وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 8507
الإخلاص لله جل وعلا في العمل (١) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام وقراء هذه المجلة في كل مكان، وفقهم الله لما فيه رضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أما بعد:
فإنه في مستهل العدد الأول من مجلة التوعية الإسلامية التي تصدرها الأمانة العامة للتوعية الإسلامية في الحج، يطيب لي أن أرحب بكم على هذه الأرض المقدسة التي جعلها الله قبلة للمسلمين ومثابة للناس وأمنا، وأهنئكم بتوفيق الله لكم لأداء مناسك الحج والعمرة تلبية لدعوته واستجابة لأمره؛ حيث يقول جل شأنه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ويقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)
وإني إذ أرحب بكم نيابة عن حكومة جلالة الملك خالد
стр. 8508
وسمو ولي عهده - وفقهما الله - أحب أن أشير إلى أن هناك جهودا كبيرة تبذلها هذه الحكومة الرشيدة في سبيل خدمة الحجاج ضيوف الرحمن، وفي مقدمتها تجنيد مجموعة كبيرة من الدعاة والمترجمين بأغلب لغات المسلمين لتعليم وتوجيه الحجاج وتبصيرهم بأمور دينهم وحجهم في أماكن تجمعاتهم حتى يكونوا على بينة منها، عملا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)
وما هيئة التوعية الإسلامية في الحج التابعة لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، التي تقوم بإصدار هذه المجلة التي بين أيديكم، وأربع مجلات أخرى بلغات أخرى، إلا ثمرة من ثمار هذه الجهود المبذولة، ولذلك فإنها تلقى من حكومة جلالة الملك، ومن ولي عهده الكريم، كل عون ودعم وتأييد، حتى تؤدي رسالتها، وتقوم بواجبها على أتم وجه وأكمله، بعون الله تعالى وتوفيقه.
وإني إذ أشكر لهيئة التوعية الإسلامية في الحج جهودها الطيبة في السنوات الماضية، فإني أطالبها بالمزيد من العمل والجد في توجيه الحجاج، وتبصيرهم بدينهم ومناسك حجهم،
стр. 8509
في كل مشهد من المشاهد ومنسك من المناسك، في هذا العام وفي كل عام إن شاء الله، وإني أسأل الله تعالى للقائمين بأعمالها التوفيق والسداد حتى يكونوا عند حسن الظن بهم، يقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١)
ونصيحتي لنفسي ولإخواني الحجاج والمسلمين في كل مكان:
أولا: أن يخلصوا أعمالهم وحجهم لله ربهم، فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) ويقول : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وما تلبية الحجاج إلا براءة من الشرك وإعلان لتوحيد الله وتخصيصه بالإجابة والطاعة دون من سواه.
ثانيا: أن يكون عملهم وحجهم موافقا لما جاء به النبي الأمين ﷺ عن ربه فإن أي عمل لم يأت به
стр. 8510
- ﷺ مهما كان لونه ومهما كان القصد منه فهو مردود على صاحبه؛ لأنه مما لم يشرعه الله لعباده، والله تعالى ما تعبد الناس إلا بما شرعه لهم وما عدا ذلك فهو من اتباع الهوى الذي نهانا الله عنه، قال الله تعالى لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٥) وفي الحديث الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٦) » وفي رواية أخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٧) » .
стр. 8511
فاتبعوا ما جاءكم به نبيكم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولا تبتدعوا في دينكم فقد كفيتم، والله لم يقبض نبيه ﷺ إلا بعد أن أكمل الدين وأتم النعمة وأنزل قوله الحكيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فما لم يكن في زمن الرسول ﷺ دينا فليس اليوم بدين، ومن حسن للناس شيئا لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، فقد شرع للناس ما لم يأذن به الله، ومن تبعه في ذلك فقد جعله لله شريكا في التشريع وهو من خصائص الألوهية، وقد قال الله تعالى عمن فعل ذلك: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)
ثالثا: أن يحافظوا على أوقاتهم فلا يضيعوها في لهو أو لعب، وإنما ينبغي أن يغتنموا أوقاتهم فيما ينفع ويفيد، من أمور دينهم ودنياهم، فإن الوقت هو الحياة، ومن أضاع وقته أضاع حياته، ومن أضاع حياته ندم ولا تنفعه الندامة، وتمنى
стр. 8512
الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا فلا تتحقق له أمنية، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)
وينبغي لحجاج بيت الله خاصة أن يجتهدوا في العبادة لله، فما خرجوا من ديارهم وأهلهم إلا ليحصلوا الأجر والثواب، فيجب أن يجتنبوا الخصام والجدال فيما بينهم، حتى يعودوا من حجهم وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وإنه لحظ عظيم؛ لقول النبي ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٤) » .
وينبغي أن يسود بينهم الحب والإيثار والتعاون على البر والتقوى، ولا يؤذ بعضهم بعضا عند أداء المناسك والوقوف بالمشاعر، فإن إيذاء المسلم ذنب كبير ينبغي الحذر منه.
стр. 8513
رابعا: أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به المسلمين كل بحسب استطاعته، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
وجاء في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٢) » فولاة الأمور يغيرون المنكر باليد ممن لهم عليهم ولاية، وهكذا كل من له قدرة على الإنكار باليد، كرب البيت، ورئيس الحسبة حسب ما لديه من الصلاحيات ونحوهم، وأولو العلم يغيرون المنكر بالحجة والبرهان، وعامة الناس يغيرون بالقلب إذا لم تكن عندهم قدرة على القول، وصفة إنكار المنكر بالقلب كراهة ومفارقة مجالس المنكرات، وعدم الجلوس فيها، وإلا فإنهم إذا مثلهم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)
стр. 8514
وفقنا الله وإياكم لطاعته، وأعاننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وجعل حجنا وحجكم مبرورا وذنبنا وذنبكم مغفورا وسعينا وسعيكم مشكورا. ونسأله تعالى أن يوفق حكام المسلمين للعمل بالإسلام وتطبيق شريعته وإقامة حدوده حتى لا تكون فتنة وحتى يكون الدين كله لله. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 8515
الدين النصيحة (١) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى إخواني في الله حجاج بيت الله الحرام، وفقهم الله لأداء مناسك حجهم على الوجه الذي شرعه الله ومنحهم القبول والمغفرة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فبسم الله نبدأ، وبه نستعين، وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
اللهم إنا نحمدك على نعمة الإسلام، ونشكرك على أن هديتنا للإيمان، ونسألك أن تثبتنا على دينك وطاعتك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
أيها الحاج الكريم:
لقد أنعم الله عليك نعمة عظيمة، إذ بلغك بلده الأمين، الذي جعله الله مهوى أفئدة المؤمنين، وجعل فيه بيته العتيق
стр. 8516
ليكون قبلة للمسلمين يتجهون إليه في صلاتهم ودعائهم لله .
جئت إلى بلد الله الحرام بعد أن قطعت الفيافي، وتكبدت المشاق وتحملت وعثاء السفر لكي تبلغ ما بلغت.
ولا شك في أنك حين خرجت من بيتك، وتركت أهلك ومالك وولدك، إنما فعلت ذلك ترجو عفو الله ومغفرته، ثم إنك لا شك ترجو أن ترجع إلى بلدك وقد غفر الله لك ذنبك، فعدت كما ولدتك أمك؛ لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » .
ولكي يتحقق لك ذلك إن شاء الله فإني أوصيك ونفسي والمسلمين بالوصايا الآتية، عملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢) » . خرجه
стр. 8517
مسلم في صحيحه - وهي:
١ - أوصيك أن يكون عملك خالصا لله تعالى، بعيدا عن الرياء والسمعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال جل شأنه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) والعمل الخالص ما كان لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤)
ومن إخلاص العمل لله، أن تصرف العبادة كلها له وحده، فلا تدعو غيره ولا تستغيث بسواه ولا تلجأ إلا إليه ولا تستعين إلا به، ولا تتوكل إلا عليه .
وهناك شرط آخر لصحة العمل وقبوله وهو أن يكون موافقا لشريعة الله التي أنزلها على نبيه ﷺ ؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » . أخرجه مسلم في صحيحه، وعلقه
стр. 8518
البخاري جازما به، وصح عنه ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته.
٢ - وأوصيك بتقوى الله في جميع الأحوال، والتقوى هي جماع الخير، وهي وصية الله سبحانه للأولين والآخرين، ووصية رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) وكان النبي ﷺ يوصي في خطبه كثيرا بتقوى الله تعالى، وحقيقة التقوى أداء ما افترض الله على العبد وترك ما حرم عليه، عن إخلاص ومحبة له سبحانه، ورغبة في ثوابه وحذر من عقابه، على الوجه الذي شرعه الله لعباده على لسان رسوله ونبيه محمد ﵊، قال عبد الله بن مسعود ﵁: " تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا يكفر".
стр. 8519
وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁: " ليست تقوى الله بصيام النهار، ولا قيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير".
وقال طلق بن حبيب التابعي الجليل ﵁: " تقوى الله سبحانه هي أن تعمل بطاعة الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله".
وهذا كلام جيد ومعناه أن الواجب على المسلم أن يتفقه في دين الله، وأن يطلب العلم ما وسعه جهده حتى يعمل بطاعة الله على بصيرة ويدع محارم الله على بصيرة، وهذا هو تحقيق العمل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن الشهادة الأولى تقتضي الإيمان بالله وحده، وتخصيصه بالعبادة دون ما سواه، وإخلاص جميع الأعمال لوجهه الكريم، رجاء رحمته وخشية عقابه.
والشهادة الثانية تقتضي الإيمان برسول الله ﷺ ، وأنه رسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وتصديق أخباره واتباع شريعته والحذر مما خالفهما.
هاتان الشهادتان هما أصل الدين وأساس الملة، كما
стр. 8520
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)
٣ - وأوصيك بأن يكون زادك حلالا ونفقتك حلالا فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٤) وعرفنا النبي ﷺ أن المرء الذي لا يتحرى الحلال في المطعم والملبس والمشرب على خطر عظيم، فذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟
стр. 8521
فعليك يا أخي الحاج أن تختار لحجك نفقة طيبة تعينك على إجابة الدعاء وقبول العمل إن شاء الله تعالى.
٤ - وأوصيك أن تبتعد عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأعمال، وهذا أمر يتأكد على المسلم في كل وقت، إلا أنه في الحج آكد، فالواجب عليك أن تصون حجك عما حرم الله عليك من الرفث والفسوق، وأن تستقيم على طاعة الله، وأن تتعاون مع إخوانك في الله على البر والتقوى، حتى يكون حجك مبرورا وسعيك مشكورا، والحج المبرور هو الذي سلم من الرفث والفسوق والجدال بغير حق، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ في الحديث المتقدم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٢) » ، والرفث هو الجماع في حال الإحرام، ويدخل فيه القول بالفحش ورديء الكلام، والفسوق يشمل المعاصي كلها، أعاذنا الله
стр. 8522
وإياك والمسلمين من كل ذلك.
٥ - ثم أوصي نساء المؤمنين بوصية خاصة، هي وصية الله لهن، حيث قال جل شأنه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) فالواجب عليهن التستر والتحجب من الرجال عدا المحارم، وترك إظهار الزينة، والحذر من التعطر حين خروجهن؛ لأن ذلك يسبب الفتنة بهن؛ ولهذا قال ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات (٢) » ومعنى تفلات: أي لا رائحة تفتن الناس، وقال ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا الصلاة (٣) » .
وقالت عائشة ﵂: " لو علم النبي ﷺ ما أحدث النساء اليوم لمنعهن من الخروج".
فالواجب على النساء أن يتقين الله، وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز بعض المحاسن، كالوجه
стр. 8523
واليدين والقدمين عند اجتماعهن بالرجال، وخروجهن إلى الأسواق، وهكذا في وقت الطواف والسعي، وأشد من ذلك وأعظم في المنكر كشفهن الرءوس ولبس الثياب القصيرة التي تقصر عن الذراع والساق؛ لأن ذلك أعظم أسباب الفتن؛ ولهذا قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) والتبرج: إظهار بعض محاسنهن.
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٢) والجلباب: هو الثوب الذي تغطي به المرأة رأسها ووجهها وصدرها وسائر بدنها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة"، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٣)
وقال النبي ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، نساء كاسيات عاريات مائلات
стр. 8524
مميلات، على رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط مثل أذناب البقر، يضربون بها الناس (١) » . خرجه مسلم. معنى كاسيات عاريات: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها، وفسر بأن عليهن كسوة رقيقة أو قصيرة لا تسترهن، فهن كاسيات بالاسم والدعاوى، عاريات في الحقيقة، ومعنى مائلات مميلات: أنهن مائلات عن الحق مميلات لغيرهن إلى الباطل من الفحشاء والمنكر.
ولا ريب أن هذا الحديث الصحيح يوجب على النساء العناية بالتستر، والتحجب والحذر من أسباب غضب الله وعقابه، والله المستعان.
٦ - وأعود فأوصيك أيها الحاج الكريم بأن تكون مقتديا في جميع أفعالك وأقوالك بنبيك محمد ﷺ وخلفائه الراشدين وأصحابه الطاهرين ﵃، فالخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع، وقد قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ،
стр. 8525
وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١) » .
ولكي يتحقق لك ذلك فعليك بالبحث عن العلماء، والقرب منهم، مستفسرا منهم عن أمور دينك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٣) » ، وقال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » .
وهذه المجلة التي بين يديك، والتي تصدر عن رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، تقدمها لك هيئة التوعية الإسلامية في الحج، تدخل الآن عامها الثامن، وتواصل مسيرتها بعون الله وتوفيقه نحو تحقيق أهدافها.
стр. 8526
إنها مجلتك ومجلة كل مسلم، فاحرص على اقتنائها واعتبر نفسك عضوا عاملا فيها قارئا وكاتبا، فهي منك وإليك، فابعث بما يمن الله به عليك من آراء وأفكار ومقترحات تخدم الإسلام وتقوي شوكة المسلمين.
ثم ادع الله معي أن يوفق العاملين في هذه المجلة، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير والصلاح، وأن يلهمهم الرشد والصواب في كل ما يقومون به، وأن يبارك جهودهم ويعظم أجرهم إنه ولي ذلك والقادر عليه. وتقبل الله من الجميع أفعالهم وأقوالهم وأصلح نياتهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 8527
تحقيق معنى الشهادة بالقول والعمل (١) .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ... أما بعد:
فإن الله جل وعلا جعل موسم الحج مؤتمرا لعباده، يجتمعون فيه من أنحاء الدنيا ومن سائر أجناس البشر، يريدون القربة إلى الله وسؤاله والضراعة إليه ويطلبون حط ذنوبهم وغفران سيئاتهم، ويرفعون إليه جميع حوائجهم، يسألونه سبحانه من فضله، ويتوبون إليه من تقصيرهم وذنوبهم، ويتعارفون فيه، ويتشاورون ويتناصحون، ويتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، وذلك من جملة المنافع التي أشار إليها سبحانه في قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣) والله ذكر أنهم يحضرون من كل فج عميق، من الشرق والغرب والجنوب والشمال، ليشهدوا هذه
стр. 8528
المنافع، من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات وبالمزدلفة ويرمون الجمار، وينحرون الهدايا ويحضرون مجالس العلم والذكر، ويسألون أهل العلم عما أشكل عليهم ويتناصحون بينهم، ويستفيد بعضهم من بعض ويحسن بعضهم إلى بعض، هكذا يجب على المسلمين، وهكذا شرع الله لهم، وهو خلقهم سبحانه لهذا الأمر، خلقهم ليعبدوه والحج من عبادته، والعبادة أنواع، أعظمها وأهمها عبادتهم إياه سبحانه لتوحيده، وهو الإخلاص له، فيشهد أنه لا معبود بحق إلا الله، ويشهد أن نبيه محمدا رسول الله، شهادة تقتضي العمل، لا مجرد الشهادة بالقول، بل شهادة معها العمل والصدق والإخلاص في العبادة لله وحده، معها متابعة الرسول محمد ﵊، ومعها الإيمان لجميع المرسلين الماضين، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) يبين سبحانه أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته وإفراده بالعبادة، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا هو أصل الملة وأساس الدين، وأساس السعادة ألا تعبد إلا ربك، وأن تخص ربك بدعائك وخوفك، ورجائك وصلاتك وصومك وذبحك، ونذرك وغير ذلك. فالعبادة حق الله وحده، وهي أعظم شيء خلق له
стр. 8529
العباد. وهي أكبر شيء أمروا به وفرض عليهم، ثم يلي ذلك الشهادة بأن محمدا رسول الله ﷺ مع الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين الماضي، فالإنس هم بنو آدم، والجن هم بنو الجان بنو الشيطان، فيهم الطيب والخبيث، فيهم الصالح والطالح، كما قال : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ (٢) وهكذا بنو آدم فيهم الصالح والطالح، فيهم الكافر والمسلم، فيهم البر التقي والكافر الشقي، قال جل وعلا: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٣) ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٤)
فجميع الثقلين من الجن والإنس، خلقوا ليعبدوا الله وليطيعوه وليعظموه ويخصوه بالعبادة، لا يعبدون معه كوكبا، ولا نبيا ولا وليا ولا شجرا ولا صنما ولا حجرا، ولا غير ذلك، بل عليهم أن يعبدوه وحده ، ويخصوه جل وعلا بالدعاء، فلا يدعى إلا هو ، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يذبح إلا له ولا ينذر إلا له، ولا يصلى إلا له، ولا يسجد إلا له.
стр. 8530
وبهذا تعلم أيها المؤمن أيها البصير العاقل، أن ما قد يقع من بعض الجهال في كثير من البلدان والأمصار، من التوجه إلى أصحاب القبور بالدعاء والاستغاثة، أن هذا يضاد قول لا إله إلا الله، وأن الواجب على جميع الثقلين، أن يخصوا الله بالعبادة، وأن يتركوا دعوة الأموات والاستغاثة بهم، فالميت عاجز، والنذر له والذبح له، وطلبه المدد منه شرك أكبر بالله ، ويضاد قول لا إله إلا الله ويناقضها، وعليك مع ذلك أن تتبع الرسول ﷺ وتنقاد لأوامره؛ لأن هذا مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، هذه الشهادة توجب عليك اتباعه وتصديقه، والانقياد لأوامره ﵊، ولهذا قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)
وهذا الموسم موسم الحج فرصة للمؤمن يسمع آيات الله ويسمع كلام أهل العلم في المسجد الحرام، وفي المساجد الأخرى، وفي الحلقات العلمية، وفي الخطب وفي غير ذلك
стр. 8531
من أنواع الدعوة والتذكير في سائر الأماكن، ويسمع ما يذاع وينشر من الدعوة إلى الله، من طريق الإذاعة أو التلفاز، يسمع ما يذاع وينشر عن دعوة الله وإخلاصه وعن توحيده سبحانه، وعن طاعة أوامره وترك نواهيه.
ثم يلي هذا الأمر أمر الصلاة، فإنها عمود الإسلام، فكثير من الناس يتساهل في الصلاة، وهذا منكر عظيم وخطر كبير، الصلاة عمود الإسلام، أعظم من الحج، وأعظم من الصيام، وأعظم من الزكاة، هي أعظم واجب بعد الشهادتين، فالواجب على كل مسلم ومسلمة العناية بالصلاة، ففي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (١) » والله يقول في كتابه العظيم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) وهي العصر، يقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٦) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٨) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٩) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١٠) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (١١) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١٣) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٤)
стр. 8532
وهذا جزاؤهم في الآخرة، فهذه الآيات فيها صفات متعددة للمؤمنين، بدأها بالصلاة وختمها بالصلاة، فدل ذلك على عظم شأن الصلاة، وأن أهلها مفلحون سعداء، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) إذا دخلوا للصلاة خشعوا فيها واطمأنوا، وخضعوا لله وجمعوا قلوبهم على صلاتهم وسكنوا فيها، يعظمون الله ويقرءون كتابه، ويسبحونه ويقدسونه ويسألونه من فضله. قائما يقرأ، ثم يركع معظما لله ويقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، في ركوعه معظما لربه جل وعلا، ثم يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده، إذا كان إماما أو منفردا، وإذا كان مأموما، قال: ربنا ولك الحمد، ثم يحمد ربه: حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، ثناء على الله ، ثم ينحط ساجدا مكبرا ويسجد على سبعة الأعضاء، على جبهته
стр. 8533
وأنفه وعلى يديه وعلى ركبتيه وعلى أطراف قدميه، خاضعا لربه مطمئنا خاشعا، يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ويدعو ربه، ويسأله من فضله في هذا السجود، كما قال النبي ﷺ : «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (١) » يعني حري أن يستجاب لكم. وقال ﵊: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (٢) » ، ثم يرفع من السجود مكبرا ويجلس بين السجدتين خاشعا مطمئنا خاضعا لربه، يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، ثم يكبر ويسجد الثانية خاضعا لله، ويقول سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ويدعو ربه، وهكذا يتم صلاته بخشوع وخضوع وطمأنينة.
فالصلاة لها شأن عظيم، من حافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها ضيع دينه، - نعوذ بالله من ذلك-. ولهذا صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «العهد الذي بيننا
стр. 8534
وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » فعلينا أن نحذر التهاون بها، علينا أن نحافظ عليها في جميع الأوقات. والرجل يصليها في الجماعة، والمرأة تصليها في بيتها، مع الخشوع والخضوع والطمأنينة.
ثم يلي ذلك الزكاة وهي حق المال. الزكاة لها شأن عظيم، إذ هي الركن الثالث من أركان الإسلام، فعلى من عنده مال يبلغ النصاب أن يزكي، وأن يصرف الزكاة على أهلها المستحقين لها، يقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٢) » .
والله سبحانه يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) فالزكاة أخت الصلاة وقرينتها، فالواجب على المؤمن أن يحذر التساهل بها أو البخل بها، فقد وعد الله من بخل بالزكاة أن
стр. 8535
يعذب بماله يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك. فعليك يا عبد الله أن تعتني بالزكاة، وأن تؤدي حق الله من مالك، وأن تدفعه إلى المستحقين من الفقراء والمحاويج وغيرهم من أصناف الزكاة.
وهكذا الصيام الركن الرابع. صيام رمضان في كل سنة، ركن عظيم لا بد منه في حق الرجال والنساء جميعا، ومن صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، هذه نعمة عظيمة.
ثم الحج هو الركن الخامس حج بيت الله الحرام في العمر مرة واحدة، وهذا من تيسير الله وتسهيله، مرة في العمر، وهكذا العمرة وهي الزيارة للبيت مرة في العمر، والباقي سنة نافلة، قال النبي ﷺ : «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » فمن أتى البيت العتيق وحج كما شرع الله، غفر الله له وأدخله الجنة إذا مات على ذلك.
فعليك يا عبد الله أن تعرف مقدار حجك، وأن هذه نعمة عظيمة وأن تستفيد من هذا الحج، بحضور مجالس العلم،
стр. 8536
وحلقات العلم وسؤال أهل العلم عما أشكل عليك، وأن تسأل ربك في طوافك وسعيك وفي صلاتك وسائر أحوالك أن يثبتك على الإيمان وأن يمنحك الفقه في الدين وأن يعيذك من نزغات الشيطان.
وعليك أن تصحب الأخيار دائما في بلادك، وفي كل مكان، عليك أن تحرص على صحبة الأخيار أهل الدين، وأهل الخير والاستقامة. وعليك أن تحذر صحبة الأشرار الذين يضيعون الصلوات، ويتعاطون المسكرات، ويفعلون المنكرات، احذر صحبتهم، احذر صحبة الأشرار. فالصاحب الطيب مثل حامل المسك، والصاحب الخبيث مثل نافخ الكير، فالمؤمن يحذر، وهكذا المؤمنة تحذر صحبة الأشرار؛ لأنهم يجرون إلى معاصيهم وشرهم إلا من عصم الله، وعليك بصحبة الأخيار فإنهم يعينونك على طاعة الله ورسوله، وتتأسى بهم في الخير والعمل الصالح. وهذا اليوم هو يوم منى وهو يوم التروية، وغدا يوم عرفة، والسنة بعد طلوع الشمس التوجه إلى عرفات ملبيا ذاكرا ربك مكبرا له، يلبي الحاج ويذكر ربه ويكبره سبحانه ويهلله، ويسأله من فضله ورحمته وإحسانه، ويرجوه فضله ويسأله العتق من النار، ويصلي في عرفات الظهر والعصر قصرا وجمعا بأذان واحد وإقامتين. الظهر ثنتين والعصر ثنتين قصرا وجمعا جمع تقديم في أول
стр. 8537
الوقت، كما فعله النبي ﵊ يوم صلى بالناس في عرفات، جمعا وقصرا ﵊، فخطب الناس وذكرهم ووعظهم وعلمهم مناسك حجهم، وحذرهم من أمور الجاهلية التي أبطلها الله، من الربا وسفك الدم بغير حق، وغير ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية، من الشرك والفساد، وحذر الناس من ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، وأوصاهم بالتمسك بالقرآن والاعتصام به، وأخبر الناس أن الله حرم عليهم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، هكذا أوصى في الخطبة ﵊. وأشهد الله عليهم، «وقال لهم إنكم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء هكذا وينكبها إلى الناس، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد (١) » يشهد الله عليهم أنه بلغهم ﵊، وأنا بلغتكم الآن أيضا. والله يشهد عليكم . فعليكم أن تتقوا الله، وعليكم أن تستقيموا على دين الله، وأن تحافظوا على أمر الله، وأن تحذروا معاصي الله، وأن تخلصوا العبادة لله ، وأن تستقيموا على اتباع رسول الله محمد ﵊ في كل شيء، في الأقوال والأعمال والعبادات
стр. 8538
والمعاملات، والأخلاق وفي كل ما أمر الله به ورسوله، وأن تتواصوا بالحق، وتتواصوا بالصبر والتناصح، وأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، حتى تلقوا ربكم، وفي إشارته ﷺ إلى السماء، دليل على أن الله في السماء فوق العرش ، والله في السماء فوق جميع الخلق، فوق العرش سبحانه، كما قال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) والله في السماء فوق العرش، فوق جميع الخلق ، وهو يعلم أحوال عباده، وهو معهم بعلمه واطلاعه لا تخفى عليه خافية، ومن أنكر أن الله في السماء، ويزعم أنه في الأرض أو في كل مكان، فهو كافر ضال نعوذ بالله، والله في السماء فوق جميع الخلق، فوق العرش، والعرش فوق السماوات، هو أعلى شيء، والله فوقه سبحانه، ومع ذلك يعلم أحوال عباده، لا تخفى عليه خافية ، كما قال : ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٣) ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٥)
стр. 8539
وقال : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) فهو سبحانه فوق العرش وعلمه محيط بالعباد، ولهذا قال : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢)
فالوصية أيها الحاج: تقوى الله والاستقامة على أمره والمحافظة على دينه والتواصي بذلك، وأن يقوم الرجل على أهل بيته، ويعلمهم ويرشدهم وينصحهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، من أولاد وزوجة وغير ذلك، حتى تبرأ ذمته، وحتى يعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، وحتى يتعاون معهم على طاعة الله ورسوله، وهكذا مع جيرانه ومع أصحابه ومع الناس أجمعين. قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وقال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥)
стр. 8540
جعلنا الله وإياكم منهم، وهدانا وإياكم صراطه المستقيم، وأعاننا وإياكم على إكمال مناسكنا، وتقبل منا جميعا ومن جميع المسلمين، وجعلنا الله وإياكم من الهداة المهتدين، وأسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، وأن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يجزيهم عن جهودهم الصالحة خيرا، وأن يصلح لهم البطانة ويعينهم على كل ما فيه رضاه وصلاح المسلمين، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
стр. 8541
وجوب تحقيق تقوى الله في امتثال أمره واجتناب نهيه (١) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى إخوانه في الله حجاج بيت الله الحرام وإلى كل من يطلع على هذه الرسالة من المسلمين في كل مكان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فيسرني أن ألتقي بكم على صفحات هذه المجلة (التوعية الإسلامية) في عامها التاسع، والتي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في موسم الحج من كل عام؛ لإرشاد حجاج بيت الله وضيوف الرحمن لأداء مناسك الحج والعمرة على ما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء، وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وأصول عقيدتهم التي كان عليها سلفنا الصالح ﵃ أجمعين -، والتنبيه على كثير من البدع التي تفشت بين المسلمين، وتناول بعض القضايا المعاصرة بالدراسة التي تظهر وجه الحق فيها حتى يكون المسلم على بينة من أمرها بمقدار ما يتاح لهذه المجلة من وقت وإمكانيات، والله ولي التوفيق.
стр. 8542
وبهذه المناسبة الكريمة فإني أرحب بإخواني حجاج بيت الله في حرم الله، وأذكر نفسي وأذكرهم ببعض الوصايا، والنصائح الواجبة في مثل هذا المقام، حتى يكون عملنا مقبولا، وسعينا مشكورا، وحجنا مبرورا، وذنبنا مغفورا بتوفيق من الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) وتتحقق تقوى الله في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه، وحذرا من عقابه، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسول ﷺ لأمته، كما قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)
واعلموا - رحمني الله وإياكم- أن الإخلاص لله في العبادة واتباع الرسول ﷺ فيها، أصلان أساسيان في صحتها وقبولها، واستحقاق الثواب عليها - لا سيما الحج - فلنحرص على ذلك أشد الحرص، فقد قال الله تعالى:
стр. 8543
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)
ومن الإخلاص لله في العبادة، أن لا نشرك معه غيره، أو نصرف شيئا منها لسواه، وأن نطهرها من الرياء وحب السمعة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك وهو الذي يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ويقول لنبيه الكريم ﷺ : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٧) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٨) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٩) وقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١٠) وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال
стр. 8544
«من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به (١) » متفق عليه، يعني من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله سريرته للناس يوم القيامة وفضحه على رءوس الخلائق. أعاذنا الله وإياكم من خزي يوم الدين.
ومن العبادة الدعاء - بل هو أظهر مظاهر العبودية والتضرع لله - فينبغي أن يكون لله وحده، فلا يدعى غيره ولا يستعان بأحد سواه، ولا يلجأ إلا إليه، ولا يستغاث إلا به، وفي الذكر الحكيم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٤)
وقد جاء في وصية رسول الله ﷺ لابن عباس ﵄: «.... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن
стр. 8545
ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف (١) » رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وينبغي أن نتحرى في كل أعمالنا سنة رسولنا ﷺ ، فهو ﷺ المتبوع والمقتدى به، ونتجنب البدع في ديننا، فالخير في الاتباع والشر في الابتداع. فقد قال ﷺ لأصحابه ﵃: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٢) » رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣) » متفق عليه.