Полный текст (506 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة الكتاب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوز بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله الله وحده لا شريك، واشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) .
(يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، (فإن صغار المحدثات من الأمور تعود حتى تصير كباراً وكذلك بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل
стр. 2
فيها ثم لم يستطيع المخرج منها، فعظمت وصارت ديناً يدان به ... ولا تتم السلامة لعبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يذكرناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذبهم وكفى بهذا فرية.....) .
وإنها لنعمة خاصة، تستحق شكراً خاصاً أن يوفق المسلم لسلوك منهج السلف الصالح - رضوان الله عليهم - علماً وفهماً وعملاً، وذلك المنهج الذي لا ريب في صحته وسلامته عند أصحاب العقول والقلوب السليمة، التي سلمت من أمراض الشبهات والشهوات.
المنهج الذي نجزم بصوابه واستقامته ونقائه وكماله لا جموداً ولا تعصباً ولا ادعاء، بل بالبرهان القاطع والدليل الساطع والحجة البالغة.
وقد يتوهم بعض الناس أن في هذا الجزم والإصرار على منهج أهل السنة والجماعة شيئاً من الطائفية، تقابل طائفية الآخرين، وقد يدعوا إلى شيء من التنازل من قبلنا مقابل مل ندعوهم إليه، من ترك للعقائد الباطلة والعبادات المخترعة....
وقد يتكلم بكلام عام عن أننا ندين بالإسلام فحسب، وما هناك ثم مذهب أو عقيدة خاصة ضمنه.
وليس الذي ذهب غليه هؤلاء الناس بصواب أبداً، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة وعبادتهم هي الصحيحة ليس غير..... وإنما أطلق السلف هذا المصطلح على مذهبهم وسموا أتباعه الحقيقين (أهل السنة والجماعة) تمييزاً لهم عن عقائد وأعمال طوائف الابتداع.
وقد يظن بعض الناس أن الجزم بالصواب مسالة نسبية فكل ذي عقيدة محدثة وعبادة مخترعة، يجزم بأنه الأصح الأقرب إلى الحق، ويبتعد بعمله هذا ن ويرى
стр. 3
نفسه أنه على صواب كما نرى أنفسنا، ولذلك يدعو إلى صلح بين الطرفين وإلى قرار متبادل متقابل.
وهذا بدوره خطأ آخر فإننا لا نصدر عن آراء عقلية، أو اذواق نفسية أو أهواء بشرية حتى نطالب بعدم الجزم بصحة عقيدة وبعادة أهل السنة والجماعة، لأن عقيدتهم وعبادتهم مأثورات وأخبار مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ برواية الثقات العدول -، يشهد على صحتها العقل القوي والقلب السليم، والفطرة المستقيمة.
ومن اجل هذا كله نجد في النصوص الشرعية والأخبار الماثورة عن السلف الحرص على صيانة المنهج العلمي والعلمي، من كل دخيل سواء كان من المسلمين بالغزو الفكري والتدنيس الثقافي، أم من داخل المسلمين بالإبتداع دين الله أوبالابتعاد عنه، بيد أن من أشنع أنواع الحروب وأفظع أنواع تلك التي حدثت بالإبتداع في دين الله وظهرت للناس مستترة بإسم الدين تحت ستار التعبد لله , فحصل منها التفرق والعداء والشتات والبغضاء على الناس تبين الحق وضطرب عندهم ميزان الصدق واليقين.
أماالحروب الأخرى التي يكاد بها دين الله فإن أمرها الغالب وعدائها بين سافر ولذلك يأخذ المسلمون جميعا - في الأعم - وأسلحتهم.
هذا هو شأن البدع في الإعتقاد والعمل وخطورتها وهو أحد التي حفزتني للكتابة في هذا الوضوع. وسبب آخر هو أنني رأيت وطلبة العلم خاصة , في مسألة البدع على طرفي نقيض , فهذا متساهل ما استحسنه من المحدثات يجوز عمله , وأن لم يكن له أصل في الدين يتهاون في شأن البدعة والمبتدعة , ولا يرى منها أي خطورة تذكر ولا أي عيب يشينه , بل ربما رأى الكلام عن خطورة البدع وأهلها وترف العلم ...
стр. 4
وذاك متشدد يحكم على كل ما لم يألفه , أو يوافق مسلكه بالإبتداع حتى لربما أدخل في البدع بعض المعاصي والمخالفات الشرعية , التي لا يطاق عليها بدع من الجهة الشرعية , وربما أدخل في البدع الشرعية بعض المبتكرات العلمية , والإكتشافات التجريبية , وبالتالي يغالي في الحكم على المبتدعة , ويتجاوز الحدود الشرعية في شأنهم من حيث بغضهم , والتحذير منهم , أو موالاتهم أو معاونتهم على الكافر , ونحو ذلك من العلاقات.
وربما بلغ الغلو في شأن البدعة والمبتدعة، نسيان أهل الكفر الصراح وعدم الالتفات إلى خطورتهم وأساليبهم الماكرة، والحق بين طرفي الإفراط والتفريط، وقد جلست إلى بعض الفضلاء المشهورين بالعلم أستشيره في موضوع البدعة، وقد وضعت خطة أولية لطلب أن أقرأ عليه الخطة فلما وصلت إلى ذكر مفهوم البدعة عند غير أهل السنة، صاح بي منكراً وجود معنى أو تعريف للبدعة عند غير أهل السنة.
ولما وصلت على ذكر أقسام البدعة أنكر أن تكون البدعة ذات أقسام، فلما بينت له هدأ فتبين لي أن موضوع البدعة بالشكل التأصيلي، غير واضح عند بعض أهل العلم، فكيف بمن هم دون ذلك؟.
وسبب ثالث لاختياري هذا الموضوع هو أنني نظرت في الكتب المؤلفة في البدعة فرأيت بعضها اختص برواية الأخبار والآثار، وبعضها اختص بذكر أنواع من المحدثات، من غير اهتمام مجالات البدعة وأقسامها وأحكامها على شكل قواعد وأصول، يستوي في ذلك المؤلفات القديمة والجديدة.
نعم، هناك علماء اهتموا بوضع القواعد في أمر البدع، بعد إستقراء النصوص الشريعة وفهم السلف لها وأقوالهم فيها ن وهم قسمان:
الأول: لم يخصص لهذه القواعد مصنفاً، بل تركها مبثوثة في مؤلفاته، ومن هذا القسم جماعة من العلماء قديماً وحديثاً، وعلى رأسهم أبو العباس تقي الدين ابن تيمية ﵀ الذي تربع على كرسي الأستاذية - وهو به جديد - بعد
стр. 5
أن أفنى شطراً من عمره في جمع علم السلف، وتتبع آثارهم في الأبواب الخيرية والطلبية، ونظراً في أصحاب المقالات، وسير أغوار أهل العبادة، والإدارة ... فجمع بين العلم بالشرع، والعلم بأحوال أهل البدع، فأصبح الإمام المجتهد والمتدبر للآثار بفكر ثاقب، وذكاء نادر، وحافظة واعية، وخبرة طويلة، وممارسة أصلية، وشجاعة نادرة ... مع معرفة عميقة بمقالات وأحوال أهل الابتداع، فكان بذلك الإمام القادر على الأخذ والرد في مضمار العقيدة وغيرها، والحجة الثبت الذي يعاد إلى أقواله ويحتج بآرائه، فهو بحق واضع قواعد وأصول الاعتقاد والعمل على حسب ما كان عليه السلف.
ومن أجل ذلك اعتمدت في بحثي هذا على اقواله كثيراً، وإن كانت أقواله فيما يختص بمسالة البدعة وأحكامها ليست مجموعة في مكان واحد، بل متنأثرة في سائر مصنفاته - رحمه الله تعالى.
القسم الثاني: من خصص لقواعد النظر والحكم على البدعة مصنفاً واحداً وجمعها في مؤلف واحد.
ولم أطلع - بحسب علمي الناقص - على مؤلف يضاهي الاعتصام لأبي اسحاق الشاطبي - رحمه الله تعالى - ولذلك اعتمدته كثيراً في هذا البحث، فقد كان المجلي في هذا المضمار، فوضع القواعد ووضع الأمور وأجلى الحقائق، إلا أنه لم يسلم مما لا يسلم منه بشراً!!! فقد كانت روايته للحديث والآثار ليست على درجة كبيرة من الإتقان، مما أدى إلى وضع بعض القواعد بناء على أحاديث ضعيفة كبيراً لا أصل لها.
ولم يتعرض في كتابة لكل القواعد والأحكام المتعلقة بالبدعة والمبتدع ولعل في الجزء المفقود من الكتاب استكمالاً لبعض هذا النقص، وأما المطبوع من هذا الكتاب فعلى كثرة الأغلاط فيه نجد أن مؤلفه ﵀ ترك بعض القواعد المهمة في قضايا الابتداع، وخصوصاً في الحكم على البدعة والمبتدع، وإذا
стр. 6
يكن عرض لشيء من هذا فعلى سبيل الإلماح العابر.
وهكذا نرى أن البدعة من ناحية تعريفها وأقسامها وأحكامها ودواعيها وأسبابها وطرق مكافتحها، لم تبحث بحثاً مستقلاً يجمع شوارد هذا الموضوع المهم ويقيد أوابده.
فمن أجل هذه الأسباب وغيرها ن مما يتعلق بمرادي وقصدي الباطن اخترت هذه الموضوع بعنوان:
· حقيقة البدعة وأحكامها:
وعلمت فيه على ضوء الخطة التالية المكونة من مقدمة، ومدخل، وثلاثة أبواب وخاتمة.
المقدمة: وفيها أسباب اختياري لهذا الموضوع ن ومنهجي وخطواتي في البحث.
المدخل: مقسم على خمسة عناصر:
الأول: شروط العمل المقبول.
الثاني: الاعتصام بالسنة.
الثالث: ذم البدع.
الرابع: لمحة تاريخية لظهور البدع في الأمة الإسلامية، وأسبابا ذلك وموقف السلف منها.
الخامس: نبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة، ودراسة موجزة لأهمها.
الباب الأول:
في تعريف البدعة ومفهومها عند أهل السنة وغيرهم وتحته ثلاثة فصول:
стр. 7
الفصل الأول:
أ- المعنى اللغوي للبدعة.
ب- المعنى الإصطلاحي للبدعة إجمالاً.
الفصل الثاني: مفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم.
الفصل الثالث: مفهوم البدعة عند غير أهل السنة، وشبههم ومناقشتها.
الباب الثاني:
في اقسام البدعة وتحته خمس فصول:
الفصل الأول: البدعة الحقيقية والإضافية.
الفصل الثاني: البدعة المتعلقة بالفعل والشرك.
الفصل الثالث: البدعة المتعلقة بالعقائد والاحكام.
الفصل الرابع: البدعة المتعلقة بالعبادات والمعاملات.
الفصل الخامس: البدعة المتعلقة بالحسن والقبح والمصالح المرسلة.
الباب الثالث:
في حكم البدعة والمبتدع وتحته أربعة فصول:
الفصل الأول: حكم البدعة ذاتها، والبدعة على قسمين: إما مكفرة، وإما مفسقة.
الفصل الثاني: حكم المبتدع وهذا مقسم إلى ثلاثة عناصر:
الأول: حكم الجاهل والمتأول.
الثاني: حكم العالم وغير المتأول.
الثالث: حكم الداعي لبدعة.
الفصل الثالث: لازم القول هل يقتضي التبيديع؟
الفصل الرابع: توبة المبتدع.
الخاتمة: وفيها عرض موجز للبدع في العصر الحاضر ووسائل تغييرها، ونتائج البحث.
стр. 8
هذا وقد بدأت بجمع الكتب التي تحدثت عن البدعة، وقرأت معظمها، ركزت على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض مؤلفات ابن القيم، وكتاب الاعتصام، وكنت أثناء ذلك أجمع الشوارد في البحث من الكتب التي تقع في يدي في التفسير أو التاريخ أو التراجم أو الفقه، غير ما تعمدت البحث عنه في هذه الفنون وغيرها، وسافرت إلى مصر لأستطلع ما كتب في هذا الموضوع، فما عدت بطائل، سوى أنني أحضرت كتب خطاب السبكي، وكتاب عثمان فودي، واستطعت أن أطلع على آراء كثير من المبتدعة في فهمهم للبدعة.
وبعد ذلك قمت بالنظر في كتب الاعتقاد الواردة على طريقة الأسانيد: كالشريعة، وكتاب الألكاني، والإبانة، والسنة لعبد الله بن أحمد، والسنة لإبن أبي عاصم، وغيرها كثير، وجمعت منها الآثار والأحاديث التي تتعلق بموضوع البحث، وقد استغرق مني جمع المادة العلمية مدة طويلة، ثم بدأت بالكتابة في الموضوع سائراً وفق الترتيب الذي في الخطة إلا في النادر.
· وقد حرصت أثنا كتابتي على الترابط المنهجي بين جمل الفصل الواحد ومقدراته، وترابط الفصل مع الباب ومع الموضوع كله.
· وحرصت ايضاً على توثيق كثير من المعلومات بالنقل تارة، وبالاقتباس تارات وهذا هو سبب كثرة الإحالات في الهامش.
فإن كان النقل حرفياً له علامة تنصيص فإن احتجت إلى حذف شيء من النص وشعت نقاطاً للدلالة على ذلك، أو قلت: إلى أن قال، والثاني أكثر، واشير في الهامش إلى مكان النقل ذاكراً اسم الكتاب والجزء والصفحة.
· إذا نقلت بالمعنى أو تصرفت في النص المنقول كثيراً أو أردت الإحالة للتوسع والاستزادة كتبت في الهامش: أنظر كتاب كذا جزء كذا صفحة كذا.
· عند تخريج الحديث أذكر إسم الكتاب والباب والجزء والصفحة، إذا كان من البخاري، أو مسلم، أو أبي داود، أو الترمذي، أو النسائي، أو ابن ماجة، أو الدارمي، أو مؤطأ مالك، وما عداها أذكر الجزء والصفحة فقط كالمسند، والحاكم.
стр. 9
· حرصت على ذكر درجة الحديث - إذا لم يكن في الصحيحين أو أحدهما - وذلك بنقل كلام العلماء المهتمين بالحكم على الأحاديث قديماً أو حديثاً، ما عدا ما بعض الأحاديث التي درستها دراسة خاصة مستعيناً بأقوال العلماء أيضاً - في تأييد ما ذهبت إليه.
· أما الآثار فأخرجها من الكتب التي أوردتها من غير حكم عليها.
· ميزات الآيات بجعلها بين () ، والأحاديث بجعلها بين " "، والآثار بجعلها بين () ، سواء داخل النصوص أو خارجها....
· وقد أقول في الهامش عند بعض الأحاديث الواردة في صلب البحت: سبق تخريجه أو أنظر فهرس الأحاديث المخرجة.
· ترجمت للأعلام، وعرفت بهم، وذكرت مصادر ترجمة كل واحد منهم في ذيل ترجمته.
· تركت ترجمة الأسماء المشهورة، كالأنبياء، والخلفاء الراشدين، ومشاهير الصحابة مثل عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأصحاب الكتب الستة والأئمة الأربعة، وابن تيمية، وابن القيم.
· وقد أقول في الهامش عند بعض الأسماء المذكورة في صلب البحث: سبقت ترجمته، أو ستأتي أو انظر فهرس الأعلام المترجمة، وقد اترك ذلك.
· عزوت الشعر - وهو قليل جداً - إلى قائله، واثبت مصادره.
· شرحت الألفاظ الغربية، وذكرت مصدرها.
· قمت بعمل الفهارس التوضيحية الآتية:
١- فهرس للآيات. راعيت فيه ترتيب الآيات والسور، كما في المصحف الشريف.
٢- فهر س للأحاديث، والآثار المخرجة في البحث مراعياً فيه الترتيب الهجائي، بناء على أول كلمة وردت في البحث.
стр. 10
٣- فهرس للأعلام المترجم لهم، مرتب على حروف المعجم.
٤- فهرس للأسماء المراجع والمصادر، الواردة في البحث مرتبة هجائياً.
٥- فهرس للموضوعات.
ولا أدعي بأنني قد أتيت بما لم تستطعه الأوائل، وإنما من نورهم ما قبست، ومن عملهم ما ألفت، وما أنا إلا من أبناء هذا الزمان الذي نقص فيه العلم والعمل، والمرء بعصره أشبه.
ولست أقول إلا ما قاله أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في كتاب الاعتصام: (فالإنسان وإن زعم في الامر أنه أدركه وقتله علماً لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه مالم يكن عقل، وأدرك من عمله مالم يكن أدرك قبل ذلك، كل يشاهد ذلك من نفسه عيناً.
وفي الختام: أحمد الله على توفيقه وعونه لي، وأشكره سبحانه، وهو أحق من شكر وأثنى عليه الخير كله، وهو أهل الثناء والحمد، ثم اشكر شيخي الفاضل وأستاذي النبيل الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل الذي شرفت بالتتلمذ عليه من خلال هذه الرسالة، وأفدت من علمه وخلقه فلقد كان - والحق يقال - حريصاً على، ومتباعاً لي بصورة لو وصفت لكانت أنموذجاً مع ما حباه الله من كريم خلق وجميل وتعامل.
يا أيها المحسن المشكور من جهتي والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
فاسأل الله العلي العظيم، أن يجزيه عني خير ما جزى أستاذاً عن تلامذته.. كما أشكر كل من مد لي يد العون في هذا البحث، وأخص بالذكر والدي- حفظه الله - والأخ: محمد بن ناصر الغامدي وسائر الأحبة الذين تفضلوا بمساعدتي ... أسأل الله تعالى أن يجزيهم عني خير الجزاء، وأن يجزل مثوبتهم، ويعلى درجتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 11
مدخل كتاب البدعة
شروط العمل المقبول:
منذ أن خلق الله الإنسان أوجد فيه القلب والعقل، والعاطفة والفكر، ووهبه القدرة والإرادة، أمره وزوجه أن يسكنا الجنة، ونهاهما عن أكل الشجرة، وكان أمره - سبحانه - ووهبه لمقتضي ألوهيته وربوبيته على من كانت مقتضابات بشريته وآدميته محلاً صالحاً للعبودية التامة. ومن أول وهلة نجد أن هذه الحقيقة التي تثبتها عقيدة الرسل الكرام ﵈ ابتداء، تقول لنا: إن هذا بيان حاسم للتفريق بين ألوهية الباري المقتضيه للخلق والامر، كما يشاء وفق عمله وحكمته، وبين عبودية الخلق المقتضيه للسمع، والانقيادة، وفق التركيب الرباني الموجود في بنى الإنسان المتجلي في الإدارة والقدرة.
ومن هنا تتقرر قاعدة الجد والقصد، والحق في بناء هذا الكون بالتفريق بين حقيقة الألوهية بحقوقها ولوازمها، وبين حقيقة العبودية بحدودها وضوابطها، وما يترتب على هاتين الحقيقتين من علامات وصفات ونتائج.
وهذه هي البداية الأولى لقضية التوحيد بالنسبة للبشر في الأرض، بدات من آدم ﵇ أبي البشر مروراً بالانبياء والمرسلين ﵈ حتى قيام الساعة، تحددت بها مهمة الإنسان في هذا الوجود واتضحت وظيفته في هذه الحياة.
(فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته ن يمتنع أن يكون إلا فقيراً إلى خالقه، وليس أحد غنياً بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عما سواه وكل ما سواه فقير إليه.
стр. 12
فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته، ومن جهة إلهيته ... ) ذلك (أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته، والإخلاص له ... وحاجتهم غليه في عبادتهم إياه، وتألهم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم، ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يم القيامة أعمى) .
وهذه الوظيفة، وهذه المهمة للإنسان في الحياة الدنيا، هي التي من أجلها أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.
فالرسل إنما دعوا إلى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإنهم كلهم دعوا على توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم.
فقال نوح: (اعبدوا الله مالكم من إله غيره) وكذلك قال هود وصالح شعيب وإبراهيم.
قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبد الله واجتنبوا الطاغوت) وقال: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا غله غلا أنا فاعبدون) .
стр. 13
حقيقة العبادة في الإسلام:
وبعد أن تقرر أن العبادة هي الوظيفة الأولى والأساسية للإنسان في هذه الحياة بأتي تقرير معنى العبادة التي شرعها الله لنا، وتحديد مجالاتها وصفاتها.
ذلك أن العبادة ليست في حياة الإنسان أمراً هامشياً، أو قضية ثانوية، بل إنها هي المبدأ الأول لوجوده، والغاية الأصلية لحياته.
وقد ساد بين الناس مفاهيم خاطئة للعبادة، صرفت عقولهم وقلوبهم وأعمالهم عن هذه الوظيفة التشريفية التي خلق الله الإنسان من أجلها، وسخر له كل شيء في نفسه وفي الكون حوله، ليقوم بها وفق أمر خالقه، وعند تأمل القرآن الكريم والسنة النبوية وما تحويه من أخبار وأوامر ونواهي ووعد ووعيد، نجد أنها كلها تدور حول تقرير ألوهية الله وعبودية الإنسان له.
فإذا كان خلق الإنسان وتسخير الكون له، وإيجاد العقل والقلب والإرادة فيه، وإرسال الرسل, وإنزال الكتب وخلق الجنة والنار، وقبل ذلك وبعده ما تقتضيه صفات الباري - جل وعلا - من كونه في ذاته وأفعاله حكيماً عليماً ن خلق كل شيء فقدره تقديراً، لم يخلق شيئاً عبثاً ولم يوجد شيئاً لغير حكمة.
وإذا كان القرآن المجيد، وما فيه من أخبار وأوامر ووعد ووعيد، جاء لأجل هذه المهمة العظيمة، ألا وهي تعبيد الخلق كلهم لله سبحانه.
فكيف يصح حينئذ أن يتصور أن العبادة هي النية النقيدة وحسب، أو أنها الشعائر التعبدية فقط، أو أنها لبعض نشاطات الإنسان دون بعض، أو لبعض أحواله وأفعاله دون بعض.
стр. 14
بل إن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان ن وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الارض، دائرة رحبة لا حبة واسعة،: إنها تشمل شؤون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعاً، وتستغرق كافة مناشطه وأعماله.
وبهذا المعنى الشامل، فهم السلف الصالح عبادة الإنسان فرداً كان أو جماعة.
وقد لخص هذا المعنى الشامل للعبادة، وحدد ماهيتها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - حين قال (العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) .
وبهذا التعريف الجامع لا يمكن أن يخرج أي شيء من نشاطات الإنسان وأعماله، سواء كان في ذلك العبادات المحضة، أو في المعاملات المشروعة، أو في العاديات التي طبع الإنسان على فعلها.
أما في العبادات والمعاملات المشروعة فإنها مما يحبه الله ويرضاه، وهذا أمره الشرعي الدائر بين الأحكام الخمسة التي اصطلح عليها الفقهاء.
أما في العاديات فالذي لم يحد منها بأوامر الشرع، ولم يقيد بأحكامه على وجه الخصوص، فإنه لا يخرج عن كونه داخلاً تحت عمومات الشرع باعتبار عبودية الإنسان في كل أحواله لله سبحانه، وباعتبار أن (العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله، أو فيما يكرهه، فلهذا أيضاً - جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين في أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها على غيرها من غير حاجة) .
وإن كان ينبغي لنا هنا الإشارة في العبادات المحضة المنع، حتى يرد ما يدل على مشروعيتها، وأن أصل العادات العفو حتى يرد ما يدل على منعها، وذلك مبنى على (أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان:
стр. 15
عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم) .
فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه مأمور به، كيف يحكم عليه بأنه عبادة؟!.
ومالم يثبت من العبادات أنه منهي عنه، كيف يحكم عليه بأنه محظور؟! .
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يخطر منها إلا ما حرم.) وهذا التقسيم في الحظر والإباحة لا يخرج شيئاً من أفعال الإنسان العادية من دائرة العبادة لله، ولكن ولم يختلف في درجته ما بين عبادة محضة وعادة مشوبة بالعبادة، وعادة تتحول بالنية والقصد إلى عبادة.
كما قال ابن حجر ( ... المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة، أو المندوبة أو تكميلاً لشيء منهما) .
وقال النووي في شرحه لحديث: " وفي بضع أحدكم صدقة "، " وفي
стр. 16
هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات ".
وقال الغزالي: (وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات، وينال بها معالي الدرجات ـ فما أعظم خسران من يغفل عنها، ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو وغفلة، ولا ينبغي أن يستحقر العبد شيئاَ من الخطرات والخطورات واللحظات، فكل ذلك يسأل عنه يوم القيامة أنه لم فعله وما الذي قصد به.....) .
وقد مثل ابن تيمية ﵀ للعبادة بعد أن عرفها بقوله: (فالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الارحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان على الجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة) .
وعد ﵀ من العبادة الأعمال القلبية:
كالحب، والخشية، والإخلاص، والصبر , والشكر، والرضا، والتوكل، والرجاء، والخوف....
بل وسع المعنى العبادي حين عد كل ما أمر الله به من الأسباب عبادة فقال ﵀: (فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة ... ) .
стр. 17
(فالذين على ذلك كله داخل في العبادة، والدين منهج الله جاء ليسع الحياة كلها، وينظم جميع أمورها من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وشؤون المعاملات، والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب ...
إن الشعائر التعبدية من صلاة وسوم، وزكاة لها أهميتها، ومكانتها، ولكنها ليست العبادة كلها بل هي جزء من العبادة التي يريدها الله تعالى.
إن مقتضي العبادة المطالب بها الإنسان، أن يجعل المسلم أقواله وافعاله وتصريفاته وسلوكه وعلاقاته مع الناس، وفق المناهج والأوضاع التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، يفعل ذلك طاعة لله واستسلاماً لأمره....) .
والدليل على هذا المفهوم الشامل للعبادة، من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم:
فأما من القرآن الكريم فقوله - تعالى:
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) .
(فل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) .
(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) .
ومن السنة أحاديث كثيرة، بعضها في عموم العادات بدون تخصيص، وبعضها الآخر في أفراد السلوك العادي، وفي هذا الأخير دليل وتنبيه على المعنى
стр. 18
العام المقصود إثباته هنا.... فمن ذلك:
· قوله ﷺ : " خير الكسب كسب يد العامل ".
· وقوله ﷺ : " خيركم من أطعم الطعام ورد السلام ".
· وقوله ﷺ : " ... وفي بضع أحدكم صدقة ... " الحديث.
· وقوله ﷺ : " إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقه، وهو يحتسبها كانت له صدقة ".
· وأيضاً ما رواه أحمد من حديث عمرو بن أمية الضمري، أن النبي ﷺ قال: " ما أعطى الرجل إمرأته فهو صدقة ".
· ومثله قوله ﷺ : " ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ".
· وبمعناه قوله ﷺ : " كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم".
стр. 19
· وبمعناه في مسلم من حديث ابي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا ًالذي أنفقته على أهلك ".
· وفي المسند من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " من غرس غرساً فأكل منه إنسان أو طير أو سبع أو دابة فهو له صدقة ".
· وفيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من من رجل يغرس غرساً إلا كتب الله له من الاجر، قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغراس ".
· وبمعناهما قوله ﷺ : " من غرس غرساً لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله غلا كان له صدقة ".
· وفي الصحيحين ومسند أحمد، عن ابي هريرة أن النبي ﷺ قال: " كلا سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة ن وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، ودل
стр. 20
الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة".
· وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقي أخاك ووجهك إليه منبسط , وأن تصب من دلوك في إناء جارك ".
· وقوله ﷺ : " دخلت إمرأة النار في هرة، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت ".
وأما الاستدلال على عموم العبادة وشمولها لحياة الإنسان بفعل السلف وفهمهم.. ففيما رواه البخاري في صحيحه أن أبي بردة في قصة بعث ابي موسى ومعاذ إلى اليمن، وفي آخره وقال أبو موسى لمعاذ: فكيف تقرأ أنت
стр. 21
يا معاذ؟ قال (أنام أول الليل فاقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) .
وفي لفظ آخر أن معاذاً قال: ( ... أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) .
قال ابن حجر: (ومعناه أن يطلب الثواب في الراحة، كما يطلبه في التعب ".
و"وأنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم ... وأن المباحات يؤجر عليها بالنية ... ".
стр. 22
أساس العبادة وشروط قبول العمل
أساس العبادة ودعائمها:
اختلفت الأقوال في تحديد العبادة المطالب بها الإنسان، فقد جعل قوم أن (.... أصل العبودية الخضوع والتذلل) .
أو (غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى) .
وقد استخرج هؤلاء هذا المعنى من قول العرب: (طريق معبد أي مذلل بالوطء وبعير معبد مذلل بالقطران ... ) .
وجعلوا بذلك معنى الدين هو: (الذل أو القهر) .
وهؤلاء خلطوا بين العبودية العامة التي هي: (عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك ... (إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتى الرحمن عبداً) ، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم) .
وبين العبودية الخاصة التي هي: عبودية الطاعة والمحبة الأوامر، قال تعالى: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) .
وهناك من جعل العبادة بمعنى الحب فقط وهؤلاء هم المتصوفة الذين ذكر شيخ الإسلام انه: ( ... وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه
стр. 23
ذلك على نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا الله - إلى أن قال - وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل، وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته) .
وهؤلاء الذين جعلوا أصل عبادتهم المحبة: ( ... سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من أمور الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوي الباطلة التي لا حقيقة لها ... والذي توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل، وكان هذا أصل مقصدهم ... ".
وهناك من جعل أصل عبادته (الخوف) من الله وهؤلاء هم الخوارج الحرورية فقد كانوا يتشددون في أمر الذنب والمعاصي، حتى كفروا المسلمين، وأوجبوا لهم الخلود في النار.
وهنا من عكس فجعل أصل العبادة عنده (الرجاء) وهؤلاء هم المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً لحصول العبودية والإيمان، وكل هؤلاء جانبوا الصواب في معرفة أصل العبودية لله بل أخذ كل واحد منهم بجزء من الصواب، وأهمل الأجزاء الأخرى. ولهذا فقد جمع شيخ الإسلام بين هذه الدعائم: الذل، والحب، والخوف، الرجاء مقرراً بذلك قول أهل الحق والعلم، أهل السنة والجماعة من خلال استقراء نصوص الشريعة، وأحوال السلف الصالح، وانتقد من جعل واحداً منها فقط هو أصل العبادة فقال - رحمه الله تعالى:
(والمقصود وهو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط في هذه من
стр. 24
حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط مع الأهواء، أو إدلال لا تحتمله الربوبية ... ) .
ثم نقل عن بعض السلف قوله: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
فأصل العبادة عند السلف ومن افتقى أثرهم، تتجاوز المعنى اللغوي الذي يدل على أصل استخدام لفظة (الدين والعبادة) إلى معنى آخر مأمور به من الشرع الحكيم.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الأصل اللغوي للدين والعبادة: (لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له) . وقال: (والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء ... ) .
وينص ابن القيم ﵀ على أن: (العبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع) .
ودعائم هذه العبادة التي تنتظم أعمال الإنسان كلها: القلبية، والعملية الفردية والجماعية: المحبة والخوف والرجاء.
وقد جعل ابن القيم هذه الثلاث في قلب المؤمن: ( ... بمنزلة الطائرة فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائرة، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد.
стр. 25
ونقل ﵀ عن غيره مثلاً آخر لهذه الدعائم العبادية الأساسية فقال: ( ... أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق..) .
فهذه هي العبادة، وهذا معناها الشامل، وهذه هي أصولها ودعائمها.
стр. 26
* الإنسان عامل مريد *
الإنسان بطبعه الذي خلقه الله عليه مريد وعامل، وهو ما أخبر به الصادق ﷺ حيث قال: " أصدق الأسماء حارث وهمام ".
(فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية) .
(إذ كل إنسان لابد له من حرث، وهو العمل، وله هم وهو أصل الإرادة.
والنفس بطبعها متحولة، فإنها حية، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم الحياة.
لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحي الحياة النافعة الكاملة، (فلما كان من طبع النفس اللازم لها: وجود الإدارة والعمل، إذا هو حارث همام، فإن عرفت الحق وأرادته وأحبته وعبدته فذلك من تمام إنعام الله عليها، وإلا فهي بطبعها لا بد لها من مراد معبود غير الله ومرادات سيئة تضرها، فهذا الشرقد تركب من كونها لم تعرف ولم تعبده.... ومن كونها لا بد لها من مراد معبود
стр. 27
فعبدت عيره وهذا هو الشر الذي تعذب عليه ... ) .
وبهذا بوب البخاري - رحمه الله تعالى - واستدل بقوله - تعالى: (فأعلم أنه لا إله إلا الله ... ) .
قال ابن حجر في شرحه لقول البخاري: باب العلم قبل والعمل نقلاً عن غيره ... (أراد به ألأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما، لأنه مصلح للنية المصلحة للعمل) ، وأرد الحافظ أبو نعيم بسنده أن سفيان بن عينية، سئل عن فضل العلم، فقال: (ألم تسمع إلى قوله حين بدأ به فقال: (فأعلم أنه لا إله إلا الله) ثم أمره بالعمل فقال: (واستغفر لذنبك) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن المعلوم أن الله أن الله خلق في النفوس محبة العلم دون الجهل، ومحبة الصدق دون الكذب، ومحبة النافع دون الضار، وحيث دخل ضد ذلك فملعارض من هوي وكبر وحسد ونحو ذلك ... )
стр. 28
فالإنسان مفطور على حب العلم وكراهة ضده، مالم تنحرف فطرته، والعبادة وظيفته في الحياة، والعلم هو الطريق لهذه العبادة بل (.... العلم أصل العمل وأصل الإدارة والمحبة وغير ذلك....) . ( ... فإن العلم شجرة والعمل ثمرة.... وقيل العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم ... ) .
ويد بوب ابن القيم في كتابه مفتاح درا السعادة باباً بعنوان: (الأصل الأول في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة إليه وتوقف كما العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه ... ) .
فإذا كانت هذه هي منزلة العلم ومكانته، فما علاقته بالعبودية؟ . إن التلازم بين العلم والعبادة من الأمور المعلومة في هذا الدين القويم بالإضطرار وها هو ابن القيم يصف هذا التلازم فيجعل للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتبها العملية فمرتبتان:
إحداهما: العلم بالله.
والثنية: العلم بدينه.
فأما العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.
والعلم بدينة مرتبتان:
إحداهما: دينة الأمري الشرعي، وهو صراطه المستقيم الموصل إليه.
والثانية: دينة الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذه العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله.... ".
стр. 29
وقال ابن تيمية ﵀ في هذا المعنى:
(وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه وبما يتصف به من نعوت الجلال والإكرام، وما دلت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لا بد أن يعلم أن الله يثبت على طاعته ويعاقب على معصيته، كما شهد به القرآن والعيان.....) إلى أن قال:
(والنوع الثاني يراد بالعلم بالله، العلم بالأحكام الشرعية....) .
وحصول السعادة في الدنيا والآخرة مرهون بالدخول من باب الإرادة الموصل إلى رضوان الله - سبحانه - وفتح باب الإرادة لا يكون إلا بالعلم كما قرر ذلك ابن القيم في قوله:
( ... والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبداً، غلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين:
همة ترقية، وعلم يبصر ويهديه، فإن مراتب السعادة والفلاح، إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما، إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالماً بها ولا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوساً وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدوداً، منكوساً) ... إلى أن قال: (ولما كان العلم إمام الإرادة ومقدماً عليها ومفصلاً لها ومرشداً لها، قدمنا الكلام عليه....) .
стр. 30
* شروط العمل المقبول *
ومما سلف يتبين أن الإنسان مريد وعامل له قدرة وإرادة، وله عاطفة وفكر كما له قلب وعقل.
فهناك في كل إنسان بواعث كامنة في قلبه يطلق عليها (الإرادة) ، (والعزم) ، و (النية) ، و (القصد) ، و (عمل القلب) ، وفي المصطلح النبوي (همام) ، وفي القرآن جاءت بلفظ (الإرادة) ، و (الابتغاء) .
وهناك تنفيذ لهذه الأشياء بالجوارح والحركات الظاهرية يطلق عليها: (القدرة) ، و (التنفيذ) ، و (العمل) ، و (حارث) كما في الحديث النبوي.
وبهذين العنصرين الأساسين - الإرادة والعمل - يتم نشاط الإنسان وإليهما مرجع سائر أعماله الشعورية والفكرية والعملية.
ولهذا جاء الشرع من العليم الحكيم، ليبوجه إرادة الإنسان وقصده كما يرسم عمله وتنفيذه.
فجاءت الشروط الشرعية بناء على ذلك، لتكون علامة على قبول الأعمال أوردها، فشروط العمل بمقبول اثنان:
أحدهما: للإرادة والقصد.
والثاني: للعمل والتنفيذ.
الشرط الأول: الإخلاص:
وهذا الشرط متعلق بالإرادة والقصد، والنية.
стр. 31
والمقصود به: (إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة) . والنية تقع في كلام العلماء بمعنيين كما قرر ذلك ابن رجب فقال: (أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلاً) - إلى أن قال: ... (والمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين ... ) .
والأدلة على هذا الأصل من القرآن والسنة وكلام السلف ومن سار على نهجهم، كثيرة.
فمن القرآن قوله - تعالى:
(إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين، ألا لله الدين الخالص) .
قال ابن كثير: (أي لا يقبل الله من العمل، إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له) .
وقوله - جل وعلا: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأمرت لأن أكون أول المسلمين، قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل الله اعبد مخلصاً له ديني) .
стр. 32
وقوله - سبحانه: (قل أمر ربي بالقسط واقيموا وجوهكم عند كل مسجد وأدعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون) .
قال ابن كثير: (أي أمركم بالإستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك) .
وقوله - تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) .
وقوله - تعالى: (هو الحي لا إله فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين)
وقوله : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) .
قوله : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) .
وقوله تعالى: (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) .
قال ابن القيم: (فالإسلام الوجه: إخلاص القصد، والعمل لله....) .
وقال جل في علا: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) .
стр. 33
قال الحافظ ابن كثير: ( ... وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، وصواباً على شريعة رسول الله ﷺ .
ومن الأحاديث النبوية:
قوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
قال ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث: ( ... فهذا يأتي على كل أمر من الأمور ... وهو أن حظ العامل من عمله نيته ... وأنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيراً حصل له خير، وإن نوى شراً حصل له شر ... وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء ... ) .
وقال الشوكاني ﵀ ﵀: في مقدمة أدب الطلب عند ذكره لهذا
стр. 34
الحديث:
( ... حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بنية، فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية، لا إعتداد بها ولا التفات إليها، بل هي إن لكم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب ... ) .
وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين...." الحديث.
قال ابن القيم:
(أي لا يبقى فيه غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غلة وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤوة غلاً ودغلاً، وداء هذا الغل وإستخراج أخلاطه: بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة) ...
وفي الحديث الإلهي يقول الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشرك به وأنا منه برئ ".
стр. 35
وعن أبي أمامة قال:
" جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسم - فقال: أرأيت رجلاً غيراً يلتمس الأجر والذكر ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : " لا شيء ". ثم قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يقبل إلا ماكان خالصاً، وابتغى به وجهه ".
وعن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ :
" الغزو غزوان، فأما من غزا ابتغاء وجه الله - تعالى -، وأطاع الإمام وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد في الأرض، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من عزا فخراً ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكاف ".
وعنه ﷺ أنه قال: " من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله في النار ".
وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال سمعت النبي ﷺ يقول: " إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت: قال:
стр. 36
كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه حتى ألقى في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: علام، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه حتى القى في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها قال: ما تركت من سبيل تجب أن ينفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه، حتى ألقى في النار ".
وأما ما ورد عن السلف في الإخلاص: فهو كثير وفير، أنقل منه بعض ما روي بالسند عنهم:
روى الآجري بسنده عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ قالا: (لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة) .
وفي كتاب الزهد لهناد بن السري بسنده عن ابي العالية قال:
стр. 37
(كنا نحدث منذ خمسين سنة، أن الأعمال تعرض على الله - تعالى -، ما كان له منها قا ل: هذا لي وأنا أجزي به، وما كان لغيره قال: أطلبوا ثواب هذا ممن عملتموه له) .
وفي بسنده عن عبادة بن الصامت قال: (يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقول: ميزوا ما كان منها لله، وألقوا سائرها في النار) .
وروى أبو نعيم بسنده عن مطرف بن عبد الله أنه قال: (صلاح القلب، بصلاح العمل، وصلاح العمل، بصحة النية) .
وروى بسنده عن يحيى بن ابي كثير أنه قال: (تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل) .
ومما روى عن الفضيل بن عياض أنه تلا قوله - تعالى -: (ليبلوكم
стр. 38
أيكم أحين عملاً) فقال: (أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه واصوبه؟ قا ل: إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً، ولم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة) .
وفي الزهد لإبن المبارك بسنده عن زبيد اليامي أنه قا ل: (إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام ... ) .
وفيه أيضاً عن جعفر بن حيان أنه قال: (ملاك هذه الأعمال النيات فإن الرجل يبلغ بنيته، ما لا يبلغ بعمله) .
الشرط الثاني: الموافقة للشرع:
وهذا الشرط متعلق بالعمل سواء كان عمل القلب، وهو ما يسمى
стр. 39
بالاعتقاد أو عمل بالجوارح.
وهذا هما مدار العبادة، ومحل الإيمان الذي هو: اعتقاد بالجنان، ونطلق باللسان، وعمل بالأركان، فلا بد من متابعة الشرع والانقياد له في أعمال القلوب كالحب والبغض، وفي أعمال الجوارح، التي يتعبد بها الإنسان، وسوف أذكر بعض الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وكلام السلف وسيأتي الحديث عن هذا الأصل بتوسع في مبحث (الاعتصام بالسنة) قريباً إن شاء الله.
أما الدلالة من القرآن الكريم فكثير منها:
قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصالكم به لعلكم تتقون) .
وقوله - سبحانه -: (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم بالإسلام ديناً) .
قوله - جل وعلا -: (قل إن منتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) .
وقوله - تعالى: (ومن أحسن ديناً ممن أسمل وجهه لله وهو محسن وابتع ملة إبراهيم حنيفاً ... ) .
وقوله - سبحانه -: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) .
стр. 40
وقوله - جل وعلا -: (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربي ... ) .
وقوله - جل وعلا -: (اتبع ما أوحى إليكم من ربك لا إله غلا هو وأعرض عن المشركين) .
وقوله تعالى: (المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) .
ومن السنة:
قوله ﷺ : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله ".
وقوله ﷺ : " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ".
زاد النسائي: " وكل ضلالة في النار ".
следующие страницы →