← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 491–506 · переход к 496.

стр. 491

ومن أمثلة هذا القسم (الاستحسان) الذي يعني القول في الدين بمجرد التشهي والميل النفسي, واتباع الرأي بغير دليل. ومن أمثلته تقديم المصلحة المرسلة على النص, كما يذهب إلى ذلك بعض الحنابلة حين قرر أن المصلحة وباقي الأدلة إما أن تتفقا, أو تختلفا فإن اتفقت فيها, وإن اختلفت فإن أمكن الجمع بينهما بوجه ما جمع, وإن تعذر الجمع بينها قدمت المصلحة على غيرها ... ولا شك أن الاستحسان بالمعنى المذكور سلفاً, والمصلحة المرسلة بهذا المعنى المذكور هنا من الابتداع الذي لا دليل عليه من نص كتاب أو سنة أو أثر أو عمل إمام متبع. ثانياً: القياس: والناس فيه طرفان ووسط, فطرف مؤيد بإطلاقه, وآخر معارض بإطلاقه, وأهل التوسط يأخذون بالقياس الصحيح, ويعملون به, ويردون القياس الفاسد ويبطلونه.. وجانب النظر الذي لا علاقة بموضوع البدعة في مسألة القياس هذه هو: جانب التعبد في القياس, وهل تعبدنا الله تعالى به أم لا؟ ...

стр. 492

فالذين يؤيدون القياس مطلقاً يقولون بالتعبد, وهم على خلاف في إيجاب التعبد به, أو جوازه, وهل هو ثابت بالعقل أم بالشرع أم بهما معاً؟ والذين يعارضون القياس مطلقاً يرون منع التعبد به, لعدم مشروعية القياس وبعضه غير متعبد به وهو الفاسد. ومن هنا يمكن القول بأن الابتداع دخل من هذا الباب في كلا القولين المتقابلين, فالذي رد القياس ولم يعمل به على الإطلاق وقال بعدم مشروعيته قوله باطل, ومخالف لأدلة الشرع المثبتة للقياس الصحيح, ومعارض للشرع بإسقاط أصل ثبت اعتباره والعمل به, والتعبد لله من خلاله ... وكل عمل كان بهذه المثابة فهو ابتداع, ولاسيما إذا انضم إليه قصد القربة ولا شك أن النافي للقياس مطلقاً يتعبد بهذا العمل, فمن هنا كان هذا العمل بدعة, لأنه إذا كان يصح إطلاق الابتداع على ترك فرع من الفروع الفقهية المشروعة, فكيف لا يصح إطلاق الابتداع بترك أصل يشهد له الجم الغفير من نصوص الكتاب والسنة, وأقوال السلف, وأفعالهم, وحكم العقل, والفطرة والطبع الإنساني؟. قال ابن القيم- بعد أن حشد الأدلة على ثبوت القياس واعتباره-: ( ... وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلها هكذا, تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين, وإلحاق النظير بنظيره, واعتبار الشيء بمثله, والتفريق بين المختلفين, وعدم تسوية أحدهما بالآخر, وشريعته-سبحانه- منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه, ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة, أو مثلها أو أزيد عنها, فتمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها,

стр. 493

وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئاً لحاجة المكلف ومصلحته, ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر, وهذا من أمحل المحال-إلى أن قال- وقد فطر الله سبحانه عباده على أن حكم النظير حكم نظيره, وحكم الشيء حكم مثله, وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين, وعلى إنكار الجمع بين المختلفين, والعقل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعاً وقدراً يأبى ذلك ... ) . ثم ذكر ﵀ بعض الأغلاط التي وقع فيها نفاة القياس, فمنها إخراج بيع الرطب بالتمر من مسمى الربا ... وإخراج الشاهد مع اليمين من لفظ البينة, ومثله إخراج شهادة العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله, وشهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيها الرجال كالأعراس وشهادة الأعمى على ما يتقنه ... ومنها قولهم: إذا بال جرة من بول وصبها في الماء لم تنجسه, وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيء نجسه. وقولهم: لو وقع الكلب والخنزير بكماله, أو أي ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت, أو خل, أو دبس ألقيت الميتة فقط, وكان ذلك المائع حلالاً طاهراً كله, فإن وقع ما عدا الفأرة في السمن من كلب أو خنزير, أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير. ويتبين أن هذه الفروع التي انبنت على إبطال القياس, والوقوف المحض مع ظواهر النصوص, من الأغلاط التي وقع فيها هؤلاء بسبب طردهم نفي القياس, وتركهم الاعتماد عليه, قال ابن القيم- بعد أن ذكر مؤيدي القياس: - (الفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة, وقالت: القياس كله باطل محرم في الدين, ليس منه, وأنكروا القياس الجلي

стр. 494

الظاهر, حتى فرقوا بين المتماثلين, وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئاً لحكمة أصلاً, ونفوا تعليل خلقه وأمره, وجوزوا بل جزموا بأنه يفرق بين المتماثلين, ويقرن بين المختلفين في القضاء والشرع-إلى أن قال- ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة, وقابل الفاسد بالفاسد, ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق والرد عليهم, وبيان تناقضهم ومخالفتهم للشرع والعقل) . ويقابل هؤلاء الذين بالغوا في نفي القياس: الطرف الآخر ال١ين بالغوا في إثباته وإعماله, فتجاوزوا به حدوده الصحيحة, وأغرقوا في اعتبار القياس حتى ولدوا به فروعاً كثيرة لم تقع, وتعمقوا فيه حتى خرجوا على نصوص الشريعة وناقضوها بالأقيسة الفاسدة, والرأي المذموم المعيب. ومن هنا اعتبر هذا القول بدعة في دين الله فإن الرأي, إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة, بغض النظر عن حكم فاعله من حيث الإعذار أو عدمه, وإنما الكلام عن نفس القول أو العمل الذي حدث ... وعلى هذا فتقديم القياس على النص الشرعي, أو اعتبار الأقيسة الفاسدة من الأمور المشروعة, أو توليد فروع على هذا النوع من الأقيسة الباطلة.. كل ذلك من الابتداع في دين الله, وإليه يتوجه الذم المنقول عن السلف, من مثل قول ابن مسعود ﵁: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله, أما إني لا أقول أمير خير من أمير, ولا عام أخصب من عام, ولكن فقهاؤكم يذهبون, ثم لا تجدون منهم خلقاً, ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم) . وفي رواية: (ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم, ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم, فيهدم الإسلام ويثلم) .

стр. 495

وقول الشعبي ﵀: (إنما هلكتم حيث تركتم الآثار, وأخذتم بالمقاييس) . وقول شريح: (إن السنة سبقت قياسكم, فاتبعوا ولا تبتدعوا, فإنكم لن تضلوا ما أخذتم بالأثر) . وأمثال هذه الآثار كثير عن السلف-﵏ وقد أورد ابن عبد البر ﵀ جملة من هذه الآثار, ثم فسر المراد بالرأي والقياس الوارد في هذه الآثار, ذاكراً أقوالاً العلماء في هذه المسألة, ومرجحاً الرأي الأخير الذي نسبه لجمهور أهل العلم, فقال: (وقال آخرون, وهم جمهور أهل العلم: الرأي المذموم المذكور في هذه الآثار عن النبي- ﷺ وعن أصحابه والتابعين, وهو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون, والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً, دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها, فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل, وفرعت وشققت قبل أن تقع, وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن, قالوا: ففي الاشتغال بهذا, والاستغراق فيه تعطيل للسنن, والبعث على جهلها, وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليها منها ومن كتاب الله ومعانيه..) وقد أورد

стр. 496

ابن القيم آثاراً كثيرة في ذم القياس, والنهي عنه والتحذير منه في كتابه إعلام الموقعين ثم بين أخطاء الذين اعتمدوا على القياس مطلقاً من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه, قال: (وأما أصحاب الرأي والقياس, فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافيه بالأحكام, ولا شاملة لها, وغلاتهم على أنها لم بف بعشر معشارها فوسعوا طرق الرأي والقياس, وقالا بقيياس الشبه, وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها, واستنبطوا عللاً لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها, ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس ثم اضطربوا, فتارة يقدمون القياس, وتارة يقدمون النص, وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور, واضطرهم ذلك أيضاً إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس, فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان, والقياس, والميزان هو العدل, فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللاً وأوصافاً لم يعلم اعتبار الشارع أ، أـ، لها, وإلغاؤهم عللاً وأوصافاً اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه. الخامس: تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضاً) . وعند النظر في هذه الأخطاء التي أجملها ابن القيم في هذه الأوجه الخمسة يمكن استخراج ما بعد منها ابتداعاً, بناء على مفهوم أهل السنة والجماعة للبدعة الذي سبق ذكره ...

стр. 497

من أخطاء المغرقين في القياس ظنهم أن النصوص الشرعية قاصرة عن بيان أحكام الحوادث، وأنها غير شاملة وغير كافية، وغير مغنية عن الرأي والقياس. وهذا المفهوم الذي يجعله المغرقون في القياس مقدمة لاعتمادهم على القياس فيه معنى ابتداعي؛ لأنه قول محدث لا دليل عليه، بل هو مخالف لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام وعامة الأمة ... ويكفي في الدلالة على شمول النصوص الشرعية وكمالها قوله تعالى: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً] ، وقوله ﷺ : " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ". والنظر إلى الشريعة بعين النقصان أساس الابتداع في دين الله سبحانه ومن أكبر مداخل الملحدين من العلمانيين وغيرهم في هذا الزمان. وهذا النظر مناقض لحقيقة التشريع ومضاد لمقاصده ومخالف لأدلته وواقعه ويلزم منه اتهام المشرع بالغفلة والنسيان، أو ترك الأمور الحكمية لآراء الناس وأهوائهم، وكفى بذلك ضلالاً وإثماً. فإذا تقرر هذا المعنى نتج عنه تصور ما في حشو هذا القول من البدعة والمنكر، وإن كان أهله يقولون نحن لا نخرج عن الشريعة ولا نتهمها بالنقصان، لأننا نعود إلى أصل معتبر في الشريعة ألا وهو القياس، فيقال لهم: نعم القياس الصحيح معتبر في الشريعة، وهو من ضمن علامات كمالها، ولكن اعتباره جاء من قبل الشريعة التي تزعمون عدم شمول نصوصها، ومع هذا الاعتبار فإن (.. المذهب المعتدل في القياس ما قاله الشافعي: إن القياس المشروع عند الضرورة

стр. 498

لا أنه أصل برأسه) . وهذا القول موجود في الرسالة. حيث قال ﵀: (ونحكم بالإجماع ثم بالقياس، وهو أضعف من هذا ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، فإنما يكون طهارة في الإعواز) . وهذا المعنى الذي قرره الشافعي ﵀ هو القول الوسط بين طرفي المغالاة في إنكار القياس أو اعتباره. والمراد في هذا المقام بيان أن القول بعدم شمول نصوص الشريعة لأحكام المكلفين قول مبتدع، يحوي مفاسد عظيمة، وأخطاراً جسيمة، وفيه من التجني على الشريعة ما لا يتسع المجال لحصره هنا. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سئل عن صحة قول القائل: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة فقال: (هذا القول قاله طائفة من أهل الكلام والرأي، كأبي المعالي وغيره وهو خطأ، بل الصواب الذي عليه الجمهور وأئمة المسلمين: أن النصوص وافيه بجمهور أحكام أفعال العباد ومنهم من يقول: إنها وافية بجميع ذلك، وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله، وشمولها لأحكام أفعال العباد، وذلك أن الله بعث محمد ﷺ بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية، وقاعدة عامة تتناول أنواعاً كثيرة، وتلك الأنواع تتناول

стр. 499

أعياناً لا تحصى، فبهذا الوجه تكون محيطة بأحكام أفعال العباد) . وقال الشاطبي ﵀ في هذا المعنى: (.. إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله ﷺ فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها، وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله ﷺ حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى - إلى أن قال - فلا يقال: قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه - ثم قال - مبيناً معنى قوله تعالى: [اليوم أكملت لكم دينكم] ، المراد: كلياتها فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان، ثم تحدث عن علاقة الجزئيات والنوازل بالكليات، وعمل المجتهد ثم استدل على أن الكليات هي المقصودة بكمال الدين فقال: ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم أنهم لم يسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال، ولا قال أحد منهم: لم لم ينص على حكم الجد مع الإخوة، وعلى حكم من قال لزوجته: أنت حرام، وأشباه ذلك، مما لم يجدوا فيه عن الشارع نصاً، بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد، واعتبروا بمعان شريعة ترجع في التحصيل للكتاب والسنة، وإن لم يكن بالنص فإنه بالمعنى، فقد ظهر إذاً وجه كمال الدين على أتم الوجوه، - ثم انتقل إلى بيان أنه لا تناقض ولا اختلاف في نصوص الشرع وبعد إسهاب طويل في ذلك - قال: فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران: أحدهما: أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقص، ويعتبرها اعتباراً كلياً في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال، ورمي في عماية، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟! ، فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطريق.

стр. 500

والثاني: أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر..) . الوجه الثاني من أخطاء المغرقين في القياس: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس: وقد سبق بيان أن هذا من الرأي المذموم الذي وردت آثار السلف في التحذير منه، والتنفير عنه، واعتباره من أشنع المبتدعات وأخبث المحدثات.. قال ابن القيم - في سياق إيراده لحجج الذين يعارضون القياس -: (قالوا ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنة والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه! فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي) . ثم ذكر بعد هذا الكلام مباشرة أمثلة عديدة على مخالفتهم للنصوص الثابته، وتركهم لها ومعارضتها بالقياس. الوجه الثالث: اعتقاد المغرقين في القياس أن كثيراً من أحكام الشريعة جاءت على خلاف القياس الصحيح، وهذا القول يحوي مجموعة من الأغاليط لا بد من بيانها: الأول: هذا القول بقترب من قول بعض المتكلمة في أن العقل الصريح والنص الصحيح يتعارضان، وبينهما اشتراك في اعتقاد نوع التعارض هذا،

стр. 501

إذ القياس محل اجتهاد ونظر عقلي، والنص نقل شرعي، فإذا قال القياسي هذا الحكم الشرعي جاء على خلاف القياس، فكأنه يقول: هذا الحكم جاء على خلاف ما يقرره العقل والنظر والرأي السليم ... وقد سبق بيان أنه لا تعارض مطلقاً بين العقل الصريح والنقل الصحيح، وأن من قال بالتعارض بينهما فقد وقع في الابتداع ... الثاني: أن القياس الصحيح هو الميزان، كما قال تعالى: [الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان - إلى قوله - والسماء رفعها ووضع الميزان] ، قال ابن القيم: (والميزان يراد به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده، والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به، فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح، واجب على كل واحد في كل حال، بحسب الإمكان ... ) . وقال ابن تيمية: (والقياس الصحيح من باب العدل فإنه تسوية بين المتماثلين وتفريق بين المختلفين ... ) . فإذا تقرر أن القياس الصحيح هو الميزان وأنه من العدل، تبين ما في قول هؤلاء من شناعة وذلك حين يقولون بأن من أحكام الشريعة ما جاء على خلاف القياس. الثالث: قولهم: إن الحكم الشرعي الفلاني جاء على خلاف القياس مردود بأحد هذه الاحتمالات: الأول: أن يكون النص الشرعي الذي ثبت به هذا الحكم غير صحيح.

стр. 502

الثاني: أن يكون الاستنباط من النص الشرعي الصحيح غير سليم. الثالث: أن ما أسموه قياساً ليس من القياس المعتبر شرعاً، بل هو قياس فاسد. وفي هذا المعنى وضع شيخ الإسلام قاعدة بناها على الاستقراء فقال: (وبالجملة فما عرفت حديثاً صحيحاً إلا ويمكن تخريجه علىر الأصول الثابيته وتدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قيساً يخالف أثراً فلابد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسدة مما يخفي كثيراً منه على أفضال العلماء، فضلاً عمن هو دونهم ... ) ، بل لقد ذهب شيخ الإسلام إلى أبعد من هذا، فبعد أن ذكر فتاوى الصحابة وأقسامها، وبعض الأمثلة على فتاواهم التي ظن أنها تخالف القياس قال: (وإلى ساعتي هذه ما علمت قولاً قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه، ولكن العلم بصحيح القياس وفاسدة من أجل العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشرع ومقاصده ... ) . الرابع: أن الأحكام الشرعية التي قال فيها القياسيون أنها مخالفة للقياس قد أجيب عنها بما يتوافق مع الوجه السالف، مع أن المسألة لا تعدو الاحتمالات الثلاثة السابقة، فإنما نص شرعي ثابت، وحكم صحيح مستنبط منه، وقياس سليم فلا يمكن أن تتعارض مطلقاً، وقد رد شيخ الإسلام على جملة من مسائل الأحكام التي قيل فيها أنها مناقضة للقياس، وتابعه في ذلك ابن القيم وزاد عليه، وقال في آخر كلامه: (فهذه نبذه يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجود أو عدماً، كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجوداً وعدماً، فلم يخبر الله ولا رسوله

стр. 503

بما يناقض صريح العقل ولم يشرع ما يناقض الميزان) . وبالجملة فإن قول المبالغين في الأخذ بالقياس: إن في أحكام الشريعة ما يناقض القياس الصحيح، نوع ابتداع يتجلى بالنظر في الأحكام التي يقال أنها على خلاف القياس والنظر إلى القياس، فإنما الأحكام التي قالوا فيها أنها على خلاف القياس فهي على نوعين: ( ... نوع مجمع عليه، ونوع متنازع فيه، فما لا نزاع في حكمه تبين أنه على وفق القياس الصحيح) . وهذا النوع من الأحكام لا يمكن أن يخالف القياس الصحيح، فإذا قال بذلك قائل فقد ابتدع. وأما النوع المتنازع فيه فالأمر فيه أهون، وإن كانت طريقة أهل الحديث في مثله أقوم وأسلم، إذ أنهم يخطئون من قال بالتعارض، ويجعلون النص إما موافق للأصول وإذا لم يمكن ذلك جعلوه أصلاً كما أن غيره أصل ... قال شيخ الإسلام: ( ... فقال المتبعون للحديث: بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للأصول ولو خالفها لكان هو أصلاً، كما أن غيره أصل، فلا تضرب الأصول ببعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، فإنها كلها من عند الله) ، هذا في حالة وجود القياس الصحيح، أما إذا كان القياس فاسداً فلا عبرة به، إذا هو في حد ذاته بدعة كما سبق بيانه عند ذكر الآثار الذامة للقياس والرأي. القول الوسط في القياس: بالجملة أن لفظ القياس لفظ محتمل، فهو ينقسم إلى حق وباطل وممدوح ومذموم، ومقبول ومردود، وصحيح وفاسد، ولهذا لم يجيء في القرآن مدحه أو ذمه ولا الأمر به ولا النهي عنه.

стр. 504

فالقياس الفاسد هو ما سبق ذكره والحديث عنه، وهو الذي يتوجه إليه كلام السلف في ذمهم للقياس، وأنه ليس من الدين، والقياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، كما قال سبحانه: [لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط] . وهذا القياس هو الموجود في كلام السلف واستعمالاتهم واستدلالاتهم. وبهذا التقسيم يرتفع اللبس الذي قد يحدث لبادئ الرأي عندما ينظر لذم السلف للقياس، وتحذيرهم منه واستعمالهم له واستدلالهم به. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن القياس الصحيح ينقسم إلى قسمين: هما اللذان كان الصحابة والتابعون يستعملنهما، فقال ﵀: (والقياس الصحيح نوعان: أحدهما: أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرقاً غير مؤثر في الشرع، كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه سئل عن فأرة وقعت في السمن، فقال: " ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ". وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصاً بتلك الفأرة وذلك السمن، فلهذا قال جماهير العلماء: أنه أي نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت، وكالهر الذي يقع في السمن، فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن، ومن قال من أهل الظاهر: إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن، فقد أخطأ، فإن النبي ﷺ لم يخص الحكم

стр. 505

بتلك الصورة، ولكن لما استفتي فيها والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو نوع فجاب المفتي عن ذلك خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه بالحكم، إلى أن قال والنوع الثاني من القياس أن ينص على حكم لمعنى من المعاني، ويكون ذلك المعنى موجوداً في غيره فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوى بينهما، وكان هذا قياساً صحيحاً. فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما وهما من باب فهم مراد الشارع، فإن الإستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ، وإذا عرفنا مراده فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك لا لمعنى يخص الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك، وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس ... ) . وليس المقصود هنا التوسع في باب القياس، وإنما المقصود البيان بإجمال أن هذا الباب الذي ترتبت عليه كثير من الأحكام الفرعية قد حصل فيه شيء من الابتداع عند المتوسعين فيه والملغين له، وأن القول الوسط هو المعتبر شرعاً والمتعبد به ديناً، والمنقول بالأسانيد عن القرون الفاضلة، ومع هذا التقرير فلابد من التنبيه على أن الأئمة المجتهدين من أهل العلم والإيمان من سلك منهم مسلكاً فيه خطأ أو ابتداع فإن ذلك لا ينزل من مقدارهم، فهم على هدى من ربهم، بذلوا جهدهم في سبيل تحري الحق وإصابة الصواب، واتباع الدليل، وفيهم من العلم والتقوى والعبادة والزهادة ما يجعلهم من ذوي الدرجات العالية عند الله، وعند المؤمنين وهم حملة العلم وورثة الأنبياء، والموقعون عن رب العالمين والحاملون لألوية الحق والخير، ومناقبهم عديدة تجل عن الحصر، وهم مع كل هذه المنازل العالية غير معصومين من الخطأ والزلل، ولكنهم ينزهون عن قصد معارضة الشريعة أو مناقضة النصوص أو القول في دين الله بمجرد الهوى والشهوة، وبين الإقرار بفضلهم والاعتراف بإمكان مجانبة الصواب مع حصول العفو من الله لهم، ونيل

стр. 506

الثواب يتجلى مما سبق الإشارة إليه من أن إعذار المجتهد لا يقتضي شرعية اجتهاده الخاطيء، وأنه لا تلازم بين وصف العمل بالبدعية والحكم لفاعلة بالغفران والمثوبة، وهذا ما سيأتي بيانه مفصلاً بإذن الله في الباب القادم.