← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

الله وسنة رسوله ﷺ وأن يحكموهما في جميع شئونهم وأن يلزموا شعوبهم بالتحاكم إليهما، وذلك هو طريق العزة والكرامة والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، وفق الله الجميع لذلك. ثم إنه ﷺ صلى بالناس الظهر والعصر قصرا وجمعا جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين، ثم توجه إلى الموقف واستقبل القبلة ووقف على دابته يذكر الله ويدعوه، ويرفع يديه بالدعاء حتى غابت الشمس، وكان مفطرا ذلك اليوم، فعلم بذلك أن المشروع للحجاج أن يفعلوا كفعله ﷺ في عرفات، وأن يشتغلوا بذكر الله والدعاء والتلبية إلى غروب الشمس، وأن يرفعوا أيديهم بالدعاء، وأن يكونوا مفطرين لا صائمين، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة (١) » ، وإنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم ملائكته، وروي عنه ﷺ أن الله يقول يوم عرفة لملائكته: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا يرجون رحمتي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٢) » . وصح عنه صلى الله

стр. 8472

عليه وسلم أنه قال: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف (١) » . إلى مزدلفة بعد الغروب للمبيت بها: ثم إن رسول الله ﷺ بعد الغروب توجه ملبيا إلى مزدلفة وصلى بها المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بأذان واحد وإقامتين ثم بات بها وصلى بها الفجر مع سنتها بأذان وإقامة، ثم أتى المشعر فذكر الله عنده وكبره وهلله ودعا ورفع يديه وقال: «وقفت ها هنا وجمع كلها موقف (٢) » ، فدل ذلك على أن جميع مزدلفة موقف للحجاج يبيت كل حاج في مكانه ويذكر الله ويستغفره في مكانه، ولا حاجة إلى أن يتوجه إلى موقف النبي ﷺ . وقد رخص النبي ﷺ ليلة مزدلفة للضعفة أن ينصرفوا إلى منى بليل، فدل ذلك على أنه لا حرج على الضعفة من النساء والمرضى والشيوخ ومن تبعهم في التوجه من مزدلفة إلى منى في النصف الأخير من الليل عملا بالرخصة وحذرا من مشقة الزحمة. ويجوز لهم أن يرموا الجمرة ليلا، كما ثبت ذلك عن أم سلمة

стр. 8473

وأسماء بنت أبي بكر ﵃ في آخر الليل. ذكرت أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ أذن للنساء بذلك ثم إنه ﷺ بعد ما أسفر جدا دفع إلى منى ملبيا قبل أن تطلع الشمس، فقصد جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم نحر هديه ثم حلق ثم طيبته عائشة ﵂ ثم توجه إلى البيت فطاف به. أعمال يوم النحر: وسئل ﷺ في يوم النحر عمن ذبح قبل أن يرمي، ومن حلق قبل أن يذبح، ومن أفاض إلى البيت قبل أن يرمي، فقال: «لا حرج (١) » قال الراوي: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج (٢) » . وسأله رجل فقال: «يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، فقال: لا حرج (٣) » . فعلم بهذا أن السنة للحجاج أن يبدءوا برمي الجمرة يوم العيد ثم ينحروا إذا كان عليهم هدي ثم يحلقوا أو يقصروا.

стр. 8474

والحلق أفضل من التقصير فإن النبي ﷺ دعا بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات للمحلقين، ومرة واحدة للمقصرين. التحلل الأول والتحلل الأكبر: وبذلك يحصل للحاج التحلل الأول فيلبس المخيط، ويتطيب ويباح له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يذهب إلى البيت فيطوف به في يوم العيد أو بعده، ويسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا، وبذلك يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء. أما إن كان الحاج مفردا أو قارنا فإنه يكفيه السعي الأول الذي أتى به مع طواف القدوم. فإن لم يسع مع طواف القدوم وجب عليه أن يسعى مع طواف الإفاضة. المبيت بمنى أيام التشريق: ثم رجع ﷺ إلى منى فأقام بها بقية يوم العيد واليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، يرمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة ويدعو ويرفع يديه بعد الفراغ من الجمرة الأولى والثانية مستقبلا القبلة ويجعل الأولى عن يساره حين الدعاء، والثانية عن يمينه ولا يقف عند الثالثة.

стр. 8475

ثم دفع ﷺ في اليوم الثالث عشر بعد رمي الجمرات بعد الزوال فنزل بالأبطح وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ثم نزل إلى مكة في آخر الليل وصلى الفجر بالناس ﵊، وطاف للوداع ثم توجه بعد الصلاة إلى المدينة في صبيحة اليوم الرابع عشر، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم. فعلم من ذلك أن السنة للحاج أن يفعل كفعله ﷺ في أيام منى، فيرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في كل يوم: كل واحدة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة، ويشرع له أن يقف بعد رميه الأولى ويستقبل القبلة ويدعو ويرفع يديه ويجعلها عن يساره ويقف بعد رمي الثانية كذلك ويجعلها عن يمينه يستقبل القبلة ويدعو، وهذا مستحب وليس بواجب، تأسيا بالنبي ﷺ ولا يقف بعد رمي الثالثة. فإن لم يتيسر له الرمي بعد الزوال وقبل غروب الشمس رمى في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل في أصح قولي العلماء رحمة من الله سبحانه بعباده وتوسعة عليهم. ومن شاء أن يتعجل في اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار بعد الزوال فلا بأس، ومن أحب أن يتأخر حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فهو أفضل؛ لكونه موافقا لفعل

стр. 8476

النبي ﷺ . والسنة للحاج أن يبيت في منى ليلة الحادي عشر والثاني عشر، وهذا المبيت واجب عند كثير من أهل العلم، ويكفي أكثر الليل إذا تيسر ذلك، ومن كان له عذر شرعي كالسقاة والرعاة ونحوهم فلا مبيت عليه. أما ليلة الثالث عشر فلا يجب على الحجاج أن يبيتوها بمنى إذا تعجلوا ونفروا من منى قبل الغروب، أما من أدركه المبيت بمنى فإنه يبيت ليلة الثالث عشر ويرمي الجمار بعد الزوال يوم الثالث عشر ثم ينفر، وليس على أحد رمي بعد الثالث عشر ولو أقام بمنى. طواف الوداع: ومتى أراد الحاج السفر إلى بلاده وجب عليه أن يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط؛ لقول النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » ، إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄، قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » والنفساء مثلها، ومن أخر طواف الإفاضة

стр. 8477

فطافه عند السفر أجزأه عن الوداع؛ لعموم الحديثين المذكورين. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنكم ويجعلنا وإياكم من العتقاء من النار إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 8478

نصيحة لحجاج بيت الله الحرام (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى كل من يطلع عليها من حجاج بيت الله الحرام والمسلمين في كل مكان. إخواني حجاج بيت الله الحرام: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فمرحبا بكم في بلد الله الحرام، وعلى أرض المملكة العربية السعودية التي شرفها الله تعالى بخدمة الحجاج والعمار والزوار الذين يفدون إليها من كل مكان، ومن عليها بخدمة المقدسات وتأمينها للطائفين والعاكفين والركع السجود. وأسأل الله أن يكتب لكم حج بيته وزيارة مسجد رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في أمن وإيمان وسكينة واطمئنان، ويسر وقبول، وأن تعودوا إلى دياركم سالمين مأجورين وقد غفر الله لكم وآتاكم من فضله إنه جواد كريم، وبالإجابة جدير.

стр. 8479

إخواني حجاج بيت الله الحرام: المسلمون بخير ما تناصحوا، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وتعاونوا على البر والتقوى، ولذلك فإني أذكر إخواني حجاج بيت الله الحرام، بأنهم في أيام فاضلة وأماكن مباركة، وأنهم قدموا من ديار بعيدة وتحملوا مشقات كثيرة استجابة لله ولرسوله ﷺ ، وقياما بواجب عظيم، وعمل صالح جليل، أمرهم الله تعالى به حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وهذا يقتضي منهم أمورا ينبغي المحافظة عليها والعناية بها، حتى يكون حجهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا، بتوفيق من الله وعون، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. ومن هذه الأمور: أولا: يجب على الحاج وغيره أن يخلص نيته وقصده لله تعالى فيجعل عمله خالصا لوجهه الكريم حتى يقع أجره على الله، وينال ثوابه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢)

стр. 8480

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) ثانيا: يجب على الحاج وغيره أن يكون العمل الذي يتقرب به إلى ربه مما شرعه الله تعالى لعباده، وأن يقتدي في أدائه بنبيه ﷺ ، القائل: «خذوا عني مناسككم (٢) » رواه مسلم ﵀، والقائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي (٣) » رواه البخاري ﵀. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤) فالعمل مهما كان صاحبه مخلصا فيه لله ولم يكن متابعا فيه لرسول الله ﵌ فهو مردود عليه لا يقبله الله، للحديث الصحيح الذي يقول فيه الرسول ﵌: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » رواه

стр. 8481

مسلم ﵀. والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ثالثا: يجب على الحاج وغيره أن يكون على علم وبصيرة بأمور دينه حتى يقوم قياما صحيحا، ويؤديها أداء سليما على الوجه المشروع؛ فقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) وقد أمرنا الله تعالى أن نسأل أهل العلم فيما أشكل علينا من أمور ديننا، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » .

стр. 8482

وإنك أخي الحاج ستجد بعون الله في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وفي المشاعر المقدسة، وفي مؤسسات الطوافة بمكة، والأدلاء بالمدينة، علماء عينتهم الدولة - حرسها الله - للإجابة عن أسئلة واستفسارات الحجاج فيما أشكل عليهم من أمور حجهم وعمرتهم خاصة، ومن أمور دينهم عامة وذلك مما يسره الله تعالى للحجاج بفضل منه سبحانه، ثم بفضل حكومة خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية - وفقه الله - حتى يكون الحجاج على علم ومعرفة بالحق والصواب فيما يفعلون وفيما يتركون. فلا تتردد يا أخي في سؤالهم والاستفادة منهم حتى تكون على بينة من أمرك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » رواه مسلم ﵀. رابعا: يجب على الحاج وغيره أن يعلم أن ما شرعه الله لعباده من طاعات وقربات، وما أحل لهم وحرم عليهم من أقوال وأفعال، إنما هي لتزكية أنفسهم وصلاح مجتمعاتهم،

стр. 8483

وعلى حسب إخلاصهم له، وصدقهم في العمل معه يكون انتفاعهم بذلك في الدنيا والآخرة، وثواب الله خير وأبقى، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١) ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٣) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٤) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٥) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٦) وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٧) والحج - أخي الحاج - من أعظم ما فرض الله على عباده لتزكية أنفسهم وسلامتها من العداوة والبغضاء، والشح والإيذاء، ورغبتها فيما عند الله وتذكيرها بلقائه يوم الدين، لما فيه من بذل الجهد، وإنفاق المال، وتحمل المشاق والصعاب، ومفارقة الأهل والأوطان، وهجر الأعمال الدنيوية، والإقبال على الله بالطاعة والعبادة، والاجتماع بالإخوان في الله الوافدين من سائر أنحاء الأرض: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٨)

стр. 8484

فليحرص الحاج على ما يرضي ربه، ويكثر من تلبيته وذكره ودعائه والتقرب إليه بالمواظبة على فعل الطاعات، والبعد عن السيئات، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﵌ قال: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه (١) » من حديث رواه البخاري ﵀. وولي الله هو المؤمن بالله ورسوله ﵌، المستقيم على دينه، بامتثال أمره واجتناب نهيه، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٣) ومن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الحاج وغيره المحافظة على أداء الصلوات المفروضة جماعة في أوقاتها وفي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولا سيما المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، فإن لهما ميزة عظيمة على سائر المساجد، والله يضاعف فيهما أجر الصلاة، فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﵌ قال

стр. 8485

«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه (١) » . أخرجه أحمد، وابن ماجه رحمهما الله بإسناد صحيح. وأخرج الإمام أحمد مثله عن ابن الزبير وصححه ابن حبان وإسناده صحيح. وهذا خير جزيل وفضل من الله عظيم ينبغي العناية به والحرص عليه، يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) خامسا: يجب على الحاج وغيره أن يحفظ لهذه الأماكن المقدسة حرمتها، فلا يهم فيها بعمل سوء، فقد توعد الله من فعل ذلك بعذاب أليم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) قال عطية العوفي، عن ابن عباس ﵄ في بيان معنى الظلم في هذه الآية: وهو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك، من إساءة أو قتل؛ فتظلم من لا يظلمك وتقتل

стр. 8486

من لا يقاتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم. ذكره ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية. فالواجب على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة أن لا يؤذي بعضهم بعضا، لا في نفس ولا في مال ولا في عرض، بل يجب أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناصحوا، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه؛ لقول النبي ﵌: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، التقوى ها هنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم (١) » رواه مسلم ﵀ في صحيحه. وقد حرم الله إيذاء المؤمنين والمؤمنات بأي نوع من الإيذاء، في كل مكان وفي كل زمان، فكيف بإيذائهم في البلد الأمين، وفي الأشهر الحرم، وفي وقت أداء المناسك، وفي مدينة الرسول ﷺ ؟! لا شك أن هذا يكون أشد إثما وأعظم جرما، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣)

стр. 8487

فالمطلوب من الحاج أن يكون سلما على نفسه، سلما على غيره، من إنسان، وحيوان، وطير، ونبات، ولا ينالهم منه أذى، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحرمة المسلم عند الله عظيمة، وظلمه معصية كبيرة، والظلم عاقبته وخيمة قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (١) سادسا: يجب على الحاج وغيره أن يعلم أن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم بالحكمة والموعظة الحسنة، من أعظم واجبات الدين، وبها قوامه وحفظه بين المسلمين، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)

стр. 8488

وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١) » متفق عليه. فعلى كل مسلم أن يعنى بهذا الأمر تمام العناية، ولا يقصر فيه، كل بحسب استطاعته، فقد قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » رواه مسلم ﵀. سابعا: ينبغي على كل مسلم من الحجاج وغيرهم أن يهتم بأمور المسلمين في كل مكان، وإيصال الخير إليهم، والدفاع عنهم، وتعليم جاهلهم، حسب طاقته وعلمه، وأن يعاون المجاهدين منهم الذين يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ورد الكافرين والملحدين من اليهود وغيرهم من أصناف الكفرة عن ديار المسلمين والمقدسات الإسلامية،

стр. 8489

نصرة للحق، ودفاعا عن أهله، وذودا عن بلاد المسلمين، وحماية لها من الأعداء. ويكون ذلك باللسان والمال والأنفس وسائر أنواع المساعدات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) والرسول ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٣) » ، متفق عليه. وقال ﷺ : «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (٤) » . متفق عليه. فلا يجوز للمسلمين أن يسلموا إخوانهم لعدوهم أو يسلموهم للجوع والعري والمرض وفتنة المنصرين والملحدين، يستغلون حاجتهم، وينفثون بينهم سمومهم وأباطيلهم وهذا ما

стр. 8490

يجب أن يهتم به كل مسلم ويحرص عليه أشد الحرص كلما رأى ضعفا من المسلمين، لأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يوفقنا والحجاج وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، ولكل ما فيه نصر ديننا، وصلاح أمرنا، وسلامة بلادنا من مكائد أعدائنا، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين وحكامهم، للحكم بشريعة الله سبحانه، وإلزام الشعوب بها؛ لأنها سبيل السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأن يوفق حكام هذه البلاد بصفة خاصة لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر المسلمين، وأن يزيدهم من كل خير، وأن يجزيهم بما قدموا للمسلمين عموما ولحجاج بيت الله الحرام خصوصا من مساعدات وتسهيلات أعظم الجزاء وأفضله، وأن يوفق حجاج بيته لأداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه، حتى يكون حجهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا، وأن يردهم إلى بلادهم سالمين غانمين. اللهم آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 8491

من منافع الحج وفوائده (١) . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، أما بعد: فإن الله شرع الحج لحكم كثيرة وأسرار عظيمة ومنافع جمة أشار إليها سبحانه في قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) فأوضح سبحانه في هذه الآيات أنه دعا عباده للحج ليشهدوا منافع لهم، ثم ذكر سبحانه منها أربع منافع: الأولى: ذكره في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق. الثانية، والثالثة، والرابعة: أخبر عنها سبحانه بقوله:

стр. 8492

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) وأعظم هذه المنافع وأكبرها شأنا ما يشهده الحاج من توجه القلوب إلى الله سبحانه، والإقبال عليه، والإكثار من ذكره، بالتلبية وغيرها من أنواع الذكر، وهذا يتضمن الإخلاص لله في العبادة وتعظيم حرماته والتفكير في كل ما يقرب لديه ويباعد من غضبه، ومعلوم أن أصل الدين وأساسه وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد، هي تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قولا وعملا وعقيدة. فالشهادة الأولى: توجب تجريد العبادة لله وحده وتخصيصه بها من دعاء وخوف ورجاء وتوكل وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة؛ لأن هذا كله حق لله وحده ليس له شريك في ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) والدين هنا معناه العبادة وهي طاعته، وطاعة رسوله عليه الصلاة

стр. 8493

والسلام، بفعل الأوامر، وترك النواهي، عن إيمان بالله ورسله، وإخلاص له في العبادة، وتصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ رغبة في الثواب وحذرا من العقاب، وهذا هو معنى " لا إله إلا الله "، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة - وهي الألوهية بجميع معانيها - عن غير الله سبحانه، وتثبتها بجميع معانيها لله وحده على وجه الاستحقاق، وجميع ما عبده الناس من دونه من أنبياء أو ملائكة أو جن أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) ولهذا الأمر العظيم خلق الله الجن والإنس وأمرهم بذلك فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) وعبادته سبحانه هي توحيده في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته وطاعة أوامره وترك نواهيه عن إيمان وتصديق ورغبة ورهبة، كما سبق بيان ذلك، وسمى الله سبحانه دينه عبادة؛ لأن العباد يؤدونه بخضوع وذل لله سبحانه، ومن ذلك قول العرب: طريق معبد أي مذلل قد وطئته الأقدام، وبعير معبد أي مذلل قد شد

стр. 8494

عليه حتى صار ذلولا، وهذه المسألة - أعني مسألة التوحيد والإخلاص لله، وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه - هي أهم المسائل وأعظمها، وهي التي وقعت فيها الخصومة بين الرسل والأمم حتى قالت عاد لهود ﵇: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (١) وقالت قريش للنبي ﷺ لما أمرهم بالتوحيد: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢) وقالوا أيضا فيما ذكر الله عنهم في سورة الصافات: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) بعد قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) فعلم بهذه الآيات وما جاء في معناها، أن أهل الشرك يستنكرون دعوة التوحيد، ويستكبرون عن التزامها؛ لكونهم اعتادوا ما ورثوه عن آبائهم من الشرك بالله وعبادة غيره. فالواجب على أهل العلم والإيمان، وعلى أهل الدعوة إلى الله سبحانه، أن يهتموا بهذا الأمر، وأن يوضحوا حقيقة التوحيد والشرك للناس أكمل توضيح، وأن يبينوه أكمل تبيين؛ لأنه الأصل الأصيل الذي عليه المدار في صلاح الأعمال

стр. 8495

وفسادها وقبولها وردها، كما قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) أما الشهادة الثانية: وهي شهادة أن محمدا رسول الله، فهي الأصل الثاني في قبول الأعمال وصحتها وهي تقتضي المتابعة للرسول ﷺ ، ومحبته وتصديق أخباره، وطاعة أوامره وترك نواهيه، وأن لا يعبد الله إلا بشريعته ﵊، كما قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤) ولا هداية للصراط المستقيم؛ إلا باتباعه والتمسك بهداه، كما قال الله : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥) وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٦)

стр. 8496

وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (١) » رواه البخاري في صحيحه. ويدل على هذا المعنى قول الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن منافع الحج وفوائده العظيمة أنه يذكر بالآخرة، ووقوف العباد بين يدي الله يوم القيامة، لأن المشاعر تجمع الناس في زي واحد، مكشوفي الرءوس من سائر الأجناس، يذكرون الله سبحانه ويلبون دعوته، وهذا المشهد يشبه وقوفهم بين يدي الله يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة غرلا خائفين وجلين مشفقين، وذلك مما يبعث في نفس الحاج خوف الله ومراقبته والإخلاص له في العمل، كما يدعوه إلى

стр. 8497

التفقه في الدين والسؤال عما أشكل عليه، حتى يعبد ربه على بصيرة وينتج عن ذلك توجيهه لمن تحت يده إلى طاعة الله ورسوله وإلزامهم بالحق، فيرجع إلى بلاده وقد تزود خيرا كثيرا واستفاد علما جما، ولا ريب أن هذا من أعظم المنافع وأكملها، لا سيما في حق من يشهد حلقات العلم في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمشاعر، ويصغي إلى الدعاة إلى الله سبحانه ويحرص على الاستفادة من نصائحهم وتوجيههم. وفي الحج فوائد أخرى ومنافع متنوعة خاصة وعامة يطول الكلام بتعدادها، ومن ذلك الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة والصلاة في المسجد الحرام ورمي الجمار والوقوف بعرفة ومزدلفة والإكثار من ذكر الله ودعائه واستغفاره في هذه المشاعر، ففي ذلك من المنافع والفوائد والحسنات الكثيرة والأجر العظيم وتكفير السيئات ما لا يحصيه إلا الله لمن أخلص لله في العمل وصدق في متابعة الرسول ﷺ والاهتداء بهديه والسير على سنته، وقد جاء في الحديث عنه ﵊ أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (١) » .

стр. 8498

وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يمنحهم الفقه في دينه ويتقبل منا ومنهم، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قلوبهم وأعمالهم، وينصر دينه ويخذل أعداءه إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 8499

التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل الأعمال (١) . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فيسرني كثيرا في مستهل أعداد مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها في مثل هذه الأيام الأمانة العامة للتوعية الإسلامية في الحج لعامها السادس مساهمة في توجيه وتبصير ضيوف الرحمن بمناسك حجهم وعمرتهم وأمور دينهم ودنياهم. نفع الله بها كل من يطلع عليها. يسرني أن أرحب بكم في بلد الله الحرام، الذي قصدتموه من أماكن بعيدة وجهات نائية، امتثالا لأمر الله القائل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) وتلبية لنداء إبراهيم خليل الرحمن، الذي قال له ربه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٣) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٤)

стр. 8500

ولهذا فأنتم تلبون منذ أحرمتم من مواقيتكم قائلين: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ". وإني أسأل الله تعالى أن يتم لكم حجكم وعمرتكم في يسر وقبول ويجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا، تعودون بعده وقد خرجتم من ذنوبكم كيوم ولدتكم أمهاتكم، إن ربي سميع الدعاء. وأحب بهذه المناسبة الكريمة أن أذكركم وأذكر نفسي بأنه يجب علينا أن نحسن نياتنا في كل أعمالنا، ونخلص القصد فيها لله رب العالمين ابتغاء مرضاته وطمعا في ثوابه وخوفا من عقابه، فإن الله تعالى لا يقبل عملا؛ حجا أو غيره إلا إذا كان صاحبه مخلصا فيه لربه الذي خلقه ورزقه والذي يحييه ويميته وإليه النشور، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) كما يجب علينا أن نتأسى برسول الله ﷺ في كل أعمالنا وأحوالنا في الحج وفي غيره؛ لأن الله أمرنا بطاعته ومتابعته والاقتداء به، ووعد على ذلك محبته

стр. 8501

وجنته ورضوانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) وقد حذرنا الله تعالى من مخالفة أمره فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) فإن بيان المشروع من العبادات والأعمال لا يعرف إلا من طريق رسول الله ﷺ ، الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦)

стр. 8502

لذلك أمرنا الرسول ﷺ أن نأخذ عنه مناسكنا، كما أمرنا أن نصلي كما كان يصلي، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) فاحرصوا يا حجاج بيت الله أن يكون حجكم وجميع عباداتكم خالصة لله وموافقة لهدي رسول الله ﷺ . وما جهلتم من ذلك فاسألوا أهل العلم، لتكونوا على بينة من أمركم عملا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) واعلموا أنكم خرجتم من دياركم وأموالكم وفارقتم أوطانكم وأهليكم تبتغون فضلا من ربكم وتطمعون في أجره وثوابه، فاحرصوا على ذلك، ولا تضيعوا أوقاتكم سدى، وحافظوا على أداء الصلوات في أوقاتها جماعة، ما استطعتم إلى ذلك سبيلا، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وابذلوا النصيحة لإخوانكم في رفق ولين، وبالحكمة والموعظة الحسنة فالدال على الخير كفاعله، والله يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)

стр. 8503

وخير الناس أنفعهم للناس فابذلوا من أنفسكم ومالكم ونصحكم وعونكم لإخوانكم وخاصة رفقتكم، واحذروا الخصام والجدال وإيذاء المسلمين بأي نوع من أنواع الإيذاء ولو بالمزاحمة عند الحجر الأسود وفي رمي الجمرات وفي كل موطن يشتد فيه الزحام، فالمسلم حقا من سلم المسلمون من لسانه ويده، والله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) فراقبوا الله في السر والعلن في أنفسكم وفي أعمالكم وفي إخوانكم عملا بقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) ولا تنسوا وأنتم في هذا الموقف العظيم موقف الاستجابة لله وتلبية ندائه، لا تنسوا إخوانا لكم هم الآن يقاتلون عدو الله

стр. 8504

وعدوكم في كثير من بلاد المسلمين، أجلب عليهم العدو بخيله ورجاله ومؤامراته ومكره وشرد نساءهم وأطفالهم، وهم في حاجة إلى كل عون فلا تبخلوا عليهم بما تستطيعون، واعلموا أن لهم حقا في أموالكم فلا تمنعوا عنهم حقهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وإن فاتكم شرف الجهاد بالنفس فلا يفوتنكم أجر الجهاد بالمال والدعاء والإنفاق في سبيل الله، فمن جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢) والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وإن في بلاد المسلمين صحوة شبابية إسلامية رغم الكبت والضيق الذي يعانونه من كثير من الحكام، هم كذلك في حاجة ماسة إلى تشجيعكم وتأييدكم المادي والمعنوي فلا تضنوا عليهم بذلك، فما أحوجنا إلى شباب مسلم بصير بدينه متمسك

стр. 8505

به؛ لأن معركتنا مع أعداء الإسلام طويلة ونحن فيها محتاجون لكل طاقة من طاقات المسلمين، وأنتم تعلمون بما حل بالقدس الشريف والمسجد الأقصى - نعم نحن محتاجون في هذه المعركة إلى مال الأغنياء وجهد الفقراء، محتاجون فيها إلى حكمة الشيوخ وعزم الشباب، محتاجون فيها إلى إقدام الرجال وعون النساء، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وقد قضى الله تعالى أن لا ينتصر الإسلام إلا بجهاد أتباعه ضد أعدائه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (٢) ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤) ومن أصدق من الله قولا ومن أوفى من الله وعدا؟ وفقنا الله وإياكم لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وهيأ لنا من أمرنا رشدا ونصرنا على أنفسنا وأعدائنا، كما نسأله أن يوفق حكام المسلمين لما فيه سعادتهم وعزهم ونجاتهم ونجاة شعوبهم في الدنيا والآخرة ويرزقهم البطانة الصالحة، إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 8506

وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8507

الإخلاص لله جل وعلا في العمل (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام وقراء هذه المجلة في كل مكان، وفقهم الله لما فيه رضاه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أما بعد: فإنه في مستهل العدد الأول من مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها الأمانة العامة للتوعية الإسلامية في الحج، يطيب لي أن أرحب بكم على هذه الأرض المقدسة التي جعلها الله قبلة للمسلمين ومثابة للناس وأمنا، وأهنئكم بتوفيق الله لكم لأداء مناسك الحج والعمرة تلبية لدعوته واستجابة لأمره؛ حيث يقول جل شأنه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ويقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) وإني إذ أرحب بكم نيابة عن حكومة جلالة الملك خالد

стр. 8508

وسمو ولي عهده - وفقهما الله - أحب أن أشير إلى أن هناك جهودا كبيرة تبذلها هذه الحكومة الرشيدة في سبيل خدمة الحجاج ضيوف الرحمن، وفي مقدمتها تجنيد مجموعة كبيرة من الدعاة والمترجمين بأغلب لغات المسلمين لتعليم وتوجيه الحجاج وتبصيرهم بأمور دينهم وحجهم في أماكن تجمعاتهم حتى يكونوا على بينة منها، عملا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وما هيئة التوعية الإسلامية في الحج التابعة لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، التي تقوم بإصدار هذه المجلة التي بين أيديكم، وأربع مجلات أخرى بلغات أخرى، إلا ثمرة من ثمار هذه الجهود المبذولة، ولذلك فإنها تلقى من حكومة جلالة الملك، ومن ولي عهده الكريم، كل عون ودعم وتأييد، حتى تؤدي رسالتها، وتقوم بواجبها على أتم وجه وأكمله، بعون الله تعالى وتوفيقه. وإني إذ أشكر لهيئة التوعية الإسلامية في الحج جهودها الطيبة في السنوات الماضية، فإني أطالبها بالمزيد من العمل والجد في توجيه الحجاج، وتبصيرهم بدينهم ومناسك حجهم،

стр. 8509

في كل مشهد من المشاهد ومنسك من المناسك، في هذا العام وفي كل عام إن شاء الله، وإني أسأل الله تعالى للقائمين بأعمالها التوفيق والسداد حتى يكونوا عند حسن الظن بهم، يقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١) ونصيحتي لنفسي ولإخواني الحجاج والمسلمين في كل مكان: أولا: أن يخلصوا أعمالهم وحجهم لله ربهم، فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) ويقول : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وما تلبية الحجاج إلا براءة من الشرك وإعلان لتوحيد الله وتخصيصه بالإجابة والطاعة دون من سواه. ثانيا: أن يكون عملهم وحجهم موافقا لما جاء به النبي الأمين ﷺ عن ربه فإن أي عمل لم يأت به

стр. 8510

- ﷺ مهما كان لونه ومهما كان القصد منه فهو مردود على صاحبه؛ لأنه مما لم يشرعه الله لعباده، والله تعالى ما تعبد الناس إلا بما شرعه لهم وما عدا ذلك فهو من اتباع الهوى الذي نهانا الله عنه، قال الله تعالى لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٥) وفي الحديث الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٦) » وفي رواية أخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٧) » .
следующие страницы →