← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومعنى فطرني أي خلقني على غير مثال سبق، ومن كان بهذه المثابة فهو المستحق أن يعبد دون كل ما سواه، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) فبين أنه أوحى إلى جميع الرسل قبل خاتمهم نبينا محمد ﷺ أنه لا إله غيره، يستحق العبادة، وأنه أمرهم بعبادته وحده. فدل ذلك على أن جميع الآلهة المعبودة من دونه من أنبياء وأولياء وأصنام وأشجار، وجن وملائكة وغير ذلك كلها معبودة بالباطل. ومما يوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٢) وقوله عن المشركين لما دعاهم نبينا محمد ﷺ إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٥) فدل ذلك على أنهم عرفوا أن كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله تبطل ما هم عليه من الشرك وتدل على أن آلهتهم باطلة. فعلم بذلك أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة لله وحده، وتدل على أنه سبحانه المعبود بالحق، ولولا ذلك لم يستكبروا عن قولها، ولم يقولوا إنها تقتضي إبطال الآلهة جميعها. . وهذا مما خفي على أكثر الخلق، حتى ظنوا أن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم معصوم الدم والمال، ولو صرف الكثير من العبادة لغير الله، كالدعاء

стр. 947

والخوف والرجاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك. وهذا هو الواقع من عباد القبور، فإنهم يقولون لا إله إلا الله، وهم مع ذلك يلجأون إلى أصحاب القبور ممن يسمونهم بالأولياء، فيسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والنصر على الأعداء، تارة عند قبورهم، وتارة مع البعد عنهم. وقد يفعلون ذلك مع نبينا محمد ﷺ ، ومع غيره من الأنبياء، وقد يلجأون في حاجاتهم إلى الجن فيستغيثون بهم، ويذبحون لهم، يرجون نفعهم والشفاء لمرضاهم، والدفاع عن أنفسهم وزروعهم وغير ذلك. وكل هذه الأمور معلومة مشهورة، لا تخفى على من اتصل بعباد القبور، ورأى ما هم عليه من الشرك الصريح، والكفر البواح. فأرسل الله الرسل جميعهم، تنكر هذا الشرك، وتحذر منه، وتدعو إلى عبادة الله وحده، كما سبق ذلك في الآيات الكريمات. وقد أمرهم الله ، أن يعرفوا الناس بربهم وخالقهم ورازقهم، وأن يذكروا لهم أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، الدالة على كمال عظمته وقدرته، وعلمه وإحسانه إلى عباده ورحمته إياهم، وأنه سبحانه هو النافع الضار، المدبر لجميع شئون خلقه، الخبير بأحوالهم، فلا يليق أن يعبدوا غيره، أو يسألوا حاجاتهم من سواه، لأنه سبحانه هو القادر على كل شيء المحيط علمه بكل شيء، وما سواه فقير إليه، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) إلى قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) وقال تعالى:

стр. 948

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٢) ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٣) وأخبر عن المرسلين عليهم الصلاة والسلام أنهم بلغوا أممهم عظمة الله سبحانه، وقدرته على كل شيء، وعلمه بكل شيء، وأنه سبحانه هو الذي يسمع الدعاء، ويجيب المضطر، وأنه النافع الضار، وأن يخبروهم عن معبوداتهم أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع دعاء الداعي ولا تجيبه، كما أخبروهم عن أصنامهم أنها لا تكلمهم، ولا تهديهم سبيلا، ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وكل ذلك مما يوجب إخلاصهم لله في العبادة، وتوبتهم إليه، وطلب حاجاتهم منه، وتصديق أنبيائه والتزام شريعته، كما قال تعالى عن نوح ﵊ أنه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٤) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٥) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٦) وقال عن هود ﵊ أنه قال لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (٧) ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٨) ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (٩) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٠) ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ (١١) ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ (١٢) ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٣) ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٤) وقال عن نبيه صالح ﵊ إنه قال لقومه: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ (١٥) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٦) ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (١٧) ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (١٨) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٩) ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢٠) ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٢١) الآيات، وقال عن خليله إبراهيم عليه

стр. 949

السلام: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٢) ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (٣) ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٤) ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٥) ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٦) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٧) وقال في قصة بني إسرائيل وعبادتهم العجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ (٨) الآيات. وقال في سورة طه في القصة نفسها: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٩) والمعنى: أين ذهبت عقول هؤلاء حتى عبدوا صورة عجل، لا يرد إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا. فعلم بذلك أن الله سبحانه هو الضار النافع الذي يسمع الدعاء، ويجيب المضطر إذا دعاه، ويتكلم إذا شاء، وأن هذه الصفات من صفات الكمال التي يجب أن يكون المعبود بحق، موصوفا بها، بخلاف الأصنام ونحوها، فإنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ولا تجيب من دعاها، ولا ترجع إليه قولا، ولا تهديه سبيلا. فكيف يجوز أن تعبد مع الملك الحق السميع المجيب، النافع الضار، العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء لا إله غيره، ولا رب سواه. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها ترشد إلى أن الله سبحانه موصوف

стр. 950

بصفات الكمال منزه عن صفات النقص والعيب، وذلك مما يوجب توحيده وإخلاص العبادة له سبحانه وتوجيه القلوب إليه، والتوكل عليه في جميع الأمور دون كل ما سواه، لكونه الخلاق الرزاق المالك لكل شيء، المدبر لجميع الأمور، فلا يجوز أن يعبد معه غيره. وقد أخبر الله سبحانه عن أنبيائه: نوح وهود، وصالح وشعيب: أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) كما أخبر عن جميع المرسلين أنهم قالوا لأممهم ذلك كما سبقت الآيات في ذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (٤) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٥) ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (٧) ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨) وقال سبحانه في سورة مريم عن إبراهيم الخليل نفسه ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (٩) ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (١٠) ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (١١) ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ (١٢) ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (١٣) ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١٤)

стр. 951

﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (١) ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٢) ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (٣) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٤) وقال سبحانه في سورة الأعراف عن قوم هود، أنهم قالوا لهود ﵊: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٥) وقال في سورة يونس عن مشركي العرب، الذين بعث إليهم نبينا محمد ﷺ ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦) فرد الله جل وعلا عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧) وقال في سورة الزمر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٨) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٩) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (١٠) فأوضح سبحانه في هذه الآيات أن المشركين الذين بعث فيهم محمد ﷺ لم يعبدوا الأصنام والأوثان والأنبياء والصالحين وغيرهم لأنهم يضرون وينفعون، أو يخلقون أو يرزقون، وإنما عبدوهم يرجون شفاعتهم عند

стр. 952

الله، وتقريبهم لديه زلفى، فحكم عليهم بعملهم هذا: أنهم كفار مشركون. وفي هذا المعنى يقول ﵎: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢) فأخبر سبحانه في هذه الآية: أن الملك لله وحده، وأنه المتصرف في جميع خلقه، وأن جميع معبودات المشركين من دون الله من جن وإنس وشجر وحجر وغير ذلك، كلهم لا يملكون من قطمير، وهو القشرة التي على نواة التمر، وأنهم لا يسمعون دعاء الداعي، وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لأنهم ما بين ميت وغائب، أو جماد لا يفعل شيئا، وأوضح سبحانه أن معبوديهم من دون الله، يكفرون بشركهم يوم القيامة، وينكرونه، فدل ذلك على أن تعلقهم بهم، ودعاءهم إياهم شرك بالله ، كما قال : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ (٣) ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٥) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٦) فأبان سبحانه في هذه الآيات أن جميع المعبودين دون الله، يتبرءون من عابديهم يوم القيامة، ويكفرون بعبادتهم، ويخبرونهم أنهم كانوا عنها غافلين.

стр. 953

فما أعظم حسرة أولئك المشركين، وما أعظم خسارتهم يوم القيامة، حيث باءوا بالخيبة والندامة واستحقوا غضب الجبار ونقمته بكفرهم به وعبادتهم معه من لا يضر ولا ينفع، ولا يغني عنهم شيئا، وقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) والآيات في بيان بطلان الشرك، وسوء عاقبة أهله وعظم خسارتهم يوم القيامة في كتاب الله كثيرة. وهكذا جاء في السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ما يبين ضلال المشركين، وسوء عاقبتهم، وعظم خسارتهم، وأنهم لم يشركوا في توحيد الربوبية، بل هم يعلمون أن الله هو الخالق الرازق، مدبر أمورهم، وإنما أشركوا في عبادتهم مع الله غيره بالدعاء والخوف والرجاء، والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله (٢) » ، وفي رواية: «فادعهم إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله (٣) » - وفي رواية للبخاري ﵀ «فادعهم إلى أن يوحدوا الله (٤) » وفي صحيح مسلم عن سعد بن طارق الأشجعي عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله (٥) » وفي رواية لمسلم بلفظ: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله (٦) » . . الحديث. وهذان الحديثان صريحان في وجوب توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له، والكفر بما يعبد من دونه.

стр. 954

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه قال لجبرائيل ﵇ لما سأله عن الإسلام قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المفروضة، وتؤدي الزكاة المكتوبة (١) » . . الحديث. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت (٢) » وفي رواية أخرى له: «على أن يعبد الله ويكفر بما دونه (٣) » . . الحديث. وأصله في الصحيحين مرفوعا بلفظ: «بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٤) » . وروى مسلم ﵀ حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان من حديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لجبريل لما سأله عن الإسلام: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤت الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (٥) » . فدلت هذه الأحاديث، وما جاء في معناها على أن معنى شهادة ألا إله إلا الله: هو توحيد الله وإخلاص العبادة له، والكفر بما يعبد من دونه. وهذا المعنى هو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به المرسلين، وأنزل به الكتب، وقام عليه سوق الجهاد، وانقسم الناس فيه إلى كافر ومؤمن، وشقي وسعيد. فالواجب على كل مكلف، أن يحرص على أسباب النجاة، وأن يلتزم بتوحيد الله سبحانه ويخلص له العبادة جل وعلا، ويكفر بعبادة ما سواه،

стр. 955

ويتبرأ منها، ويوالي على ذلك، ويعادي عليه، كما قال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) فهذا هو دين المرسلين جميعا، وهو الدين الذي بعث الله به خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ . فعلى كل مسلم أن يعض عليه بالنواجذ، وأن يستقيم عليه، وأن يدعو الناس إلى ذلك بكل صدق وإخلاص، وأن يصبر على ما أصابه في سبيل التمسك به، والدعوة إليه كما قال الله لنبيه ﵊: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧) وقال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 956

والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين وجميع الدعاة إلى الحق لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر عباده، وأن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه صلاح شعوبهم وهدايتهم إلى صراطه المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

стр. 957

محاضرة في أصول الإيمان (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد. . . أيها الأخوة الكرام: حديثي معكم في هذه الكلمة فيما يتعلق بأصول الإيمان، وهذا موضوع اختارته الجامعة ووافقت عليه، لأنه موضوع مهم جدا، لأن مدار ديننا على هذه الأصول، لأنه سر نجاح الأمة وسر سعادتها وسر أمنها وسر تقدمها وسر سيادتها على الأمم إذا حققته في أقوالها وأعمالها وسيرتها وجهادها وأخذها وعطائها وغير ذلك. . وقد أوضح القرآن هذه الأصول في آيات كثيرة كما أوضحها نبينا ﵊ في آيات وأحاديث صحيحة، وهي أصول ستة، هي أصول الإيمان، وهي أصول الدين. . فإن الإيمان هو الدين كله وهو الإسلام وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو ما بعث الله به الرسول ﵊ من العلم النافع والعمل الصالح، كله يسمى إيمانا، هذه أصول ديننا الستة أوضحها الكتاب العزيز في مواضع، وأوضحها رسول الله الأمين في الأحاديث، فمما ورد في كتاب الله قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٢) الآية. فبين هنا خمسة

стр. 958

من أصول الإيمان. وهي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين. هذه خمسة أصول عليها مدار الدين ظاهرة وباطنة، وقال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١) الآية. فبين هنا أربعة أصول في قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) ولم يذكر اليوم الآخر، ولكنه ذكره في الآية السابقة وفي آيات أخرى، وهذه سنة الله في كتابه ينوع سبحانه الأخبار عنه وعن أسمائه وصفاته، وعن أصول هذا الدين، وعن شئون يوم القيامة والجنة والنار، وعن الرسل وأممهم حتى يجد القارئ في كل موضع من كتاب الله ما يزداد به إيمانه وعلمه، وحتى يطلب المزيد من العلم في كل موضع من كتاب الله وفي كل حديث عن رسول الله ﷺ ، وقد أشار الله إلى اليوم الآخر في آخر الآية بقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤) فقد أوضح سبحانه في هذه الآية أن الكفر بهذه الأصول ضلال بعيد عن الهدى. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي مواضع يذكر سبحانه الإيمان بالله وحده؛ لأن جميع ما ذكر في الآيات الأخرى داخل في ضمن الإيمان بالله، وفي بعضها الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر

стр. 959

فقط، وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في ذلك، فإذا ذكر الإيمان بالله دخل فيه بقية الأشياء التي ذكرها في الآيات الأخرى كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فمن هذا قول الله جل وعلا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) فاقتصر على الإيمان بالله ورسوله والكتاب المنزل على محمد ﵊ والكتاب المنزل من قبل ولم يذكر الأصول الأخرى لأنها داخلة في الإيمان بالله، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٢) ذكر الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل على محمد ﷺ وهو الكتاب والسنة، لأن البقية داخلة في ذلك، فالكتاب والسنة داخلان في النور، وهكذا كل ما أخبر الله به ورسوله مما كان وما يكون كله داخل في النور، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) فذكر الإيمان بالله ورسوله فقط وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في الإيمان بالله ورسوله. ومما جاء في السنة عن رسول الله ﷺ حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﵊ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فذكر الإسلام أولا، وفي لفظ بدأ بالإيمان ثم ذكر الإسلام ثم الإحسان، فالمقصود أنه ذكر الإيمان بما يصلح الباطن، لأن الباطن هو الأساس، والظاهر تبع للباطن فسمى الأعمال الظاهرة إسلاما لأنها انقياد وخضوع له سبحانه، والإسلام هو الاستسلام لله والانقياد لأمره، فسمى الله الأمور الظاهرة إسلاما لما فيها من الانقياد لله والذل له والطاعة لأمره والوقوف عند حدوده

стр. 960

عز وجل، يقال أسلم فلان لفلان أي ذل له وانقاد، ومعنى أسلمت لله أي ذللت له وانقدت لأمره خاضعا له . فالإسلام هو الاستسلام لله بالأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق بالأمور الباطنة، والظاهرة مما جاء في الشرع المطهر وهذا كله عند الاقتران، ولهذا لما قرن بينهما في هذا الحديث الصحيح فسر رسول الله ﵊ الإسلام بالأمور الظاهرة وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بالأمور الباطنة وهي الإيمان بالله وملائكته إلخ. ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح قيل: «يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف (١) » . وفي حديث آخر «أي الإسلام أفضل؟ ، قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده (٢) » . فالإسلام أخص بالأعمال الظاهرة التي يظهر بها الانقياد لأمر الله والطاعة له والانقياد لشريعته وتحكيمها في كل شيء، والإيمان أخص بالأمور الباطنة المتعلقة بالقلب من التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ولهذا لما سئل ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره (٣) » ، ففسر الإيمان بهذه الأمور الستة التي هي أصول الإيمان وهي في نفسها أصول الدين كله لأنه لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، فالإيمان بهذه الأصول لا بد منه لصحة الإسلام لكن قد يكون كاملا وقد يكون ناقصا، ولهذا قال الله في حق الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٤)

стр. 961

فلما كان إيمانهم ليس بكامل، بل إيمان ناقص لم يستكمل واجبات الإيمان نفى عنهم الإيمان يعني به الكامل لأنه ينفى عمن ترك بعض الواجبات كما في قول النبي ﷺ : «لا إيمان لمن لا صبر له» وقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١) » ، ومنه قول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٢) » ، إلى غير ذلك، والمقصود أن الإيمان يقتضي العمل الظاهر، كما أن الإسلام بدون إيمان من عمل المنافقين، فالإيمان الكامل الواجب يقتضي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله، فإذا قصر في ذلك جاز أن ينفى عنه ذلك الإيمان بتقصيره كما نفي عن الأعراب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) وكما نفي عمن ذكر في الأحاديث السابقة. والخلاصة أن الله سبحانه ورسوله نفيا الإيمان عن بعض من ترك بعض واجبات الإيمان وأثبتا له الإسلام، فهذه الأصول الستة هي أصول الدين كله، فمن أتى بها مع الأعمال الظاهرة صار مسلما مؤمنا، ومن لم يأت بها فلا إسلام له ولا إيمان. كالمنافقين فإنهم لما أظهروا الإسلام وادعوا الإيمان وصلوا مع الناس وحجوا مع الناس وجاهدوا مع الناس إلى غير ذلك، ولكنهم في الباطن ليسوا مع المسلمين بل هم في جانب والمسلمون في جانب؛ لأنهم مكذبون لله ورسوله، منكرون لما جاءت به الرسل في الباطن، متظاهرون بالإسلام لحظوظهم العاجلة ولمقاصد معروفة أكذبهم الله في ذلك، وصاروا كفارا ضلالا، بل صاروا أكفر وأشر ممن أعلن كفره، ولهذا صاروا في الدرك

стр. 962

الأسفل من النار، وما ذاك إلا لأن خطرهم أعظم لأن المسلم يظن أنهم إخوته وأنهم على دينه وربما أفشى إليهم بعض الأسرار، فضروا المسلمين وخانوهم، فصار كفرهم أشد وضررهم أعظم، وهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤد شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أو لم يصل، أو لم يصم أو لم يزك، أو لم يحج أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها الله عليه، فإن ذلك دليل على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه. فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما ينتفي بترك الشهادتين إجماعا، وقد لا ينتفي أصله ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين كالصوم والحج مع الاستطاعة والزكاة ونحو ذلك من الأمور عند جمهور أهل العلم، فإن تركها فسق وضلال ولكن ليس ردة عن الإسلام عند أكثرهم إذا لم يجحد وجوبها، أما الصلاة فذهب قوم إلى أن تركها ردة ولو مع الإيمان بوجوبها وهو أصح قولي العلماء لأدلة كثيرة منها قوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁، وقال آخرون: بل تركها كفر دون كفر إذا لم يجحد وجوبها، ولهذا المقام بحث خاص وعناية خاصة من أهل العلم، ولكن المقصود الإشارة إلى أنه لا إسلام لمن لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا إسلام له، فهذا يدل على هذا، وهذا يدل على هذا، وسبق أن الإسلام سمي إسلاما لأنه يدل على الانقياد والذل لله والخضوع لعظمته ، ولأنه يتعلق بالأمور الظاهرة. وسمي الإيمان إيمانا لأنه يتعلق بالباطن والله يعلمه جل وعلا، فسمي إيمانا لأنه يتعلق بالقلب المصدق، وهذا القلب المصدق للدلالة على تصديقه وصحة إيمانه أمور ظاهرة، إذا أظهرها المسلم المصدق واستقام عليها وأدى

стр. 963

حقها دل ذلك على صحة إيمانه، ومن لم يستقم دل ذلك على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه. والإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام، والعكس كذلك عند أهل السنة والجماعة، كما قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) فيدخل فيه الإيمان عند أهل السنة والجماعة فإنه لا إسلام إلا بإيمان. فالدين عند الله هو الإسلام وهو الإيمان وهو الهدى وهو التقوى وهو البر، فهذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها، فإنها ترجع إلى معنى واحد وهو الإيمان بالله ورسله والاهتداء بهدي الله والاستقامة على دين الله، فكلها تسمى برا وتسمى إيمانا وتسمى إسلاما وتسمى تقوى وتسمى هدى، وكذلك إذا أطلق الإحسان دخل فيه الأمران الإسلام والإيمان لأنه يخص الكمل من عباد الله، فبإطلاقه يدخل فيه الأمران الأولان الإسلام والإيمان، وعند إطلاق أحد الثلاثة إذا أطلق فإنه يدخل فيه الآخران، فإذا قيل المحسنون هم أخص عباد الله، فلا إحسان إلا بإسلام وإيمان قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣) فالمحسن إنما يكون محسنا بإسلامه وإيمانه وتقواه لله وقيامه بأمر الله فبهذا سمي محسنا، ولا يتصور أن يكون محسنا بدون إسلام وإيمان. وهكذا يا أخي لفظ المؤمنين يدخل فيه المسلمون لأنهم - أعني المؤمنين - أخص من لفظ المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥) الآية

стр. 964

فالمؤمن سمي مؤمنا لتصديقه بقلبه وإسلامه بجوارحه لله وحده، فالمؤمنون مؤمنون بتصديقهم وبإسلامهم وقيامهم بأمر الله ووقوفهم عند حدوده ، ومما يدل على هذا المعنى حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ «لما سأل النبي ﷺ لما أعطى النبي ﷺ قوما وترك قوما قال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وإني لأراه مؤمنا، قال النبي ﷺ : أو مسلما، فعاد سعد إلى مقالته والنبي ﵊ يقول: أو مسلما» . والمقصود أن الإسلام والإيمان عند الاقتران لهما معنيان، معنى أخص، ومعنى أعم، فالمسلم أعم من المؤمن، والمؤمن أخص من المسلم، فكل مؤمن مسلم ولا عكس، ولكن عند الإطلاق يدخل أحدهما في الآخر كما سبق بيان ذلك. ومما يدل على ذلك أيضا قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وفي لفظ بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (١) » متفق عليه. فهذا الحديث يدل على أن مطلق الإيمان يدخل فيه الإسلام، والهدى والإحسان، والتقوى والبر، فالإيمان الذي أعلاه كلمة لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق هو ديننا كله، وهو الإسلام، وهو الإيمان، ولذا قال: «فأفضلها قول لا إله إلا الله (٢) » ، ومعلوم أن لا إله إلا الله هي الركن الأول من أركان الإسلام مع الشهادة بأن محمدا رسول الله، فجعلها هاهنا أعلى خصال الإيمان. فعلم بذلك أن الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام وأركانه وأعماله، وهكذا عند إطلاق الإيمان بالله فقط أو الإيمان بالله ورسوله يدخل فيه كل ما شرع الله ورسوله من الصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين

стр. 965

واليوم الآخر والقدر خيره وشره لأن هذا كله داخل في مسمى الإيمان بالله، فإن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بأسمائه وصفاته ووجوده وأنه رب العالمين وأنه يستحق العبادة، كما يتضمن أيضا الإيمان بجميع ما أخبر به وشرعه لعباده، ويتضمن أيضا الإيمان بجميع الرسل والملائكة والكتب والأنبياء وبكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ . وهكذا ما جاء في السنة في هذا الباب مثل قوله ﷺ «قل آمنت بالله ثم استقم (١) » ، يدخل فيه كل ما أخبر به الله ورسوله وكل ما شرعه لعباده، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٢) أي قالوا: إلهنا وخالقنا ورازقنا هو الله، وآمنوا به إيمانا يتضمن الاستقامة على ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فالقرآن الكريم من سنة الله فيه أنه يبسط الأخبار والقصص في مواضع ويختصرها في مواضع أخرى؛ ليعلم المؤمن وطالب العلم هذه المعاني من كتاب الله سبحانه مجملة ومفصلة فلا يشكل عليه بعد ذلك مقام الاختصار مع مقام البسط والإيضاح، فهذا له معنى وهذا له معنى. وهكذا الإيمان يطلق في بعض المواضع، وفي بعض يعطف عليه أشياء من أجزائه وشعبه تنبيها على أن هذه الشعبة من أهم الخصال وأعظمها كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣) الآية، فقوله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٤) من جملة الإيمان والعمل الصالح لكن ذكرهما هنا تنبيها على عظم شأنهما، وهكذا قوله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٥)

стр. 966

الآية، فالنور المنزل هو من جملة الإيمان بالله ورسوله وهو داخل فيه عند الإطلاق ولكن نبه عليه لعظم شأنه، وهكذا قوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما من جملة الأعمال الصالحات، والعمل الصالح من جملة الإيمان، فعطف العمل على الإيمان من عطف الخاص على العام، وهكذا عطف التواصي بالحق والتواصي بالصبر على ما قبله هو من عطف الخاص على العام، فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة الأعمال الصالحات، ولهذا لم يذكرا في آيات أخرى، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٤) ولم يذكر التواصي بالحق والتواصي بالصبر لأنهما داخلان في العمل في قوله: وعملوا الصالحات كما أنهما داخلان في الإيمان عند الإطلاق لأنه يدخل فيه عند الإطلاق كل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وما سيكون في آخر الزمان وفي يوم القيامة وفي الجنة والنار، كما يدخل فيه كل ما أمر الله به ورسوله، ويدخل فيه أيضا ترك ما نهى الله عنه ورسوله وكل ذلك داخل في الإيمان عند الإطلاق، وإنما يذكر سبحانه بعض الأعمال بالعطف عليه، وترك بعض السيئات بالعطف عليه من باب عطف الخاص على العام، فهكذا ما يتعلق بأصول الإيمان تارة تذكر هذه الأصول الستة جميعا كما في الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾ (٥) الآية، فإنه ذكر فيها خمسة، وذكر القدر في آيات أخرى كما في قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٦) وفي قوله :

стр. 967

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (١) الآية - إلى غير ذلك من الآيات، وذكر بعضها في آيات أخرى ولم يذكرها كلها. وهكذا في الحديث ذكر بعض هذه الأصول وذكر الستة في حديث جبريل، وفي بعض الأحاديث ذكر الإيمان بالله فقط كحديث: «قل آمنت بالله ثم استقم (٢) » . . وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر، وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يدخل فيه كل ما أمر الله به ورسوله، فإن المؤمن بالله واليوم الآخر يحمله إيمانه بذلك على فعل كل ما أمر الله به ورسوله، كما يحمله أيضا على ترك ما نهى الله عنه ورسوله ولهذا اقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر في بعض النصوص، لأن من آمن بالله إيمانا صحيحا وباليوم الآخر حمله ذلك على أداء ما أوجبه الله عليه وعلى ترك ما حرمه الله عليه وعلى الوقوف عند حدود الله ، ومن هذا قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) فالإيمان بما ذكر أمر لا بد منه ومن لم يؤمن بذلك فإنه كافر بالله وإن أظهر إسلاما وإيمانا، ولكنه بكفره بواحد من الأصول الستة أو كفره بشيء آخر مما علم من الدين بالضرورة أنه من دين الله بالأدلة المعروفة فإنه يكون كافرا بالله ولا ينفعه بعد ذلك ما أقر به. فإن هذا الدين لا بد أن يقبل كله، ولا بد أن يحصل به الإيمان كله، فإذا آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو كافر حقا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٤)

стр. 968

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١) وبهذا يعلم المؤمن عظم شأن هذه الأصول وأنها أصول عظيمة لا بد منها، فيدخل في الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من أسمائه وصفاته، أو أخبر به الرسول ﵊ من أسماء الله وصفاته كله داخل في الإيمان بالله، فيدخل في ذلك الإيمان بأنه رب العالمين، وأنه الخلاق الرزاق وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ويدخل فيه أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب وقدر الأشياء وعلم بها قبل وجودها وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، ومن أجمع ما ورد في ذلك من الكتاب العزيز قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦) وقوله : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) وقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٨) إلى أشباه هذه الآيات الدالة على كماله سبحانه وأنه جل وعلا موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص والعيب، فهو كما أخبر عن نفسه وكما أخبر عنه الرسول محمد ﵊ له الأسماء الحسنى وله الصفات العلا. فواجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أسماء الله وصفاته ويمرها كما جاءت لا يغير ولا يبدل ولا يزيد ولا ينقص، بل يمرها كما

стр. 969

جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل بل يثبتها كما أثبتها السلف الصالح. فمن ذلك الاستواء، والنزول، والوجه، واليد، والرحمة، والعلم، والغضب، والإرادة وغير ذلك كلها صفات لله تثبت له سبحانه كما جاءت في الكتاب العزيز وكما جاءت في السنة الصحيحة نثبتها له كما أثبتها السلف الصالح من أهل السنة والجماعة، وكما أثبتتها الرسل عليهم الصلاة والسلام. فنقول استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ليس كما تقول الجهمية استولى فإنه ليس في موقف المغالب جل وعلا فلا أحد يغالبه فهو مستول على كل شيء جل وعلا وقاهر له، ولكن الاستواء صفة خاصة بالعرش معناه العلو والارتفاع فهو عال فوق خلقه مرتفع فوق عرشه استواء يليق به سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا، فاستواؤه أمر معروف كما قال مالك ﵀: ((الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)) ، وكما قال ربيعة شيخ الإمام مالك - رحمهما الله - وكما قالته أم سلمة ﵂ وكما قاله أهل السنة والجماعة، فالصفات معلومة وكيفها مجهول والإيمان بها واجب، هذا طريق الصفات كلها، العلم، والرحمة، والغضب، والوجه، واليد، والقدم، والأصابع وغير ذلك مما جاءت به الآيات، والسنة الصحيحة طريقها واحد، وهكذا حديث النزول نؤمن به ونثبت معناه لله على الوجه اللائق به ولا يعلم كيفيته سواه، فنقول ينزل بلا كيف كما يشاء نزولا يليق بجلاله وعظمته لا ينافي علوه وفوقيته ولا يشابه نزول المخلوقين. وهكذا استواؤه على العرش لا ينافي علمه بالأشياء وإحاطته بها وأنه مع عباده ومع أهل طاعته من عباده بعلمه واطلاعه كما قال عز

стр. 970

وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) فهذا لا ينافي علوه واستواءه على عرشه، فهو معنا بعلمه واطلاعه، وهو فوق العرش كما يشاء وكما أخبر جل وعلا من غير تحريف ولا تكييف، وهو مع أوليائه وأهل طاعته بعلمه وتأييده أيضا وعنايته بهم وكلاءته لهم ونصره إياهم، فهما معيتان، معية عامة تقتضي العلم والإحاطة ورؤية العباد، وأنه لا تخفى عليه خافية، ومعية خاصة مع أنبيائه وأهل طاعته مثل قوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) ومثل ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) إلى أمثالها، وهي معية خاصة تقتضي الحفظ والكلاءة والتأييد والتوفيق مع العلم والاطلاع كما قال : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٥) وليس كما تقول الجهمية والمعتزلة وأشباههم من حلوله في كل مكان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فالله فوق خلقه وفوق عرشه كما أخبر، وعلمه في كل مكان، وليس مختلطا بخلقه ، فأهل السنة والجماعة يدخلون في الإيمان بالله الإيمان بكل ما أخبر الله به عنه ورسوله، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، كل ذلك عندهم داخل في الإيمان بالله عند الإطلاق فيؤمنون به سبحانه ربا ومعبودا بالحق، كما يؤمنون بأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع إلى غير ذلك من صفات الكمال، فهو المعبود الحق، وهو الخلاق العليم، وهو الرزاق لعباده، وهو على كل شيء قدير.

стр. 971

وكل هذه الصفات لا تشبه صفات خلقه، بل صفاته تليق به ، وصفاتنا تليق بنا، وصفاته لها البقاء ولها الدوام ولها الكمال، وصفات العبد لها النقص والاضمحلال، كل هذا داخل في الإيمان بالله ، ويدخل في الإيمان بالملائكة الإيمان المجمل والمفصل، فالملائكة قسمان: قسم نعلمه لأنهم قد سموا لنا، فنؤمن بهم وبأسمائهم تفصيلا، كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وما أشبه ذلك من الملائكة، والبقية نؤمن بأن لله ملائكة كما أخبر عنهم كما قال : ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١) ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ونؤمن بأنهم أقسام، منهم موكل بنا لحفظ أعمالنا وكتابتها، ومنهم موكل بالسياحة في الأرض يحضرون مجالس الذكر ويستمعون له، ومنهم الذين يتعاقبون فينا ليلا ونهارا، ومنهم حملة العرش، ومنهم غير ذلك، وقد جاء في الحديث الصحيح: «أنه يدخل البيت المعمور الذي في السماء السابعة كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم (٣) » وهذا يدل على كثرتهم وأنهم جنود لا يحصيهم إلا الله فنؤمن بهم إجمالا وتفصيلا وأنهم عباد مكرمون ليسوا بشرا وليسوا جنا ولكنهم خلق آخر خلقوا من النور كما في الحديث الصحيح: «خلقت الملائكة من النور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم (٤) » رواه مسلم في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، وهم يتشكلون كما يشاء الله ، ولهم أعمال، ولهم صفات تليق بهم بعضها علمناه من السنة كمجيء جبريل تارة في صورة فلان، وتارة في صورة فلان، وتارة في صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، وتارة في صورة إنسان مجهول لا يعرف لما جاء يسأل عن الإسلام والإيمان إلى غير ذلك.

стр. 972

فالمقصود أنهم يتلونون بالألوان التي يريدها الله جل وعلا ويشاءها ولهم خلقة يعلمها الله ، وهم لهم أجنحة كما أخبر الله في كتابه العظيم في سورة فاطر إلى غير ذلك مما أخبر الله به في الكتاب والسنة، فنؤمن بما جاء في الكتاب والسنة تفصيلا، ونؤمن بهم على سبيل الإطلاق والإجمال فيما لا نعلم من شأنهم وصفاتهم. وهكذا مسألة الكتب، الباب واحد، يؤمن المؤمن بكتب الله إجمالا وأن لله كتبا أنزلها على رسله وأنبيائه لا نحصيها نحن، ولكن نؤمن بها إجمالا، ونؤمن بما فيها إجمالا، أما تفاصيلها وما فيها فإلى الله ، ومنها ما سمي لنا، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف موسى وإبراهيم، والكتاب العظيم وهو القرآن الكريم، نؤمن بهذه الكتب التي سميت لنا، وأما ما لم يسم لنا فنؤمن بأن لله كتبا أنزلها على رسله وأنبيائه لا يحصيها إلا الله جل وعلا ولا يعلمها إلا هو، إلا بنص يثبت لنا عن الرسول ﷺ في بيان شيء من ذلك. وهكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام فيهم تفصيل وإجمال، فنؤمن بهم إيمانا مجملا وأن لله رسلا أرسلهم إلى الناس، مهمتهم دعوتهم إلى الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) فلله سبحانه رسل أرسلهم لعباده مبشرين ومنذرين، أما إحصاؤهم وبيان أسمائهم فهذا إليه ، لكن جاء في حديث أبي ذر، وجاءت له شواهد من حديث أبي أمامة وغيره ما يدل على أن الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر، لكن أسانيدها لا تخلو من مقال.

стр. 973

أما الأنبياء فقد جاء في إحدى الروايات أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كلهم أنبياء وفي رواية مائة وعشرون ألفا، لكن أسانيدها فيها مقال كما تقدم، والحاصل أن الأنبياء والرسل جم غفير، لكن علم عددهم بالقطع يرجع إلى الله ، وعلينا أن نؤمن إيمانا مجملا أن لله رسلا وأنبياء أرسلوا لبيان الحق وإرشاد الخلق كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١) الآية. وقال : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) الآية، فالله له رسل كثيرون وله أنبياء كثيرون لا يحصيهم إلا الله جل وعلا. إننا نؤمن بذلك إيمانا تفصيليا وإجماليا وهم جم غفير ومهمتهم عظيمة وهي الدعوة إلى توحيد الله ونهي الناس عن الشرك بالله وبيان شرائع الله لهم وأمرهم بما أمر الله به ونهيهم عما نهى الله عنه، هذه مهمتهم. ونؤمن تفصيلا بمن سمى منهم، كنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، وهود، وصالح، وغيرهم، وآدم من جملتهم، فقد جاء في بعض الروايات من حديث أبي ذر وغيره أنه نبي مكلم معلم، وجاء في بعضها أنه رسول، وهو لا شك أنه يوحى إليه وأنه على شريعة من الله، وإنما الشك هل هو نبي رسول، أو نبي فقط، اختلفت الروايات في ذلك. فالمقصود أن آدم من جملة الأنبياء بلا شك وأنه على شريعة. وحديث جمع الناس ليوم القيامة وتقدم المؤمنين إلى نوح وقولهم له: «يا نوح أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل

стр. 974

الأرض (١) » ، يحتج به على أن نوحا أول الرسل وأن آدم نبي مكلم فقط، ولو صح أنه رسول فالمعنى أنه رسول إلى ذريته بخلاف نوح فإنه أرسل إلى قومه وهم أهل الأرض ذلك الوقت، أما آدم فإنه أرسل إلى ذريته بشريعة خاصة قبل وقوع الشرك، وأما نوح فقد أرسل إلى قومه وهم ذلك الوقت أهل الأرض جميعا بعد وقوع الشرك في الأرض، وبذلك لا يبقى تعارض بين كون آدم رسولا إن صح الحديث وبين كون نوح هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض. وهكذا القول في الأصل الخامس وهو الإيمان باليوم الآخر نؤمن به إجمالا وتفصيلا، فنؤمن بما سمى الله من أمر الآخرة، كالجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك وما سوى ذلك مما لم يرد في الآيات والأحاديث الصحيحة تفصيله، نؤمن به على سبيل الإجمال. وهكذا القدر، وهو الأصل السادس، نؤمن به كما جاءت به النصوص، والإيمان به يشمل أربعة أشياء عند أهل السنة: (الأمر الأول) هو العلم بأن الله قد علم الأشياء كلها وأحصاها وأنه لا تخفى عليه خافية جل وعلا، فهو سبحانه يعلم كل شيء كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) وبهذا يرد على غلاة القدرية والمعتزلة الذين أنكروا هذا العلم، قال الشافعي (﵀) في حقهم: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا؛ لأن قولنا: إن الله عالم بالأشياء هذا هو القدر؛ لأن الأشياء لا تخفى على الله، فمتى علم الله بالأشياء فمستحيل أن تقع على خلاف علمه؛ لأن وقوعها على خلاف علمه يكون جهلا. أما إن جحدوا ذلك، وقالوا إنه سبحانه لا يعلم الأشياء إلا بعد

стр. 975

وجودها، فهذا كفر وضلال وتكذيب لله ووصف له بالجهل وهذا تنقص عظيم يوجب كفر من قاله. (الأمر الثاني) الكتابة، وهو أن الله سبحانه قد كتب الأشياء كما قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) والمقصود أنه كتب الأشياء كلها جل وعلا كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان، وقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه. فكتابة الأشياء التي أوجدها سبحانه أو سيوجدها أمر معلوم جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فعلينا أن نؤمن بذلك ونعتقد أن الله كتب الأشياء كلها وعلمها وأحصاها، لا تخفى عليه خافية وهو سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير كما قال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) (الأمر الثالث) مشيئته النافذة وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يكون شيء في ملكه دون مشيئته جل وعلا، بل ما شاء الله يكون وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، فلا بد إذا من الإيمان بهذه المشيئة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٥)

стр. 976

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٢) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣) فالمقصود أنه سبحانه له المشيئة الكاملة النافذة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) . (الأمر الرابع) قدرته على الأشياء وخلقه وإيجاده لها، وأن نؤمن بأنه سبحانه على كل شيء قدير وأنه الخلاق العليم وأن جميع الأشياء الموجودة هو الذي خلقها وأوجدها، وهكذا في المستقبل لا أحد يشاركه في ذلك، بل هو الخلاق والرزاق وهو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٥) فالإيمان بالقدر يشمل هذا كله، يشمل إيماننا بعلمه بالأشياء وكتابته لها، وإيماننا أيضا بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإيماننا أيضا بأنه الخلاق لكل شيء وأن جميع الأشياء هو خالقها وموجدها . وفي هذا رد على من قال خلاف ذلك من المعتزلة وغيرهم، فإن من أنكر مشيئة الله وقال إنه يوجد في ملكه ما لا يريد فهو مكذب لله متنقص له ، فلا بد من الإيمان بأنه على كل شيء قدير وأن ما شاءه كان وما أراده بإرادته الكونية كان ولكن بعض الناس تخفى عليهم هذه الأشياء التي جاءت بها الرسل، فيجب أن تبين لهم بأدلتها، وأن يوضح لهم الفرق بين الإرادة الكونية التي لا يتخلف مرادها وهي المذكورة في مثل قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦) وبين

стр. 977

الإرادة الشرعية التي قد يتخلف مرادها بالنسبة إلى بعض الناس وهي المذكورة في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) الآية. ومعلوم أن بعض الناس مات على جهله ومات على غير توبة، وقال تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٢) الآية، هذه إرادة شرعية، لأنه سبحانه قد خفف على قوم ولم يخفف على آخرين، فمعنى ذلك أنه أمر بهذا ورضي به وأحبه، ولكن من الناس من وفق لهذا الشيء ومنهم من لم يوفق له، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح أن الله سبحانه يقول يوم القيامة لبعض المشركين: لو كان لك مثل الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ ، فيقول: نعم، فيقول الله سبحانه له: قد أردت منك ما هو أدنى من ذلك وأنت في صلب أبيك آدم أردت منك أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا الشرك، يعني أردت منك شرعا أن لا تشرك بي، وذلك بما جاء على ألسنة الرسل من الأمر بعبادته وحده والنهي عن الإشراك به، لكن أبى أكثر الخلق إلا الشرك بالله ، ولم يقبلوا الإرادة الشرعية، فمن آمن بهذه الأمور الأربعة، وهي: علم الله سبحانه بجميع الأشياء، وكتابته لها، ومشيئته لما وجد منها، وأنه سبحانه خالق الأشياء وموجدها، فقد آمن بالقدر إيمانا كاملا، ومن قصر في ذلك فقد قصر في الإيمان بالقدر ولم يسر على هدى أهل السنة والجماعة في ذلك، ولم يؤمن بالقدر على حقيقته، بل آمن ببعضه وكفر ببعض. ثم هذا الإيمان بالقدر لا يلزم منه أن يكون العبد مجبورا لا إرادة له ولا مشيئة وإنما هو كالسعفة تحركها الرياح هكذا وهكذا وكالريشة في الهواء خلافا للقدرية المجبرة من الجهمية وغيرهم، بل له اختيار ومشيئة وله إرادة وعقل

стр. 978

يميز به، ولكن هذه المشيئة وهذه الإرادة وهذا الاختيار لا يكون به شيء إلا بعد مشيئة الله كما قال الله تعالى ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فهو مخير ومسير، مخير من جانب لأن الله أعطاه عقلا وأعطاه بصرا وأعطاه أدلة وأدوات ومكنه من الإيمان والعمل، فهو قادر وله إرادة وله مشيئة يقدر أن يتباعد عن المعصية ويقدر أن يطيع وأن يعصي ويقدر أن يتصدق ويقدر أن يمتنع، وهو مسير من جهة أخرى وهي أنه ليس له مشيئة إلا بعد مشيئة الله ولا اختيار إلا بعد اختيار الله ولا يستقل بالأشياء، فله إرادة خاصة ومشيئة خاصة بعد مشيئة الله وإرادته، ولهذا قال : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) الآية. فالإنسان سائر ومسير وميسر لما خلق له، هو سائر بما أعطاه الله من العقل والاختيار والمشيئة، ومسير بما سبق في علم الله من القدر السابق، وميسر لما خلق له من خير وشر فهو لا يمكن أن يخالف ما قدر الله له ولا أن يحيد عنه، وهو مع ذلك ميسر لما خلق له كما قال النبي ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ النبي ﷺ (٧) » والآية بعدها، متفق على صحته من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ومن هذا يعلم المؤمن الفرق بين عقيدة السلف الصالح، وعقيدة المعتزلة والقدرية النفات، وعقيدة القدرية المجبرة. فالقدرية المجبرة غلوا في إثبات القدر حتى قالوا: ليس للعبد إرادة

стр. 979

ولا مشيئة، وقد أخطأوا في ذلك وأصابوا في الإيمان بالقدر. أما القدرية النفاة، فغلوا في نفي القدر وأفرطوا في ذلك وأخطأوا في هذا غاية الخطأ ولكنهم أصابوا في إثبات المشيئة والاختيار للعبد، وأخطأوا في جعله مستقلا بذلك. فأهل السنة والجماعة أخذوا ما عند الطائفتين من الحق وتركوا ما عندهما من الباطل. وهكذا يجب على أهل الحق إذا ردوا على أهل الباطل أن يفصلوا وأن ينصفوا، فيقولوا لهم قلتم كذا وقلتم كذا، فنحن معكم في هذا، ولسنا معكم في هذا، نحن معكم في الحق الذي قلتموه كالإيمان بالقدر ولسنا معكم بأن العبد مجبور، بل له اختيار ومشيئة، ويقال للمعتزلة وأشباههم نحن معكم في أن العبد له مشيئة واختيار، ولكن لسنا معكم في تجهيل الله سبحانه وإنكار علمه ومشيئته. وهكذا يقال للشيعة نحن معكم في محبة أهل البيت ومحبة علي ﵁ وأرضاه، فإنه ومن سار على نهجه على هدى وأنه من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ بل هو أفضلهم بعد الصديق وعمر وعثمان ﵃ جميعا، ولكن لسنا معكم في أنه معصوم ولسنا معكم في أنه الخليفة لرسول الله ﷺ ، بل قبله ثلاثة، ولسنا معكم في أنه يعبد من دون الله ويستغاث به وينذر له ونحو ذلك، لسنا معكم في هذا، لأنكم مخطئون في هذا خطأ عظيما، لكن نحن معكم في محبة أهل البيت الملتزمين بشريعة الله والترضي عنهم والإيمان بأنهم من خيرة عباد الله عملا بوصية رسول الله ﷺ حيث قال في حديث زيد بن أرقم المخرج في صحيح مسلم: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به. . . ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (١) » . وهكذا بقية الطوائف نأخذ ما معهم من الحق ونقر لهم به، ونرد عليهم

стр. 980

باطلهم بالأدلة النقلية والعقلية. . وبهذا يتضح أن هذه الأصول الستة هي أصول الدين، وهي الجامعة لكل ما أخبر الله عنه، فمن استقام عليها عقيدة وقولا وعملا فقد استكمل الإيمان وسلم من النفاق، لأن هذه الأصول تقتضي من المؤمن بها أداء ما أوجب الله عليه له ولعباده، وتقتضي تصديقه بكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به رسول الله ﷺ فيما صح من السنة، ومن جحدها أو جحد شيئا منها لم يكن مؤمنا. والخلاصة أن هذه الأصول أصول عظيمة وقواعد أساسية لهذا الدين العظيم، تجب مراعاتها والاستقامة عليها في جميع الأحوال، والبراءة من كل ما خالفها، ومن أتى بقول أو عمل يوجب كفره فهو دليل على عدم إيمانه بهذه الأصول أو بعضها الإيمان الصحيح، وذلك مثل ترك الصلاة المكتوبة، فإن الذي لا يصلي لا إيمان عنده على الصحيح يحجزه عن ترك الصلاة التي هي عمود الإسلام، ولهذا فإن القول الصواب إنه كافر كفرا أكبر لقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (١) » خرجه مسلم في صحيحه، وقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » خرجه الإمام أحمد وأهل السنة بإسناد صحيح عن بريدة ابن الحصيب ﵁. وهكذا من يستهزئ بالله سبحانه أو برسوله ﷺ ، أو بالجنة أو النار، أو بالقرآن، وما أشبه ذلك فإنه كافر إجماعا، لأن هذا الاستهزاء والتنقص دليل على أن دعواه الإيمان باطلة، وأنه ليس عنده إيمان يحجزه عن الاستهزاء بما ذكر. وهكذا الذي يهين المصحف أو يلطخه بالنجاسة أو يجلس عليه وهو يعلم أنه كتاب الله، فإن هذا دليل على أن هذا الرجل لا إيمان له، وإنما يدعي الإيمان، ولو كان عنده إيمان صحيح لحجزه عن هذا العمل الذي يوجب كفره.

стр. 981

وهكذا من استهزأ بالرسل أو كذب بعضهم عليهم الصلاة والسلام يكون كافرا لأن استهزاءه بهم أو ببعضهم أو تكذيبه لهم أو بعضهم دليل على أن إيمانه ليس بصحيح بل هو دعوى، وعلى هذا يقاس بقية الأمور التي تقع من الناس، ومن ذلك قوم مسيلمة لما صدقوا رسول الله ﷺ وآمنوا به وصلوا وصاموا، ولكنهم ادعوا أن مسيلمة شريك في الرسالة صاروا عند أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم كفارا لا نزاع بين أهل العلم في ذلك ولو صلوا وصاموا وقالوا إن محمدا رسول الله، لأنهم لما قالوا إن مسيلمة شريك في الرسالة كفى هذا في كفرهم لأنهم بهذا قد كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) كما كذبوا الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين. وهكذا القاديانية لما آمنوا بأن غلام أحمد نبي وأنه يوحى إليه، صار من آمن منهم بهذا كافرا كفرا أكبر لأنه مكذب لله ورسوله وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم. وهكذا من لم يؤمن بأن الجنة حق، أو لم يؤمن بأن النار حق، أو قال إن النار ليست عذابا لأهلها بل نعيم لهم، كما يقول ذلك ابن عربي الضال المعروف بالقول بوحدة الوجود، ولا شك أن هذا إنكار لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أهل العلم من كون النار أعدها الله عذابا لا نعيما جزاء لهم على ما فعلوا من الأعمال التي حرمها الله عليهم وعلى ما تركوه مما أوجب الله عليهم، وعلى ما كذبوا به مما أخبرت به الرسل ودل عليه الكتاب العزيز، والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن النار عذاب لأهلها، لا ينكر ذلك إلا مكابر معاند، أو جاهل لا يدري شيئا مما جاءت به الرسل، أو فاقد للعقل.

стр. 982

ويتبين من هذا أن الأمور تؤخذ أحكامها على ظاهر الكتاب والسنة، وعلى ما أخبر الله به ورسوله، وعلى ما جاء عن سلف الأمة، ومن أبى ذلك وادعى خلاف ما تقتضيه هذه الأصول فإن دعواه باطلة. وأسأل الله أن يوفقنا للفقه في كتابه وسنة نبيه ﵊ ويرزقنا وسائر المسلمين الإيمان الصادق والعمل الصالح، وأن يمنحنا الثبات على الحق حتى نلقاه سبحانه إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 983

الإسلام هو دين الله ليس له دين سواه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد، فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة المدينة الصادرة بتاريخ ١٠\ ربيع الآخر \ ١٤٠٣ هـ. وعدد ٥٧٨٥ من الأجوبة الصادرة من بعض الكتاب عن أسئلة مجلة (لوفيفا رومافزين) فوجدت فيها ما نصه بعد كلام سبق ((الصراع بين المسيحية والإسلام والذي أندد به شخصيا وتمكنت من ملاحظته أن بعض المبشرين المسيحيين الذين يلقون خطاباتهم في العالم الثالث يوزعون مناشير تنتقد الإسلام، كذلك فإني أعرف أن بعض الوعاظ المسلمين يطبعون ويوزعون كتابات تنتقد المسيحية وهذا مما يؤسف له غاية الأسف، فالإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان ونحن نعتقد في إله واحد وبالتالي يجب علينا أن نتفادى كل تصادم بين دينينا، والعمل من أجل تفاهم بين المسلمين والمسيحيين في خدمة الإنسان)) انتهى. ونظرا إلى ما في هذا الكلام من الغلط الواضح والإجمال وجب علي وأمثالي التنبيه على ما وقع في هذا الكلام من الأخطاء المخالفة للشرع المطهر فأقول: إن الصراع بين الإسلام وبين الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها لم يزل قائما من حين بعث الله نبيه محمدا ﷺ إلى يومنا هذا، فالإسلام يذم اليهود والنصارى ويعيبهم بأعمالهم القبيحة ويصرح بكفرهم

стр. 984

تحذيرا للمسلمين منهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (١) الآية. وقوله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) الآية، والآيات بعدها، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣) ، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤) والآيات في ذم اليهود والنصارى والتحذير مما هم عليه من الباطل كثيرة. وقال في حق المشركين كالبوذيين وغيرهم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٨) » . متفق عليه، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ «إن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال النبي ﷺ : أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور

стр. 985

أولئك شرار الخلق عند الله (١) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. واليهود كانوا على شريعة التوراة وبعد ما توفي موسى ﵊ غيروا وبدلوا وحرفوا وانقسموا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهم أتباع موسى ﵊، ولما بعث الله عيسى ﵊ بشريعة التوراة وأنزل الله عليه الإنجيل وأحل الله لهم بعض ما حرم عليهم وبين لهم بعض ما اختلفوا فيه كفر به اليهود وكذبوه وقالوا إنه ولد بغي، فكذبهم الله بذلك وكفرهم وأنزل فيهم قوله سبحانه ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) إلى أن قال سبحانه ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٣) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤) الآية. وهكذا النصارى بعد ما رفع عيسى ﵊ إلى السماء اختلفوا في ذلك على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي التي آمنت بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء والرسل الماضين، ولما بعث الله نبيه محمدا ﷺ كفر به اليهود والنصارى جميعا وكذبوه إلا قليلا منهم فصاروا بذلك كفارا لتكذيبهم لمحمد ﷺ وإنكارهم رسالته، وذمهم الله وعابهم على ذلك وتوعدهم سبحانه بالعذاب والنار، وكفر سبحانه اليهود أيضا لقولهم العزير ابن الله كما كفر النصارى لقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم وبقولهم إن الله ثالث ثلاثة وبقولهم المسيح ابن الله. فوجب على أهل الإسلام أن يكفروا من كفرهم الله ورسوله وأن يبينوا باطلهم وأن يحذروا المسلمين من مكائدهم لأن دين اليهودية ودين النصرانية أصبحا دينين باطلين لا يجوز التمسك بهما ولا البقاء عليهما؛ لأن الله نسخهما ببعث محمد ﷺ وإيجابه على جميع الثقلين اتباعه والتمسك بشريعته كما في قوله تعالى:
следующие страницы →