقضاء الدين والصدقة والدعاء، أما الصلاة عنه فلا أصل لها.
стр. 6973
المصحف ينتفع به الميت إذا جعله وقفا
س: هل إذا ورث الميت مصحفا ينال أجرا عند تلاوة أبنائه فيه؟ (١) .
ج: المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه - أي جعله وقفا - ينفعه أجره، كما لو وقف كتبا للعلم المفيد؛ علم الشرع، أو علم مباح ينتفع به الناس، فإنه يؤجر على ذلك؛ لأنه إعانة على خير، كما لو وقف أرضا أو بيتا أو دكانا يتصدق بغلته على الفقراء، أو تبرع للمساجد، كل هذا يؤجر عليه. وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٢) » .
فالصدقات الجارية تنفع الميت إذا كان مسلما، وينفعه
стр. 6974
دعاء أولاده ودعاء غيرهم، وينفعه الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل، أو أشباه ذلك، فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس، أكلوا من ثمرته وانتفعوا بثمرته، أو صرفت ثمرته في مساجد المسلمين لإصلاحها في فرشها، أو عمارتها.
стр. 6975
صفحة فارغة
стр. 6976
صفحة فارغة
стр. 6977
زيارة القبور ثلاثة أنواع
س: ما حكم الدين الإسلامي في زيارة القبور والتوسل بالأضرحة وأخذ خروف وأموال للتوسل بها كزيارة السيد البدوي والحسين والسيدة زينب؟ أفيدونا أفادكم الله (١) .
ج: زيارة القبور نوعان:
أحدهما: مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » وكان يزورها ﷺ ، وهكذا أصحابه ﵃، وهذا النوع للرجال خاصة لا للنساء، أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور، بل يجب نهيهن عن ذلك؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور من النساء، ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها
стр. 6978
فتنة لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن. وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة؛ لما ثبت في الصحيح عن أم عطية ﵂ قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (١) » فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن، وقلة الصبر.
والأصل في النهي التحريم؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) أما الصلاة على الميت فمشروع للرجال والنساء، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃ في ذلك. أما قول أم عطية ﵂: لم يعزم علينا فهذا لا يدل على جواز اتباع الجنائز للنساء؛ لأن صدور النهي عنه ﷺ كاف في المنع، وأما قولها: لم يعزم علينا فهو مبني على اجتهادها وظنها، واجتهادها لا يعارض بها السنة.
النوع الثاني: بدعي، وهو زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم، وهذا منكر وشرك أكبر- نسأل الله العافية- ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء
стр. 6979
عندها والصلاة عندها والقراءة عندها، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك، فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مشروع، وهو أن يزوروها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة.
النوع الثاني: أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة ومن وسائل الشرك.
النوع الثالث: أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله، أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر، فهذا شرك أكبر - نسأل الله العافية - فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة. ولا فرق بين كون المدعو نبيا أو صالحا أو غيرهما. ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي ﷺ من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم. والله المستعان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد: فقد سئلت عن حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور فأجبت بما يلي:
إذا كانت الزيارة لسؤال الموتى والتقرب إليهم بالذبائح والنذر لهم والاستغاثة بهم ودعوتهم من دون الله فهذا شرك أكبر، وهكذا ما يفعلونه مع من يسمونهم بالأولياء، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، حيث يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم أو يجيبون دعوتهم أو يشفون مرضاهم، كل هذا شرك أكبر والعياذ بالله. وهذا كعمل المشركين مع اللات والعزى ومناة، ومع أصنامهم وآلهتهم الأخرى.
والواجب على ولاة الأمر والعلماء في بلاد المسلمين أن ينكروا هذا العمل، وأن يعلموا الناس ما يجب عليهم من شرع الله، وأن يمنعوا هذا الشرك، وأن يحولوا بين العامة وبينه، وأن
стр. 6982
يهدموا القباب التي على القبور ويزيلوها؛ لأنها فتنة، ولأنها من أسباب الشرك، ولأنها محرمة، فالرسول ﷺ نهى أن يبنى على القبور، وأن تجصص، وأن يقعد عليها، وأن يصلى إليها، ولعن من اتخذ عليها المساجد، فلا يجوز البناء عليها، لا مساجد ولا غيرها، بل يجب أن تكون بارزة ليس عليها بناء، كما كانت قبور المسلمين في المدينة المنورة، وفي كل بلد إسلامي لم يتأثر بالبدع والأهواء.
أما زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم فذلك سنة في حق الرجال من دون شد رحل؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١) » خرجه مسلم في صحيحه. وكان ﵊ «يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٢) » وخرج الترمذي ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: «مر النبي ﷺ على قبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا
стр. 6983
ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (١) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٢) » والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 6984
لا يجوز التبرك بالأموات
س: مات عندنا في البلد رجل وجاء خبر وفاته في النهار ورأينا نساء مسنات من البلد يذهبن إلى بيته وهو مسجى بعد تكفينه وسط النساء وهن حوله فسألناهن لم تذهبن عنده قلن نتبارك به. فما حكم عملهن هذا؟ وهل هو سنة؟ (١)
ج: هذا العمل لا يجوز، بل هو منكر؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك؛ لأن العبادة حق الله وحده، ومنه تطلب البركة، وهو سبحانه الموصوف بالتبارك، كما قال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٣) ومعنى ذلك أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة، أما العبد فهو مبارك - بفتح
стр. 6985
الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد، كما قال عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١) ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (٢) والله ولي التوفيق.
стр. 6986
الزيارة الشرعية للقبور
س: سائل يسأل عن أولئك الذين يزورون القباب وقبور بعض الصالحين ما هو توجيهكم؟ (١) .
ج: يجب أن يعلموا الزيارة الشرعية؛ لأن النبي ﷺ «كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٢) » وفي حديث آخر قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع
стр. 6987
الغرقد (١) » وفي حديث آخر قال ﵊: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢) » وبهذه الأحاديث وما جاء في معناها والأحاديث تعلم الزيارة الشرعية والمقصود منها أن يدعى للموتى، ويتذكر الزائر الموت والآخرة لقوله ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣) » .
أما وضع القباب على القبور والمساجد فلا يجوز، لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) » ولقوله ﵊ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٥) » وصح عنه ﵊ في حديث جابر
стр. 6988
رضي الله عنه أنه «نهى ﵊ عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها (١) » . أخرجه مسلم في صحيحه.
فالقبور لا يجوز البناء عليها ولا يتخذ عليها مساجد ولا قباب ولا يجوز تجصيصها ولا القعود عليها كل هذا ممنوع ولا يجوز أن تكسى بالستور وإنما يرفع القبر قدر شبر ليعرف أنه قبر حتى لا يمتهن ولا يوطأ. فالواجب على كل من لديه علم أن يبلغ إخوانه ويعلمهم. وهذا هو واجب العلماء عليهم أن يعلموا الناس ما شرعه الله والمؤمن يتعلم من العلماء ويعلم من يأتي القبور يقول لهم: إن الزيارة الشرعية كذا وكذا وإن البناء على القبور أو سؤال الميت أو التبرك بتراب القبر أو تقبيل القبر أو الصلاة عنده كل هذا من البدع فلا يصلى عند القبور ولا تتخذ محلا للدعاء أو القراءة عندها وكل هذا من البدع، أما طلب البركة منها أو الشفاعة منها أو الشفاء للمرضى فهذا من أنواع الشرك الأكبر، فإذا قال: يا سيدي فلان اشفع لي إلى الله، أو يقول للميت: انصرني أو اشف مريضي ونحو ذلك هذا لا يجوز؛ لأن الميت انقطع عمله بعد موته إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. أما أن
стр. 6989
يطلب منه شفاء المرضى أو النصر على الأعداء أو الشفاعة إلى ربه بكذا فهذا من الشرك الأكبر ولا يجوز طلبه من الموتى وإنما يطلب ذلك من الله تعالى فيقول: اللهم اشفني، اللهم أعطني كذا، اللهم شفع في أنبياءك، اللهم شفع في نبيك محمدا ﷺ ، اللهم شفع في الملائكة والمؤمنين فهذا لا بأس به؛ لأنه طلب من الله جل وعلا.
والخلاصة أن المسلمين ينصح بعضهم بعضا ويعلم بعضهم بعضا في أمر الشرع، والعلماء عليهم في ذلك التوجيه للعامة إلى شرع الله جل وعلا، ومن ذلك أن يعلموا الزيارة الشرعية للقبور التي جاءت في الأحاديث عن النبي ﷺ والتي تقدم بيانها، ويعلموا أنه لا يجوز البناء على القبور ولا وضع القباب ولا المساجد عليها، وأنها لا تجصص ولا يقعد عليها ولا تتخذ محلا للدعاء عندها أو الصلاة عندها أو القراءة عندها، كل هذه الأمور من البدع ومن وسائل الشرك الأكبر. والله ولي التوفيق.
стр. 6990
حديث: من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة لا أصل له
س: زيارة القبور أمثال الإمام علي ﵁ والحسين والعباس وغيرهم. وهل الزيارة إليهم تعدل سبعين حجة إلى بيت الله الحرام؟ وهل قال الرسول ﷺ : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة؟ نرجوا أن تفيدونا جزاكم الله خيرا (١) .
ج: زيارة القبور سنة، وفيها عظة وذكرى، وإذا كانت القبور من قبور المسلمين دعا لهم. وكان النبي ﵊ يزور القبور ويدعو للموتى، وكذا أصحابه ﵃. ويقول الرسول ﵊: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » «وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٣) »
стр. 6991
وفي حديث عائشة: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (١) » وفي حديث ابن عباس: «يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن في الأثر (٢) » فالدعاء لهم بهذا وأشباهه كله طيب، وفي الزيارة ذكرى وعظة؛ ليستعد المؤمن لما نزل بهم وهو الموت، فإنه سوف ينزل به ما نزل بهم، فليعد العدة ويجتهد في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ويبتعد عما حرم الله ورسوله من سائر المعاصي، ويلزم التوبة عما سلف من التقصير، هكذا يستفيد المؤمن من الزيارة. أما ما ذكرت من زيارة القبور لعلي ﵁ والحسن والحسين أو غيرهم أنها تعدل سبعين حجة - فهذا باطل ومكذوب على الرسول ﷺ ، ليس له أصل، وليست الزيارة لقبر النبي ﷺ الذي هو أفضل الجميع- تعدل حجة. الزيارة لها حالها وفضلها، لكن لا تعدل حجة، فكيف بزيارة غيره ﵊؟ هذا من الكذب، وهكذا قولهم: من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة كل هذا لا أصل له، وكله باطل، وكله مما كذبه الكذابون. فيجب على المؤمن الحذر من هذه الأشياء الموضوعة المكذوبة على الرسول ﷺ .
стр. 6992
وإنما تسن الزيارة للقبور، سواء كانت قبور أهل البيت أو غيرهم من المسلمين، يزورهم ويدعو لهم ويترحم عليهم وينصرف.
أما إن كانت القبور للكفار فإن زيارتها للعظة والذكرى من دون أن يدعو لهم، كما زار النبي ﷺ قبر أمه، ونهاه ربه سبحانه أن يستغفر لها، زارها للعظة والذكرى ولم يستغفر لها. وهكذا القبور الأخرى - قبور الكفرة - إذا زارها المؤمن للعظة والذكرى فلا بأس، ولكن لا يسلم عليهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم ليسوا أهلا لذلك.
стр. 6993
حكم زيارة قبر سيدنا الحسين ﵁ وموضعه
س: يقول السائل: كثر كلام الناس واختلف حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه، وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد؟ (١)
ج: بالواقع قد اختلف الناس في ذلك، فقيل: إنه دفن في الشام، وقيل: في العراق، والله أعلم بالواقع. أما رأسه
стр. 6994
فاختلف فيه؛ فقيل: في الشام، وقيل في العراق، وقيل: في مصر. والصواب أن الذي في مصر ليس قبرا له، بل هو غلط وليس به رأس الحسين، وقد ألف في ذلك بعض أهل العلم، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر ولا وجه لذلك، وإنما الأغلب أنه في الشام؛ لأنه نقل إلى يزيد بن معاوية وهو في الشام، فلا وجه للقول بأنه نقل إلى مصر، فهو إما حفظ في الشام في مخازن الشام، وإما أعيد إلى جسده في العراق. وبكل حال فليس للناس حاجة في أن يعرفوا أين دفن وأين كان، وإنما المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة، غفر الله له ورضي عنه، فقد قتل مظلوما فيدعى له بالمغفرة والرحمة، ويرجى له خير كثير، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، كما قال ذلك النبي ﷺ ، ﵄ وأرضاهما، ومن عرف قبره وسلم عليه ودعا له فلا بأس، كما تزار القبور الأخرى، من غير غلو فيه ولا عبادة له، ولا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها، كسائر الأموات؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور
стр. 6995
فإنها تذكركم الآخرة (١) » .
فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين- فهذا سنة، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة - فهذا من المنكرات، بل من الشرك الأكبر، ولا يجوز أن يبنى عليها مسجد ولا قبة ولا غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢) » متفق على صحته، ولما رواه جابر بن عبد الله ﵄ في الصحيح عن النبي ﷺ أنه «نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها (٣) » فلا يجوز أن يجصص القبر أو يطيب أو توضع عليه الستور أو يبنى عليه، فكل هذا ممنوع ومن وسائل الشرك، ولا يصلى عنده؛ لقول النبي ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٤) » خرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁، وهذا الحديث يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد؛
стр. 6996
ولأن ذلك وسيلة للشرك وأن يعبدوا من دون الله بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والتمسح بقبورهم طلبا لبركتهم؛ فلهذا حذر النبي ﵊ من ذلك، وإنما تزار القبور زيارة شرعية فقط، للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم من دون شد رحل لذلك. والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6997
الدعاء عند القبور غير مشروع .
стр. 6998
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. ع. وفقه الله، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
كتابكم الكريم المؤرخ في ٣ \ ٣ \ ١٩٧٤ م وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه كان معلوما، ونبارك لكم في الزواج، جعله الله زواجا مباركا، وقد ذكرتم في كتابكم أن ندعو لكم عند قبر الرسول ﵊ ونفيدكم أن الدعاء عند القبور غير مشروع، سواء كان القبر قبر النبي ﷺ أو غيره، وليست محلا للإجابة، وإنما المشروع زيارتها والسلام على الموتى والدعاء لهم وذكر الآخرة والموت. أحببنا تنبيهك على هذا حتى تكون على بصيرة.
وفي إمكانك أن تراجع أحاديث الزيارة في آخر كتاب الجنائز من بلوغ المرام حتى تعلم ذلك، وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة والعمل بما يرضي الله سبحانه ويقرب لدينه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 6999
عدم جواز الطلب إلى الميت
س: يقول بعض الناس إن الطلب إلى الميت في القبر جائز، بدليل إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ (١) .
ج: هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، حيث قال ﵀ في مجموع الفتاوى الجزء الأول صفحة (٣٥٦) بعد ما ذكره - ما نصه: " هذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة " انتهى كلامه ﵀.
وهذا المكذوب على رسول الله ﷺ مضاد لما جاء به الكتاب والسنة من وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الإشراك به. ولا ريب أن دعاء الأموات والاستغاثة
стр. 7000
بهم والفزع إليهم في النائبات والكروب من أعظم الشرك بالله كما أن دعاءهم في الرخاء شرك بالله سبحانه.
وقد كان المشركون الأولون إذا اشتدت بهم الكروب أخلصوا لله العبادة، وإذا زالت الشدائد أشركوا بالله، كما قال الله : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١)
والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما المشركون المتأخرون فشركهم دائم في الرخاء والشدة، بل يزداد شركهم في الشدة والعياذ بالله، وذلك يبين أن كفرهم أعظم وأشد من كفر الأولين من هذه الناحية، وقد قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٦) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٧)
стр. 7001
وهاتان الآيتان تعم جميع من يعبد من دون الله من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وقد أوضح سبحانه أن دعاء المشركين لهم شرك به سبحانه، كما بين أن ذلك كفر به سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)
والآيات الدالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتوجيه الدعاء إليه دون كل ما سواه، وعلى تحريم عبادة غيره سبحانه من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار ونحو ذلك كثيرة جدا، يعلمها من تدبر كتاب الله وقصد الاهتداء به.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 7002
حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها
س: ما حكم التقرب بذبح الذبائح في أضرحة الأولياء الصالحين وقول: "بحق وليك الصالح فلان اشفنا أو أبعد عنا الكرب الفلاني؟ (١)
стр. 7003
ج: من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات- شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) والنسك هو: الذبح، بين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والذبح من العبادة، فيجب إخلاصه لله وحده. وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٧) » .
стр. 7004
وأما قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي- فهذا ليس من الشرك، ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك؛ لأن الدعاء عبادة وكيفيته من الأمور التوقيفية، ولم يثبت عن نبينا ﷺ ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق، فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق على صحته، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » ومعنى قوله: فهو رد أي مردود على صاحبه لا يقبل. فالواجب على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع.
أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته
стр. 7005
وبتوحيده وبالأعمال الصالحات، ومنها الإيمان بالله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، ونحو ذلك من أعمال البر والخير. والأدلة على ذلك كثيرة، منها: قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) ومنها: أنه ﷺ «سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال ﷺ لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب (٢) » أخرجه أهل السنن الأربع وصححه ابن حبان.
ومنها: حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، فإن الأول منهم توسل إلى الله سبحانه ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته عليه، والثالث توسل إلى الله سبحانه بكونه نمى أجرة الأجير ثم سلمها له، ففرج الله كربتهم وقبل دعاءهم وأزال عنهم الصخرة التي سدت عليهم باب الغار، والحديث متفق على صحته. والله ولي التوفيق.