← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21543

تطريز رياض الصالحين

فيصل آل مبارك

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

[١٨٠٣] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أبِيهِ، فَهُوَ كُفْرٌ» . متفق عَلَيْهِ. المراد: من رَغِبَ عن نسب أبيه عالمًا مختارًا، فهو حرام، وقد فعل فعلاً شبيهًا بفعل أهل الكفر، وليس المراد حقيقة الكفر، الذي يخلد صاحبه في النار، فهو كفر دون كفر. [١٨٠٤] وعن يزيد بن شريكِ بن طارِقٍ، قَالَ: رَأيتُ عَلِيّاً ﵁ عَلَى المِنْبَرِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يقُولُ: لا واللهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ نَقْرؤُهُ إِلا كِتَابَ اللهِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإبِلِ، وَأشْيَاءُ مِنَ الجَرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «المَدينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أَوْ آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً. ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً. وَمَن ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيرِ مَوَاليهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ؛ لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً» . متفق عَلَيْهِ. «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ» أيْ: عَهْدُهُمْ وأمَانَتُهُمْ. «وأخْفَرَهُ» : نَقَضَ عَهْدَهُ. «وَالصَّرْفُ» : التَّوْبَةُ، وَقِيلَ الحِيلَةُ. «وَالعَدْلُ» : الفِدَاءُ.

стр. 1017

في هذا الحديث: تكذيب للرافضة الذين زعمو أنه ﷺ خص عليًّا عن سائر الناس بعلم لم يطلعوا عليه. وفيه: التصريح في تغليظ تحريم الانتساب إلى غير أبيه، وانتماء المعتق إلى غير مواليه لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث، والولاء، والعقل، وغير ذلك، مع ما فيه من القطيعة والعقوق. [١٨٠٥] وعن أَبي ذَرٍّ ﵁: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُو اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلا حَارَ عَلَيْهِ» . متفق عَلَيْهِ، وهذا لفظ رواية مسلم. قال الحافظ: وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادعاء إلى غيره. وقيد في الحديث بالعلم، ولا بد منه في الحالتين إثباتًا ونفيًا، لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمد له. وفيه: جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصد الزجر. ويؤخذ منه تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها: مالاً، وعلمًا، وتعالمًا، ونسبًا، وحالاً، وصلاحًا، ونعمة، وولاء، وغير ذلك. ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك. ٣٦٨- باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله أَو رسوله ﷺ عنه قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور (٦٣) ] .

стр. 1018

الفتنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. وإذا ورد هذا الوعيد في مخالفة أمر الرسول والإعراض عنه، فعن أمر الحق أحقُّ. وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران (٣٠) ] . أي: يخوِّفكم عقوبته على ارتكاب المنهي، ومخالفة المأمور، وهذا غاية التَّحذير. وقال تعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج (١٢) ] . قال ابن عباس: إنْ أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد. وقال تعالى: ﴿وَكَذِلكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود (١٠٢) ] . قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود (١٠٢) ] . [١٨٠٦] وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَغَيْرَة اللهِ، أنْ يَأْتِيَ المَرْءُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ» . متفق عليه. قال الحافظ: على قوله ﷺ : «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته» . الغيرة في اللغة: [تَغَيُّرٌ] يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين والأهلين، كل ذلك محال على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فيتعين حمله على المجاز. فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم، وزجرُ من يقصد إليهم أطلق عليه ذلك، لكونه منع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه.

стр. 1019

وقال ابن فوْرك: المعنى ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش من الله. وقال غيره: غيرة الله ما يغير من حال المعاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد (١١) ] . وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤول، على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. انتهى. قلت: والصواب في مثل هذا إمراره كما ورد، فتفسيره تلاوته. ٣٦٩- باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهياً عنه قال الله تعالى: ﴿وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [فصلت (٢٠٠) ] . قال البغوي: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾ ، أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان (نزغ) نخسة، والنزغ من الشيطان: الوسوسة. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ... [الأعراف (١٩٩) ] ، قال النبي ﷺ : «كيف يَا رب، والغضب» ، فنزل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ ، أي: استَجِرْ بِاللهِ إنَّهُ سميعٌ عليم. وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف (٢٠١) ] . قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله تعالى، فيكظم الغيظ. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله فيدعه. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ ، أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.

стр. 1020

قال السدِّي: إذا زلوا، تابوا. وقال مقاتل: إنَّ المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان، تذكَّر وعرف أنه معصية، فأبصر فنزع عن مخالفة الله. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلينَ﴾ [آل عمران (١٣٥، ... ١٣٦) ] . يثني تعالى على المتقين الذين إذا صدر منهم ذنب، أتبعوه بالتوبة والاستغفار. وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعَاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ... [النور (٣١) ] . أي: توبوا من التقصير في أوامره ونواهيه. قال النبي ﷺ : «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون» . [١٨٠٧] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ في حَلفِهِ: بِاللاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إلَهَ إلا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِركَ فَلْيَتَصَدَّقْ» . متفق عليه. قال البخاري: بَابٌ لا يَحْلِفُ بالَّلاتِ وَالْعُزَّى ولا بالطواغيت. قال الحافظ: الطواغيت جمع طاغوت، وعطفه على الَّلاتِ وَالْعُزَّى لاشتراك الكل في المعنى. وإنما أمر الحالف بذلك بقول: لا إله إلا الله، لكونه تعاطي صورة تعظيم الصنم حيث حلف به.

стр. 1021

قال جمهور العلماء: من حلف بالَّلاتِ والْعُزَّى أو غيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا، فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي ﷺ ، لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله، ولا كفارة عليه. وقال البغوي: في هذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام وإن أثم به، لكن تلزمه التوبة؛ لأنه ﷺ أمره بكلمة التوحيد، فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه. ولم يوجب عليه في ماله شيئًا، وإنما أمره بالتوحيد؛ لأن الحلف بالَّلاتِ والْعُزَّى يضاهي الكفار، فأمره أن يتدارك بالتوحيد. وقال الطيبي: الحكمة في ذكر القمار بعد الحلف باللات: أن من حلف باللات وافق الكفار في حلفهم، فأمر بالتوحيد. ومن دعا إلى المقامرة وافقهم في لعبهم، فأمره بكفارة ذلك بالتصدق. قال: وفي الحديث: أن من دعا إلى اللعب، فكفارته أن يتصدق، ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى. انتهى ملخصًا. * * *

стр. 1022

كتَاب المنثُورَات وَالمُلَحِ ٣٧٠-[بَابُ الْمَنْثُوْرَاتِ وَالْمُلَحِ] المنثورات: الأحاديث التي لا تتقيَّد بباب خاص. والملح: جمع مُلحة: ما يُستملح ويُستعذب من الأحاديث. [١٨٠٨] عن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَلَمَّا رُحْنَا إلَيْهِ، عَرَفَ ذلِكَ فِينَا، فَقالَ: «مَا شَأنُكُمْ؟» قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فقالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفنِي عَلَيْكُمْ، إنْ يَخْرُجْ وَأنَا فِيكُمْ، فَأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ؛ وَإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، واللهُ خَلِيفَتي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأنّي أُشَبِّهُهُ بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأ عَلَيْهِ فَواتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ؛ إنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِيناً وَعَاثَ شِمالاً، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رسُولَ اللهِ، وَمَا لُبْثُهُ في الأرْضِ؟ قال: «أرْبَعُونَ يَوماً: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمْعَةٍ، وَسَائِرُ أيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا:

стр. 1023

يَا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَال: «لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» . قُلْنَا: يا رسولَ اللهِ، وَمَا إسْراعُهُ في الأرْضِ؟ قال: «كَالغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأتِي عَلَى القَوْمِ، فَيدْعُوهُم فَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرىً وَأسْبَغَهُ ضُرُوعاً، وأمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَولَهُ، فَيَنْصَرفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئاً شَبَاباً فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى المَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﷺ فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأطَأَ رَأسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ، فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي إلى حَيثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأتِي عِيسَى ﷺ قَوماً قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذْ أوْحَى اللهُ تَعَالَى إلى عِيسَى ﷺ : أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبَاداً لي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أوائِلُهُمْ عَلَى بُحيرَةِ طَبَريَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بهذِهِ مَرَّةً ماءٌ، وَيُحْصَرُ نَبيُّ اللهِ عِيسَى ﷺ وأصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ

стр. 1024

رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِئَةِ دينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى ﷺ وأصْحَابُهُ ﵃ إلى اللهِ تَعَالَى، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى ﷺ وأصْحَابُهُ ﵃ إلى الأرْضِ، فَلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى ﷺ وَأصْحَابُهُ ﵃ إلى اللهِ تَعَالَى، فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى طَيْراً كَأَعْنَاقِ البُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَراً لا يُكِنُّ مِنهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ، ثُمَّ يُقَالُ للأرْضِ: أنْبِتي ثَمَرتكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أنَّ اللّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ؛ وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى ريحاً طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ؛ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيها تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» . رواه مسلم. قولهُ: «خَلَّةً بَينَ الشَّامِ والعِراَقِ» : أي طَرِيقاً بَيْنَهُمَا. وقولُهُ: «عَاثَ» بالعين المهملة والثاء المثلثة، وَالعَيْثُ: أَشَدُّ الفَسَاد. «وَالذُّرَى» : بضم الذال المعجمة وهو أعالي الأسْنِمَةِ وهوَ جَمعُ ذِروةٍ بضمِ الذالِ وكَسْرها «

стр. 1025

وَاليَعَاسِيبُ» : ذُكُورُ النَّحْلِ. «وَجِزْلَتَيْنِ» : أيْ قِطْعَتَيْنِ، «وَالغَرَضُ» : الهَدَفُ الَّذي يُرْمَى إلَيْهِ بالنَّشَّابِ، أيْ: يَرْمِيهِ رَمْيَةً كَرَمْيَةِ النَّشَّابِ إلى الهَدَفِ. «وَالمَهْرُودَةُ» بالدال المهملة والمعجمة، وهي: الثَّوْبُ المَصْبُوغُ. قَولُهُ: «لا يَدَانِ» : أيْ لا طَاقَةَ. «وَالنَّغَفُ» : دُودٌ. «وَفَرْسَى» : جَمْعُ فَرِيسٍ، وَهُوَ القَتِيلُ. وَ «الزَّلَقَةُ» : بفتح الزاي واللام وبالقاف، ... وَرُوي: الزُّلْفَةُ بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء وهي المِرْآةُ. ... «وَالعِصَابَةُ» : الجَمَاعَةُ. «وَالرِّسْلُ» بكسرِ الراء: اللَّبَنُ. «وَاللِّقْحَةُ» : اللَّبُونُ. «وَالفِئَامُ» بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة: الجماعةُ. ... «وَالفَخِذُ» مِنَ النَّاسِ: دُونَ القَبِيلَة. قوله: «غير الدجال أخوفني عليكم» . قال النووي: كذا في جميع نسخ بلادنا بالنون، وكذا نقله عياض رواية الأكثرين. قال: ورواه بعضهم بحذفها، وهما لغتان صحيحتان، معناهما واحد. ومعنى الحديث: أخوف مخوفاتي عليكم.

стр. 1026

قوله: «ويبعث الله يأجوج ومأجوج» . هما أمتان عظيمتان يخرجون حين يفتح الله سدهم، ويجعله دكًا. [١٨٠٩] وعن رِبعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، قال: انطلقت مع أبي مسعود الأنصاري إلى حُذَيفَةَ بن اليمان ﵃، فقال له أبو مسعود: حَدِّثْنِي ما سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الدَّجَّالِ، قال: «إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وإنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَاراً، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وأمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَاراً فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ. فَمَنْ أدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقَعْ فِي الَّذي يَراهُ نَاراً، فَإنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ» . فقال أبو مسعود: وَأنَا قَدْ سَمِعْتُهُ. متفق عليه. قال النووي: قال العلماء: هذا من جملة فتنه التي امتحن الله بها عباده، يحق الحق، ويبطل الباطل، ثم يفضحه بعدُ، ويظهر عجزه. [١٨١٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ في أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أرْبَعِينَ، لا أدْرِي أرْبَعِينَ يَوماً أو أرْبَعِينَ شَهْراً، أو أرْبَعِينَ عَاماً، فَيَبْعَثُ اللهُ تَعالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﷺ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيسَ بَينَ اثْنَينِ عَدَاوةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ ، ريحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ أو إيمَانٍ إلا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ، لَدَخَلَتْهُ عَلَيهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ،

стр. 1027

فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وأحْلامِ السِّبَاعِ، لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً، ولا يُنْكِرُونَ مُنْكَراً، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فيَقُولُ: ألا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تأمُرُنَا؟ فَيَأمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ إلا أصْغَى لِيتاً وَرَفَعَ لِيتاً، وَأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ فَيُصْعَقُ ويُصْعَقُ النَّاسُ حولهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - أو قال: يُنْزِلُ اللهُ - مَطَراً كَأَنَّهُ الطَّلُّ أو الظِّلُّ، فَتَنْبُتُ مِنهُ أجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقالُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: أخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ فَذَلِكَ يَومٌ يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً، وَذَلِكَ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» . رواه مسلم. «اللِّيتُ» : صَفْحَةُ العُنُقِ. وَمَعْنَاهُ يَضَعُ صَفْحَةَ عُنُقِهِ وَيَرْفَعُ صَفْحَتَهُ الأُخْرَى. قوله: لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة» . قال الحافظ: والجزم بأنها أربعون يومًا مقدَّم على هذا الترديد. [١٨١١] وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيسَ مِنْ بَلَدٍ إلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ؛ وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ

стр. 1028

أنْقَابِهِمَا إلا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ تَحْرُسُهُمَا، فَيَنْزِلُ بالسَّبَخَةِ، فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، يُخْرِجُ اللهُ مِنْهَا كُلَّ كافِرٍ وَمُنَافِقٍ» . رواه مسلم. قال الحافظ: يجمع بينه وبين حديث: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال» . بأن الرعب المنفي: الخوف والفزع، حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب الإِرفاق، وهو إشاعة مجيئه، وأنه لا طاقة لأحد به، فيسارع حينئذٍ إليه من يتصف بالنفاق أو الفسق، فظهر حينئذٍ تمام أنها تنفي خبئها. [١٨١٢] وعنه ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ ألْفاً عَلَيْهِم الطَّيَالِسَةُ» . رواه مسلم. الطيالسة: جمع طيلسان، وهو الثوب الذي له علم، وقد يكون كساء. [١٨١٣] وعن أم شريكٍ ﵂: أنها سَمِعَتِ النبي ﷺ يقولُ: «لينْفِرَنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الجِبَالِ» . رواه مسلم. [١٨١٤] وعن عمران بن حُصينٍ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» . رواه مسلم. وذلك أنه لا ينجو من فتنته إلا النذر اليسير. قال الحافظ: وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية من (الحلية) بسند صحيح إليه، قال: (لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنى عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة) .

стр. 1029

وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه من بعض أهل الكتاب. [١٨١٥] وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤمِنِينَ فَيَتَلَقَّاهُ المَسَالِحُ: مَسَالِحُ الدَّجَّال. فَيقُولُونَ لَهُ: إلى أيْنَ تَعْمِدُ فَيَقُولُ: أعْمِدُ إلى هذَا الَّذِي خَرَجَ. فَيَقُولُونَ لَهُ: أوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ! فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ. فَيقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أنْ تَقْتُلُوا أحَداً دُونَهُ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إلى الدَّجَّالِ، فَإذَا رَآهُ المُؤْمِنُ قالَ: يا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ هذَا الدَّجَّال الَّذي ذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ ؛ فَيَأمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ؛ فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ. فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْباً، فَيقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ المَسِيحُ الكَذَّابُ! فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُؤْشَرُ بِالمنْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ القِطْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فَيَسْتَوِي قَائِماً. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: ما ازْدَدْتُ فِيكَ إلا بَصِيرَةً. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ؛ فَيَأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيَجْعَلُ اللهُ مِا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاساً، فَلا يَسْتَطِيعُ إلَيهِ سَبيلاً، فَيَأخُذُهُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسَبُ النَّاسُ أَنَّهُ قَذَفَهُ إلَى النَّارِ، وَإنَّمَا أُلْقِيَ فِي الجَنَّةِ» . فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «هذا أعْظَمُ النَّاس شَهَادَةً عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ» . رواه مسلم. وروى البخاري بعضه بمعناه. «المسالِح» : هُمُ الخُفَرَاءُ والطَّلائِعُ.

стр. 1030

قوله: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين، أي: لأنه قال الحق عند الظالم الكاذب الجائر. قوله: وروى البخاري بعضه بمعناه، ولفظه: «يأتي الدجال وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فيدخل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل، وهو خير الناس أو من خيار الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط ... عليه» . [١٨١٦] وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سألَ أَحَدٌ رسولَ الله ﷺ عَن الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَألْتُهُ؛ وإنَّهُ قَالَ لِي: «مَا يَضُرُّكَ» قُلْتُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ. قالَ: «هُوَ أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلكَ» . متفق عليه. قال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلاً للمؤمنين، ومشككًا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قوبهم مرض. [١٨١٧] وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، ألا إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر» . متفق عليه. قوله: «ما من نبي إلا وقد أنذر قومه الأعور الكذاب» ، وذلك لأنهم علموا بخروجه وشدة فتنته، وتوهم كل نبي إدراك أمته، فأنذرهم منه.

стр. 1031

قوله: «مكتوب بين عينيه ك ف ر» . هذا لفظ رواية مسلم. ولفظ البخاري: «وإن بين عينيه مكتوبًا كافر» . وفي رواية: «يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» . [١٨١٨] وَعَن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «ألا أُحدِّثُكمْ حديثاً عن الدجالِ ما حدَّثَ بهِ نبيٌّ قَومَهُ! إنَّهُ أعورُ، وَإنَّهُ يجيءُ مَعَهُ بِمِثالِ الجنَّةِ والنَّارِ، فالتي يقولُ إنَّها الجَنَّةُ هي النَّار» . متفقٌ عليهِ. قوله: «فالتي يقول: إنها الجنة هي النار» . أي: وبالعكس، واكتفى بما ذكر لدلالته عليه. [١٨١٩] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ لَيْسَ بِأعْوَرَ، ألا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» . متفق عليه. قوله: «طافية» بياء غير مهموزة، أي: بارزة، وبعضهم بالهمز، وهي التي ذهب ضوءها. قال الحافظ: والذي يتحصل من مجموع الأحاديث أن الصواب ترك همز طافية. [١٨٢٠] وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِنْ وَرَاء الحَجَرِ وَالشَّجَرِ. فَيَقُولُ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ هذَا يَهُودِيٌّ

стр. 1032

خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ؛ إلا الغَرْقَدَ فإنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ» . متفق عليه. قال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود. وقال الدينوري: إذا عظمت العوسجة، صارت غرقدًا. [١٨٢١] وعنه ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرجُلُ بالقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هذَا القَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، ما بِهِ إلا البَلَاءُ» . متفق عليه. قوله: «فيتمرغ عليه» . أي: يتقلب على القبر مما أصابه من الأنكاد الدنيوية، وذلك لاستراحة الميت من نصب الدنيا وعنائها. [١٨٢٢] وعنهُ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يُقْتَتَلُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِئَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَيَقُولُ كُلُّ رجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أنْ أكُونَ أنَا أنْجُو» . وَفي رواية: «يُوشِكُ أنْ يَحْسِرَ الفُرَاتُ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلا يَأخُذْ مِنْهُ شَيْئاً» . متفق عليه. قوله: «فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا» . قال الشارح: وذلك لأنه لا يصل إليه أحد إِلا بعد التقاتل، فلا يصل إليه حتى يقتل عددًا، وقد يقتل هو، وإذا لم يتوجه إليه وامتثل النهي، سلم في نفسه، وسلم منه غيره.

стр. 1033

[١٨٢٣] وعنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لا يَغْشَاهَا إلا العَوَافِي يُريد - عَوَافِي السِّبَاعِ والطَّيرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وُحُوشاً، حَتَّى إذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الودَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهمَا» . متفق عليه. قوله: «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي» ، يعني في آخر الزمان. وقال القاضي: إنه جرى في العصر الأول، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين نقلت الخلافة إلى الشام والعراق. [١٨٢٤] وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يكُونُ خَلِيفَةٌ مِنْ خُلَفَائِكُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَحْثُو المَالَ وَلا يَعُدُّهُ» . رواه مسلم. [١٨٢٥] وعن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ فَلا يَجِدُ أَحَداً يَأخُذُهَا مِنهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» . رواه مسلم. قوله: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، فلا يجد أحدًا يأخذها منه» . قال الشارح: وذلك لإِخراج الأرض كنوزها وفيضان المال.

стр. 1034

[١٨٢٦] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ، إنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ وَلَمْ أشْتَرِ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرْضُ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قالَ أحَدُهُما: لِي غُلَامٌ، وقالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قال: أنْكِحَا الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وأنْفِقَا عَلَى أنْفُسِهمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا» . متفق عليه. العقار: كل ملك ثابت له أصل، كالدار، والنخل، والأرض. وفي هذا الحديث: تورع البائع والمشتري، وإنصاف الحاكم بينهما، وعدم طمعه. [١٨٢٧] وعنهُ ﵁: أنَّه سمعَ رسُول الله ﷺ يقولُ: «كانت امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابْنِ إحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وقالتِ الأخرَى: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا إلى دَاوُدَ ﷺ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ﷺ فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ! رَحِمَكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ للصُّغْرَى» . متفق عليه. قال القرطبي: الذي ينبغي أن يقال: إن قضاء دواد به لها لسبب اقتضى ترجيح قولها عنده، إذ لا بينة لإِحداهما.

стр. 1035

وقال ابن الجوزي: استنبط سليمان لما رأى الأمر محتملاً، فأجاد وكلاهما حكم بالاجتهاد. ودلت هذه القصة: أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره. [١٨٢٨] وعن مِرداس الأسلمي ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أوِ التَّمْرِ لا يُبَالِيهُمُ اللهُ بَالَةً» . رواه البخاري. الحُثالة: الرديء من كل شيء. قال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا. قال ابن بطال: وفي الحديث أن موت الصالحين من أشراط الساعة. وفيه: الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم. [١٨٢٩] وعن رفاعة بن رافع الزُّرَقِيِّ ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ قال: مَا تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قال: «مِنْ أفْضَلِ المُسْلِمِينَ» أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قال: وَكَذلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْراً مِنَ المَلائِكَةِ. رواه البخاري. فيه: عظيم فضل أهل بدر، وعدتهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، عدة الذين جاوزوا النهر مع طالوت، وقد رتبهم أصحاب الطبقات، فقالوا: أفضل الصحابة الصديق، فعمر فعثمان، فعلي، فباقي الستة فأهل بدر. [١٨٣٠] وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ... «إذَا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بِقَومٍ عَذَاباً، أصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» . متفق عليه.

стр. 1036

يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال (٢٥) ] ، فإذا نزل العذاب، عم البر والفاجر، ويبعثون على نياتهم. [١٨٣١] وعن جابر ﵁ قال: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ يَعْنِي فِي الخُطْبَةِ - فَلَمَّا وُضِعَ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلجِذْعِ مِثْلَ صَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النبي ﷺ فَوضَعَ يَدَهُ عَلَيهِ فَسَكَنَ. وَفِي روايةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أنْ تَنْشَقَّ. وفي رواية: فصَاحَتْ صِيَاحَ الصَّبيِّ، فَنَزَلَ النبي ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إلَيهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبي الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قال: ... «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذَّكْرِ» . رواه البخاري. قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي نقلها الخلف عن السلف. قال الحافظ: وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان. وفيه: تأكيد لقول من يحمل: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ ... [الإسراء (٤٤) ] . على ظاهره. وقال الشافعي: ما أعطى الله نبيًا مثل ما أعطى محمدًا ﷺ فقد أعطى عيسى إحياء الموتى، وأعطى محمدًا حنين الجذع، حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك.

стр. 1037

[١٨٣٢] وعن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ جُرثومِ بنِ ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا» حديث حسن. رواه الدارقطني وغيره. قال ابن سمعان: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه. من عمل به، فقد حاز الثواب، وأمن من العقاب؛ لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين. وأخرج البزار في (مسنده) والحاكم من حديث أبي الدرداء ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم، فهو حرام. وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا» ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم (٦٤) ] . [١٨٣٣] وعن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵄، قالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الجَرَادَ. وَفِي رِوَايةٍ: نَأكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ. متفق عليه. قال البخاري: باب أكل الجراد، وذكر الحديث. قال الحافظ: وخلقة الجراد عجيبة، فيها عشرة من الحيوانات، ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله: ?? ...

стр. 1038

لها فخذا بكر، وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الرمل بطنًا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم قيل: وفاته عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الإبل، وذنب الحية، وهو صنفان طيار، ووثاب. واختلف في أصله، فقيل: أنه نثرة حوت، فذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث ضعيف، ولو صح لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم. وإذا ثبت فيه الجزاء، دل على أنه بَرِّيّ. وجمهور العلماء على خلافه، وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته. ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاة لحديث ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» . ونقل النووي: الإِجماع على حل أكل الجراد، لكن فصَّل ابن العربي في لا يؤكل، لأنه ضرر محض وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأنه يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه، والله أعلم. انتهى ملخصًا. [١٨٣٤] وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ [وَاحِدٍ] مَرَّتَيْنِ» . متفق عليه. قوله: «لا يلدغ» خبر بمعنى الأمر. وفيه: الحض على الجزم، والحذر من الغفلة. وقال أبو عبيد: لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه. قال ابن بطال: وفيه: أدب شريف أدب به النبي ﷺ أمته، ونبههم كيف يحذرون مما يخافون من سوء عاقبته. [١٨٣٥] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ

стр. 1039

يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بسِلْعَةً بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَاماً لا يُبَايِعُهُ إلا لِدُنْيَا فَإنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» . متفق عليه. قوله: «ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر» ، خص العصر لعظيم الإثم فيه، واليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، وكان السلف يحلفون بعد العصر تغليظًا لليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ١٠٦] . [١٨٣٦] وعنه عن النبيّ ﷺ قال: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ» قالوا: يَا أبَا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْماً؟ قالَ: أبَيْتُ، قَالُوا: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ. قالُوا: أرْبَعُونَ شَهْراً؟ قالَ: أبَيْتُ. «وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانٍ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ» . متفق عليه. قوله: «بين النفختين» ، أي: نفخة الصعق، ونفخة البعث. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر (٦٨) ] . قوله: «أبيت» قال النووي: مراده الامتناع من الجزم بل الذي يجزم به أنها أربعون، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره في غير مسلم: «أربعون سنة» . قوله: «إلا عجب الذَّنب» ، هو بفتح العين المهملة وسكون الجيم، أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وهو رأس العصعص.

стр. 1040

[١٨٣٧] وعنه قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَومَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقالَ بَعْضُ القَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قالَ: أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قال: هَا أنا يَا رسُولَ اللهِ. قال: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قال: كَيفَ إضَاعَتُهَا؟ قال: «إذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» . رواه البخاري. قال ابن المنير: ينبغي أن يجعل هذا الحديث أصلاً في أخذ الدروس، والقراءة، والحكومات، والفتاوى عند الازدحام على السبق. قوله: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» . قال في (النهاية) : أي أسند وجعل في غير أهله، يعني إذا سود وشرف غير المستحق للسيادة والشرف. وقيل: هو من الوسادة، أي: إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقها، وتكون «إلى» بمعنى اللام. [١٨٣٨] وعنه: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وإنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» . رواه البخاري. قال البخاري: باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه، وذكر الحديث. قال الحافظ: قوله: «يصلون» ، أي: الأئمة. إلى أن قال: وروى أبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «من أمّ الناس، فأصاب الوقت، فله ولهم» .

стр. 1041

وفي رواية أحمد: «فإن صلوا الصلاة لوقتها، وأتموا الركوع والسجود، فهي لكم ولهم» . قال ابن المنذر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت، فسدت صلاة من خلفه. انتهى ملخصًا. [١٨٣٩] وعنه ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قالَ: خَيْرُ النَّاسِ للنَّاسِ يَأتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ فِي أعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلَامِ. [١٨٤٠] وعنه عن النبيّ ﷺ قال: «عَجِبَ اللهُ مِنْ قَومٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ» . رواهما البخاري. معناه: يُؤْسَرُونَ وَيُقَيَّدُونَ ثُمَّ يُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. قوله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» . قال ابن كثير: المعنى خير الأمم، وأنفع الناس للناس. وفي حديث درة بنت أبي لهب مرفوعًا: «خير الناس أقرؤهم وأفقههم في دين الله، وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر» . [١٨٤١] وعنه عن النبيّ ﷺ قال: «أَحَبُّ البِلادِ إلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبْغَضُ البِلَادِ إلَى اللهِ أسْوَاقُهَا» . رواه مسلم. قوله: «أحب البلاد إلى الله مساجدها» ؛ لأنها البيوت الذي أذن الله أن

стр. 1042

ترفع ويذكر فيها اسمه بالتسبيح، والصلاة والذكر، وتلاوة القرآن، وسبب بغضه للأسواق أنها محل للفحش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، ونحو ذلك. [١٨٤٢] وعن سلمان الفارسي ﵁ من قولهِ قال: لا تَكُونَنَّ إن اسْتَطَعْتَ أوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصبُ رَايَتَهُ. رواه مسلم هكذا. ورواه البرقاني في صحيحهِ عن سلمان قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا. فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ» . قوله: «فيها باض الشيطان وفرخ» ، أي: استوطنها وأحبها لكونه محل المعاصي من الغش، والخداع، والأيمان الكاذبة، والأفعال المنكرة ونحوها. [١٨٤٣] وعن عاصمٍ الأحوَلِ، عن عبدِ اللهِ بن سَرْجِسَ ﵁ قال: قلتُ لِرسولِ اللهِ ﷺ : يا رسولَ اللهِ، غَفَرَ اللهُ لَكَ، قال: «وَلَكَ» . قال عاصمٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أسْتَغْفرَ لَكَ رسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: نَعَمْ وَلَكَ، ثُمَّ تَلا هذِهِ الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩) ] . رواه مسلم. قوله: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، غفر الله لك، قال: «ولك» . فيه: مكافأة للحسنة بأحسن منها. [١٨٤٤] وعن أبي مسعودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . رواه البخاري.

стр. 1043

يعني: أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين. وفيه: تهديد ووعيد لمنزوع الحياء، فإن الحياء يكف صاحبه عن ارتكاب القبائح، ودناءة الأخلاق، ويحثه على مكارم الأخلاق ومعاليها. قال بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة. [١٨٤٥] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاء» . متفق عليه. أي: أول القضايا يوم القيامة يقضى فيها القضاء في الدماء التي وقعت بين الناس في الدنيا. وعند النسائي: «أول يحاسب عليه العبد صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» . قال الحافظ: وفي الحديث: عظم أمر الدماء، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك. انتهى. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٣٠) ] . [١٨٤٦] وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ... «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ من نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» . رواه مسلم. قال ابن عباس: المارج: اللهب الذي يعلو النار، فيختلط بعضه ببعض: أحمر، وأصفر، وأخضر.

стр. 1044

وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن (١٤، ١٥) ] . [١٨٤٧] وعنها ﵂ قالت: كان خُلُقُ نَبِيِّ اللهِ ﷺ القُرْآن. رواهُ مسلم في جملة حديث طويل. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤) ] . قال العوفي عن ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وعن جبير بن نفير قال: (حججت فدخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن) . قال ابن كثير: ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلق تطبعه، وترك طبعه الجبلي. فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصفح، والحلم، وكل خلق جميل. [١٨٤٨] وعنها قالت: قال رسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» . فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ المَوتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوتَ؟ قال: «لَيْسَ كَذَلِكَ، ولكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» . رواه مسلم.

стр. 1045

هذا الحديث: رواه الطبراني عن معاوية وزاد: (قالوا: يَا رسول الله، كلنا نكره الموت. قال: «ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا احتضر جاء البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله، فأحب الله لقاءه، وأن الفاجر إذا احتضر، جاءه ما هو صائر إليه من الشر، فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه» .) . [١٨٤٩] وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ ﵂، قالتْ: كان النبيُّ ﷺ مُعْتَكِفاً، فَأَتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأنْصَارِ ﵄، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبيَّ ﷺ أسْرَعَا. فقال ﷺ : «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالا: سُبْحانَ اللهِ يَا رسولَ اللهِ، فقالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً - أَوْ قَالَ: شَيْئاً -» . متفق عليه. في هذا الحديث: دليل على جواز زيارة المرأة للمعتكف والتحدث معه، والمشي مع الزائر، وجواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة. وفيه: التحرز من التعرض لسوء الظن. [١٨٥٠] وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ حُنَيْن، فَلَزِمْتُ أنا وأبو سُفْيَانَ بن الحارثِ بن ... عبد المطلب رَسُول الله ﷺ فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ، وَلَّى المُسْلِمُونَ

стр. 1046

مُدْبِريِنَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبلَ الكُفَّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أكُفُّهَا إرَادَةَ أنْ لا تُسْرِعَ، وأبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أيْ عَبَّاسُ، نَادِ أصْحَابَ السَّمُرَةِ» . قالَ العَبَّاسُ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتاً - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أيْنَ أصْحَابُ السَّمُرَةِ، فَوَاللهِ لَكَأنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فقالوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ في الأنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ثُمَّ قَصُرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ» ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» ، فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذَا القِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيما أرَى، فَواللهِ مَا هُوَ إلا أنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرَهُمْ مُدْبِراً. رواه مسلم. «الوَطِيسُ» التَّنُّورُ، ومعناهُ: اشْتَدَّتِ الحَرْبُ. وقوله: «حَدَّهُمْ» هو بالحاء المهملة: أيْ بَأْسَهُمْ وَشِدَّتَهُمْ. قوله: (ثُمَّ أَخَذَ رسول الله ﷺ حصياتٍ، فرمى بهنَّ وجوهَ الكفارِ، ثم قال: «انهزموا وربِّ مُحَمَّدٍ» .) . فيه: معجزة له كما قال تعالى في قصة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال (١٧) ] . [١٨٥١] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّباً، وإنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ

стр. 1047

المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ. فقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون (٥١) ] . وقال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ... [البقرة (١٧٢) ] . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلبسُهُ حرامٌ، وَغُذِّيَ بالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ.؟ رواه مسلم. هذا الحديث: قاعدة من قواعد الإسلام وأصول الأحكام. وفيه: إشارة إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته. قيل: إن اللدعاء جناحين: أكل الحلال، وصدق المقال. [١٨٥٢] وعنه ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» . رواه مسلم. «العَائِلُ» : الفَقِيرُ. الزنى، والكذب، والكبر، حرام على كل أحد، وخص هؤلاء الثلاثة بالوعيد؛ لأن الشيخ ضعفت شهوته عن الوطء الحلال، فكيف بالحرام! وكمل عقله ومعرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وإنما يدعو إلى الزنى غلبة الشهوة، وقلة المعرفة، وضعف العقل الحاصل من الشباب، والإمام لا يخاف من أحد وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة من يحذره، والعائل قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء، فكان إقدامهم على المعصية من المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى.

стр. 1048

[١٨٥٣] وعنهُ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ» . رواه مسلم. قال السيوطي: هو على ظاهره، ولها مادة إلى الجنة. [١٨٥٤] وعنه قال: أخَذَ رسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَومَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فيها الجِبَالَ يَومَ الأحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الإثْنَينِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَومَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأربِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوابَّ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَومِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ» . رواه مسلم. قوله: (أخذ رسول الله ﷺ بيدي) طلب للتيقظ من الغفلة إن كانت. قال البغوي: على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف (٥٤) ] . أراد به في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء. وقيل: ستة أيام الآخرة، وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا. قال سعيد بن جبير: كان الله قادرًا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه التثبت والتأني في الأمور. وقال ابن كثير: وأول الستة الأيام الأحد، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق. ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا، والله أعلم، انتهى ملخصًا.

стр. 1049

[١٨٥٥] وعن أَبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ قَالَ: لَقَدِ انْقَطَعتْ في يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ. رواه البخاري. مؤتة: موضع بقرب الشام، وكانت في جمادى سنة ثمان. [١٨٥٦] وعن عمرو بن العاص ﵁: أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أصَابَ، فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ وَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» . متفق عَلَيْهِ. قوله: «فله أجران» ، أي: أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته. قوله: «وإن حكم واجتهد فأخطأ، فله أجر» ، أي: لاجتهاده. وقد قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء (٧٩) ] . [١٨٥٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ» . متفق عَلَيْهِ. قيل: الخطاب خاص بأهل الحجاز، وما والاهم إذ كانت أكثر الحميات تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالاً. قال ابن القيم: فالخطاب وإن كان لفظًا عامًا، إلا أن المراد به خاص. وأخرج ابن أبي شيبة عن الأسود قال: سألت عائشة عن النشرة، فقالت: ما تصنعون بهذا؟ فهذا الفرات إلى جانبكم من أصابه نفس، أو سم، أو سحر، فليأت الفرات، فليستقبل، فينغمس فيه سبع مرات.

стр. 1050

[١٨٥٨] وعنها ﵂ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَومٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» . متفق عَلَيْهِ. وَالمُخْتَارُ جَوَازُ الصَّومِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَالمُرادُ بالوَلِيِّ: القَرِيبُ وَارِثاً كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ. في هذا الحديث: مشروعية الصيام عن الميت، فيتخير الولي بين الصيام والإطعام. [١٨٥٩] وعن عوف بن مالِك بن الطُّفَيْلِ: أنَّ عائشة ﵂، حُدِّثَتْ أنَّ عبدَ اللهِ بن الزبير ﵄، قَالَ في بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها: واللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، قالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا! قالوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِيْنَ طَالَتِ الهِجْرَةُ. فَقَالَتْ: لا، واللهِ لا أشْفَعُ فِيهِ أبدًا، وَلا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعبدَ الرحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وقَالَ لَهُمَا: أنْشُدُكُمَا اللهَ لَمَا أدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَإنَّهَا لا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ، ... وَعَبدُ الرحْمَنِ حَتَّى اسْتَأذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالت عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قالوا: كُلُّنَا؟ قالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ معَهُمَا ابْنَ الزُّبَيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيرِ الحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ ﵂، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ المِسْوَرُ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ

стр. 1051

الهِجْرَةِ؛ وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَة مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكرُهُمَا وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيرِ، وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعدَ ذَلِكَ فَتَبكِي حَتَّى تَبِلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. رواه البخاري. قوله: «وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة» ، وذلك من مزيد ورعها، وإلا فالواجب رقبة واحدة. [١٨٦٠] وعن عُقْبَةَ بن عامِرٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنينَ كَالمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: «إنِّي بَيْنَ أيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وإنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، أَلا وإنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنْ أخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسُوهَا» قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . متفق عَلَيْهِ. وفي رواية: «وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» . قَالَ عُقْبَةُ: فكانَ آخِرَ مَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ. وفي روايةٍ قَالَ: «إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنِّي واللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وإنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وإنِّي واللهِ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا» .

стр. 1052

وَالمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ: الدُّعَاءُ لَهُمْ، لا الصَّلَاةُ المَعْرُوفَةُ. فيه: النهي عن التنافس في الدنيا، فإن التنافس فيها سبب للهلاك الديني والدنيوي. [١٨٦١] وعن أَبي زيد عمرِو بن أخْطَبَ الأنصاريِّ ﵁ قَالَ: صلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. رواه مسلم. فيه: معجزة له ﷺ بخرق الأوقات، والمباركة فيها، حتى اتسعت لنشر ذلك كله، وذكره. [١٨٦٢] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ» . رواه البخاري. الحديث دليل على وجوب النذر في الطاعة، وإن نذر المعصية لا ينعقد. ولأبي داود من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين» . [١٨٦٣] وعن أمِّ شَرِيكٍ ﵂: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرها بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ وقال: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إبْرَاهِيمَ» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 1053

[١٨٦٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً دُونَ الأولَى، وَإنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً» . وفي رواية: «مَنْ قَتَلَ وَزَغَاً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وفي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وفي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» . رواه مسلم. قَالَ أهلُ اللُّغة: «الوَزَغُ» العِظَامُ مِنْ سَامَّ أَبْرَصَ. الأمر بقتل الأوزاغ لعظم ضررها مع ما فيها من عداوة خيار العباد، وهو وإن لم يكن لنفخه تأثير في النار، إلا أن فيه إظهارًا للعداوة. قال النووي: اتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذية، وأمر النبي ﷺ بقتله، وحث عليه لكونه من المؤذيات. وأما سبب تكثيره في قتله بأول ضربة، ثم ما يليها، فالمقصود به الحث على المبالغة بقتله، والاعتناء به، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة، فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات، ربما انفلت وفات قتله. [١٨٦٥] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ زَانِيَةٍ؛ فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ! لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فوَضَعَهَا في يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ؟

стр. 1054

فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وعلى غَنِيٍّ! فَأُتِيَ فقيل لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سارقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ عَنْ زِنَاهَا، وأمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا آتََاهُ اللهُ» . رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه. قال البخاري: باب إذا تصدق على غني، وهو لا يعلم. وذكر الحديث. قال الحافظ: أي فصدقته مقبولة. وفيه: أن نية المتصدق إذا كانت صالحة، قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع. وفيه: فضل صدقة السر، وفضل الإخلاص، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع في الموقع. وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم، والرضا، وذم التضجر بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول. انتهى ملخصًا. [١٨٦٦] وعنه قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وقال: «أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاس مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ، فَيقُولُ النَّاسُ: أَلا تَرَوْنَ إلى مَا أنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ، ألا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أبُوكُمْ آدَمُ، وَيَأتُونَهُ فَيقُولُونَ: يَا آدَمُ أنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ

стр. 1055

فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وأسْكَنَكَ الجَنَّةَ، ألا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغْنَا؟ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأتُونَ نوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، ألا تَرَى إِلَى مَا بَلَغْنَا، ألا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيقُولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إبْرَاهِيمَ، فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيقُولُونَ: يَا إبْرَاهِيمُ، أنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيقُولُ لَهُمْ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذبَاتٍ؛ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأتُونَ مُوسَى فَيقُولُونَ: يَا مُوسَى أنَتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإنَّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقُولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ،
следующие страницы →