← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التقرب إلى الله بعمل ما، فإن هذا المقتضى موجود في حياته ﷺ فتركه لهذا الفعل مع وجود مقتضاه يدل على أن المشروع هو الترك، وبعبارة أخرى: ألا يأتي النبي ﷺ بالفعل مع وجود الداعي إليه، كالأذان لصلاة العيد، فإنها - أي صلاة العيد - مشروعة أن تؤدى في جماعة، وهذا يحتاج إلى نوع من الإعلام بها، والمعهود في الصلاة أن يكون الإعلام بها بالأذان، ومع كل هذا فإن الرسول ﷺ لم يأمر بالأذان لصلاة العيد، فهذا سكوت عن فعل، وترك لعمل مع وجود الداعية إليه، وفيه دلالة على أن عدم الأذان لصلاة العيج سنة تركية. وفي الحقيقة أن كل البدع التي يحدثها المخترع في الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات تدخل تحت هذا المعنى، من قريب أو من بعيد إذ غاية ما يرجوه المبتدع ببدعته تحصيل قربة، وزيادة أجر ومثوبة بعمل يعتقد أنه مشروع، وهو ليس كذلك. وكل هذه مقتضيات موجودة في عهده ﷺ وواجب عليه أن يبلغ أمته طرق القربات، وأنواع العبادات، وأن يشرع لهم الواجبات والمندوبات، وأن لا يكتم من ذلك أي شيء، وقد فعل - بأبي هو وأمي - فلم يكتم شيئاً مما أمر ولم يسكت عن خير يقربنا من ربنا سبحانه، وهو معصوم ﷺ من الكتمان وقت الحاجة، مع حرصه على خير أمته في العاجل والآجل، ووقته وقت تشريع ووحي وبيان ... فإذا علم هذا واستقر، تبين أن كل أمر عبادي يراد به القربة من الله وهو مقتضى عام موجود في عهده ﷺ وليس هناك مانع من عمل هذا الأمر العبادي، ومع ذلك لم بعمله النبي ﷺ ولم يشرعه، فإن ذلك دليل على تركه هو المطلوب، وهو السنة وأن فعله هو المنهي عنه وهو الابتداع.

стр. 457

قال الشاطبي في الموافقات: (أن يسكت عنه - أي الشارع - وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص، على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف على ما حد هنالك، لا الزيادة عليه والنقصان منه) . وخرج بشرط انتفاء المانع: سكوته وتركه للفعل من أجل مانع، كتركه ﷺ صلاة التراويح جماعة مخافة أن تفرض على أمته، فلما توفاه الله إليه زال المانع، وانتفى هذا المحذور، وكذلك تركه ﷺ جمع القرآن في مصحف واحد، من أجل نزول الوحي، فلما توفي زال هذا المانع.. فلا يعتبر الترك الذي كان بسبب مانع من السنة التركية. قال شيخ الإسلام في معنى هذا الحد ومحترزاته: (.. فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد - إلى أن قال - فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته، وإلا لقيل هذا ذكر الله، وداء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعلى: [اذكروا الله ذكراً كثيراً] ، وقوله تعالى: [ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله] ، أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكثر

стр. 458

البدع، بل يقال: ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر أو الحج، فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات، وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك، وكذلك لو أراد أن ينصب مكاناً آخر يقصد الدعاء لله فيه وذكره لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول هذه بدعة حسنة، بل يقال له: كل بدعة ضلالة، ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لوكان خيراً فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس) . أما إذا سكت الشارع أو ترك الفعل ولا داعية له مقتضية، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب يوجب تقريره، وليس هناك مانع شرعي من فعله فلا يخلو من أحد حالين: الأول: أن يكون هذا المتروك أو المسكوت عنه من العبادات المحضة التي لا يعقل معناها على التفصيل، فلا يجوز فعل هذا المتروك لأن فعله هو عين الابتداع ... وسبب ذلك أنه وإن توهم فاعله أن هذا النوع مما يسكت عنه الشارع، وتركه عفواً، فإن الأمر بخلاف ذلك تماماً، إذ غاية ما يسعى إليه المبتدع في هذا النوع أن يحصل على مزيد قربة بتعبده بهذا العمل، وهذا المعنى موجود في وقت

стр. 459

التشريع. والقربة والتعبد لله مقتضى يوجب تحصيل هذا الفعل، لو كان مراداً لله شرعاً، فإذا لم يشرعه فهذا دليل على أنه في حقيقته ليس بقربة ولا عبادة صحيحة وإن تخيل المبتدع ذلك. الثاني: أن يكون المتروك مما هو معقول المعنى وليس هناك مقتضى لفعله أو سبب محوج لتقريره في عهد التشريع، فهذا إذا حدث أو حصل ما يوجب حدوثه فإنه يرجع إلى أصول الشريعة وكلياتها، للنظر فيه وإثبات حكم شرعي له، بالقياس أو الاستصلاح، أو غير ذلك من الأصول والقواعد والكليات الشرعية. (كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح، مما لم يسنه رسول الله ﷺ على الخصوص، وهو معقول المعنى، كتضمين الصناع ... والجد مع الإخوة، وعول الفرائض، ومنه جمع المصحف ثم تدوين الشرائع، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه ﷺ إلى تقريره..) . ومن هذا الوجه سمي مسكوتاً عنه، وإلا ففي الحقيقة ليس ثم مسكوت عنه بحال، بل هو إما منصوص وإما مقيس على النصوص، وإما له من عمومات النصوص وقواعد الشريعة ومقاصدها ما يدل على حكمه، وكل هذه من جملة الأدلة الشرعية فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل حكم.

стр. 460

القسم الثاني: الترك من قبل المكلف: وهي عدة أنواع: النوع الأول: أن يترك ما أمره الشارع بتركه، وهذا من العبادة لله - سبحانه - ولكن لا بد من نية في هذا المتروك إذ: ( ... كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ... فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسياً لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ... ) . النوع الثاني: أن يكون الترك لأمر يعتبر مثله شرعاً وهذا على أقسام: الأول: أن يترك من المباح ما يضر بجسمه أو عقله أو دينه، مثل أن يترك الطعام الفلاني لأنه يضر بجسده، فلا مانع من هذا الترك، بل من قال بطلب التداوي يقول بطلب الترك هنا، ومن قال بإباحة التدواي جعل هذا الترك مباحاً. الثاني: ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس، مثل ترك المتشابه كالمختلف في حله وتحريمه أو إباحته، ومنعه من الأعيان المطعومة والمشروبة والملبوسة، والمعاملات وغير ذلك، مما لم يشتهر بكونه حلالاً أو حراماً ونحو ذلك، مما يدخل تحت مسمى المتشابه ... فترك هذا المشتبه من صفات المتقين وعلامات الصالحين

стр. 461

كما قال ﷺ : " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه "، ومن هذا القسم ترك المباح الصرف لما هو أفضل، لا من باب تحريم ما أحل الله ولكن من باب الزهد والتخفيف من المباحات فهذا من الفضائل خصوصاً إذا خشي الاشتغال بها عن ما هو أفضل منها، ولم يعتقد حرمتها أو كراهتها أو الامتناع عنها بتاتاً، فإن اعتقد ذلك فيما هو مباح فقد ابتدع. الثالث: أن يترك المباح الذي يكرهه طبعه، وهذا لا حرج فيه بشرط أن لا يعتقد حرمة أو كراهة هذا المباح، وأصل هذا امتناع الرسول ﷺ عن أكل الضب، ففي البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ عن خالد بن الوليد ﵁: (أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: " لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه "، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر) . وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً: أن أضباً (دعا بهن النبي ﷺ فأكلن على مائدته، فتركهن النبي ﷺ كالمعتذر له، ولو كان حراماً ما أكلن على مائدته ولا أمر بأكلهن) . فهذا من ترك المباح بحكم الجبلة والطبع ولا شيء فيه.

стр. 462

ويمكن أن يدخل تحت هذا القسم: الترك لحق الغير كما في تركه ﷺ أكل الثوم والبصل لحق الملائكة، ففي البخاري وغيره عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته "، وإنه أتي ببدر - قال ابن وهب - يعني طبقاً فيه خضروات من بقول - فوجد لها ريحاً، فسال عنها فأخبر بما فيها من البقول فقال: " قربوها "، فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال: " كل فإني أناجي من لا تناجي ". وفي الحلية لأبي نعيم بسنده عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " كل الثوم نيا، فلولا أن الملك يأتيني لأكلته "، وفيها عن علي قال: (أمر رسول الله ﷺ بأكل الثوم وقال: " لولا أن الملك ينزل علي لأكلته ") . النوع الثالث من أنواع الترك: أن يكون الترك لأمر غير معتبر شرعاً وهو على قسمين: الأول: أن يترك المأمور به بغير قصد التدين أو القربة، إما لكسل أو تهاون أو تضييع وما أشبه ذلك من الدواعي النفسية، فهذا الترك معصية ولا يسمى

стр. 463

بدعة، وهذا الترك يصير عاصياً بتركه لهذا العمل المشروع، مع اختلاف درجات الإثم والعقوبة باختلاف درجات المتروك من حيث الفرضية والوجوب والندب. الثاني: أن يترك المباح أو المأمور به بقصد التدين والتعبد بهذا الترك، سواء كان في العبادات أو المعاملات أو العادات، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، فهذا الترك هو محل الابتداع إذ يعد عاصياً مبتدعاً بتركه هذا، وأصل هذا القسم في قصة الثلاثة الذين منعوا أنفسهم من بعض المباحات للتقوي على العبادة، ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: (قوله: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "، المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمّح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله - تعالى - وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل - إلى أن قال معدداً فوائد هذا الحديث ومنها - إزالة الشبهة عن المجتهدين، وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة

стр. 464

أو الاستحباب) . وقال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذا الحديث: (فإذا كان هذا فيما هو جنسه عبادة، فإن الصوم والصلاة جنسها عبادة، وترك اللحم والتزويج جائز، ولكن لما خرج في ذلك عن السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع، والتزم هذا الترك المباح كما يفعل الرهبان، تبرأ النبي ﷺ ممن فعل ذلك حيث رغب عن سنته إلى خلافها. وقال في موطن آخر بعد أن أورد هذا الحديث: فبين ( ﷺ أن مثل هذا الزهد الفاسد، والعبادة الفاسدة ليست من سنته فمن رغب فيها عن سنته فرآها خيراً من سنته فليس منه) . ومثل حديث الثلاثة السابق مارواه الترمذي عن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، فحرمت عليّ اللحم، فأنزل الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً] ) . ومثلها حديث ابن عباس ﵄ قال: (بينما النبي ﷺ يخطب، إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ". قال شيخ الإسلام بعد ذكر هذا الحديث: (فأمره النبي ﷺ -

стр. 465

بالصوم وحده لأنه عبادة يحبها الله - تعالى - وما عداه ليس بعبادة وإن ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى) . وقال في موضع آخر: (فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية، أمره بفعل المشروع وهو الصوم في حقه، ونهاه عن فعل غير المشروع) . ومن هذا الباب مارواه البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ ، قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين ... ) الأثر، قال شيخ الإسلام بعد استشهاده بهذا الأثر على وجوب مخالفة طريق أهل الجاهلية، (ومعنى قوله: من عمل الجاهلية أي مما انفرد به أهل الجاهلية، ولم يشرع في الإسلام فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام وإن لم ينوّه عنه بعينه كالمكاء والتصدية - إلى أن قال - فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام. وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه للحديث السابق (والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه وكذا المباح المستوى الطرفين) . وكذلك بروز المحرم وغيره للشمس حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عمل في غير المحرم ... ) . فهذه مجموعة أحاديث تبين الترك لما هو مشروع أو مباح بقصد القربة إلى الله بذلك بدعة.

стр. 466

وقد مر أن الترك البدعي، أو البدعة التركية تقع في العبادات المحضة والمعملات والعادات، كما أنها تكون في الاعتقاد والقول والفعل، ولعل في الأحاديث السابقة ما يدل على بعض هذا ولكن لا بأس من ذكر بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام للتوضيح: ١- ترك في العبادات: قال ابن القيم: ( ... ما أكثر من يتعبد الله بترك ما أوجب عليه فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقرب إلى الله - تعالى - بذلك، مجتمع على ربه تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله - تعالى - وأبغضهم إليه مع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان، وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه) . ومن أمثلة هذا الترك ما يزعمه ملاحدة الصوفية من سقوط التكاليف عن العارف وجواز تركه للوحي ولوازمه استغناء عنه بالعلم اللدني. ومن أمثلته ترك الرافضة المسح على الخفين. ٢- الترك في المعاملات: مثل ترك الزواج، وترك زيارة الأرحام، وترك كسب الرزق لأجل الانجماع للعبادة والخلوة من أجل مزيد القربة ونحو ذلك، مما يفعله المتصوفة ويعتقدونه ديناً وطاعة لله. ومثل ترك بيعة إمام المسلمين وترك طاعته لمجرد الوقوع في الظلم أو الفسق كما يعتقد الخوارج والمعتزلة.. وكترك الخوارج مؤاكلة المسلمين، ومبايعتهم، ومناكحتهم، وغير ذلك..

стр. 467

٣- الترك في العادات: كالامتناع عن اللحم والماء والخبز تديناً وقربة، وكذلك الامتناع عن الكلام. قال شيخ الإسلام: ( ... فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضاً) . وقال: ( ... وإن كان خالصاً في نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة مثل الذي يصمت دائماً أو يقوم في الشمس أو على السطح دائماً، أو يتعرى من الثياب دائماً ويلازم لبس الصوف أو لبس الليف ونحوه، أو يغطي وجهه أو يمتنع عن أكل الخبز أو اللحم، أو شرب الماء ونحو ذلك، كانت هذه العبادات باطلة ومردودة، كما ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وقال: (.. والصمت وملازمة لبس الصوف والتعري والقيام في الشمس، أو لبس الليف أو أن يغطي وجهه ويمتنع من أكل الخبز واللحم أو شرب الماء ونحوه، كله بدعة مردودة ليست من الدين) . وقال ابن القيم - عند حديثه عن تحير المبتدعة بين الفعل والترك: (وأن بعضهم يتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك حقاً عليه، أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقاً عليه. ومثال الأول: ممن يتعبد بترك النكاح، أو ترك اللحم أو الفاكهة مثلاً، أو الطيبات من المطاعم والملابس ويرى - لجهله - أن ذلك مما عليه، فيوجب على نفسه تركه، أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي ﷺ على من زعم ذلك، ثم ذكر ابن القيم حديث الثلاثة الذين

стр. 468

تقالّوا عبادة الرسول ﷺ وقال بعده: فتبرأ ممن رغب عن سنته، وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقاداً أن الرغبة عنه وهجره عبادة ... ) . أما وقوع الترك في الاعتقادات والأقوال والأفعال ففي الأمثلة السابقة ما يدل على ذلك، ولكن لا بأس من ذكر بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام على حده: ١- البدع التركية في الاعتقادات: كل اعتقاد كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم من السلف الصالح، فإنه يجب الأخذ به والملازمة له؛ لأنه هو الأصح والصواب والأسلم وعليه فإنه يتضح أن كل فرقة من فرق الابتداع قد تركت شيئاً أو أشياء مما كان عليه النبي ﷺ وهذه بعض الأمثلة: الرافضة تركت اعتقاد محبة أصحاب رسول الله ﷺ وموالاتهم. والخوارج تركوا طاعة إمام المسلمين المسلم. والمرجئة تركوا اعتقاد دخول العمل في الإيمان. والجهمية تركوا اعتقاد الصفات لله . وكل فرقة من الفرق الضالة تركت بعض الحق واعتنقت مكانه باطلاً. ٢- البدع التركية في الأقوال: كترك المتصوفة لسماع القرآن والحديث، والاستعاضة عنهما بالغناء والرقص والأوراد المبتدعة كصلاة الفتوح ونحوها، وكتركهم للأذكار الشرعية واستبدالها بأذكار طرقهم البدعية المليئة بالشركيات والبدع.

стр. 469

ومن هذا الباب ترك ألفاظ الكتاب والسنة ومصطلحاتهم، كما يفعل أهل البدع الكلامية. ٣- البدع التركية في الأفعال: مر ذكر طائفة منها كترك الزواج واللحم والنوم والظل، وترك شرب الماء وأكل الفاكهة ولبس المباح من الثياب، وترك العبادات المالية والبدنية بحجة سقوط التكاليف كما يقول ملاحدة التصوف.. وغير ذلك. وليس المقصود في هذا المقام الحصر والاستقصاء إنما التمثيل والاستشهاد ولعل فيما مضى ما يفي بهذا الغرض ويؤدي هذا المراد ...

стр. 470

البدعة المتعلقة بالعقائد والأحكام تنقسم البدعة من حيث متعلقها إلى أقسام عديدة منها ما يتعلق بالاعتقاد ويسمى البدع الاعتقادية, ومنها ما يتعلق بالأحكام ويمكن أن يطلق على هذا النوع البدع الفقهية, وقد مر عند الحديث عن مفهوم أهل السنة للبدعة أنهم يقولون: (كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يمكن أن يدخله الابتداع) . وقسمي الاعتقاد والعمل داخله ضمن الخطاب الشرعي بلا ريب, ويشمل العمل قول اللسان وعمل الجوارح. وكل هذه داخلة في معنى قوله- ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . قوله- ﷺ : كل بدعة ضلالة. ولكل من هذين القسمين إطلاقات تخصه, فتسمى البدع الاعتقادية خبرية وعلمية, ويطلق عليها أيضاً أصولية. وتسمى البدع في الأحكام عملية وأمرية وفقهية. ويطلق عليها بدع الفرعيات, قال شيخ الإسلام: (والحق المنزل إما أمر ونهي وإباحة, فالبدع الخيرية كالبدع المتعلقة بأسماء الله وصفاته والنبيين واليوم الآخر, لا بد أن يخبروا فيها بخلاف ما أخبر الله به. والبدع الأمرية كمعصية الرسول المبعوث إليهم ونحو ذلك, لا بد أن يأمروا فيه بخلاف ما أمر الله به....)

стр. 471

وسيأتي الحديث عن كل من القسمين مفرداً, مع ذكر بعض الأمثلة عليه, ويكون البدء بـ البدع الاعتقادية: والمراد بها: المحدثات التي تقع في المسائل العلمية الخيرية, وهي المسائل التي اصطلح على تسميتها قديماً وحديثاً باسم العقيدة, وهي تشمل أركان الإيمان الستة وتدور حول ثلاث قضايا: الأولى: ما يتعلق بذات الله- من حيث ألوهيته وربو بيته وأسمائه وصفاته. الثانية: ما يتعلق بذوات الرسل الكرام, من حيث ما يتصفون به وما يتنزهون عنه, وما يجب عليهم, وما يجب لهم, وما يمتنع عنهم, ويلحق بذلك الكتب المنزلة. الثالثة: الغيبيات: وتشمل الملائكة, والجن, والموت وما وراءه والقضاء والقدر. هذه بإجمال القضايا التي تدرسها العقيدة, وما من واحدة من هذه القضايا إلا دخل على بعض الناس فيها شيء من الابتداع. وقد يسميها بعضهم بمسائل أصول الدين, ويدخلون فيها ما ليس منها, ويحصرون أصول الدين في القضايا الخيرية العلمية. ويجعلون الابتداع المنهي عنه والمذموم هو ما كان في هذا المجال وهذه جملة من الشبه, لا بد من بيانها بين يدي هذا المبحث ... أما تسمية القضايا العلمية الخيرية بأصول الدين, وحصر هذا المسمى فيها فهو أمر محدث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... إن المسائل الخيرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية, وإن سميت تلك مسائل أصول, وهذه مسائل فروع, فإن هذه تسمية محدثة, قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين, وهو على المتكلمين

стр. 472

والأصوليين أغلب لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة..) وهذا الذي قاله شيخ الإسلام حق, لأن من تأمل نصوص الشريعة وفهم السلف لهذه النصوص, يجد أن أصول الدين غير منحصرة في المسائل الخيرية لوجود أصول للدين في الأحكام العملية, لوجود فروع في المسائل الخيرية لا يمكن أن تعد من أصول الدين.. ومن أجل هذا الحصر الذي يخالف الدليل, وقع خلط واضطراب عند الحكم على المبتدع في فروع المسائل العلمية والمبتدعة في أصول وفروع المسائل العملية ... وقد وضح شيخ الإسلام هذه المعاني فقال: ( ... فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة, كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير, وأن القرآن كلام الله, ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ولهذا من جحد تلط الأحكام العملية المجمع عليها كفر, كما أن من جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العلمية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية, بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل, وهو الإيمان بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, والبعث بعد الموت, والإيمان بالقدر خيره وشرره. وأما الأعمال الواجبة فلا بد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة) . وعلى ما سبق يتضح أن أصول الدين لا يكن أن تحصر في القضايا الخيرية العلمية, بل ولا تكون كل مسائلها من أصول الدين بل بعضها من فروعه, كما أن الأحكام العملية لا يمكن أن تعد جميعها من فروع الدين, بل بعضها من أصوله..

стр. 473

ولكن كيف يمكن التمييز بين ما يعد من أصول الدين وما يعد من فروعه في الخيرية أو العملية؟. وضح شيخ الإسلام فيما يمكن أن يعد قاعدة في هذا المجال فقال: (.. بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول) والدقيق (مسائل فروع) . وكما أن المسائل العلمية والعملية تشترك في هذه القاعدة فهي تشترك في أحكام وأمور أخرى تتعلق بهما منها: أن كل واحدة منهما تنقسم إلى قطعي وظني, وأن الخلاف التنوعي والمتضاد يقع فيهما, وأن الاجتهاد والخطأ فيه يسوغ ويحصل فيهما, وأن مراتب العلم والعمل متفاوتة في كل منهما, وكذلك مراتب الحكم على المبتدع أو التارك أو الجاحد تختلف في كل منهما باختلاف مرتبة الذي وقعت فيه المخالفة, أما حصر البدع في الجوانب العلمية الاعتقادية فهذا غير صحيح أيضاً لكونه محالفاً لعموم أحاديث النهي عن البدع, كقوله- ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقوله ﷺ : (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) . وقد استدل الطرطوشي على أن البدع لا تختص بالعقائد, بما جاء عن الصحابة والتابعين من تسميتهم الأقوال والأفعال بدعاً إذا خالفت الشريعة, ثم أتى بشواهد من الآثار تدل على ذلك. ولعل هذا الحصر أهون من الحصر الذي يقول أصحابه: إن الفرق المذكورة في حديث الثلاث والسبعين هي المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص كالجبرية والجهمية والمرجئة وما يشبهها.

стр. 474

وقد ناقش الشاطبي هذا الزعم وفنده بما سيأتي مجملاً: ١. قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) . الآية (ما) في قوله (ما تشابه) لا تعطي خصوصاً في اتباع المتشابه لا في قواعد العقائد ولا في غيرها, بل الصيغة تشمل كل ذلك فالتخصيص تحكم. ٢. قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً) الآية, كذلك ليس فيها تخصيص, لأنه جعل التفريق في الدين, ولفظ الدين يشمل العقائد وغيرها. ٣. قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله...) . فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم, والسبل كل ما خالف هذه الشريعة في العقائد والأعمال. ٤. من المعلوم أن هذه الفرق الهالكة إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية, في معنى كلي في الدين أو قاعدة من قواعده, أو أصل من أصوله, وقد سبق بيان أن أصول الدين تشمل المسائل العلمية والمسائل الاعتقادية.. أما الجزئي والفرعي من الدين فالابتداع فيها لا يصير صاحبه من الفرق. ولكن يجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات, فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة, عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضاً) . هذا ما يتعلق بالشبه التي سبق ذكرها, وهذا الكلام السابق يدور في معظمه على علاقة العقائد بالأعمال, في سياق ذكر المراد بالبدع الاعتقادية.

стр. 475

والمسائل الاعتقادية تنقسم إلى: أصول وفروع, وقطعي وظني- كما سبق الإشارة إليه- فالأصول كل جليل من الخبريات مثل: وجود لله وألوهيته واتصافه بالصفات الواردة في كتابه وسنة رسوله- ﷺ ووجود الملائكة, والجن, والبعث, والحشر, والصراط, والميزان, والجنة, والنار, ونحو ذلك من القضايا الظاهرة. والفروع كل دقيق من الخبريات مثل: رؤية النبي- ﷺ لربه سبحانه, وسماع الموتى في قبورهم لكلام الأحياء, ورؤية الكفار لربهم يوم القيامة ووصول ثواب الأعمال-غير الدعاء- للميت بعد موته والتوسل بذات النبي ﷺ ونحو ذلك.. والقطعي ما كان ثبوته بأدلة قاطعة, كعلو-الله سبحانه- واستوائه على عرشه, وتكلمه بالقرآن, واتصافه بالصفات الذاتية, كالحياة والسمع والبصر أو بالصفات الفعلية كالاستواء, والنزول, والمجيء والكلام. والظني ما كان مختلفاً في ثبوته, أو في فهم الثابت من الأدلة, وسبق أمثلة هذا القسم عند الكلام عن فروع الاعتقاد. ويقع الابتداع في كل قسم من هذه الأقسام, وهو في الأصول والقطعيات خطير, ومتفاوت بحسب تفاوت ما وقع فيه الابتداع, وبحسب تفاوت البدعة ذاتها... فالابتداع في الألوهية أشنع من الابتداع في الملائكة ومثال ذلك: بدع القرامطة والنصيرية في أئمتهم, إذ ألهوهم من دون الله- وبدعة من زعم أن الملائكة غير عقلاء, فالبدعة الأولى أشنع وأشر من الثانية. أما التفاوت بين البدع بحسب تفاوت البدعة ذاتها فمثاله بدعة الجهمية الذين نفوا عن الله-سبحانه- الصفات, فشبهوه بالممتنعات, وبدعة الأشاعرة الذين لم ينكروا الصفات ولكن أولوها, فالأولى أفظع وأخطر من الثانية, وإن كان محل الابتداع واحد.

стр. 476

أما الفرعيات والظنيات فأمرها أهون, والاختلاف فيها غالباً ما يكون من الإختلاف الاعتباري التنوعي السائغ, ولهذا حدود وضوابط تأتي في الباب الثالث بإذن الله. ويقع فيها الابتداع ما لم تكن المسألة من مسائل الاجتهاد. قال شيخ الإسلام في هذا المعنى: (وأما السالمية فهم والحنبلية كالشيء الواحد, إلا في مواضع مخصوصة تجري مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوف, ومن بدع من أصحابنا هؤلاء يبدع أيضاً التسمي بالحنبلية وغير ذلك... ولا يرى أ، يتسمى أحد في الأصول إلى بالكتاب والسنة وهذه طريقة جيدة لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد, فإن مسائل الدق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة, إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين...) . فقد اعتبر المسائل الدقيقة في الأصول مما يسوغ فيه الاجتهاد, فلا يقع فيه التبديع, فكيف بالدقيق من مسائل الفروع التي هي في أصلها بالنسبة للأصول دقيقة, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد الكلام السابق: (بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين (يقصد الخبرية والعملية كما سبق) مسائل أصول والدقيق مسائل فروع) . وبعد أن فصل ﵀ مراتب المسائل الخبرية التي هي الاعتقادية وبين أنها تنقسم إلى قطعي وظني, ثم بين أقسامها من حيث وجوب العلم بها وعدمه فقال: (ومما يتصل بذلك: أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد وقد تجب في حال دون حال وعلى قوم دون قوم, وقد تكون مستحبة غير

стр. 477

واجبة, وقد تستحب لطائفة أو في حال كالأعمال سواء. وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها, كما قال علي-﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون, أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟) وقال ابن مسعود ﵁: (ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلى كان فتنة لبعضهم) . وبعد استرسال يسير أضاف قائلاً في سياق حديثه عن المسائل الخبرية: (وإذا كانت قد تكون قطعية وقد تكون اجتهادية, سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل العملية, وكثير من تفسير القرآن أو أكثره من هذا الباب, فإن الاختلاف في كثير من تفسير القرآن هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية, لكن قد تقع الأهواء في المسائل الكبار كما قد تقع في مسائل العمل) . ويستنتج من هذا الكلام أن فروع المسائل الاعتقادية يسوغ في بعضها الاجتهاد, خصوصاً إذا كانت ظنية, ولكن هناك أمر آخر يتبع هذا وهو أن هذا الحكم المتسامح على الاجتهاد في بعض المسائل الاعتقادية الفرعية هذه ليس على إطلاقه, فيبتدع كل من شاء ما شاء تحت حجة الاجتهاد السائغ, بل يختلف الحكم باختلاف حال المجتهد, من حيث بلوغ الدليل وثبوته لديه وعدم ذلك, وقد بين ذلك شيخ الإسلام, وختم به كلامه الذي سلف نقله, وضرب على ذلك مثالاً فقال: ( ... إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له, فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن

стр. 478

الموتى يسمعون في قبورهم فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع) . وأيضاً هناك أمر آخر يلحق بهذا الأصل وهو أن القول بأن هذه المسألة من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد, لا يعني أنه لكل أحد أن يجتهد كما يشاء, كما لا يعني ذلك أن الصواب معه إذ الحق واحد لا يتعدد, ولكن قد يقال بأن المجتهد الفلاني معذور في خطئه, أو مرفوع عنه الإثم أو مأجور على اجتهاده, ومع كل ذلك فلا يعني أن هذا العمل قد اكتسب صفة المشروعية فلا يسمى بدعة. بل لا بد من بيان الحق وإظهار السنة وعدم متابعة هذا المخطئ فيما ذهب إليه باجتهاده مع القول بإعذاره. قال شيخ الإسلام في حديثه عن بعض أحكام البدعة: (وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لاجتهاد أو غيره, كما يزول اسم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف, ثم مع ذلك يجب بيان حالها وأن لا يقتدى بمن استخلها وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها) . فزوال الإثم عن المجتهد في هذه المسائل الفرعية, وحصول الأجر له لا يدل على جواز فعله هذا, ولا على جواز الاقتداء به, ولا يرفع عن العمل المحدث اسم

стр. 479

الابتداع. (فلا بد من التفريق بين العفو والمغفرة له وبين إباحة فعله أو المحبة له) . وليس هذا في المسائل الفرعية فقط بل قد يشمل الأصلية من مسائل الاعتقاد كما أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية في المناظرة التي عقدت بينه وبين خصومه في شأن العقيدة الواسطية, إذ اعترضوا عليه في قوله: (ومن أصول الفرقة الناجية أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص.. قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية, خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك مثل أصحابنا المتكلمين, الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق ومن يقول: الإيمان هو التصديق والإقرار, وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين ... ) . فأجابهم بحديث الافتراق وحديث الفرقة الناجية, وأنها كل من كان على ما كان عليه النبي- ﷺ وأصحابه ثم قال: فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي- ﷺ وأصحابه-﵃ وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية-إلى أن قال- ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد, يجب أن يكون هالكاً, فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه, وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم بع عليه الحجة, وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته, وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتاولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول, والقانت, وذو الحسنات الماحية, والمغفور له, وغير ذلك فهذا أولى بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد, ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً وقد لا يكون ناجياً كما يقال من صمت نجا) .

стр. 480

فهذا الذي ذكره شيخ الإسلام وإن كان في غالبه يخص الحكم على المبتدع, إلى أنه يستنتج من ظاهره وفحواه أن العذر الذي قد يرفع معه عن المبتدع في مسائل الاعتقاد الذنب والذم, لا يدل على أن ما قاله أو اعتقده من المحدثات ليس ببدعة, بل يكون القول والاعتقاد, والعمل بدعة إذا لم يكن له أصل في الشريعة وقصد به القربة إلى الله-تعالى- بغض النظر عن حكم مبتدعه من حيث الكفر والفسق أ, العفو والأجر.... على أنه لا بد من تبيين أن العقيدة إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولاً أو قولاً وعملاً كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد, وتوحيد الألوهية, وإما دلائل لهذه المسائل وهي الطرق البرهانية من العقل والنقل, التي يحتاج إليها في إثبات مسائل الاعتقاد. وكل ما يحتاج الناس إليه من المسائل والدلائل قد بينها الله ورسوله- ﷺ بياناً شافياً قاطعاً للعذر, بل إن هذه القضايا من أعظم ما بلغه الرسول- ﷺ البلاغ المبين, وبينه للناس, وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه. وقد وقع الابتداع في مسائل الاعتقاد ودلائله, فأما الابتداع الذي وقع في المسائل فهو على قسمين: الأول: ابتداع في الدين الذي أرسل به رسوله- ﷺ كالابتداع في الصفات بالتعطيل والتأويل, والابتداع في القدر بالجبر ونفي خلق أفعال العباد, والابتداع في الإيمان بالتكفير والإرجاء.. ونحو ذلك من البدع التي حدثت في أمور نزل بها الشرع وبينها الشارع.. الثاني: ابتداع في مسائل العقيدة بإدخال المحدثات الباطلة تحت هذا المسمى, أي باعتبار المبتدعات المحدثة من مسائل العقيدة, مثل نفي الصفات ونفي القدر ونحو ذلك.

стр. 481

فالابتداع الأول: إحداث في دين موجود. والابتداع الثاني: إحداث دين لم يأذن به الله. الأول: ابتداع في الدلائل الشرعية الموجودة في الكتاب والسنة بتبديلها وتحريفها عن مواضعها, مثل زعم المتكلمة في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) . حيث يجعلون دليل التمانع هو معنى هذه الآية, ويستدلون بها على إثبات الربوبية, لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروره هو توحيد الألوهية الذي بينه القرآن, ودعت إليه الرسل-﵈. وكثير من الأدلة الشرعية على المسائل الخبرية, يحدث فيها أهل النظر من بدع الكلام ما ليس فيها, إذ يصرفون الأدلة عن مناهجها الشرعية إلى مناهج بدعية وهذا كثير عندهم. الثاني: ابتداع دلائل للمسائل الاعتقادية وجعلها من الدلائل الشرعية أو في منزلتها, بل يجعلها بعضهم من ضروريات الدين وأصوله وفي منزلة أعلى من منزلة الأدلة الشرعية ... كالاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض, وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض أو بعضها ثم إثبات حدوثها, ثم إثبات امتناع حوادث لا أول لها, ثم يفرضون تعلم هذه الطريقة, ويوجبون الإيقان بها, لأنها كما يزعمون طريق الإيقان بوجود الله, ومن المعلوم بالاضطرار أنها من الدلائل الكلامية المبتدعة التي لا تفيد علماً وال تجلب يقيناً وأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة

стр. 482

وأئمتها. وفي الطريق الاستدلالية عن أهل الكلام من جنس هذه الدلائل المبتدعة الشيء الكثير. فهذه هي الأقسام الأربعة التي ابتدعها أهل الأهواء في مسائل العقيدة ودلائلها, ولا تخلو فرقة من فرق أهل الأهواء من بدع فيها أو في بعضها, ومما يجب ذكره عن د الحديث عن البدع الاعتقادية تأثير هذه البدع في الأحكام الفقهية عند المبتدعة.. فالرافضة بنوا كثيراً من الأحكام الفقهية على أسانيدهم التي فيها أناس جنسهم من المبتدعة, وأسندوا فيها أقوالاً-قد تصح وقد لا تصح- إلى أهل البيت وجعلوا مبدأ عصمة الأئمة- وهي بدعة اعتقا دية- مرجعاً لكثير من الأحكام الفقهية المبتدعة, وذلك حين بنوا صحة الأسانيد أو ضعفها على هذه القاعدة البدعية' وما يلحق بها, وبنوا الأحكام الفقهية على المتون المسندة وفق قاعدتهم, فقالوا في تعريف الصحيح والحسن والموثق والضعيف أقوالاً تدل على هذا الاعتماد البدعي الاعتقادي, فعرفوا الصحيح بأنه: (ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله, في جميع الطبقات حيث تكون متعددة) . وعرفوا الحسن بأنه: (ما اتصل سنده إلى المعصوم-﵇ بإمامي ممدوح مدحاً معتداً به غير معارض بذم, من غير نص على عدالته, مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه أو في بعضها) . وعرفوا الموثق بأنه: (ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه- مع فساد عقيدته- بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامية وإن كان من

стр. 483

الشيعة مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح) . وعرفوا الضعيف بأنه: (ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة بل اشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه أو على مجهول ... ) . فهذه المراتب الأربع هي أصول الحديث عن الشيعة الإمامية, وعليها ينبت الكتب الحديثية المعتمدة لديهم كالكافي للكليني وكتاب التهذيب والاستبصار للطوسي. وتعتبر هذه الكتب عمدة المذهب الشيعي, الإعتقادي منه والعملي, حتى قيل في مقدمة الكافي: (وقد اتفق أهل الإمامة وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب والأخذ به والثقة بخبره والاكتفاء بأحكامه, وهم مجمعون على الإقرار بإرتفاع درجته وعلو قدره, على أنه القطب الذي عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم, وعندهم أجل وأفضل من جميع أصول الحديث) . والمعصوم الذي يقصده هؤلاء هو النبي- ﷺ والأئمة الاثني عشر, فالكل عندهم سواء في العصمة, وسواء في حق التشريع, وسيأتي في البدع

стр. 484

العملية ذكر بعض بدع الرافضة الفقهية التي قامت على البدع الاعتقادية واستمدت منها ... ومن هذا الباب أيضاً تأثير العقيدة الزيدية على الأحكام الفقهية عند الزيود وقد بين ذلك الإمام الشوكاني في كتابه الجليل: (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) .. ولا يخفى تأثير اعتقاد الباطنية في أن للشريعة ظاهر وباطن على الأحكام الفقهية عندهم, وهكذا نجد أن فقه الفرق البدعية يتأثر باعتقادات هذه الفرق وأهوائها. أما البدع في الأحكام فيراد بها المحدثات المتعلقة بالأعمال, وقد تسمى فقهية, وعملية, وأمرية, وعبادية, وشرعية.... ويدخل تحت هذه المسميات بدع الأخلاق والسلوك. وقد يطلق على هذا القسم البدع الفرعية وسبق بيان خطأ هذا القول في أول هذا الفصل, إذ أن من الأحكام العملية ما يعد من أصول الدين كما أن من المسائل الاعتقادية ما يعد من فروع الدين.. وسبق بيان ما تشترك فيه المسائل العملية مع المسائل الاعتقادية بما يغني عن إعادته هنا. وقد حدد شيخ الإسلام مفهوماً للبدع في الأحكام فقال: (والبدع الأمرية كمعصية الرسول المبعوث إليهم ونحو ذلك, لا بد أن يأمر فيه بخلاف ما أمر الله به ... ) . والمراد أن البدع الأمرية هي إحداث شيء لا أصل له في الشرع ونسبته إليه سواء كان ذلك في أعمال الجوارح أو أعمال اللسان, أو غير ذلك من الأعمال

стр. 485

التي تدخل تحت حيز العمل والتنفيذ والتطبيق, سواء كانت هذه الأعمال من العبادات المحضة كالصلاة والصوم والحج والذكر والدعاء, أو من المعاملات كالبيع والشراء, أو من العادات كالأكل والشرب واللباس ... وقد حصلت البدع في كل هذه الأصناف كما سبق الإشارة إليه, وكما سيأتي في الفصل اللاحق بإذن الله. إلا أن من الجدير بالذكر هنا (أن البدع في أبواب العبادة والإدارة أكثر من البدع في أبواب الاعتقاد والقول, لأن الإرادة يشترك فيها أكثر الناس, أكثر من اشتراكهم في القول, لأن القول لا يكون إلا بعقل, والنطق من خصائص الإنسان, وأما جنس الإرادة فهو مما يتصف به كل الحيوان, فما من حيوان إلا وله إرادة, وهؤلاء اشتركوا في إرادة التأله, لكن افترقوا في المعبود وفي عبادته ... ) . والمراد أن البدع الكثيرة التي حصلت في زمن التابعين وتابعيهم كان غالبها في الاعتقادات كالخوارج, والمعتزلة, والشيعة, والقدرية.... والبدع التي حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد والفقراء, والصفوية لم يكن عامتها في زمن التابعين وتابعيهم, وأهلها أجهل من أولئك الذين كانوا في عهد التابعين, وأبعد عن متابعة الرسول فأتوا بطريق في العبادة والسلوك والأقوال, فيها من الضلال والجهل والبعد عن الدين ما ليس في بدع المبتدعة الذين كانوا في عهد التابعين, إذ الشبه فيها أقوى وأهلها أعقل, وأما المتأخرون فأهلها أجهل وبدعهم أضل, وإن كان فيهم من الزهد والعبادة والأخلاق ما لا يوجد في أولئك من الكبر والبخل والقسوة.. وكلهم سواء في باب الابتداع والافتئات على الشرع, والمتأخرون أصحاب البدع العملية فيهم شبه من النصارى وأولئك فيهم شبه من اليهود. ولا ريب أنه كلما قرب الناس من عهد الرسول- ﷺ كانت

стр. 486

بدعهم الاعتقادية والعملية أخف, وكلما بعدوا كانت بدعهم أشد, ولذلك وجد في المتأخرين من المبتدعة في أبواب العبادة والسلوك من يدعي الألوهية والحلول والإتحاد ومن يدعي أن أفضل من الرسول- ﷺ وأنه مستغن عن الرسول, وأن لهم طريقاً طريق المسلمين وهذا ليس من جنس بدع المسلمين بل من جنس بدع الملاحدة من المتفلسفة. ومما ينبغي ذكره عند الكلام عن البدع الفقهية أن الصحابة-رضوان الله عليهم- حصل بينهم تنازع في دقائق وفروع مسائل الأحكام, والمنقول من خلافهم في المسائل الفقهية كثير, بينما لم يختلفوا في مسائل العقائد إلا في أشياء قليلة محصورة, ومعدودة ضمن المسائل التي يدخلها الاجتهاد ويسوغ فيها الاختلاف ... وإذا كانت المسائل الحكمية تنقسم إلى قطعي وظني وجليل ودقيق, فكذلك البدع التي تدخلها تختلف مراتبها وأحكامها باختلاف المسائل التي دخل عليها الابتداع, ويكون فيها اختلاف التنوع واختلاف التضاد ... ويكون فيها ما يبدع فاعله ويعنف عليه, وفيها ما يعذر بالخلاف فيه, وليس بصحيح أن مجرد كون المسألة من المسائل الفقهية أنه يرفع عن المحدث فيها اسم الابتداع, كما أنه ليس بصحيح التبديع في كل مسائل الاختلاف لأنه.. كما سبق- من المسائل العملية ما يعد من أصول الدين وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام بالجليل الكبير من هذه المسائل, أو ما يمكن أ، يعرف بأنه المعلوم من الدين بالضرورة, أو كما قال شيخ الإسلام: (ومن الناس من يجعل أصول الدين لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير سواء كان علمياً أو عملياً ... ) . وهو ما يرجحه شيخ الإسلام وينسبه لأغلب أهل الحديث والتصوف وأئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام.

стр. 487

وهذا القول هو الذي يؤيده أدلة الشرع, ويعضده فهم السلف ... قال شيخ الإسلام: (.. والحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين (يقصد الخبرية والعملية) مسائل أصول والدقيق مسائل فروع. فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس, وتحريم المحرمات الظاهرة والمتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير, وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير, وأن القرآن كلام الله, ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر, كما أن جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية بل هذا هو الغالب, فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل- إلى أن قال- وأما الأعمال الواجبة فلا بد من معرفتها على التفصيل, لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة....) . وبهذا يظهر أن هناك من الفروق في الأحكام على البدع, في المسائل العملية ما لا يمكن ضبطه إلا بمعرفة المسألة التي وقع فيها الابتداع, وإن كان هذا المقام ليس مقام ذكر أحكام البدعة والمبتدع, إلا أنه يتضح من الكلام السالف أن البدعة تدخل في الجليل من مسائل الأحكام, بل وفي بعض أصول مسائل الأحكام كما تدخل في الدقيق منها كالفروع المولدة المحدثة التي لا يوجد لها دليل معتبر في الشريعة. فمن البدع الواقعة في كبرى مسائل الأحكام ما تقوله طائفة الدروز من: (أن الصلاة هي صلة قلوب الدروز بعبادة الحاكم على يد خمسة حدود ... وأن الزكاة فهي عبادة الحاكم وتزكية قلوبهم وتطهيرها وترك ما كانوا عليه, وفيما يتعلق بالصوم فهو صيانة قلوبهم) .

стр. 488

ويشبه هذا القول الكافر قول النصيرية في كتابهم المسمى (الهفت الشريف (قلت يا مولاي: أما كان أهله من أهل الصلاة, قال: ويحك أتدري ما معنى قوله تعالى: (وكان يأمر أهله بالصلاة) قلت: يعني أهله المؤمنين من شيعته الذين يخفون إيمانهم, وهي الدرجة العالية والمعرفة والإقرار بالتوحيد وأنه العلي الأعلى.. (أي الإمام علي) فأما معنى قوله تعالى: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) فالصلاة أمير المؤمنين, والزكاة معرفته, أما إقامة الصلاة: فهي معرفتنا وإقامتنا) . ويماثل هذه الأقوال الكافرة ما تقوله الإسماعيلية إذ يؤولون العبادات, والتكاليف تأويلات كفرية تخرجها عن حقيقة تشريعها ... وأما البدع الواقعة في أصول الفقه فتختلف باختلاف الطوائف والمذاهب.. فمثلاً أصول الفقه عند الإمامية أربعة أصول: الكتاب والسنة والإجماع والعقل. فأما الكتاب فيرى بعضهم أنه ناقض وحصل فيه تغيير وتبديل في لفظ, ويرى أكثرهم أن التغيير حصل في معناه, ويقولون إن القرآن لم يترك شيئاً كان أو سيكون إلا بين حكمه وأن النبي- ﷺ عرف هذه الأحكام وعرف بعضها للناس وترك بعضها, ولكنه أودع ذلك كله عند أوصيائه كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشره في الوقت المناسب له, حسب الحكمة, من عام مخصص أو مطلق مقيد, أو مجمل مبين, فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته وقد لا يذكره أصلاً بل يودعه عند وصية إلى وقته. وأما السنة فيرون أن المراد بها ما أضيف إلى الرسول ﷺ -

стр. 489

وإلى الأئمة الاثنى عشر, فالحديث عندهم هو قول المعصوم, والأئمة معصومون كالرسول, ثم إنهم يقيدون الطرق والأسانيد الناقلة بكون رواتها من الإمامية في جميع الطبقات أو بعضها. وأما الإجماع فمفهومه عندهم مرتبط بوجود الإمام المعصوم فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أوقوالها فإجماعها حجة, لا لأجل الإجماع وإنما لانضمام قول الإمام إليهز وأما العقل فيجعلونه دليلاً مستقلاً ينبني على أساس التحسين والتقبيح العقليين أي أن الأشياء لها حسن ذاتي أو قبح ذاتي, يمكن إدراكه بالعقل, وإن لم يدل على ذلك الشرع, وهو كرأي المعتزلة, وقد سبق بيان هذه المسألة في هذا البحث, ويتبين مما سبق مقدار الابتداع الحاصل في هذه الأصول الفقهية. ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على الفرق الضالة كالرافضة, والمعتزلة بل حصل هناك أنواع من الابتداع في المذاهب الأصولية , عند أهل السنة, أذكر بعض ذلك على سبيل التمثيل: أولاً: مسألة الرأي: وهي مسألة طال فيها النقاش بين العاملين بالرأي والرادين له في مسائل القه وأصوله: ففي الوقت الذي اعتمد فيه أصحاب القسم الأول على الرأي في بعض الأصول وكثير من الفروع متى أطلق عليهم أهل الرأي ألغي القسم الثاني, هذا الاعتماد, وجعل عمدته على النص واستدل على موقفه بالآثار الكثيرة الواردة عن السلف وكبار أئمة الدين في ذم الرأي. ولعل الصواب في هذه المسألة أن العمدة على النصوص الثابتة, واستخدام

стр. 490

العقل ضروري لفهمها, وتنزيلها منازلها, فلا الإلغاء التام له بصحيح, ولا الاعتماد التام عليه بصواب.. إلا أن إمكانية الابتداع عند العاملين بالرأي أكثر منها عند الرادين له إذ ثبت باستقراء أصول وفروع الفريقين أن حصول المحدثات عند أصحاب الرأي أكثر منها عند أصحاب النص, لاعتماد هؤلاء على الآثار وهي أسلم مسلكاً وأبعد عن الإحداث في الدين. والرأي الذي يعتبر من البدع والمحدثات هو: (إيثار نظر العقل على آثار النبي- ﷺ والقول في الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات, ورد الفروع بعضها إلى بعض, دون ردها إلى أصولها.. وإعمال النظر العقلي مع طرح السنن, إما قصداً أو غلطاً أو جهلاً, والرأي إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة) . وهذا النوع من الرأي هو المذموم الذي تتوجه إليه الآثار الواردة عن السلف في ذم الرأي وأهله. أما اجتهاد الرأي في فهم النصوص, والقول بالقياس على طريقته الصحيحة والنظر في النوازل التي لا نصوص عليها, ولا على أشباهها القريبة ... فهذا محل استعمال الاجتهاد العقلي, وهو مع هذا قد يصيب وقد يخطئ, وأما النوع الأول من استخدام العقل والذي يمكن وصفه بالابتداع, فإن أصحابه وإن كانوا مجتهدين مثابين على اجتهادهم, فإن ذلك لا يمنع من وصف العمل بالابتداع, إذ لا تلازم بين إعذار العامل, وتبديع العمل ذاته كما قد سلف بيانه, فقد يكون للقائل بالرأي المذموم في الفقه وأصوله من الأعذار ما يرتفع بها الذم والإثم عنه, ويحصل له الأجر, ولكن كل ذلك لا يعطي عمله وصف المشروعية مطلقاً..

стр. 491

ومن أمثلة هذا القسم (الاستحسان) الذي يعني القول في الدين بمجرد التشهي والميل النفسي, واتباع الرأي بغير دليل. ومن أمثلته تقديم المصلحة المرسلة على النص, كما يذهب إلى ذلك بعض الحنابلة حين قرر أن المصلحة وباقي الأدلة إما أن تتفقا, أو تختلفا فإن اتفقت فيها, وإن اختلفت فإن أمكن الجمع بينهما بوجه ما جمع, وإن تعذر الجمع بينها قدمت المصلحة على غيرها ... ولا شك أن الاستحسان بالمعنى المذكور سلفاً, والمصلحة المرسلة بهذا المعنى المذكور هنا من الابتداع الذي لا دليل عليه من نص كتاب أو سنة أو أثر أو عمل إمام متبع. ثانياً: القياس: والناس فيه طرفان ووسط, فطرف مؤيد بإطلاقه, وآخر معارض بإطلاقه, وأهل التوسط يأخذون بالقياس الصحيح, ويعملون به, ويردون القياس الفاسد ويبطلونه.. وجانب النظر الذي لا علاقة بموضوع البدعة في مسألة القياس هذه هو: جانب التعبد في القياس, وهل تعبدنا الله تعالى به أم لا؟ ...

стр. 492

فالذين يؤيدون القياس مطلقاً يقولون بالتعبد, وهم على خلاف في إيجاب التعبد به, أو جوازه, وهل هو ثابت بالعقل أم بالشرع أم بهما معاً؟ والذين يعارضون القياس مطلقاً يرون منع التعبد به, لعدم مشروعية القياس وبعضه غير متعبد به وهو الفاسد. ومن هنا يمكن القول بأن الابتداع دخل من هذا الباب في كلا القولين المتقابلين, فالذي رد القياس ولم يعمل به على الإطلاق وقال بعدم مشروعيته قوله باطل, ومخالف لأدلة الشرع المثبتة للقياس الصحيح, ومعارض للشرع بإسقاط أصل ثبت اعتباره والعمل به, والتعبد لله من خلاله ... وكل عمل كان بهذه المثابة فهو ابتداع, ولاسيما إذا انضم إليه قصد القربة ولا شك أن النافي للقياس مطلقاً يتعبد بهذا العمل, فمن هنا كان هذا العمل بدعة, لأنه إذا كان يصح إطلاق الابتداع على ترك فرع من الفروع الفقهية المشروعة, فكيف لا يصح إطلاق الابتداع بترك أصل يشهد له الجم الغفير من نصوص الكتاب والسنة, وأقوال السلف, وأفعالهم, وحكم العقل, والفطرة والطبع الإنساني؟. قال ابن القيم- بعد أن حشد الأدلة على ثبوت القياس واعتباره-: ( ... وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلها هكذا, تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين, وإلحاق النظير بنظيره, واعتبار الشيء بمثله, والتفريق بين المختلفين, وعدم تسوية أحدهما بالآخر, وشريعته-سبحانه- منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه, ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة, أو مثلها أو أزيد عنها, فتمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها,

стр. 493

وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئاً لحاجة المكلف ومصلحته, ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر, وهذا من أمحل المحال-إلى أن قال- وقد فطر الله سبحانه عباده على أن حكم النظير حكم نظيره, وحكم الشيء حكم مثله, وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين, وعلى إنكار الجمع بين المختلفين, والعقل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعاً وقدراً يأبى ذلك ... ) . ثم ذكر ﵀ بعض الأغلاط التي وقع فيها نفاة القياس, فمنها إخراج بيع الرطب بالتمر من مسمى الربا ... وإخراج الشاهد مع اليمين من لفظ البينة, ومثله إخراج شهادة العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله, وشهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيها الرجال كالأعراس وشهادة الأعمى على ما يتقنه ... ومنها قولهم: إذا بال جرة من بول وصبها في الماء لم تنجسه, وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيء نجسه. وقولهم: لو وقع الكلب والخنزير بكماله, أو أي ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت, أو خل, أو دبس ألقيت الميتة فقط, وكان ذلك المائع حلالاً طاهراً كله, فإن وقع ما عدا الفأرة في السمن من كلب أو خنزير, أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير. ويتبين أن هذه الفروع التي انبنت على إبطال القياس, والوقوف المحض مع ظواهر النصوص, من الأغلاط التي وقع فيها هؤلاء بسبب طردهم نفي القياس, وتركهم الاعتماد عليه, قال ابن القيم- بعد أن ذكر مؤيدي القياس: - (الفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة, وقالت: القياس كله باطل محرم في الدين, ليس منه, وأنكروا القياس الجلي

стр. 494

الظاهر, حتى فرقوا بين المتماثلين, وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئاً لحكمة أصلاً, ونفوا تعليل خلقه وأمره, وجوزوا بل جزموا بأنه يفرق بين المتماثلين, ويقرن بين المختلفين في القضاء والشرع-إلى أن قال- ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة, وقابل الفاسد بالفاسد, ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق والرد عليهم, وبيان تناقضهم ومخالفتهم للشرع والعقل) . ويقابل هؤلاء الذين بالغوا في نفي القياس: الطرف الآخر ال١ين بالغوا في إثباته وإعماله, فتجاوزوا به حدوده الصحيحة, وأغرقوا في اعتبار القياس حتى ولدوا به فروعاً كثيرة لم تقع, وتعمقوا فيه حتى خرجوا على نصوص الشريعة وناقضوها بالأقيسة الفاسدة, والرأي المذموم المعيب. ومن هنا اعتبر هذا القول بدعة في دين الله فإن الرأي, إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة, بغض النظر عن حكم فاعله من حيث الإعذار أو عدمه, وإنما الكلام عن نفس القول أو العمل الذي حدث ... وعلى هذا فتقديم القياس على النص الشرعي, أو اعتبار الأقيسة الفاسدة من الأمور المشروعة, أو توليد فروع على هذا النوع من الأقيسة الباطلة.. كل ذلك من الابتداع في دين الله, وإليه يتوجه الذم المنقول عن السلف, من مثل قول ابن مسعود ﵁: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله, أما إني لا أقول أمير خير من أمير, ولا عام أخصب من عام, ولكن فقهاؤكم يذهبون, ثم لا تجدون منهم خلقاً, ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم) . وفي رواية: (ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم, ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم, فيهدم الإسلام ويثلم) .

стр. 495

وقول الشعبي ﵀: (إنما هلكتم حيث تركتم الآثار, وأخذتم بالمقاييس) . وقول شريح: (إن السنة سبقت قياسكم, فاتبعوا ولا تبتدعوا, فإنكم لن تضلوا ما أخذتم بالأثر) . وأمثال هذه الآثار كثير عن السلف-﵏ وقد أورد ابن عبد البر ﵀ جملة من هذه الآثار, ثم فسر المراد بالرأي والقياس الوارد في هذه الآثار, ذاكراً أقوالاً العلماء في هذه المسألة, ومرجحاً الرأي الأخير الذي نسبه لجمهور أهل العلم, فقال: (وقال آخرون, وهم جمهور أهل العلم: الرأي المذموم المذكور في هذه الآثار عن النبي- ﷺ وعن أصحابه والتابعين, وهو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون, والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً, دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها, فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل, وفرعت وشققت قبل أن تقع, وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن, قالوا: ففي الاشتغال بهذا, والاستغراق فيه تعطيل للسنن, والبعث على جهلها, وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليها منها ومن كتاب الله ومعانيه..) وقد أورد
следующие страницы →