← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وهكذا من استهزأ بالرسل أو كذب بعضهم عليهم الصلاة والسلام يكون كافرا لأن استهزاءه بهم أو ببعضهم أو تكذيبه لهم أو بعضهم دليل على أن إيمانه ليس بصحيح بل هو دعوى، وعلى هذا يقاس بقية الأمور التي تقع من الناس، ومن ذلك قوم مسيلمة لما صدقوا رسول الله ﷺ وآمنوا به وصلوا وصاموا، ولكنهم ادعوا أن مسيلمة شريك في الرسالة صاروا عند أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم كفارا لا نزاع بين أهل العلم في ذلك ولو صلوا وصاموا وقالوا إن محمدا رسول الله، لأنهم لما قالوا إن مسيلمة شريك في الرسالة كفى هذا في كفرهم لأنهم بهذا قد كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) كما كذبوا الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين. وهكذا القاديانية لما آمنوا بأن غلام أحمد نبي وأنه يوحى إليه، صار من آمن منهم بهذا كافرا كفرا أكبر لأنه مكذب لله ورسوله وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم. وهكذا من لم يؤمن بأن الجنة حق، أو لم يؤمن بأن النار حق، أو قال إن النار ليست عذابا لأهلها بل نعيم لهم، كما يقول ذلك ابن عربي الضال المعروف بالقول بوحدة الوجود، ولا شك أن هذا إنكار لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أهل العلم من كون النار أعدها الله عذابا لا نعيما جزاء لهم على ما فعلوا من الأعمال التي حرمها الله عليهم وعلى ما تركوه مما أوجب الله عليهم، وعلى ما كذبوا به مما أخبرت به الرسل ودل عليه الكتاب العزيز، والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن النار عذاب لأهلها، لا ينكر ذلك إلا مكابر معاند، أو جاهل لا يدري شيئا مما جاءت به الرسل، أو فاقد للعقل.

стр. 982

ويتبين من هذا أن الأمور تؤخذ أحكامها على ظاهر الكتاب والسنة، وعلى ما أخبر الله به ورسوله، وعلى ما جاء عن سلف الأمة، ومن أبى ذلك وادعى خلاف ما تقتضيه هذه الأصول فإن دعواه باطلة. وأسأل الله أن يوفقنا للفقه في كتابه وسنة نبيه ﵊ ويرزقنا وسائر المسلمين الإيمان الصادق والعمل الصالح، وأن يمنحنا الثبات على الحق حتى نلقاه سبحانه إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 983

الإسلام هو دين الله ليس له دين سواه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد، فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة المدينة الصادرة بتاريخ ١٠\ ربيع الآخر \ ١٤٠٣ هـ. وعدد ٥٧٨٥ من الأجوبة الصادرة من بعض الكتاب عن أسئلة مجلة (لوفيفا رومافزين) فوجدت فيها ما نصه بعد كلام سبق ((الصراع بين المسيحية والإسلام والذي أندد به شخصيا وتمكنت من ملاحظته أن بعض المبشرين المسيحيين الذين يلقون خطاباتهم في العالم الثالث يوزعون مناشير تنتقد الإسلام، كذلك فإني أعرف أن بعض الوعاظ المسلمين يطبعون ويوزعون كتابات تنتقد المسيحية وهذا مما يؤسف له غاية الأسف، فالإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان ونحن نعتقد في إله واحد وبالتالي يجب علينا أن نتفادى كل تصادم بين دينينا، والعمل من أجل تفاهم بين المسلمين والمسيحيين في خدمة الإنسان)) انتهى. ونظرا إلى ما في هذا الكلام من الغلط الواضح والإجمال وجب علي وأمثالي التنبيه على ما وقع في هذا الكلام من الأخطاء المخالفة للشرع المطهر فأقول: إن الصراع بين الإسلام وبين الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها لم يزل قائما من حين بعث الله نبيه محمدا ﷺ إلى يومنا هذا، فالإسلام يذم اليهود والنصارى ويعيبهم بأعمالهم القبيحة ويصرح بكفرهم

стр. 984

تحذيرا للمسلمين منهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (١) الآية. وقوله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) الآية، والآيات بعدها، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣) ، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤) والآيات في ذم اليهود والنصارى والتحذير مما هم عليه من الباطل كثيرة. وقال في حق المشركين كالبوذيين وغيرهم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٨) » . متفق عليه، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ «إن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال النبي ﷺ : أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور

стр. 985

أولئك شرار الخلق عند الله (١) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. واليهود كانوا على شريعة التوراة وبعد ما توفي موسى ﵊ غيروا وبدلوا وحرفوا وانقسموا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهم أتباع موسى ﵊، ولما بعث الله عيسى ﵊ بشريعة التوراة وأنزل الله عليه الإنجيل وأحل الله لهم بعض ما حرم عليهم وبين لهم بعض ما اختلفوا فيه كفر به اليهود وكذبوه وقالوا إنه ولد بغي، فكذبهم الله بذلك وكفرهم وأنزل فيهم قوله سبحانه ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) إلى أن قال سبحانه ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٣) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤) الآية. وهكذا النصارى بعد ما رفع عيسى ﵊ إلى السماء اختلفوا في ذلك على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي التي آمنت بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء والرسل الماضين، ولما بعث الله نبيه محمدا ﷺ كفر به اليهود والنصارى جميعا وكذبوه إلا قليلا منهم فصاروا بذلك كفارا لتكذيبهم لمحمد ﷺ وإنكارهم رسالته، وذمهم الله وعابهم على ذلك وتوعدهم سبحانه بالعذاب والنار، وكفر سبحانه اليهود أيضا لقولهم العزير ابن الله كما كفر النصارى لقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم وبقولهم إن الله ثالث ثلاثة وبقولهم المسيح ابن الله. فوجب على أهل الإسلام أن يكفروا من كفرهم الله ورسوله وأن يبينوا باطلهم وأن يحذروا المسلمين من مكائدهم لأن دين اليهودية ودين النصرانية أصبحا دينين باطلين لا يجوز التمسك بهما ولا البقاء عليهما؛ لأن الله نسخهما ببعث محمد ﷺ وإيجابه على جميع الثقلين اتباعه والتمسك بشريعته كما في قوله تعالى:

стр. 986

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فخرج بهذه الآية من الإسلام ومن أسباب الفلاح اليهود والنصارى والبوذيون وجميع المشركين لأنهم لم يتصفوا بهذه الأوصاف التي وصف الله بها المفلحين بل كلهم عاداه ولم ينصره ولم يتبع النور الذي أنزل معه إلا من هداه الله منهم فهو مع المسلمين الناجين. ثم قال سبحانه بعد هذه الآية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣) فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه بعث رسوله محمدا ﷺ إلى الناس جميعا من عرب وعجم ورجال ونساء وجن وإنس وأغنياء وفقراء وحكام ومحكومين، وبين سبحانه أنه لا هداية إلا لمن آمن به واتبعه فدل ذلك على أن جميع الطوائف التي لم تؤمن به ولم تتبعه كافرة ضالة. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٤) » . متفق على صحته. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كانوا من

стр. 987

أهل النار (١) » . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وما كان في شريعة التوراة والإنجيل من حق فقد جاءت به شريعة محمد ﷺ أو بما هو أفضل منه وأكمل كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) فالإسلام هو دين الرسل جميعا كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) فالإسلام في عهد نوح ﵊ هو الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص العبادة له وتصديق نوح ﵊ واتباع ما جاء به، وهكذا في عهد هود وصالح وإبراهيم الخليل ومن جاء بعدهم من الرسل هو توحيد الله والإخلاص له مع إيمان الأمة برسولها الذي أرسله إليها واتباع ما جاء به. وهكذا في عهد موسى ومن جاء بعده إلى عهد عيسى ﵊، فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ صار الإسلام الذي يرضاه الله هو ما بعث به محمدا ﷺ من الإيمان به وتوحيده وإخلاص العبادة له والإيمان برسوله محمد ﷺ وما أنزل عليه من الكتاب والسنة والإيمان بمن قبله من الأنبياء والرسل، فكل من اتبعه وصدق ما جاء به فهو من المسلمين ومن حاد عن ذلك بعدما بلغته الدعوة فهو من الكافرين، ويجب على أهل الإسلام أن يدعوا إلى الحق، وأن يشرحوا الإسلام ومحاسنه ويبينوا حقيقته لجميع الأمم باللغات التي يفهمونها، حتى يبلغوا عن الله وعن رسوله دينه، كما يجب عليهم أن يكشفوا الشبه التي يشبه بها أعداء الإسلام وأن يردوا الطعون التي يطعن

стр. 988

بها أعداء الإسلام في الإسلام ويبينوا بطلانها بالأدلة النقلية والعقلية لأن الله أوجب عليهم أن ينصروا دينه ورسوله محمدا ﷺ ، وأخبرهم سبحانه أنه لا نجاة ولا فلاح إلا لمن نصر الحق واتبعه، وبهذا يعلم أن انتقاد النصرانية المسماة بالمسيحية وبيان بطلانها وأنها دين قد غير وبدل ثم نسخه الله ببعث محمد ﷺ وشريعته أمر واجب على المسلمين؛ لأن النصرانية لم تبق دينا صالحا لا لنا ولا لغيرنا بل الدين الصحيح للمسلمين ولغيرهم هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ ، والمسلمون مأمورن بالدعوة إلى دينهم والذب عنه ومعذورون في بيان بطلان جميع الأديان من يهودية ونصرانية وغيرهما ما عدا الإسلام لأنهم بذلك يدعون إلى الحق والجنة وغيرهم من الناس يدعو إلى النار، كما قال الله سبحانه لما نهى عن نكاح المشركات وعن تزويج المشركين للمسلمات قال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ (١) فالله سبحانه يدعو إلى الجنة والمغفرة وإلى أعمالها، وهكذا الرسول ﷺ ، وهكذا المسلمون العارفون بدينه والداعون إليه على بصيرة. أما غيرهم من الكفار فإنهم يدعون إلى النار في كتبهم ونشراتهم ووسائل إعلامهم. وبهذا يعلم أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الإسلام والمسيحية ديانتان منزلتان لأن المسيحية لم تبق ديانة منزلة بل قد غيرت وحرفت ثم نسخ ما بقي فيها من حق بما بعث الله به نبيه محمدا ﷺ من الهدى ودين الحق. وأما قول الكاتب: ونحن نعتقد في إله واحد، فهذا يخص المسلمين الذين يعتقدون في إله واحد ويعبدونه وحده وينقادون لشرعه وهو الله خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء ورب كل شيء القائل في كتابه المبين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)

стр. 989

والقائل سبحانه في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وهو القائل سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) وهو القائل : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٥) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾ (٦) وأما اليهود والنصارى فيعبدون مع الله غيره ولا يعبدون إلها واحدا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٧) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٩) فأبان سبحانه في هذه الآيات أن اليهود والنصارى عبدوا آلهة كثيرة من الأحبار والرهبان كما عبد اليهود عزيرا وزعموا أنه ابن الله، وعبد النصارى المسيح ابن مريم وزعموا

стр. 990

أنه ابن الله، وأنهم جميعا لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا وهو الله سبحانه خالق الأشياء كلها ورب الجميع سبحانه عما يشركون. وبما تقدم يعلم أيضا أنه لا يجوز أن يقال عن الإسلام والنصرانية ما أطلقه الكاتب بقوله (وبالتالي يجب علينا أن نتفادى كل تصادم بين دينينا الكبيرين) لأن النصرانية ليست دينا لنا وإنما ديننا الإسلام فقط، وأما النصرانية فقد سبق أنها دين باطل وما فيها من حق فقد جاءت به شريعة محمد ﷺ أو بما هو أكمل منه. فالمسلمون يأخذون به لكونه من الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ لا لأنه جاء في التوراة أو الإنجيل بل لأن شرعنا الإسلامي جاء به ودعا إليه. وهذه كلمة موجزة أردت بها التنبيه على ما وقع في كلام هذا الكاتب من الغلط خشية أن يغتر به بعض الناس، وذلك من النصح الذي أوجبه الله على المسلمين وعلى أهل العلم بوجه أخص في قول النبي ﷺ : «الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » خرجه مسلم في صحيحه، وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٢) » وخروجا من إثم الكتمان الذي توعد الله عليه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) وأسأل الله أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح له ولعباده، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن القول عليه أو على رسوله بغير علم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 991

شروط قول لا إله إلا الله (١) السؤال: - ما هي شروط قول: ((لا إله إلا الله)) ، وهل يكفي التلفظ بها فقط دون فهم معناها وما يترتب عليها؟ الجواب: لا بد أن تفهم الكلمة وتعقلها، ((لا إله إلا الله)) أفضل الكلام، وهي أصل الدين وأساس الملة وهي التي بدأ بها الرسل عليهم الصلاة والسلام أقوامهم. فأول شيء بدأ به الرسول قومه أن قال قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وكل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣) فهي أساس الدين والملة ولا بد أن يعرف قائلها معناها، فهي تعني أنه لا معبود بحق إلا الله. ولها شروط وهي العلم بمعناها واليقين وعدم الشك بصحتها والإخلاص لله في ذلك وحده والصدق بقلبه ولسانه والمحبة لما دلت عليه من الإخلاص لله وقبول ذلك والانقياد له وتوحيده ونبذ الشرك به مع البراءة من عبادة غيره، واعتقاد بطلانها، وكل هذا من شرائط قول لا إله إلا الله وصحة معناها. يقولها المؤمن والمؤمنة مع البراءة من عبادة غير الله ومع الانقياد للحق وقبوله والمحبة لله وتوحيده والإخلاص له، وعدم الشك في معناها فإن بعض الناس يقولها وليس مؤمنا بها كالمنافقين الذين يقولونها وعندهم شك أو تكذيب

стр. 992

فلا بد من علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وانقياد وقبول وبراءة، وقد جمع بعضهم شروطها في بيتين فقال: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها وزيد ثامنها الكفران منك بما ... سوى الإله من الأشياء قد ألها وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 993

تنبيهات هامة على ما كتبه الشيخ \ محمد علي الصابوني في صفات الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد اطلعت على المقابلة التي أجرتها مجلة ((المجتمع)) مع فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني ونشرت في العدد رقم ٦١٣ وتاريخ ٧ \ ٦ \ ١٤٠٣ هـ وعلى مقالاته الست المنشورة في أعداد المجتمع رقم ٦٢٧ وتاريخ ١٧ \ ٩ \ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٢٨ وتاريخ ٢٤ \ ٩ \ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٢٩ وتاريخ ٩ \ ١٠ \ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٣٠ وتاريخ ١٦ \ ١٠ \ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٣١ وتاريخ ٢٣ \ ١٠ \ ١٤٠٣ هـ ورقم ٦٤٦ وتاريخ ١٧ \ ٢ \ ١٤٠٤ هـ، وقد اشتملت على أخطاء نبه على بعضها صاحب الفضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في مقاله المنشور بمجلة الدعوة في عدد ١٥ رقم ٩٠٤ وتاريخ ٢٩ \ ١٠ \ ١٤٠٣ هـ وفي مجلة المجتمع بعددها رقم ٦٤٦ وتاريخ ١٧ \ ٢ \ ١٤٠٤ هـ و٦٥٠ في ٢٤ \ ٢ \ ١٤٠٤ هـ، وقد أجاد وأفاد وأحسن جزاه الله خيرا ونصر به الحق. وقد رأيت التنبيه على ما وقع فيها من أخطاء تأكيدا

стр. 994

لما ذكره الدكتور صالح ومشاركة في الخير ونشر الحق واستدراكا لأخطاء لم يتعرض لها فضيلة الدكتور صالح في مقاليه المشار إليهما، والله الموفق. فأقول: تقليد الأئمة الأربعة: ١ - قوله عن تقليد الأئمة الأربعة ((إنه من أوجب الواجبات)) لا شك أن هذا الإطلاق خطأ، إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس، وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغا عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة كما فصل ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين. ولذلك كان الأئمة ﵏ لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلا ما كان موافقا للكتاب والسنة. قال الإمام مالك ﵀: ((كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر)) يشير إلى قبر رسول الله ﷺ . وهكذا قال إخوانه من الأئمة في هذا المعنى. فالذي يتمكن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعين عليه ألا يقلد أحدا من الناس ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق، والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم كما قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ٢ - قال: (إذا كان ابن تيمية ﵀ مع درجة علمه لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد وإنما مذهبه حنبلي يتقيد به في كثير من الأحيان) . الجواب: هذا القول فيه نظر بل هو خطأ ظاهر فإن شيخ الإسلام ﵀ من أعلم المجتهدين وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد، وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لا

стр. 995

يخرجه عن ذلك لأن المقصود من ذلك موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده، وليس المقصود من ذلك أنه يقلده فيما قاله بغير حجة وإنما كان يختار من الأقوال أقربها إلى الدليل حسبما يظهر له ﵀.

стр. 996

مذهب الأشاعرة هل هو حق أم ضلال ؟ : ٣ - ذكر أن الخلافات في العقيدة ضيقة وقال: (الذين يقولون بضلال مذهب الأشاعرة نقول لهم ارجعوا إلى فتاوى ابن تيمية واقرءوا ماذا كتب ابن تيمية عن أبي الحسن الأشعري حتى نفهم أن هؤلاء جهلة) أ. هـ. والجواب أن يقال: لا شك أنه ضل بسبب الخلاف في العقيدة فرق كثيرة كالمعتزلة والجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، وأيضا الأشاعرة ضلوا فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين فيما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله، وأبو الحسن الأشعري ﵀ ليس من الأشاعرة. وإن انتسبوا إليه لكونه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السنة، فمدح الأئمة له ليس مدحا لمذهب الأشاعرة. ولا يصح أن يرمى من اعترض على الأشاعرة فيما خالفوا فيه عقيدة أهل السنة بالجهل لأن حقيقة الجهل هو القول على الله بغير علم، أما من أخذ بالكتاب والسنة وقواعد الشرع المعتبرة وسار على طريق سلف الأمة وأنكر على من تأول أسماء الله وصفاته أو شيئا منها على غير تأويلها فإنه لا يرمى بالجهل.

стр. 997

قوامة الرجال: ٤ - قال: (إنما القوامة للرجل قوامة تكليف وليست قوامة تشريف) .

стр. 998

والجواب أن يقال: هذا خطأ والصواب أن يقال: إن قوامة الرجال على النساء قوامة تكليف وتشريف لقول الله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ (١) فأوضح سبحانه أنه جعل الرجال قوامين على النساء لأمرين: أحدهما: فضل جنس الرجال على جنس النساء. والأمر الثاني قيام الرجال بالإنفاق على النساء بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات.

стр. 999

التفويض الصحيح للكيفية لا للمعاني: ٥ - قال في مقاله الأول بعد المقدمة ما نصه: (ولا يجوز أن تجعلهم - يعني بذلك الأشاعرة والماتوريدية - في صف الروافض والمعتزلة والخوارج الذين انحرفوا عن أهل السنة والجماعة، غاية ما في الأمر أن نقول: إنهم مخطئون في التأويل، ذلك لأن الأسلم أن نفوض الأمر في موضوع الصفات إلى علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية) أ. هـ. والجواب أن يقال: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم، فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك، ولكن ذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطأوا فيه ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بين خطأ غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغا عن الله سبحانه وعن رسوله ﷺ وحذرا من الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)

стр. 1000

ثم يقال: ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علام الغيوب لأنه سبحانه بينها لعباده وأوضحها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ ولم يبين كيفيتها، فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني وليس التفويض مذهب السلف بل هو مذهب مبتدع مخالف لما عليه السلف الصالح. وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السلف على أهل التفويض، وبدعوهم لأن مقتضى مذهبهم أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منه، والله يتقدس عن ذلك، وأهل السنة والجماعة يعرفون مراده سبحانه بكلامه ويصفونه بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل ما لا يليق به . وقد علموا من كلامه سبحانه ومن كلام رسوله ﷺ أنه سبحانه موصوف بالكمال المطلق في جميع ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ ، وأنا أذكر بعض النقول المهمة عن السلف الصالح في هذا الباب ليتضح للقارئ صحة ما ذكرنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة الفتوى الحموية ما نصه (١) : (روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون - نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات. فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق - حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق

стр. 1001

العرش وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت. وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وقولهم ﵃: ((أمروها كما جاءت)) رد على المعطلة، وقولهم: ((بلا كيف)) رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما. وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر ابن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل

стр. 1002

ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ما معنى استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق. وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه. ومنها ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء (٣) ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج. فقول ربيعة ومالك ((الاستواء غير مجهول والكيف غر معقول والإيمان به واجب)) موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف. فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: ((الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول)) ولما قالوا: ((أمروها كما جاءت بلا كيف)) فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل يكون مجهولا بمنزلة حروف المعجم، وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول ((بلا كيف)) فمن قال إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.

стр. 1003

وأيضا فقولهم ((أمروها كما جاءت)) يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ: ((بلا كيف)) إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول أ. هـ. (كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀) . ٦ - نقل في المقال المذكور عن الشيخ حسن البنا ﵀ ما نصه (نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) . والجواب أن يقال: نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل، فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) وقوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا

стр. 1004

فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١) » وقوله ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » أخرجهما مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.

стр. 1005

الفرقة مذمومة والحكم عند التنازع للكتاب والسنة: ٧ - ثم نعى الكاتب الشيخ محمد علي الصابوني في مقاله الثاني على المسلمين تفرقهم إلى سلفي وأشعري وصوفي وماتوريدي. . إلخ. ولا شك أن هذا التفرق يؤلم كل مسلم ويجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق ويتعاونوا على البر والتقوى، ولكن الله سبحانه قدر ذلك على الأمة لحكم عظيمة وغايات محمودة يحمد عليها سبحانه ولا يعلم تفاصيلها سواه، ومن ذلك التمييز بين أوليائه وأعدائه والتمييز بين المجتهدين في طلب الحق والمعرضين عنه المتبعين لأهوائهم إلى حكم أخرى، وفي ذلك تصديق لنبيه ﷺ ودليل على أنه رسول الله حقا لكونه ﷺ قد أخبر عن هذا التفرق قبل وقوعه فوقع كما أخبر حيث قال ﷺ : «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: " هي الجماعة (١) » وفي رواية أخرى قال: «ما أنا عليه وأصحابي (٢) » . وهذا يوجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق وأن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول لقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) وهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على أن الواجب على المسلمين رد ما تنازعوا فيه في العقيدة وغيرها إلى الله

стр. 1006

سبحانه وإلى رسوله ﷺ وبذلك يتضح الحق لهم وتجتمع كلمتهم عليه ويتحد صفهم ضد أعدائهم. أما بقاء كل طائفة على ما لديها من باطل وعدم التسليم للطائفة الأخرى فيما هي عليه من الحق فهذا هو المحذور والمنهي عنه وهو سبب تسليط الأعداء على المسلمين، واللوم كل اللوم على من تمسك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق، أما من تمسك بالحق ودعى إليه وأوضح بطلان ما خالفه فهذا لا لوم عليه بل هو مشكور وله أجران أجر اجتهاده وأجر إصابته للحق.

стр. 1007

حقيقة مذهب أهل السنة: ٨ - ذكر الصابوني في مقاله الثاني أن أهل السنة اشتهروا بمذهبين اثنين أحدهما مذهب السلف والآخر مذهب الخلف. . . إلخ. والجواب أن يقال: هذا غلط بين لم يسبقه إليه أحد فيما أعلم فإن مذهب أهل السنة واحد فقط وهو ما درج عليه أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان وهو إثبات أسماء الله وصفاته وإمرارها كما جاءت، والإيمان بأنها حق وأن الله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويض، بل يؤمنون بأن معانيها معلومة وأنها حقا لائقة بالله لا يشابه خلقه في شيء منها، ومذهب الخلف بخلاف ذلك كما يعلم ذلك من قرأ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء. ثم ذكر أن أهل السنة يفوضون علم معاني الصفات إلى الله وكرر ذلك في غير موضع وقد أخطأ في ذلك ونسب إليهم ما هم براء منه كما تقدم بيان ذلك فيما نقلناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن جمع من

стр. 1008

أهل السنة - رحمة الله عليهم - وإنما يفوض أهل السنة إلى الله سبحانه علم الكيفية لا علم المعاني كما سبق إيضاح ذلك. أهل السنة لا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه: ٩ - ثم ذكر الصابوني - هداه الله - تنزيه الله سبحانه عن الجسم والحدقة والصماخ واللسان والحنجرة، وهذا ليس بمذهب أهل السنة بل هو من أقوال أهل الكلام المذموم وتكلفهم، فإن أهل السنة لا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه أو نفاه رسوله ﷺ ولا يثبتون له إلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ولم يرد في النصوص نفي هذه الأمور ولا إثباتها فالواجب الكف عنها وعدم التعرض لها لا بنفي ولا إثبات، ويغني عن ذلك قول أهل السنة في إثبات صفات الله وأسمائه أنه لا يشابه فيها خلقه وأنه سبحانه لا ند له ولا كفو له. قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث. وهذا هو معنى كلام غيره من أئمة السنة وأما ما وقع في كلام البيهقي ﵀ في كتابه ((الاعتقاد)) من هذه الأمور فهو مما دخل عليه من كلام المتكلمين وتكلفهم، فراج عليه واعتقد صحته، والحق أنه من كلام أهل البدع لا من كلام أهل السنة. أهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه دون أن يشبهوه بخلقه: ١٠ - ثم قال الصابوني في مقاله الثاني ما نصه: ((أما ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليوم الذين يصورون الله بصورة غريبة عجيبة ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس له وجه ويدان وعينان وله ساق وأصابع وهو يمشي وينزل ويهرول، ويقولون في تقرير هذه

стр. 1009

الصفات أن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج - يريد بزعمه أن يقرر مذهب السلف الصالح للتلاميذ ويثبت لهم حقيقة معنى الاستواء والنزول وأنه جلوس حس لا كما يتأوله المؤولون، فهذا والعياذ بالله عين الضلالة لأنه شبه وجسم وهو كمن فر من حفرة صغيرة ليقع في هوة عميقة يتحطم فيها ويهوي فيها إلى مكان سحيق)) أ. هـ. وأقول: أن الأخ الصابوني - هداه الله - قد جمع في هذا الكلام حقا وباطلا يعلمه كل صاحب سنة. وإليك أيها القارئ المؤمن التفصيل في ذلك: أما الوجه واليدان والعينان والساق والأصابع فقد ثبتت في النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة وقال بها أهل السنة والجماعة وأثبتوها لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه، وهكذا النزول والهرولة جاءت بها الأحاديث الصحيحة ونطق بها الرسول ﷺ وأثبتها لربه على الوجه اللائق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه ولا يعلم كيفية هذه الصفات إلا هو سبحانه، فإنكار الصابوني هذه الصفات إنكار على النبي ﷺ ، بل إنكار على الله لأنه سبحانه ذكر بعضها في كتابه العزيز وأوحى البعض الآخر لنبيه ﷺ ، فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى وإنما يخبر عن الله سبحانه بما أوحى إليه، فالصابوني - هداه الله - تارة يقول إنه يلتزم بمذهب أهل السنة وتارة يناقضه ويخالفه، فإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله لنا وله الهداية والرجوع إلى الحق. وأما قوله: ويقولون في تقرير هذه الصفات إن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج. . . إلخ. فهذا القول أهل السنة براء منه بل هو من كلام المشبهة الذين كفرهم السلف الصالح وأنكروا مقالتهم لكونها مصادمة لقول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)

стр. 1010

وما جاء في معناها من الآيات، فلا يجوز لأحد أن يخلط بين كلام أهل الحق من أهل السنة وكلام أهل الباطل من المشبهة وغيرهم ولا يميز بينهما، بل الواجب التفصيل والتمييز. الأشعري والماتوريدي ليس أول من رد شبهات أهل الزيغ.. ١١ - ثم زعم الصابوني في مقاله الثالث أن أول من كتب في أصول الدين ورد شبهات أهل الزيغ والضلال أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتوريدي. وهذا جزم غير صحيح فقد سبقهما في ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ والإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون والإمام مالك ﵀ والإمام أحمد بن حنبل والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة والإمام عثمان ابن سعيد الدارمي في الرد على المريسي والإمام عبد العزيز الكناني صاحب الحيدة وغيرهم ممن لا يحصى. مذهب أهل السنة واحد وهو أسلم وأعلم وأحكم: ١٢ - ثم كرر الصابوني - هداه الله - في مقاله الثالث قوله: ((إن السلف لهم مذهبان مذهب أهل التفويض ومذهب أهل التأويل)) إلى آخر ما قال إلى أن قال: ((إن بعضهم يفضل مذهب السلف ويقول إنه أسلم والبعض الآخر يفضل مذهب الخلف ويقول هو أحكم)) أ. هـ. والجواب: أن هذا التقسيم باطل كما تقدم، وليس للسلف إلا مذهب واحد هو مذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة ﵃ وأتباعهم

стр. 1011

بإحسان وهو الأسلم والأعلم والأحكم، أما المذهب الثاني فهو مذهب الخلف المذموم. وهو مذهب أهل التأويل والتحريف والتكلف ولا يلزم من ذم مذهب الخلف والتحذير منه القول بتكفيرهم، فإن التكفير له حكم آخر يبنى على معرفة قول الشخص وما لديه من الباطل ومدى مخالفته للحق، فلا يجوز أن يقال أنه يلزم من ذم مذهب الخلف أو الإنكار على الأشاعرة ما وقعوا فيه من تأويل الصفات وتحريفها إلا صفات قليلة استثنوها القول بتكفيرهم، وإنما المقصود بيان مخالفتهم لأهل السنة في ذلك وبطلان ما ذهب إليه الخلف من التأويل وبيان أن الصواب هو مذهب السلف الصالح وهم أهل السنة والجماعة في إمرار آيات الصفات وأحاديثها وإثبات ما دلت عليه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تكييف ولا تمثيل كما سبق ذكر ذلك غير مرة، والله المستعان. ثم ذكر كلام البيهقي هنا وقد تقدم ما فيه وأنه ﵀ دخلت عليه ألفاظ من ألفاظ أهل البدع فراجت عليه وظنها صوابا فأدخلها في كتابه، وهو من جملة الذين خاضوا في الكلام وعلق باعتقاده بعض ما فيه من الشر، سامحه الله وعفى عنه. كما نبه على ما يدل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى جـ ٦ ص ٥٣. أهل السنة لا يؤولون الصفات ولكن يجمعون النصوص ويفسرون بعضها ببعض. ١٣ - ثم قال الصابوني في مقاله الثالث ما نصه ((ولا يظن أحد أننا نفضل مذهب الخلف على مذهب السلف، ولسنا على الرأي الذي يقوله علماء الكلام: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم، بل نقول عن إيمان ويقين أن مذهب السلف هو الأسلم وهو الأحكم فلا نحاول أن نؤول

стр. 1012

صفات الخالق جل وعلا بل نؤمن بها كما جاءت ونقر بها كما وردت مع نفي التشبيه والتجسيم)) . ثم استشهد بقول بعض الشعراء: إن المفوض سالم ... مما تكلفه المؤول إلى أن قال: ((وإذا كان من أول الصفات ضال فسنضلل السلف الصالح جميعا لأنهم أولوا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١) قالوا: معهم بعلمه لا بذاته، وأولوا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) قالوا: معية علم لئلا تتعدد الذات. وسنحكم بضلال الحافظ ابن كثير لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣) ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم. كما أول قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٤) قال: المراد ملائكتنا أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، والحلول والاتحاد منفي بالإجماع تعالى الله وتقدس)) . وقال: ((بل نقول إنه يتعين التأويل أحيانا كما في الحديث الصحيح: «الحجر الأسود يمين الله في أرضه» وكما قال عن سفينة نوح ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٥) ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (٦) أ. هـ. والجواب أن يقال: قد أحسنت في اختيار مذهب السلف الصالح واعتقاد أنه الأسلم والأحكم والأعلم، ولكنك لم تثبت عليه بل تارة تختار

стр. 1013

مذهب التأويل وتارة تختار مذهب التفويض، والواجب على المؤمن الثبات على الحق وعدم التحول عنه، وما ذكرته عن السلف من تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (١) بالعلم ليس بتأويل ولكنه هو معنى آيات المعية عند أهل السنة والجماعة. كما حكى الإمام أبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة على ذلك، وذلك لأن النصوص من الكتاب والسنة الدالة على علوه وفوقيته وتنزيهه سبحانه عن الحلول والاتحاد تقتضي ذلك، ومن تأمل الآيات الواردة في ذلك علم أنها تدل على أن المراد بالمعية العلم بأحوال عباده واطلاعه على شئونهم مع دلالة المعية الخاصة على كلاءته ورعايته وحفظه ونصره لأنبيائه وأوليائه. مع علمه واطلاعه على أحوالهم، والعرب الذين نزل عليهم الكتاب وجاءت السنة بلغتهم يعلمون ذلك ولا يشتبه عليهم، ولهذا لم يسألوا النبي ﷺ عن معاني هذه الآيات لظهورها لهم، أما النصوص الأخرى فلا تحتاج إلى تأويل لأن المعنى فيها ظاهر مثل قوله سبحانه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) و ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٣) و ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤) فلا يدور بخلد أحد أن السفينة تجري بعين الله ولا أن محمدا ﵊ في عين الله وإنما المراد بذلك أن السفينة تجري برعاية الله وعنايته وتسخيره لها وحفظه لها، وأن محمدا ﷺ تحت رعاية مولاه وعنايته وحفظه وكلاءته، وهكذا قوله في حق موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٥) أي تحت رعايتي وحفظي وهكذا حديث: «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به (٦) » يفسره قوله في

стр. 1014

الرواية الأخرى «فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي (١) » ولا يظن من له أدنى بصيرة ممن يعرف اللغة العربية أن المراد بذلك أن الله سبحانه هو سمع الإنسان وبصره وهو يده ورجله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما أراد من ذلك سبحانه بيان توفيقه لأوليائه وتسديده لهم في حواسهم وحركاتهم بسبب طاعتهم له وقيامهم بحقه وهكذا الأحاديث الأخرى، وأما حديث (الحجر يمين الله) فهو حديث ضعيف والصواب وقفه على ابن عباس ومعناه ظاهر سواء كان مرفوعا أو موقوفا، وقد قال في نفس الحديث: (فكأنما صافح الله وقبل يمينه) فدل على أن الحجر ليس هو يمين الله وإنما شبه مستلمه ومقبله بمن صافح الله وقبل يمينه ترغيبا في استلامه وتقبيله، وهكذا قول الله سبحانه في الحديث الصحيح لعبده: «مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني (٢) » قد بين في الحديث ما يدل على معناه حيث قال سبحانه: «أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي (٣) » فعلم بذلك أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع وإنما أراد سبحانه من ذلك حث العباد على عيادة المريض وإطعام الجائع. وأما قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ (٥) فقد فسره جماعة بقرب الملائكة لأن قربهم من العبد حين يتلقى المتلقيان وحين الموت كان بأمره سبحانه وتقديره ورعايته لعباده، وفسره آخرون بأنه قربه سبحانه بعلمه وقدرته وإحاطته بعباده كالمعية وكقربه من عابديه وسائليه مع علوه وفوقيته سبحانه وليس المراد الحلول ولا الاتحاد، تعالى الله عن ذلك وتقدس لأن الأدلة القطعية من الكتاب والسنة تدل على أنه سبحانه

стр. 1015

فوق العرش بائن من خلقه عال عليهم وعلمه في كل مكان. فمن تدبر النصوص من الكتاب والسنة وفسر بعضها ببعض اتضح له المعنى ولم يحتج إلى التأويل، وقد اختار أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسيره القول الثاني في سورة ق والقول الأول في سورة الواقعة. وقد أنكر أهل السنة على من تأول نصوص الصفات وبدعوه لما يترتب على تأويلها من أنواع الباطل وتحريف الكلم عن مواضعه وتجريد الرب سبحانه من صفات الكمال وسوء الظن به، وأنه خاطب عباده بما ظاهره تشبيه وتمثيل وأن المراد غيره. وهذا هو التأويل المذموم وهذا هو الذي سلكه أهل الكلام وأنكره عليهم أهل السنة وضللوهم في ذلك، لكونهم أولوا النصوص عن ظاهرها وصرفوها عن الحق الذي دلت عليه بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة، بل بمقتضى عقولهم وآرائهم التي لم ينزل الله بها من حجة ولا قام عليها برهان. وقد ألزموهم فيما أثبتوا نظير ما فروا منه فيما تأولوه وهو لازم لهم بلا شك، ولا يسلم من التناقض واللوازم الباطلة إلا من أثبت ما أثبته الله ورسوله ونفى ما نفاه الله ورسوله وهم أهل السنة والجماعة، والله المستعان.

стр. 1016

الوحدة والاعتصام ومقتضياتهما ١٤ - ثم دعا في مقاله الرابع إلى جمع الكلمة بين الفئات الإسلامية وتضافر الجهود ضد أعداء الإسلام، وذكر أن الوقت ليس وقت مهاجمة لأتباع المذاهب ولا للأشاعرة ولا للإخوان حتى ولا للصوفيين. والجواب أن يقال: لا ريب أنه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر والتقوى ضد أعداء الإسلام كما أمرهم الله سبحانه

стр. 1017

بذلك بقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وحذرهم من التفرق بقوله سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) الآية. ولكن لا يلزم من وجوب اتحاد المسلمين وجمع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله ألا ينكروا المنكر على من فعله أو اعتقده من الصوفية أو غيرهم، بل مقتضى الأمر بالاعتصام بحبل الله أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل عنه أو ظن ضده صوابا بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه، وهذا هو مقتضى قوله سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) وقوله سبحانه ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) ومتى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين وأغلاط الغالطين لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر وبقاء الغالط على غلطه والمخالف للحق على خطئه وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله ولي التوفيق.

стр. 1018

السلف لا يؤولون الصفات ولا يخوضون بالتجسيم لا نفيا ولا إثباتا لأن ذلك بدعة لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة . ١٥ - ذكر الصابوني في مقاله الخامس ما نصه (ليس مذهب السلف

стр. 1019

الصالح - الذي أسلفنا الحديث عنه في مقالاتنا السابقة في موضوع صفات الباري جل وعلا - هو (التفويض المطلق) كما قد يتوهم البعض من الناس بل هو مسلك آخر يدل على نظر ثاقب وفهم سليم مستقيم لنصوص الكتاب والسنة، ويتلخص هذا المسلك والمنهج في الآتي: أولا: تأويل ما لا بد من تأويله من آيات الصفات وأحاديث الصفات مما لا مندوحة عن تأويله لأسباب لغوية أو شرعية أو اعتقادية. ثانيا: إثبات ما أثبته القرآن الكريم أو السنة المطهرة من صفات الله جل وعلا من السمع والبصر والكلام والمحبة والرضى والاستواء والنزول والإتيان والمجيء وغيرها من الصفات، والإيمان بها على مراد الله بطريق التسليم والتفويض دون تشبيه أو تعطيل أو تجسيم أو تمثيل) أ. هـ. والجواب أن يقال: إن هذه الدعوى على مذهب السلف دعوى لا أساس لها من الصحة فإن السلف الصالح ليس مذهبهم التفويض لأسماء الله وصفاته لا تفويضا عاما ولا خاصا، وإنما يفوضون علم الكيفية كما تقدم بيان ذلك وكما نص على ذلك مالك وأحمد وغيرهما وقبلهما أم سلمة ﵂ وربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رضي الله عن الجميع، وليس من مذهب السلف أيضا تأويل الصفات بل يمرونها كما جاءت ويؤمنون بمعانيها على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما سلف ذكر ذلك غير مرة. وليس من مذهب السلف أيضا نفي التجسيم ولا إثباته لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة كما نص على ذلك غير واحد من أئمة السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد نص على

стр. 1020

ذلك في كتابه ((التدمرية)) حيث قال في القاعدة السادسة: (ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذا الطريق طريقا فاسدا لم يسلكه أحد من السلف أو الأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفيا ولا إثباتا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك لأنها عبارات مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا. ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة) أ. هـ. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في كتابه ((فضل علم السلف على علم الخلف)) بعد كلام سبق: ((والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك ألبتة خصوصا الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئا من ذلك اتباعا لطريقة مقاتل فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح، وقد قال أبو زرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصن علمه احتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه)) أ. هـ. وليس فيما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته ما يجب تأويله بل لا بد أن يوجد في النصوص ما يدل على المعنى المراد الذي يجب إثباته لله على الوجه اللائق به من غير حاجة إلى تأويل يخالف الظاهر من كلام الله
следующие страницы →