Полный текст (506 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه حتى ألقى في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: علام، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه حتى القى في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها قال: ما تركت من سبيل تجب أن ينفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، ثم أمر به فحسب على وجهه، حتى ألقى في النار ".
وأما ما ورد عن السلف في الإخلاص: فهو كثير وفير، أنقل منه بعض ما روي بالسند عنهم:
روى الآجري بسنده عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ قالا: (لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة) .
وفي كتاب الزهد لهناد بن السري بسنده عن ابي العالية قال:
стр. 37
(كنا نحدث منذ خمسين سنة، أن الأعمال تعرض على الله - تعالى -، ما كان له منها قا ل: هذا لي وأنا أجزي به، وما كان لغيره قال: أطلبوا ثواب هذا ممن عملتموه له) .
وفي بسنده عن عبادة بن الصامت قال: (يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقول: ميزوا ما كان منها لله، وألقوا سائرها في النار) .
وروى أبو نعيم بسنده عن مطرف بن عبد الله أنه قال: (صلاح القلب، بصلاح العمل، وصلاح العمل، بصحة النية) .
وروى بسنده عن يحيى بن ابي كثير أنه قال: (تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل) .
ومما روى عن الفضيل بن عياض أنه تلا قوله - تعالى -: (ليبلوكم
стр. 38
أيكم أحين عملاً) فقال: (أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه واصوبه؟ قا ل: إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً، ولم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة) .
وفي الزهد لإبن المبارك بسنده عن زبيد اليامي أنه قا ل: (إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام ... ) .
وفيه أيضاً عن جعفر بن حيان أنه قال: (ملاك هذه الأعمال النيات فإن الرجل يبلغ بنيته، ما لا يبلغ بعمله) .
الشرط الثاني: الموافقة للشرع:
وهذا الشرط متعلق بالعمل سواء كان عمل القلب، وهو ما يسمى
стр. 39
بالاعتقاد أو عمل بالجوارح.
وهذا هما مدار العبادة، ومحل الإيمان الذي هو: اعتقاد بالجنان، ونطلق باللسان، وعمل بالأركان، فلا بد من متابعة الشرع والانقياد له في أعمال القلوب كالحب والبغض، وفي أعمال الجوارح، التي يتعبد بها الإنسان، وسوف أذكر بعض الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وكلام السلف وسيأتي الحديث عن هذا الأصل بتوسع في مبحث (الاعتصام بالسنة) قريباً إن شاء الله.
أما الدلالة من القرآن الكريم فكثير منها:
قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصالكم به لعلكم تتقون) .
وقوله - سبحانه -: (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم بالإسلام ديناً) .
قوله - جل وعلا -: (قل إن منتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) .
وقوله - تعالى: (ومن أحسن ديناً ممن أسمل وجهه لله وهو محسن وابتع ملة إبراهيم حنيفاً ... ) .
وقوله - سبحانه -: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) .
стр. 40
وقوله - جل وعلا -: (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربي ... ) .
وقوله - جل وعلا -: (اتبع ما أوحى إليكم من ربك لا إله غلا هو وأعرض عن المشركين) .
وقوله تعالى: (المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) .
ومن السنة:
قوله ﷺ : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله ".
وقوله ﷺ : " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ".
زاد النسائي: " وكل ضلالة في النار ".
стр. 41
وقوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ".
وقال ﷺ : " من رغب عن سنتي فليس مين ".
وعن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنارها لا يزيع بعدي عنها إلا هالك ".
ومن كلام السلف عليهم رضوان الله:
ما رواه البخاري بسنده، عن أنس بن مالك، أنه سمع عمر الغد، حين بايع المسلمون أبا بكر، واستوى على منبر رسول الله ﷺ تشهد قبل أبي بكر، فقال: (أما بعد: فاختار الله لرسوله ﷺ الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا، إنما به رسوله) .
стр. 42
وما أورده اللالكاني بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: (إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأمر) .
وذكره بسنده إلى أبي العالية أنه قال: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا الإسلام يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة أبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء ... ) .
وفي مشكاة المصابيح، عن ابن عباس قال: (من تعلم كتاب الله، ثم اتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب) .
وأورد اللالكاني والدامي كل بسنده، عن محمد بن سيرين قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق، ما كانوا على الأثر) .
وذكر اللالكاني بسنده عن شاذ بن يحيى قوله: (ليس طريق أقصر إلى
стр. 43
الجنة من طريق من سلك الآثار) .
ولسنده أيضاً عن سفيان الثوري، إنه قال: (وجدت الأمر الاتباع) .
وذكر الآجري بسنده، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إن ناساً يجادلونكم بشبه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ) .
وبسنده أيضاً، عن مطرف بن عبد الله يقول: (سمعت أنس بن مالك - إذا ذكر عنده الزائغون في الدين - يقول: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: (سن رسول الله ﷺ وولاة الامر بعده سنناً، الأخذ بها إتباع لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة دين الله ﵎، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، ومن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله - تعالى - ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) .
وقد ورد عن السلف من هذا القبيل كثير وفي هذا القبيل الذي ذكرناه ما يسد حاجة الاستدلال هنا، وسيأتي بعون الله في الأبواب القادمة، الأحاديث
стр. 44
والآثار على هذا المنوال.
وبعد ذكر شرطي العبادة المقبولة عند الله يتبين ( ... دين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل....) .
وهذان الأصلان هما من حقيقة كلمة التوحيد، والركن الأول من هذا الدين، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال: ودين الإسلام مبني على أصلين وهما: تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمداً رسول الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلهاً آخرا....
الأصل الثاني: (أن نعبده بما شرع على ألسن رسله....) (وبالجملة، فمعناه أصلان عظيمان أحدهما: ألا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده غلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة) .
стр. 45
الاعتصام بالسنة
وهذا هو قطب رحي الدين، وحبله المتين، وحصنه الحصين، وعروته الوثقي التي لا تنفصم، والطريق الوحيد، الذي يوصل إلى الله ، والنور المضيء الذي تحيا به القلوب، والنفوس وتستقيم به الحياة كلها والضرورة اللازمة لاستمرار الحياة.
وهو سبب الرسالة التي هي: ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعادته، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا بإتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا بإتباع الرسالة، فإن الإنسان مضطر إلى الشرع ... والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه من دخله كان آمنا ... والدنيا كلها ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة، وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض، إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض، وانمحت بالكلية، خرب الله عالم العلوي والسفلي، وأقام القيامة.
وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسل، كحاجتهم إلى الشمس والقمر، والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب.... بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال، فالرسل وسائط وبين خلقه، في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عبادة ".
ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله.
стр. 46
ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.
الاعتصام لغة وإصلاحاً:
مأخوذ من "عصم" وهو في أصل الاستعمال العربي ( ... يدل على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كله معنى واحد ... ) . ومن أصل الاستعمال يمكن معرفة الانتقال من الأصل اللغوي إلى الاصطلاح الشرعي....
فأما أن أصلها: الإمساك:
فـ (تقول العرب: اعتصمت فلاناً، أي هيأت له شيئاً يعتصم بما نالته يده أي يلتجئ به ويتمسك به.
و (الاعتصام: الإمساك بالشيء ...
وأعصم بالفرس: أي امتسك بعرفة، وكذلك البعير إذا امتسك بحبل من حباله ...
... وأعصم إذا تشدد واستمسك بشيء من أن يصرعه، فرسه أو راحلته.
... أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئاً فقد عصمه ... ) .
وهذا الأصل ينطبق على الاستعمال الشرعي الذي سمي بـ (الاعتصام) بالكتاب والسنة) .
قال ابن حجر ﵀ في شرحه لقول البخاري ﵀ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة:
(وقال الكرماني: هذه الترجمة منتزعة من قوله -: (وأعتصموا
стр. 47
بحبل الله جميعاً) ، لأن المراد بالحبل: الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة ... والجامع كونهما سبباً للمقصود وهو الثواب، والنجاة من العذاب، كما أن الحبل سبب لحصول المقصود به من السقي وغيره ... ) .
وقال أبو السعود في تفسيره لقوله - تعالى -:
(ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم) :
(أي: ومن يتمسك بدينه الحق الذي بينه وبآياته، على لسان رسوله ﵊ وهو الإسلام والتوحيد ... ) .
وقال في تفسير قوله - تعالى -: (وأعتصموا بحبل الله ... ) .
( ... تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به، ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بجبل وثيق مأمون الانقطاع ... ) .
ومن هذا الباب قوله - تعالى - لنبيه محمد ﷺ : (فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم) .
стр. 48
وقوله - جل وعلا -: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) .
وقوله - سبحانه -: (ومن يسلم وجهه - إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور) .
قال ابن كثير:
(أي أخلص له العمل وانقاذا لأمره واتبع شرعه ... ) .
وهذا الاستمساك هو عين الاعتصام، وهو عين العمل المقبول عند الله سبحانه.
والعروة الوثقى التي في الآيتين الكريمتين هي الإسلام وهي الشرع، وهي الكتاب الكريم، وهي السنة المطهرة، من اعتصم وتمسك بها نجا وفاز، كما دل على ذلك حديث عبد الله بن سلام ﵁ قال: (رأيت كأني في روضة، ووسط الروضة عمود، في أعلى العمود عروة فقيل: أرقة قلت: لا أستطيع، فأتاني وصيف، فرفع ثيابي، فرقيت فاستمسكت بالعروة، فانتبهت وأنا مستمسك بها، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: " تلك الروضة الإسلام، وذلك عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى لا تزال مستمسكاً بالإسلام حتى تموت ".
стр. 49
وفي الترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من المساء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".
وفي الدارمي بسنده، عند عبد الله بن مسعود قال: (إن هذا الصراط محتضر، تحضره الشياطين، ينادون يا عبد الله: هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن) .
· وأما أن أصل الاعتصام (المنع) فإن العصية في كلام العرب المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، عصمه يعصمه عصماً: منعه ووقاه ... ) .
والعرب تقول: (عصمة الطعام: منعه من الجوع) .
ويقال: ( ... اعتصم فلان بالله إذا امتنع به ... واعتصمت بالله إذا امتنعت بالطفة من المعيصة ... ) .
وعلى هذا المعنى قوله - تعالى - لنبيه ﷺ :
стр. 50
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس....) .
قالت عائشة: (كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: (والله يعصمك من الناس) فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة فقال لهم: " أيها الناس: انصرفوا فقد عصمني الله ". وعليه قوله ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ". ومنه قوله - تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) .
قال ابن كثير: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله) : أي يمنعكم) .
ومنه قوله: (ما لكم من الله من عاصم) .
قال ابن كثير: (لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه) .
وهذا المعنى يوجد كذلك فيما نحن بصدده من كون الاعتصام مانعاًَ من حصول غضب الله ومقته، بسبب الترك، ومانعاً من حصول الضلال في الأعمال
стр. 51
بالبدع والمخالفات، ومانعاً من حصول العذاب المرتب على ذلك. في الدنيا وفي الآخرة.... قال - تعالى: (واعتصموا بالله هو مولاكم) .
وقال الشوكاني في تفسيرها: (أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون ـ والتجئوا إليه في جميع أموركم....) .
وفي الدارمي عن ابن مسعود ﵁ قال: (إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور، والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ... ) .
ومن ذلك قول سفيان بن عبد الله الثقفي لرسول الله ﷺ : حدثني بأمر اعتصم به، قال: " قل ربي الله ثم استقم ".
فيصح أن يكون المعنى: حدثني بأمر امتنع به من الزلل والعذاب، ويصحح كذلك أن يكون مغناه: حدثني بأمر اتمسك به.
· وأما أن أصل الاعتصام (الملازمة) .... فإنه: ( ... يقال: اعصم به وأخلد إذا لزمه) .
· و (أعصم الرجل بصاحبه إذا لزمه ... ) .
стр. 52
· و (العصم: جمع عصام، وهو رباط كل شيء ... ) .
· و (من الباب عصام المحمل شكاله وفيده الذي يشد به عارضاه، وعصام القربة عقال نحو ذراعين ... ) .
· ... والمزادة على البعير شدها على البعير يسمى عصاماً، واعصمة: القلادة....) .
وعلى هذا المعنى قوله - تعالى -: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) .
قال ابن كثير: (تحريم من الله على عباده المؤمنين، نكاح المشركات والاستمرار معهن) .
قال الشوكاني: (والعصم جمع عصمة، وهي ما يعتصم به، والمراد هنا عصمة عقد النكاح....) .
ومعنى الملازمة هذا يتوجه مباشرة إلى الأوامر الشرعية الواردة في القرآن والسنة، بالحث على الاعتصام والأمر به.
فكما أن الاعتصام يعني التمسك بدلالة التضمن، ويعني المنع بدلالة الالتزام، فإنه يعني الملازمة بدلالة المطابقة.
يدل على هذا بوضوح قوله تعالى: (وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ... ) .
وقوله: (فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو
стр. 53
مولاكم) .
قال أبو مسعود: (وأعتصموا بالله أي: لقوا به في مجامع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه) .
قال ابن كثير: (أي اعتضدوا بالله وأستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به) .
وهذه الملازمة على التمسك بشرع الله هي الاستقامة التي أمر الله بها رسول الله ﷺ ومن كان على سبيله حيث قال في محكم كلامه: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير) .
وقال - جل في علاه -: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءأمنت بما أنزل الله من كتاب ... ) .
قال ابن كثير: (واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله - تعالى، كما أمرك الله .
وهذه الإستقامة هي عين الملازمة، وهي الاعتصام بدين الله وشرعه وسنة نبيه ﷺ .
ولهذا قال ﷺ لمن سأله عن الأمر عن الأمر الذي يعتصم به: " وقل آمنت بالله ثم استقم ".
والتمسك بالشرع والملازمة عليه والمداومة على الإعتصام به هي إرادة الله
стр. 54
الشرعية التي رضيها لنا - سبحانه - كما أخبرنا عنه ونبيه وحبيبه - محمد ﷺ إذ قال:
" إن الله كره لكم ثلاثاً ورضى لكم ثلاثاً، رضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تنصحوا لولاة الأمر.... وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السوال".
وهي وصيته ﵇ حين قال:
" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً فإنه يعش منكم فسيرى الله اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالتواجذ، وإياكم ومحدثات الامور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
وقال ﵇ في خطبه الوداع: " وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله..... ".
стр. 55
السنة ... تعريفها واستعمالاتها
الأصل اللغوي لكلمة سنة هو " سن "، وأصل استخدامها في لغة العرب: ( ... قولهم سننت الماء على وجهه أسنة سناً، إذا أرسلته إرسالاً ... ) .
والسنة والسنن: (في الأصل: الطريق) .
(وسنن الطريق، وسننه وسينه وسننه: نهجه: يقال: خدعك سنن الطريق وسننه ... ) .
ويطلق هذا التركيب عل نهج الطريق وجهته ومحجته.
وأطلق هذا الأصل في الإستعمال اللغوي على عدة أمور، هي (السيرة.... ونهج الطريق ... ومقصود الرجل ... ) .
أما استعمال السنة بمعنى السيرة، فإنه يراد به: ( ... السيرة حسنة كانت أو قبيحة....) .
وهذا مشتق من الأصل الأول الذي هو: (جريان الشيء وأطراده بسهولة والأصل قولهم: سننت الماء.... إذا أرسلته، ومما اشتق منه (السنة) وهي السيرة وسنة رسول الله ﵇ سيرته ... ) .
وعلى هذا المعنى جرت بعض الاستعمالات الشرعية، التي هي بمعنى السيرة
стр. 56
حسنة أو قبيحة.
كقوله ﷺ : " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة....".
· وعليه كذلك قوله ﷺ ، عن ابن آدم الأول الذي قتل أخاه: " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ودمها، لأنه كان أول من سن القتل) .
· ومن ذلك أيضاً قول أبي هريرة عن خبيب بن عدي: (فكان خبيب هو من سن الركعتين لكل امرئ مسلم) .
· ومنه ﷺ في حديث الفتن ن عند ذكر الخبر الذي فيه دخن، ولما سئل ما دخنه قال: " قوم يستون بغير سنتي ويهدون بغير
стр. 57
هدي ... ".
· وكل ذلك يطلق على من سار سيرة اقتدي بها وعلى: (.... كل من ابتدأ أمراً عمل به قوم بعده) .
· ومن ذلك قول الشاعر:
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها.
(والسيرة السنة ... والسيرة الطريقة يقال: سار بهم سيرة حسنة ... ) .
وهذا هو الاستعمال الثاني لكلمة سنة، مأخوذ من الأصل الثاني الذي هو الطريق) .
(وقد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة والسيرة....) .
بل إن السنة في الأصل سنة الطريق، وهو طريق سنة أوائل الناس، فصار مسلكاً لمن بعدهم، وسن فلان طريقاً من الخير يسنه إذا ابتدأ أمراً من البر لم يعرفه قوله، فاستسنوا به وسلكوه ...
قال ابن كثير في تفسير قوله: - تعالى -: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ... ) .
يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها) .
стр. 58
وعلى هذا الاستعمال توصف الطريق بأنها: ( ... مستقيمة محمودة ... ) أو منحرفة مذمومة.
ويقال: ( ... سنن الطريق محجته.... وسننه نهجه.... وسننه أي جهته....) .
وعلى هذا الاستعمال يقال: (وامض على سننك أي وجهك وقصدك، سنن الرجل قصده وهمته..) .
ومن هذه الأصول اللغوية والاستعمالات المتنقلة عنها، يمكن معرفة الأحاديث الواردة في ذلك ومن أمثال هذه الاحاديث:
· قوله ﷺ : " ... فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقودة ".
· قوله ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم ... ".
· وقوله ﵇: " إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة ... ".
· وقوله ﷺ : " ... للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسننا ً ... ".
· وقوله ﷺ : " ... فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي....".
стр. 59
السنة في الاصطلاح:
استعملت كلمة (السنة) في الاصطلاح الشرعي على طريقتين:
الأولى منهما: عامة شاملة.
والثانية: خاصة مفيدة.
وأستحدث عن كل واحدة منهما على حدة:
١- السنة بالمعنى العام:
ويراد بها الشريعة الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما استنبط منهما من أصول ... وما ورد من أخبار وآثار وأحاديث صحيحة.
أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( ... السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه، بأنه طاعة لله ورسوله، وساء فعله رسول الله ﷺ أو فعل على زمانه ولم يفعله، ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو جود المانع عنه، فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة ... ) .
وبهذا المعنى العام، تكون السنة هي: (إتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً، وإتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وإتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الرادين المهدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
وهذا المعنى العام يطلق فيراد به القرآن الكريم، والحديث النبوي، والآثار
стр. 60
السلفية.... كمثل حديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ". وكمقل قوله ﷺ : " ... فمن رغب عن سنتي فليس مني "، ويطلق ويراد به ما جاء منقولاً عن النبي ﷺ خصوصاً غير القرآن الكريم.
وهذا المعنى أخص متن المعنى السابق وهو داخل في المعنى العام للسنة باعتباره شاملاً لكل ما ورد عن النبي ﷺ ويكون هذا فيما ورد من أحاديث أو آثار ... قرن فيها القرآن والسنة ففي:
(كثير من الاحاديث جاءت كلمة السنة في مقابلة القرآن الكريم أو معطوفة كلمة الكتاب، والمقابلة والعطف بمقتضيان المغايرة غالباً ... فمن الطبيعي أن تحمل على معنى مستقل يغاير المعنى الأول، الذي هو تعاليم الشريعة، وقد فسر بالوحي غير المتلو وغير المعجز الذي كان ينزل على رسول الله ﷺ والذي عرف لدى العلماء بالحديث) .
والحافز لهذا القول: و ( ... الموجب لهذا التفسير ... هو ذكر السنة في مقابلة القرآن الكريم أو معطوفة على الكتاب ... ويمكن القول بأنه متى اجتمعاً افترقاً وحيث يكتفي بذكر السنة تشمل الاثنين معا ... ) .
ومن الأحاديث التي وردت على هذا المعنى، قوله ﷺ : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً - كتاب الله وسنة رسوله ".
إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار الواردة بصيغة تقرن بين الكتاب والسنة أو القرآن والسنة.
وفي هذين المعنيين السالفين قال إمام الشاطبي في الموافقات:
(يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولاً عن النبي ﷺ على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته ﵊، كان بياناً لما في الكتاب أو لا.....
ويطلق أيضاً في مقابلة البدعة فيقال: (فلان على سنة) . إذا عمل على وفق
стр. 61
ما عمل عليه النبي ﷺ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أولاً، ويقال: (فلان على بدعة) إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب....
ويطلق أيضاَ لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم، أو من خلفائهم، فإن في إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع، من جهة حمل الناس عليه حسما اقتضاه النظر المصلحي عندهم.
فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان كما فعلوا في حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك ويدل على هذا الإطلاق قوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين....".
(وبهذين المعنيين عرفت الكلمة السنة في الرعيل الأول وبها اصطبغت الكلمة في المفهوم الإسلامي في عصر النبي ﷺ وعصر الصحابة والتابعين..) .
(وهي على هذا المعنى شاملة للواجب والمندوب والمباح سواء كانت من قبيل أو الأقوال أو الاعتقادات وما كان السلف يطلقون اسم السنة إلا بهذا المعنى) .
يدخل في ذلك السنة الفعلية والسنة التركية.
стр. 62
وبخلاج منه ما اختص به النبي ﷺ كالوصال، ونكاح أكثر من اربع، وما فعله على سبيل الاتفاق أو كان أمراً جبلياً محضاً والمقصود أن السنة التي يهتم هذا البحث بالحديث عنها هي (الطريق المسلوكة في الدين بأن سلكها رسول الله ﷺ أو السلف الصالح من بعده ... ) .
وهي ما وقفت الكتاب والحديث وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات وتقابلها البدعة.
٢- أما السنة بالمعنى الخاص:
فقد تنوعت العبارات فيها بتنوع الموضوعات والفنون، فهناك إصطلاح المحدثين وإصطلاح الفقهاء وإصطلاح الأصوليين.. ولا علاقة بين هذه التعريفات الخاصة وموضوع البحث فيترك الكلام عنها.
стр. 63
ذم البدع
الإنسان عبد لله، خلقه ليكون كذلك، وكما أن الله - سبحانه - لم يخلقه عبثاً في أصل نشأته، فكذلك لم يتركه هملاً في شؤون حياته.
خلقه وعلمه ودله على طريق الخير الذي يوصل إليه سبحانه، وجعلها طريقاً واحدة، دليلها الكتاب وبابها الرسول، فمن أراد سلوك الطريق من غير دليل تاه، ومن أراد الولوج من غير باب الرسالة، وبدون مفتاح النبوة فقد ضيع دنياه وأخراه.
ولهذا جاء الأمر الحتمي الملزم بالاعتصام بالوحي المنزل؛ لكونه الصراط المستقيم الموصل.. وجاء النهي الشديد المحتم بترك ما سوى قصد السبيل، ونبذ الجائر المجافي للدليل.
وسوف أسرد بإيجاز بعض ما ورد من الكتاب والسنة والآثار في ذم البدع والتنفير منها، والنهي عنها، ثم أورد بعد ذلك باختصار بعض أقوال العلماء في ذلك.
والذم هنا يشمل كل أنواع البدع صغيرها وكبيرها، في الاعتقاد أو في الأعمال بالفعل أو بالترك سواء كانت بدعة حقيقية أم إضافية وذلك لعموم حديث المصطفى ﵇: "وكل بدعة ضلالة".
فمن آيات الكتاب المجيد في ذم البدع:
١- قوله : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) .
стр. 64
وقد جاء تفسيرها في حديث المصطفى ﷺ كما روت عائشة ﵂ أن الرسول ﵇ تلا هذه الآية ثم قال: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
وكذلك فسرها ابن عباس ﵄ كما روى الآجري بسنده أنه ذكر لابن عباس ﵄ الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن فقال - رضي الله تعالى عنه -: (يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) .
٢- وقوله - جل وعلا: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق
стр. 65
بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) .
فالصراط المستقيم الذي أمر الله به هو سبيل الله والسبل الأخرى التي نهى الله عنها هي سبل أهل البدع.
والدليل على هذا ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (خط رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً"، قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) .
وما رواه أبو نعيم بسنده عن مجاهد في قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) قال: (البدع والشبهات) .
والنهي عن هذه السبل يدل على ذمها.
٣- وقوله :
(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) .
وقد ورد ما يفسر هذه الآية من كلام الصادق ﷺ كما نقل ذلك معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله..".
ولما رأى الصحابي الجليل أبو أمامة - رضى الله عنه -رؤوس الخوارج منصوبة على درج مسجد دمشق قال: (كلاب النار ثلاثاً شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) الآيتين.
قل - القائل راوي الحديث أبو غالب - لأبي أمامة: أسمعته من
стр. 66
رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً ما حدثتكم) .
وقد فسر ابن عباس ﵁ قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) بقوله: (فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة) .
٤- وقوله - سبحانه -: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .
قال الحافظ ابن كثير:
(أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً (أن تصيبهم فتنة) ، أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة) .
٥- وقوله - تعالى -:
(وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) .
стр. 67
٦- وقوله - تعالى -:
(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) .
ومن أحاديث المصطفى ﷺ في ذم البدع:
١- قوله ﷺ :
".. أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) . وزاد النسائي: "وكل ضلالة في النار".
٢- وقوله ﷺ :
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
٣- وقوله ﷺ كما روى العرباض بن سارية:
"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة".
٤- وقوله ﷺ من حديث معاوية بن أبي سفيان -
стр. 68
رضي الله عنهما - قال: (ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة".
٥- وقوله ﷺ كما روى ذلك أنس وعبد الله بن عمرو: "من رغب عن سنتي فليس مني".
٦- وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء".
стр. 69
ومن الآثار الواردة في ذم البدع:
١- ما رواه أبو داود بسنده عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك أن يقول قائل: ما للناس لايتبعوني؟ وقد قرأن القرآن وما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة واحذروا زيفة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق) .
٢- وعن حذيفة ﵁ قال: (يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيداً، ولئن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً..
٣- وروى الآجري بسنده عن أبي العالية قوله: (تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ والذي عليه أصحابه، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فحدثت به الحسن فقال: صدق ونصح..) .
٤- وعن ابن عباس ﵄ قال: (عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع) .
стр. 70
٥- وعن ابن مسعود ﵁ قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة) .
٦- وروى الإمام أحمد في الزهد بسنده عن الحسن البصري أنه قال: (اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم وإياكم ما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات) .
٧- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته: (أما بعدن أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا اقوي، وبفضل ما كانوا فيه أولى فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه.. ولئن قلتم: ٠إنما حدث بعدهم) ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم..)
стр. 71
٨- وقال أيوب السختياني: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً) .
٩- وقال أبو قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) .
١٠- وقال حسان بن عطية - كما روى ذلك الأوزاعي عنه: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
١١- قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله أوصني، قال: إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان) .
стр. 72
وهذه بعض أقوال العلماء في ذم البدع:
جاءت الشريعة الإسلامية بمصالح الأنام في معاشهم ومعادهم وسلكت لأجل ذلك أوضح المسالك وأعطت كل دارج عليها نوره لتهدي وحذرته من مغبة التنكب المقيت؛ لأنه الضلال والفساد والمهالك.
والقلوب كالأبدان، لها غذاء ودواء وبلاء فـ (... الشرائع أغذية القلوب فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
بل بمنزلة من تعاطى السموم المهلكة واتخذ الدواء من أنياب الأفاعي لأن فاعل البدع: (.. يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به.. وحينئذ.. تورث القلب نفاقاً.. فمن تدبر هذا علم يقيناً ما في حشوة البدع من السموم المضعفة للإيمان ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر..) .
لأن الجامع بينها هو مشاقة أمر الله والخروج عن الطريق المستقيم القاصد، إلى الطريق الجائز.
وهذا هو الجامع أيضاً بين البدع والمعاصي، بيد أن البدع في عمومها أشر من المعاصي، وأشد إثماً، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال:
(.. والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري: والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .
واستدل ﵀ على أن البدع شر من المعاصي بحديث الرجل الذي
стр. 73
كان يدعى (حماراً) وكان يضحك النبي ﷺ ، وكان يكثر من شرب الخمر فحده النبي ﵇، فلعنه أحد الصحابة فقال: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله".
وشرب الخمر معصية، ولكنه لما كان صحيح الاعتقاد، محباً لله ورسوله شهد له النبي ﵇ بذلك ونهى عن لعنه.
واستدل على غلظ البدعة وعظم خطرها بحديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) فقال النبي ﷺ : "يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
ولكون البدع أشر من المعاصي صار (أئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب.. ولهذا أمر النبي ﷺ بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة..) .
والسبب في أن البدع أسوأ حالاً ومآلاً من المعاصي ما بينه سفيان الثوري، ﵀ في الكلام المنقول عنه آنفاً، يضاف إلى ذلك أمور هي
стр. 74
من أسباب اعتبار البدع أضخم في الإثم والذم من المعاصي، وهي في ذات الوقت ذم للبدع فمن ذلك:
١- أن المبتدع بلسان حاله يتهم الرسول ﷺ بالخيانة في أداء الأمانة والرسالة، وذلك بكونه يحدث من العبادات والاعتقادات والأقوال والأعمال ما يعتقد أنه قربه إلى الله - تعالى -، ولو كان كذلك لأخبرنا به نبينا - محمد ﷺ لأنه ما ترك خيراً إلا دلنا عليهن ولا شراً إلا نهانا عنه، وهذا المبتدع كأنه يقول بفعله: هذه طريقة حسنة، وعبادة تقرب إلى الله وتنيل الثواب الوفير، وهذا اتهام للمبلغ الأمين - عليه أفضل الصلاة والتسليم-، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس - عليه رحمة الله-: (من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً) .
٢- أن البدع مضادة للشريعة ومتهمة لها، إذ تستدرك على الشرع بزيادة أو نقصان، أو تغيير للأصل الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، فالبدع عموماً: (.. مضادة للشارع، ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له) .
٣- وعلة ذلك أن المبتدع: (.. المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيراً له من رأي أو كشف أو نحو ذلك.
стр. 75
ولأن أهل البدع عموماً أصلوا أصولاً توافق أهواءهم، وتناقض الحق الذي أمر الله به، فلم يهتدوا إلى الحق، بل جعلوا ما أصلوه مقدماً على الشرع الحنيف، بل إنهم جعلوا كلامهم هو المحكم، وكلام الشارع هو المجمل المتشابه.. وهذا هو عين المضادة والمراغمة التي تقود إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال والأحوال الفاسدة، والخروج عن الشريعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا.
٤- إن الشيطان الرجيم في تدرجه المشين لإضلال بني آدم بشروره واستحواذهن يسعى أولاً إلى إدخال الإنسان في الكفر والشرك، وهذه غاية أمانيه، فإذا لم يستطع ذلك انتقل (.. إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة، وجعله من أهلها بقي أيضاً نائبه، وداعياً من ذاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها.
ومن هذا الباب يخشى على المبتدع أن يكون كافراً، ويخاف عليه من سوء الخاتمة - نعوذ بالله -.
ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.
следующие страницы →