٨٣ - إيضاح وتعقيب على مقال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حول الصلح مع اليهود
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: (١)
فهذا إيضاح وتعقيب على مقال فضيلة الشيخ: يوسف القرضاوي المنشور في مجلة (المجتمع) العدد (١١٣٣) الصادرة يوم ٩ شعبان ١٤١٥ هـ الموافق ١٠ \ ١\١٩٩٥ م، حول الصلح مع اليهود، وما صدر مني في ذلك المقال المنشور في صحيفة (المسلمون) الصادرة في يوم ٢١ رجب ١٤١٥ هـ جوابا لأسئلة موجهة إلي من بعض أبناء فلسطين. وقد أوضحت أنه لا مانع من الصلح معهم إذا اقتضت المصلحة ذلك، ليأمن الفلسطينيون في بلادهم، ويتمكنوا من إقامة دينهم. وقد رأى فضيلة الشيخ يوسف أن ما قلته في ذلك مخالف للصواب؛ لأن اليهود غاصبون فلا يجوز الصلح معهم ... إلى آخر ما ذكره فضيلته. وإنني أشكر فضيلته على اهتمامه بهذا
стр. 9907
الموضوع ورغبته في إيضاح الحق الذي يعتقده. ولا شك أن الأمر في هذا الموضوع وأشباهه هو كما قال فضيلته: يرجع فيه للدليل، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وهذا هو الحق في جميع مسائل الخلاف؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وهذه قاعدة مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة. ولكن ما ذكرناه في الصلح مع اليهود قد أوضحنا أدلته، وأجبنا عن أسئلة وردت إلينا في ذلك من بعض الطلبة بكلية الشريعة في جامعة الكويت، وقد نشرت هذه الأجوبة في صحيفة (المسلمون) الصادرة في يوم الجمعة ١٩\٨ \ ١٤١٥ هـ الموافق ٢٠ \ ١\١٩٩٥ م، وفيها إيضاح لبعض ما أشكل على بعض الإخوان في ذلك. ونقول للشيخ يوسف وفقه الله وغيره من أهل العلم: إن قريشا قد أخذت أموال المهاجرين ودورهم، كما قال الله سبحانه في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣)
стр. 9908
ومع ذلك صالح النبي ﷺ قريشا يوم الحديبية سنة ست من الهجرة، ولم يمنع هذا الصلح ما فعلته قريش من ظلم المهاجرين في دورهم وأموالهم؛ مراعاة للمصلحة العامة التي رآها النبي ﷺ لجميع المسلمين من المهاجرين وغيرهم، ولمن يرغب الدخول في الإسلام.
ونقول أيضا جوابا لفضيلة الشيخ يوسف عن المثال الذي مثل به في مقاله وهو: لو أن إنسانا غصب دار إنسان وأخرجه إلى العراء ثم صالحه على بعضها. أجاب الشيخ يوسف: أن هذا الصلح لا يصح. وهذا غريب جدا، بل هو خطأ محض، ولا شك أن المظلوم إذا رضي ببعض حقه، واصطلح مع الظالم في ذلك فلا حرج؛ لعجزه عن أخذ حقه كله، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وقد قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢) ولا شك أن رضا المظلوم بحجرة من داره أو حجرتين أو أكثر يسكن فيها هو وأهله خير من بقائه في العراء. أما قوله : ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣) فهذه الآية فيما إذا كان المظلوم أقوى من الظالم وأقدر على أخذ حقه، فإنه لا
стр. 9909
يجوز له الضعف، والدعوة إلى السلم، وهو أعلى من الظالم وأقدر على أخذ حقه، أما إذا كان ليس هو الأعلى في القوة الحسية فلا بأس أن يدعو إلى السلم، كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره هذه الآية، وقد دعا النبي ﷺ إلى السلم يوم الحديبية؛ لما رأى أن ذلك هو الأصلح للمسلمين والأنفع لهم، وأنه أولى من القتال، وهو ﵊ القدوة الحسنة في كل ما يأتي ويذر؛ لقول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) الآية.
ولما نقضوا العهد وقدر على مقاتلتهم يوم الفتح غزاهم في عقر دارهم، وفتح الله عليه البلاد، ومكنه من رقاب أهلها حتى عفا عنهم، وتم له الفتح والنصر ولله الحمد والمنة.
فأرجو من فضيلة الشيخ يوسف وغيره من إخواني أهل العلم إعادة النظر في هذا الأمر بناء على الأدلة الشرعية، لا على العاطفة والاستحسان، مع الاطلاع على ما كتبته أخيرا من الأجوبة الصادرة في صحيفة (المسلمون) في ١٩\٨\١٤١٥ هـ، الموافق ٢٠ \ ١ \ ١٩٩٥ م. وقد أوضحت فيها: أن الواجب جهاد المشركين من اليهود وغيرهم مع القدرة حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، إن كانوا من أهلها، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية
стр. 9910
والأحاديث النبوية، وعند العجز عن ذلك لا حرج في الصلح على وجه ينفع المسلمين ولا يضرهم تأسيا بالنبي ﷺ في حربه وصلحه، وتمسكا بالأدلة الشرعية العامة والخاصة، ووقوفا عندها، فهذا هو طريق النجاة وطريق السعادة والسلامة في الدنيا والآخرة.
والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين- قادة وشعوبا- لكل ما فيه رضاه، وأن يمنحهم الفقه في دينه، والاستقامة عليه، -وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح قادة المسلمين ويوفقهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها، والحذر مما يخالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه، وأتباعه بإحسان.
انتهى الجزء الثامن عشر ويليه بمشيئة الله تعالى الجزء التاسع عشر وأوله (كتاب البيوع)
стр. 9911
صفحة فارغة
стр. 9912
صفحة فارغة
стр. 9913
صفحة فارغة
стр. 9914
صفحة فارغة
стр. 9915
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب البيوع
باب الشروط في البيع
стр. 9916
صفحة فارغة
стр. 9917
إذا ملكت الشركة السيارة وصارت في حوزتها فلها بيعها
س١: وكالة سيارات لديها نظام خاص للتقسيط يقوم على أساس أن يدفع الزبون مبلغا معينا كدفعة أولى، ثم هناك نسبة زيادة على المبلغ المتبقي (المؤجل) (بين ١١-٢٠%) ويزداد المبلغ بحسب عدد السنوات التي يتفق عليها فما الحكم؟ (١)
ج: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، إذا ملكت الشركة السيارة وصارت في حوزتها وقبضتها بالشراء فلها أن تبيعها على الراغبين بالسعر الذي يحصل عليه اتفاق مع الزيادة التي تراها، سواء كانت كلها مؤجلة أو بعضها مؤجل وبعضها نقد لا حرج في ذلك؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فهذا من البيع الشرعي، إذا كانت الشركة قد ملكت السيارة وحازتها وصارت في قبضتها.
стр. 9918
لا حرج في الشراء من شركات التقسيط إذا كانت السلعة في قبضتها
س ٢: شركة تقسيط تطلب نسبة مئوية على سعر السيارة يتراوح بين ٦ و٨% وتأخذ من المشتري بيانات ومواصفات السيارة التي يريدها ثم تقوم بشرائها وتسجيلها باسم الزبون بعد إنهاء إجراءاتها، فما الحكم؟
ج: لا حرج في ذلك إذا كانت السلعة مملوكة للشركة وفي قبضتها، فلا مانع أن تبيعها بسعر معين بعضه نقد وبعضه مؤجل، أو كله مؤجل إلى آجال معلومة قليلة أو كثيرة.
ولا بد أن يكون بعد ملكها للسيارة، ولا مانع من كون الراغب يصف السيارة التي يريد أو الأرض التي يريد ثم تشتريها وتملكها وتحوزها، ثم تبيع بعد ذلك له أو لغيره، والراغب في حل من ذلك، حتى يتم البيع بعد الشراء.
стр. 9919
إذا حصل الشراء وتم قبض العقار بتخليته جاز بيعه
س ٣: إحدى الشركات تقوم بشراء العقارات لذوي الدخل المحدود، يذهب الزبون إلى الشركة فيحدد لهم
стр. 9920
العقار الذي يريده وسعره، فيتم تشكيل لجنة لتسعير العقار ثم يتم شراء العقار من قبل الشركة بعد أخذ ١٠% من قيمته كعربون من الزبون، ويتم كتابته أو تسجيل العقار باسم الزبون في حالة السداد خلال سنتين أو يبقى باسم الشركة في حالة السداد في أكثر من السنتين، فما الحكم؟
ج: لا حرج أن تشتري الشركة العقار المطلوب، وإذا تم الشراء وحصل لها القبض بالتخلية جاز لها أن تبيع على الراغب أو غيره ولا يجوز أن يتم البيع قبل ذلك ولا أخذ العربون، إنما البيع يكون بعد شراء الشركة، وبعد أن تحوز المبيع بالتخلية إذا كان عقارا أو بالنقل إن كان غيره.
стр. 9921
لا يجوز بيع المنقول إلا بعد قبضه وحيازته
س ٤: إحدى الشركات تقوم بشراء الأثاث ومواد البناء لمن يريد، يذهب الزبون إلى الشركة ويحدد الأثاث الذي يريده أو مواد البناء. يدفع الزبون دفعة أولى مثل تقسيط السيارات، وبقية المبلغ المؤجل يتم تسديده على أقساط شهرية مع نسبة زيادة تصل إلى ١٠% للشركة، فتعطي
стр. 9922
الشركة للزبون أمر استلام ليذهب إلى محل الأثاث فيستلم أثاثه بنفسه، وتسديد المبلغ المؤجل يكون للشركة التي قامت بالتقسيط فما الحكم؟
ج: ليس للشركة أن تبيع الأثاث ولا غيره من المنقولات إلا بعد أن يتم البيع وتقبض المبيع إلى حوزتها وتنقله من ملك البائع إلى مكان آخر- ثم يتم البيع بعد ذلك، أما دفع العربون للشركة قبل ذلك فلا يجوز، وليس لها أن تبيع شيئا إلا بعد أن تحوزه وتنقله من مكان البائع إلى مكان آخر، والله ولي التوفيق.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 9923
٥ - حكم شراء شقة من البنك بالتقسيط
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم رئيس مركز التربية الإسلامية في سان دوني - باريس سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ١٠٦٣ وتاريخ ١٦\٣\١٤٠٧ هـ والذي تسأل فيه عن حكم شراء شقة من البنك بالتقسيط؟ .
وأفيدك بأن شراء الشقة من البنك بالتقسيط لا مانع منه بشرط أن لا يتم التعاقد مع البنك على شراء الشقة إلا بعد أن يشتريها البنك من مالكها الأول، فإذا اشتراها وأصبحت ملكا له جاز شراؤها منه نقدا أو مؤجلا. وفق الله الجميع لما فيه رضاه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 9924
لا حرج في بيع التقسيط
س ٦: إنسان اشترى سيارة جمس من آخر وهي قيمتها أربعون ألفا وقال: أبيعك إياها بسبعين ألفا تقسيطا. هل يجوز ذلك؟ (١)
ج: لا حرج في ذلك، فقد باع أصحاب بريرة ﵂، بريرة نفسها، باعوها إياها على أقساط في كل عام أوقية، وهي أربعون درهما، تسعة أقساط في عهد النبي ﷺ . فلم ينكر ذلك النبي ﷺ .
فالتقسيط إذا كان معلوم الكمية والصفة والأجل فلا بأس به، للحديث المذكور، ولعموم الأدلة مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فإذا اشتريت سيارة بأربعين ألفا، أو ثلاثين ألفا أو أقل أو أكثر إلى أجل معلوم كل سنة خمسة آلاف، أو كل سنة ثمانية آلاف، أو كل شهر ألف، فلا شيء في ذلك.
стр. 9925
صور من بيع التقسيط المحرم
س ٧: حبذا يا سماحة الشيخ لو تذكرون لنا بعض صور البيع بالتقسيط المحرمة؟ جزاكم الله خيرا (١) .
ج: إذا اشترى الإنسان شيئا مؤجلا بأقساط ثم باعه نقدا على من اشتراه منه فهذا يسمى بيع العينة، وهو لا يجوز، لكن إذا باعه على غيره فلا بأس؛ كأن يشتري سيارة بالتقسيط ثم يبيعها على آخر نقدا؛ ليتزوج؛ أو ليوفي دينه، أو لشراء سكن، فلا بأس في ذلك. أما كونه يشتري السيارة أو غيرها بالتقسيط ثم يبيعها بالنقد على صاحبها، فهذا يسمى العينة؛ لأنها حيلة لأخذ دراهم نقدا بدراهم أكثر منها مؤجلة.
стр. 9926
حكم الزيادة في البيع بالأجل والتقسيط
س ٨: ما حكم الزيادة في البيع بالأجل والتقسيط؟ .
стр. 9927
ج: البيع إلى أجل معلوم جائز إذا اشتمل البيع على الشروط المعتبرة، وهكذا التقسيط في الثمن لا حرج فيه إذا كانت الأقساط معروفة والآجال معلومة؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) ولقول النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٢) » ، ولقصة بريرة الثابتة في الصحيحين فإنها اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق في كل عام أوقية، وهذا هو بيع التقسيط، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، بل أقره ولم ينه عنه، ولا فرق في ذلك بين كون الثمن مماثلا لما تباع به السلعة نقدا أو زائدا على ذلك بسبب الأجل، والله ولي التوفيق.
стр. 9928
الضوابط الشرعية للبيع بالتقسيط
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة وفقه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى كتاب سعادتكم رقم (بدون) وتاريخ ٢١\٢\١٤١٢هـ الذي ذكرتم فيه أن جريدة الجزيرة تعتزم إصدار ملحق خاص عن ظاهرة البيع بالتقسيط بأسواقنا المحلية التي أخذت تتصاعد في حياتنا التجارية، وترغبون في معرفة الحكم الشرعي في هذه الظاهرة من خلال الأسئلة التي طرحتموها، ونذكرها مرتبة مع الإجابة عنها:
стр. 9929
س ٩: ما هي الضوابط - في رأي سماحتكم - التي تحفظ حقوق طرفي البيع بالتقسيط، ومن ثم حقوق ونظام وسلامة المجتمع؟ (١) .
ج: البيع إلى أجل معلوم جائز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) الآية. والزيادة في القيمة مقابل الأجل لا مانع منها، فقد ثبت
стр. 9930
عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك، وذلك أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز جيشا يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل. وينبغي معرفة ما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة حتى لا يقع المتبايعان في العقود المحرمة، إذ أن بعضهم يبيع ما لا يملك، ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري، وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي، وكلا الأمرين غير جائز لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (١) » ، وقال ﵊: «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (٢) » . وقال ﵊: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٣) » . وقال ابن عمر ﵄
стр. 9931
" كنا نشتري الطعام جزافا فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا" (١) .
وثبت عنه ﵊ أيضا: «أنه نهى أن تباع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢) » .
ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق إنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها في ملكه، ويتضح أيضا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى حوزة المشتري أمر لا يجوز لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ولما فيه من التلاعب بالمعاملات، وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور، والعواقب الوخيمة ما لا يحصى.
стр. 9932
بيع السلعة قبل ملكها وحوزها لا يجوز
س ١٠: تاجر يقوم بعرض عينات لبعض المنتجات مثل الثلاجات والغسالات وغيرها، وإذا أراد أحد عملائه أن يشتري منها شيئا يتفق معه على السعر ومن ثم يتصل بالتاجر المورد ويشتري الكمية المطلوبة وينقلها بسيارته إلى مكان العميل ويقبض الثمن بعد ذلك، فما حكم هذا البيع؟ (١) .
ج: لا يجوز هذا البيع لكونه بيعا للسلعة قبل أن يملكها ويحوزها، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (٢) » ، وصح عنه ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عنك (٣) » .
стр. 9933
وثبت عنه ﷺ «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١) » ، والله ولي التوفيق.
стр. 9934
حكم الشراء من مندوب الشركة لدى معارض السيارات
س ١١: هناك شركة لها مندوبون لدى معارض السيارات فمن أراد شراء سيارة بالتقسيط فإنه يتفق مع صاحب المعرض على القيمة ثم يتصل بمندوب هذه الشركة فتقوم الشركة بدفع كامل قيمة السيارة لمعرض السيارات ثم تقسط الشركة المبلغ على المشتري بأقساط شهرية بفوائد. نرجو إفادتنا عن جواز التعامل مع هذه الشركة بالنسبة لأصحاب معارض السيارات وبالنسبة للمشترين؟ (١) .
ج: هذا العمل من الشركة التي أشرتم إليها مخالف
стр. 9935
للحكم الشرعي؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (١) » .
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (٢) » . وثبت عن زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٣) » ، وهذا العمل من الشركة المذكورة مخالف لهذه الأحاديث كلها؛ لأنها تبيع ما لا تملك ولا يجوز التعاون معها في ذلك؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) والطريق الشرعي أن تشتري الشركة
стр. 9936
السيارات أو غيرها من السلع وتحوزها بمكان يخصها ثم تبيع على من يرغب الشراء منها نقدا أو مؤجلا. وفق الله الجميع لما يرضيه.
стр. 9937
بيع وشراء السيارات بالتقسيط
س ١٢: يسأل بعض الإخوان ممن يتاجرون في بيع وشراء السيارات بالأقساط، ويقول: إنه يبيع السيارة على أساس أقساط شهرية، حيث يتفق مع الشخص الذي يريد شراء سيارة بالأقساط، وذلك لحاجته إلى ذلك، ويتفق معه على البيع قبل أن يشتري له السيارة ضامنا أرباحه أولا فما حكم ذلك؟ (١) .
ج: إذا كان بيع السيارة ونحوها على راغب الشراء بعدما ملكها البائع وقيدت باسمه وحازها فلا بأس، أما قبل ذلك فلا يجوز؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (٢) » ، ولقوله ﷺ : «لا
стр. 9938
يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك (١) » ، وهما حديثان صحيحان، فوجب العمل بهما والحذر مما يخالف ذلك، والله ولي التوفيق.
стр. 9939
س ١٣: اشتريت سيارة وبعتها بالتقسيط ومعروف عن التقسيط بأنه أكثر من المبلغ النقدي؛ كأن أشتري سيارة نقدا بـ (٥٠٠٠٠) ريال وأبيعها بالتقسيط لفترة طويلة (٣) سنوات مثلا بمبلغ (٨٠٠٠٠) ريال وصاحب السيارة الذي يشتريها مني بدوره إما يبيعها أو يستخدمها لنفسه. فما الحكم في ذلك؟ (١) .
والله نسأل أن يمد في عمركم وينفع بعلمكم.
ج: لا حرج في هذا البيع إذا كانت السيارة في ملك البائع وحوزته حين باعها بالتقسيط وكانت الأقساط معلومة الأجل؛ لأن هذه المعاملة وأمثالها داخلة في قوله تعالى:
стр. 9940
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية. وفي قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن جارية تدعى بريرة كاتبها أهلها على أقساط تسعة في كل سنة قسط وهو أربعون درهما. والأدلة في هذا كثيرة.
أما المشتري بالأقساط فله أن يستعملها وله أن يبيعها ولكن ليس له أن يبيعها على من اشتراها منه بأقل مما اشتراها منه نقدا؛ لأن هذه المعاملة هي العينة المحرمة، والله ولي التوفيق.
стр. 9941
س ١٤: أنا موظف وأرغب في شراء سيارة بالتقسيط ولكن مرجعي رفض تصديق أوراق البيع، فهل يجوز لي أن أدفع مبلغا من المال للشركة زيادة على مبلغ السيارة ليوافقوا على بيعي؟ (١) .
ج: لا بأس بالبيع بالتقسيط إذا كانت السيارة أو السلعة موجودة لديهم فتشتريها بأقساط معلومة. لا بأس في ذلك. لكن لا تشتر شيئا ليس في ملكهم فإن لم يتيسر عن طريق مرجعك ولكن من طريق آخر تشتريها بأقساط لا أعلم مانعا من
стр. 9942
ذلك. المهم أن تكون السلعة موجودة عند البائع وقد ملكها وحازها وأن يكون الثمن معلوما.
стр. 9943
نصيحة لتجار التقسيط والمستهلكين
س ١٥: هل لسماحتكم من نصيحة للإخوة التجار أو المستهلكين؟ (١) .
ج: نصيحتي لإخواني من التجار والمستهلكين أن يتقوا الله في السر والعلن، وأن يراقبوه في جميع معاملاتهم، وأن يتحروا الصدق والأمانة في بيعهم وشرائهم، وأن يجتنبوا الكذب والخيانة وجميع المعاملات والعقود التي تخالف الشريعة المطهرة، وأوصي التجار أن يتقوا الله في المتعاملين معهم من المحتاجين لهذا البيع المؤجل وذلك بالرفق بهم في تعاملهم معهم سواء بعدم رفع قيمة البضاعة رفعا مرهقا أو بالقسوة والشدة عند الاقتضاء؛ لأن النبي ﷺ حث على السماحة في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء وقال: «خيار الناس أحسنهم قضاء (٢) » . وقال أيضا صلى الله عليه
стр. 9944
وسلم: «البيعان بالخيار حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (١) » ، متفق على صحته. كما أوصي المستهلكين بأن يتقوا الله في أنفسهم وفي من هم تحت ولايتهم وذلك بأن لا ينساقوا ويندفعوا في شراء ما لا يحتاجون إليه فتتكاثر عليهم الديون فيعسر عليهم الوفاء بما التزموا به، فيضيقوا على أنفسهم وعلى من هم تحت رعايتهم من حيث أرادوا التوسع والاستفادة من هذه التسهيلات المتاحة دون تقدير للعواقب، والمطلوب هو التوسط في الأمور كلها يقول الله سبحانه حاثا على الاعتدال في النفقة: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٢) ويقول سبحانه في معرض الثناء على عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٣)
стр. 9945
هذا ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد