Полный текст (1 091 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
القاف وبالياءِ المثناة من تَحْت وَهُوَ: المُخُّ، معناه: أسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقصِدَ قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ مُخُّهَا مِنْ ضَنْك السَّيْرِ. وَ «التَّعْرِيسُ» : النُزولُ في اللَّيلِ.
[٩٦٣] وعن أَبي قتادة ﵁ قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رواه مسلم.
قَالَ العلماءُ: إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلا يَسْتَغْرِقَ في النَّومِ، فَتَفُوتَ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أوَّلِ وَقْتِهَا.
قوله: «اضطجع على يمينه» ، النوم على اليمين أشرف جهة، ولئلا يستغرق في النوم لكون القلب يكون حينئذٍ معلقًا فلا ينغمر في النوم.
[٩٦٤] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
«الدُّلْجَةُ» : السَّيْرُ في اللَّيْلِ.
تقطع الدواب من المسافة في الليل خصوصًا آخره ما لا تقطعها في ... النهار، لنشاطها ببرود الليل، وبركة آخره. قال الشاعر:
?? ... عند الصباح يحمد القوم السري ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
[٩٦٥] وعن أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ تَفَرُّقكُمْ فِي هذِهِ الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ إنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ!» فَلَمْ يَنْزِلُوا
стр. 562
بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
يعني: أن التفرق ناشئ من وسواس الشيطان وإغوائه، وذلك أن المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر، والتعاون على نوائبه، والتفرق مانع من ذلك.
[٩٦٦] وعن سهل بن عمرو - وقيل: سهل بن الربيع بن عمرو - الأنصاري المعروف بابن الحنظلِيَّة، وَهُوَ من أهل بيعة الرِّضْوَانِ ﵁ قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله في هذِهِ البَهَائِمِ المُعجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم.
وفي هذا الحديث: الأمر بتقوى الله فيها. ونص على صفتها بأنها معجمة للاستعطاف عليها، ومزيد الشفقة بها، ولأنها لا تقدر على الفرار، ولا الشكوى إلا إلى الله. وقد ورد في بعض الآثار: أن الملك يمسح خاصرتها كل ليلة، فإن كانت شابعة دعى لصاحبها بالبركة، وإن كانت جائعة دعا عليه بالفقر وهذا مشاهد بالحس.
[٩٦٧] وعن أَبي جعفر عبد الله بن جعفر ﵄، قَالَ: أردفني رسولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأسَرَّ إليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ بِهِ أحَداً مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رسولُ الله ﷺ لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. يَعنِي: حَائِطَ نَخْلٍ. رواه مسلم هكَذَا مُختصراً.
وزادَ فِيهِ البَرْقاني بإسناد مسلم - بعد قَوْله: حَائِشُ نَخْلٍ - فَدَخَلَ
стр. 563
حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى رَسولَ الله ﷺ جَرْجَرَ وذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبيُّ ﷺ فَمَسَحَ سَرَاتَهُ - أيْ: سِنَامَهُ - وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتَىً مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هَذَا لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ: «أفَلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاهَا؟ فَإنَّهُ يَشْكُو إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» . رواه أَبُو داود كرواية البرقاني.
قَوْله «ذِفْرَاهُ» : هُوَ بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ، وَهُوَ لفظ مفرد مؤنث. قَالَ أهل اللغة: الذِّفْرى: الموضع الَّذِي يَعْرَقُ مِن البَعِيرِ خَلف الأُذُنِ، وَقوله: «تُدْئِبهُ» أيْ: تتعِبه.
في هذا الحديث: معجزة من معجزات النبي ﷺ الدالة على صدقة.
وفيه: تواضعه ﷺ وكمال شفقته، ومزيد رحمته.
وفيه: جواز قولهم: رب هذا الجمل، ورب الإبل، يعني مالكها.
وفي رواية لأحمد: فقال النبي ﷺ : «انظر لمن هذا الجمل» . قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته له. فقال: «ما شأن جملك هذا» ؟ فقال: ما شأنه لا أدري، والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره، ونقسم لحمه. قال: «فلا تفعل» .
قوله: «أفلا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه يشكوا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه» .
وفي رواية لأحمد: «شاكيًا كثرة العمل، وقلة العلف» .
قال الأزهري: البهيمة في اللغة معناها المبهمة عن العقل، والتمييز.
стр. 564
والمعنى: ألا تتقي الله في ما لا لسان له فتشكو ما بها من جوع، وعطش، ومشقة.
[٩٦٨] وعن أنس ﵁ قال: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً، لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَال. رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط مسلم.
وَقَوْلُه: «لا نُسَبِّحُ» : أيْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أنَّا - مَعَ حِرْصِنَا عَلَى الصَّلَاةِ - لا نُقَدِّمُهَا عَلَى حَطِّ الرِّحَالِ إرَاحَةِ الدَّوَابِّ.
في هذا الحديث: استحباب إراحة البهائم بالحط عنها قبل الاشتغال بعبادة أو غيرها لما لحقها من التعب.
وفيه: استحباب التنفل في السفر.
١٦٩- باب إعانة الرفيق
في الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: «وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» . وحديث: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة» وَأشْبَاهِهِما.
[٩٦٩] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا
стр. 565
ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» ، فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ، حَتَّى رَأيْنَا، أنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رواه مسلم.
قوله: (فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً) ، أي: ينظر من يتوسم فيه الإعانة فعرف النبي ﷺ أنه محتاج، فأمر بمواساته ومواساة غيره من المحتاجين لمن كان عنده فضل من طعام أو غيره.
[٩٧٠] وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، إن مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، وَلا عَشِيرةٌ، فَلْيَضُمَّ أحَدكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ والثَّلَاثَةَ، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلا عُقْبةٌ كَعُقْبَةٍ» يَعْني أحَدهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لِي إِلا عُقْبَةٌ كَعقبة أحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي. رواه أَبُو داود.
قوله: «فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة» ، أي: على حسب القدرة والحال من اليسار والإعسار.
[٩٧١] وعنه قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يَتَخَلَّفُ في المَسير، فَيُزْجِي الضَّعِيف، وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
قوله: (يزجي) ، أي، يسوق.
وفيه: استحباب الإعانة للرفيق بالسوق به، وإردافه، والدعاء له وغير ذلك مما يحتاجه.
وفيه: استحباب التخلف وراء الرفقة لإعانتهم فيما يعرض لهم.
стр. 566
١٧٠- باب مَا يقول إذا ركب دَابَّة للسفر
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف (١٢: ١٣) ] .
قال طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة، أو سفينة أن يقول ذلك، ويتذكَّر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى.
[٩٧٢] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلبُونَ. اللهُمَّ إنا نسألكَ في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومنَ العملِ ما ترضى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ. اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المالِ وَالأَهْلِ» . وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . رواه مسلم
قَوْلُهُ «مُقْرِنِينَ» : مُطِيقِينَ. وَ «الوَعْثَاءُ» بفتحِ الواوِ وَإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد وَهِيَ: الشِّدَّةُ. وَ «الكَآبَةُ» بِالمَدِّ، وَهِيَ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ وَنَحْوهِ. وَ «المُنْقَلَبُ» : المَرْجِعُ.
قوله: «اللهم أنت الصاحب في السفر» ، أي: الملازم بالعناية والحفظ من الحوادث والنوازل: «والخليفة في الأهل» أي: المعتمد عليه والمفوض إليه حضورًا وغيبة.
وفي الحديث: استحباب هذا الدعاء عند ركوب المسافر.
стр. 567
[٩٧٣] وعن عبد الله بن سَرجِسَ ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَدَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالمَالِ. رواه مسلم.
هكذا هُوَ في صحيح مسلم: «الحَوْر بَعْدَ الكَوْنِ» بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي، قَالَ الترمذي: وَيُرْوَى «الكوْرُ» بالراءِ، وَكِلاهما لَهُ وجه.
قَالَ العلماءُ: ومعناه بالنون والراءِ جَميعاً: الرُّجُوعُ مِنَ الاسْتِقَامَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ إِلَى النَّقْصِ. قالوا: ورِوايةُ الرَّاءِ مَأخُوذَةٌ مِنْ تَكْوِيرِ العِمَامَة وَهُوَ لَفُّهَا وَجَمْعُهَا. ورواية النون، مِنَ الكَوْنِ، مَصْدَرُ كَانَ يَكُونُ كَونَاً: إِذَا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ.
قوله: «من الحور بعد الكون» استعاذة من الهبوط بعد الرفعة، لأن السفر مظنة التفريط والظلم. ورواية الرَّاء استعاذة من النقض بعد الإبرام.
[٩٧٤] وعن عَلِي بن ربيعة، قَالَ: شهدت عليَّ بن أَبي طالب ﵁ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكَابِ، قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: الحَمْدُ للهِ ثم قال: سبحان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ قَالَ: الحمْدُ للهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقيلَ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: رَأيتُ النبيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، مِنْ أيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «إنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبدِهِ
стр. 568
إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن» . وفي بعض النسخ: «حسن صحيح» . وهذا لفظ أَبي داود.
قوله: ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا» هو الصواب.
وفي بعض النسخ: «الحمد الله الذي يسخر لنا هذا» . والذي رأيته في سنن أبي داود هو الموافق لما في الآية.
وفي هذا لحديث: استحباب هذا الذكر عند ركوب الدابة.
١٧١- باب تكبير المسافر إِذَا صعد الثنايا وشبهها
وتسبيحه إِذَا هبط الأودية ونحوها
والنهي عن المبالغة برفع الصوتِ بالتكبير ونحوه
[٩٧٥] عن جابر ﵁ قال: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. رواه البخاري.
[٩٧٦] وعن ابن عمرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ وجيُوشُهُ إِذَا عَلَوا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قال المهلب: تكبيره ﷺ عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله ، وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس، فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجّاه الله من الظلمات. فسبح النبي ﷺ في بطون الأودية لينجيه الله منها.
стр. 569
[٩٧٧] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبي ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، كُلَّمَا أوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلاثَاً، ثُمَّ قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: إِذَا قَفَلَ مِنَ الجيُوشِ والسَّرَايَا أَو الحَجِّ أَو العُمْرَةِ.
قَوْلهُ: «أوْفَى» أيْ: ارْتَفَعَ، وَقَوْلُه: «فَدْفَدٍ» هُوَ بفتح الفائَينِ بينهما دال مهملة ساكِنة، وَآخِره دال أخرى وَهُوَ: «الغَليظُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرضِ» .
قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ، أي هو المتفرد في إلهيَّته وربوبيته، ولا يشبه أحد.
وفي الحديث: استحباب هذا الذكر لكل قادم من سفر.
[٩٧٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسول الله، إنّي أُريدُ أنْ أُسَافِرَ فَأوْصِني، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كلِّ شَرَفٍ» . فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قوله: «اللهم فاطوِ له البعد» ، هذا الذي رأيته في (جامع الترمذي) بغير ياء. قال في " مجمع البحار "، أي: يسِّر له السير بمنح القوة لمركوبه، وأن لا يرى ما يتعبه.
[٩٧٩] وعن أَبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: كنّا مَعَ النبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارتَفَعَتْ
стр. 570
أصْوَاتُنَا، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «يَا أيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِباً، إنَّهُ مَعَكُمْ، إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«ارْبَعُوا» بفتحِ الباءِ الموحدةِ أيْ: ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ.
في هذا الحديث: النهي عن المبالغة في رفع الصوت بالذكر، لأنه سبحانه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وهو السميع البصير العليم الخبير. وأما الجهر بالذكر من غير مبالغة فهو مطلوب إذا أمن الرياء ولم يؤذ به نحو نائم أو مصلٍّ. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء (١١٠) ] .
١٧٢- باب استحباب الدعاء في السفر
[٩٨٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَات لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وليس في رواية أَبي داود: «عَلَى وَلَدِهِ» .
في هذا الحديث: استحباب إكثار الدعاء في السفر، لأنه مظنة الإجابة.
وفيه: النهي عن الظلم والعقوق.
١٧٣- باب مَا يدعو إِذَا خاف ناساً أَوْ غيرهم
[٩٨١] عن أَبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْماً قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» . رواه أَبُو داود والنسائي بإسنادٍ صحيحٍ.
стр. 571
في هذا الحديث: أن من اعتصم بالله تعالى ولجأ إليه كفاه كيد الأَعادي والحساد.
قال الله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة (١٣٧) ] .
١٧٤- باب مَا يقول إِذَا نزل منْزلاً
[٩٨٢] عن خولة بنتِ حَكِيمٍ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب التعوذ بصفات الله تعالى إذا نزل منزلاً في سفر، أو حضر. وأن من قال ذلك عصم من كل شر.
[٩٨٣] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأقْبَلَ اللَّيْلُ، قال: «يَا أرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، أعُوذُ بالله مِنْ شَرِّ أسَدٍ وَأسْوَدٍ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . رواه أَبُو داود.
وَ «الأَسْوَدُ» : الشَّخْصُ، قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَ «سَاكِنُ البَلَدِ» : هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ. قَالَ: وَالبَلَد مِنَ الأرْضِ: مَا كَانَ مَأْوَى الحَيَوانِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازلُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ: «بِالوَالِدِ» إبليسُ: «وَمَا وَلَدَ» : الشَّيَاطِينُ.
قوله: «وأعوذ بك من أسد وأسود» . قيل: إنما أراد الاستعاذة لعظم شر ما بعدها بالنسبة لما قبلها. وقيل: الأسود الحية العظيمة وهي أخبث الحيات.
стр. 572
١٧٥- باب استحباب تعجيل المسافر
الرجوع إِلَى أهله إِذَا قضى حاجته
[٩٨٤] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإذَا قَضَى أحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أهْلِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«نَهْمَتهُ» : مَقْصُودهُ.
قوله: «يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه» .
قال النووي: أن يمنعه كمالها لما فيه من المشقة، والتعب، ومقاساة الحر والبرد ومفارقة الأهل والوطن، وخشونة العيش. والمقصود من الحديث: الحث على استحباب الرجوع للأهل بعد قضاء الوطر.
١٧٦- باب استحباب القدوم عَلَى أهله نهاراً
وكراهته في الليل لغير حاجة
[٩٨٥] عن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا أطال أحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقَنَّ أهْلَهُ لَيْلاً» .
وفي روايةٍ: أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى أنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: كراهة القدوم ليلاً إذا لم يُعلمهم بوصوله لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة.
وقال البخاري: باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.
стр. 573
[٩٨٦] وعن أنسٍ ﵁ قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ لا يَطْرُقُ أهْلَهُ لَيْلاً، وَكَانَ يَأتِيهمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الطُّرُوقُ» : المَجيءُ فِي اللَّيْلِ.
مقتضى قوله: «إذا أطال أحدكم الغيبة» ، توهم عدم كراهة الطروق ليلاً مع قصر السفر ومقتضى الحديث التعميم.
قال الشارح: ويمكن الجمع بأنه إن كان بحيث لا يتعب الزوجة وتتوقع امرأته إتيانه مدة غيبته لقصرها، فلا بأس بالطروق ليلاً وإلا فهو كالطويل.
١٧٧- باب مَا يقول إِذَا رجع وإذا رأى بلدته
فِيهِ حَدِيثُ ابنِ عمرَ السَّابِقُ في باب تكبيرِ المسافِر إِذَا صَعِدَ الثَّنَايَا.
[٩٨٧] وعن أنس ﵁ قال: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المَدِينَةَ. رواه مسلم.
الآيب: الراجع، أي: نحن آيبون، قال الله تعالى ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء (٢٥) ] .
وقوله: «تائبون» فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع وتعليمًا لأمته.
قوله: فيه حديث ابن عمر السابق. ولفظه: (كان النبي ﷺ إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنية، أو فدفد كبر ثلاثًا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده» .
١٧٨-
стр. 574
باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد
الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
[٩٨٨] عن كعب بن مالِك ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: استحباب الصلاة في المسجد عند قدومه ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته.
١٧٩- باب تحريم سفر المرأة وحدها
[٩٨٩] عن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لا يَحِلُّ ... لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر» ، خص المؤمنة بالذكر، لأن صاحب الإيمان هو الذي ينتفع بخطاب الشارع، وينقاد له.
وفي هذا الحديث: النهي عن سفر المرأة بغير محرم وإن ذلك حرام.
[٩٩٠] وعن ابن عباس ﵄: أنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ المَرْأةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّ امْرَأتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال الموفق: والمحرم زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح.
стр. 575
قال الحافظ: واستدل بالحديث على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة. والخروج من دار الشرك.
ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج.
قال أبو الطيب الطبري: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لها إلا مع محرم، أو زوج أو نسوة ثقات. انتهى. والله أعلم.
قوله: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» . وفي الحديث الآخر: «لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.
وفي الصحيحين من حديث عقبة: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء» . فقال رجل: يَا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو: الموت» .
قال النووي: المراد به أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، وهو أولى بالمنع من الأجنبي والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلو بها من غير نكير عليها بخلاف الأجنبي والله أعلم، انتهى ملخصًا.
стр. 576
كتَاب الفَضَائِل
١٨٠- باب فضل قراءة القرآن
[٩٩١] عن أَبي أُمَامَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ» . رواه مسلم
في هذا الحديث: الأمرُ بتلاوة القرآن، وأنَّه يشفع لأصحابه، أي أهْلِهِ القارئين له، المتمسِّكين بِهَدْيِهِ، القائمين بما أمر به، والتاركين لما نهي عنه.
[٩٩٢] وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالقُرْآنِ وَأهْلِهِ الذينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيَا تَقْدُمُه سورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» . رواه مسلم.
فيه: فضيلة لمن حفظ سورة البقرة، وسورة آل عمران وعمل بهما.
[٩٩٣] وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: أكبرُ فضيلةٍ لمن حفظ القرآن وعمل به، وعلمه النَّاس، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت (٤٩) ] .
стр. 577
وقال ﷺ : «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوَّة بين جنبيه، غيرَ أنََّه لا يُوحى إليه» . انتهى.
فإذا حاز خير الكلام، وتسبَّبَ مع ذلك أن يكون غيره مثله فقد أُلحق ببعض درجات الأنبياء، وكان من جملة الصِّدِّيقين القائمين بحقوق الله تعالى، وحقوقِ عباده.
[٩٩٤] وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله ﷺ : «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أجْرَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الكرام البررة: هم الملائكة. قال البخاري: وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته، كالسفير الذي يصلح بين القوم.
وذكر الحديث بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له، مع السَّفَرة الكرام البَرَرَة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» .
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ، أي خلقهم كريم، حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارَّة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرَّشاد.
[٩٩٥] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ: لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثلُ المُنَافِقِ الَّذِي يقرأ القرآنَ كَمَثلِ الرَّيحانَةِ: ريحُهَا
стр. 578
طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثلِ الحَنْظَلَةِ: لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
شَبَّهَ المؤمن القارئ بالأُتْرُجَّةِ لِما اشتملت عليه من الخواص الموجودة فيها مع حسن المنظر، وطيب الطعم، ولين المَلْمس، ويستفيد المتناول لها بعد الالتذاذ بها طيب النكهة، ودباغ المعدة، وقوة الهضم، فاشتركت فيها الحواس الأربع: الشَّمُّ، والبَصَرُ، والذَّوْقُ، واللَّمْسُ.
وشَبَّهَ المؤمن غير القارئ بالتمرة لاشتماله على الإيمان كاشتمال التمرة على الحلاوة.
وشبَّه المنافق بالرَّيْحانة لطيب تلاوته، وخبث عمله، وشبَّه المنافق الذي لا يقرأ بالحنظلة، وهي الشجرة الخبيثة.
قال الحافظ: وفي الحديث فضيلةُ حامل القرآن، وضربُ المَثَلِ للتقريب للفهم. وإن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه.
[٩٩٦] وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخرِينَ» . رواه مسلم
يعني من عمل بالقرآن رفعه الله في الدنيا والآخرة، ومن ضيَّع حدوده وضعه الله وإنْ كان شريفًا.
[٩٩٧] وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قَالَ: «لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاء اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«والآنَاءُ» : السَّاعَاتُ.
стр. 579
قوله: «لا حسد» ، أي: لا غبطة تنبغي إلا في هذه الخَصْلتين، وهي من جنس. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة (١٤٨) ] .
قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (٢٦) ] .
وقال البخاري: باب اغتباط صاحب القرآن، وذكر الحديث بلفظ: «لا حسد إلا على اثنتين، رجل آتاه الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» .
قال الحافظ: وهو عند مسلم من وجه آخر: «وقام به آناء الليل وآناء النهار» . والمراد بالقيام به، العمل به تلاوةً وطاعةً. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتَّبع ما فيه» .
[٩٩٨] وعن البراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُه يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ أتَى النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلقُرْآنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«الشَّطَنُ» بفتحِ الشينِ المعجمة والطاءِ المهملة: الحَبْلُ.
المراد بالسكينة في هذا الحديث: الملائكة.
وقيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.
وقيل: هي روح من الله، وقيل غير ذلك.
قال النووي: والمختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة.
стр. 580
[٩٩٩] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لا أقول: ألم حَرفٌ، وَلكِنْ: ألِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: أنَّ قارئ القرآن يُعطى بكل حرف عشر حسنات لكل قارئ. وأما الضابط المتقن فله عشرون حسنة، كما في رواية البيهقي من حديث ابن عمر: «من قرأ القرآن فأعرب في قراءته، كان له بكل حرف منه عشرون حسنة، ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات» .
[١٠٠٠] وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ الَّذِي لَيْسَ في جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: التحريض على حفظ القرآن، أو بعضه ليكون جوفه عامرًا به.
[١٠٠١] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فَإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تَقْرَؤُهَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: أنَّ حافظ القرآن الملازم لتلاوته وتدبره، والعمل به أنه
стр. 581
يصعد في درج الجنة حتى يبلغ منزلته على قدر عمله وحفظه، وبالله التوفيق.
١٨١- باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
[١٠٠٢] عن أَبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «تعاهدوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبلِ فِي عُقُلِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: الحضُّ على قراءة القرآن، والمواظبة على تلاوته.
[١٠٠٣] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: ... «إنَّمَا مَثَلُ صَاحبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ أطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال البخاري: باب استذكار القرآن وتعاهده، وذكر حديث ابن عمر المذكور، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت، وكيت، بل نُسِّيَ. واستذكروا القرآن فإنه أشدُّ تَفَصَّيًا من صدور الرجال من النَّعَم» .
خصّ الإِبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإِنسيّ نفورًا وفي تحصيلها حيث كان نفورها صعوبة.
قوله: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي» .
قال عياض: أولى ما يتأول عليه ذم الحال لا ذمّ القول، أي: بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه.
قال ابن بطال: هذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل (٥) ] .
стр. 582
وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر (١٧) ] ، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلَّتَ منه.
قال الحافظ: وفي هذه الأحاديث الحضُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإِيضاح المقاصد.
١٨٢- باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها
[١٠٠٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
مَعْنَى «أَذِنَ الله» : أي اسْتَمَعَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إِلَى الرِّضَا والقَبولِ.
قال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت (٥١) ] ، وذكر الحديث بمعناه.
التغنِّي بالقرآن: تحسين الصوت بقراءته، وقيل: الاستغناء به، وقيل: التحزُّن به. وقيل: التشاغل به، وقيل: التلذذ به والاستحلاء له.
وقيل: أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء كعادة العرب، فلما نزل القرآن أحبَّ النبي ﷺ أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني والترنم.
стр. 583
وفي رواية عند الطحاوي: «حسن الترنُّم بالقرآن» .
وفي حديث عقبة بن عامر رفعه: «تعلموا القرآن وتغنوا به وأفشوه» .
وقال عبيد بن عمير: كان داود ﵇ يتغَّن حين يقرأ، ويَبْكِي، ويُبْكِي.
قال الحافظ: والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات. وهو أنه يحسّن به صوته جاهرًا به، مترنمًا على طريق التحزن، مستغنيًا به عن غيره من الأخبار، طالبًا به غنى النفس، راجيًا به غنى اليد، وقد نظمت ذلك في بيتين:
?? ... تغنَّ بالقرآن حسن به الصوت ... حزينًا جاهرًا رنَّم
واستغن عن كتب الألى طالبًا ... غنى يد والنفس ثم الزمِ
ولاشكَّ أنَّ النُّفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنُّم أكثر من ميلها لمن لا يترنَّم؛ لأن للتطرب تأثيرًا في رقة القلب، وإجراء الدمع. وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك.
قال النووي: أجمع العماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا، أو أخفاه حرم. انتهى ملخصًا.
[١٠٠٥] وعن أَبي موسى الأَشعري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ لَهُ: «لَقدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلمٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ لَهُ: «لَوْ رَأيْتَنِي وَأنَا أسْتَمِعُ لِقِراءتِكَ الْبَارِحَةَ» .
قوله: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» . جواب «لو» محذوف، أي:
стр. 584
لسرَّك ذلك، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمعه لحبَّرته لك تحبيرًا.
وفيه: دليل على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وأن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، كما يستحب عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك، كما في حديث عبد الله بن مغفل: رأيت ... النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجَّع.
قال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: بتحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
[١٠٠٦] وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أحَداً أحْسَنَ صَوْتاً مِنْهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذ الحديث: استحباب تحسين الصوت بالقراءة في الصلاة وغيرها.
[١٠٠٧] وعن أَبي لُبَابَةَ بشير بن عبد المنذر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ. ومعنى «يَتَغَنَّى» : يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ.
قال البخاري: باب من لم يتغنَّ بالقرآن.
قال الحافظ: هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام بلفظ: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» . انتهى.
стр. 585
وروى الحاكم وغيره: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» . وروى عبد الرزاق وغيره: «لكل شيء حَلية، وحلية القرآن الصوت الحسن» . قالوا: فإن لم يكن حسن الصوت؟ قال: ... «يحسَّنه ما استطاع» .
[١٠٠٨] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ» ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلَى هذِهِ الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾ . قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء (١٠٩) ] ، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم (٥٨) ] .
وفي الحديث: استماع قراءة القرآن والإصغاء إليه، والتدبر فيها واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع له، وهو أبلغ في التفهُّم والتدبَّر من قراءته بنفسه.
وفيه: التواضع لأهل العلم والفضل، ورفع منزلتهم.
قال ابن بطال: إنما بكى ﷺ عند تلاوة هذه الآية، لأنه مثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء.
стр. 586
قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمه لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملِهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا، فقد يفضي إلى تعذيبهم والله أعلم.
وعن سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
١٨٣- باب الحث عَلَى سور وآيات مخصوصة
[١٠٠٩] عن أَبي سَعِيدٍ رَافِعِ بن الْمُعَلَّى ﵁ قال: قَالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ : «أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أرَدْنَا أنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ؟ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رواه البخاري.
في هذا الحديث: دليل على أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن.
وفي حديث أبي هريرة: «أتحبُّ أن أعلمك سورًة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها» .
قال العلماء: وإنما كانت أعظم سورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذا سميت بأم القرآن.
قال الحسن البصري: إنَّ الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علومه في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسيره.
стр. 587
وقال علي ﵁: لو شئت أن أوقر على الفاتحة سبعين وقرًا لأمكنني ذلك.
قوله: «هي السبع المثاني» ، أي؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وسميت الفاتحة مثاني لأنها تثنى في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على قسمين: ثناء، ودعاء.
وقوله: «والقرآن العظيم» ، قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ... [الرحمن (٦٨) ] ، وقوله: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة (٩٨) ] .
قال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: «والقرآن العظيم» محذوف الخبر، والتقدير: ما بعد الفاتحة مثلاً فيكون وصف الفاتحة، انتهى بقوله: «هي السبع المثاني» ، ثم عطف قوله: «والقرآن العظيم» ، أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعايةً لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة. انتهى.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب. والقرآن العظيم: سائر القرآن.
[١٠١٠] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ في: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» .
وفي روايةٍ: أن رسول الله ﷺ قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَقْرَأَ بِثُلُثِ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ» . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ
стр. 588
يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: « ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ : ثُلُثُ الْقُرْآنِ» رواه البخاري.
قوله: «ثلث القرآن» ، أي باعتبار معانيه؛ لأن القرآن أحكامٌ، وأخبارٌ، وتوحيدٌ، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد خالصًا، ولهذا سميت بسورة الإخلاص، وفيها اسمان من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال وهما: (الأحد الصمد) ، وفيها نفي الكفؤ لله المتضمن لنفي الشيبه والنظير.
[١٠١١] وعنه: أنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» رواه البخاري.
[١٠١٢] وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ في: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ «إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . رواه مسلم.
[١٠١٣] وعن أنس ﵁ أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إني أُحِبُّ هذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ قَالَ: «إنَّ حُبَّهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
ورواه البخاري في صَحِيحِهِ تعليقاً.
في هذه الأحاديث: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ . وجواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستثكار من قراءته، ولا يعد ذلك هجرانًا ... لغيره.
[١٠١٤] وعن عقبة بن عامِر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «ألَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعْوذُ بِرَبِّ
стр. 589
الفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ » . رواه مسلم.
قوله: «لم يُرَ مثلهن» ، أي: في التعويذ. وقد استعاذ بهما ﷺ لما سَحَرَهُ لبيد بن الأعصم، فذهب عنه ذلك بالكلية.
[١٠١٥] وعن أَبي سَعِيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا، أخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: فضل المُعَوِّذَتَين لاشتمالهما على الجوامع في المستعاذ به، والمستعاذ منه.
وعن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفَّيه، ثم نَفَثَ فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» . رواه البخاري.
وفي رواية: «كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها» .
وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أنَّ الرقية لا تؤثر بذاتها. وقال ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك» .
стр. 590
[١٠١٦] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مِنَ القُرْآنِ سُورَةٌ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ » . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفي رواية أَبي داود: «تَشْفَعُ» .
في هذا الحديث: فضل سورة تبارك، لافتتاحها بعظائم عَظَمَتِهِ، ثم بباهِرِ قدرته، وإتقانِ صنعته، ثم بذمِّ من نازع في ذلك، أو أعرض عنه، ثم بذكرِ عقابهم، وما له عليهم من النِّعم.
[١٠١٧] وعن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قِيلَ: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ.
قال الحافظ: وقيل: معناه أجزأتاه فيما تعلق بالاعتقاد، لما اشتملتا عليه من الإِيمان والأعمال إجمالاً، ثم ذكر أقوالاً أخرى، قال: ويجوز أن يراد جميع ما تقدم والله أعلم.
وعن أبي مسعود رفعه: «من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة» .
وعن النعمان بن بشير رفعه: «أن الله كتب كتابًا، وأنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال» . أخرجه الحاكم وصححه.
стр. 591
[١٠١٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ» . رواه مسلم
قوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» ، أي: لا تجعلوها كالمقابر لا يصلى فيها، ولكن صلوا في بيوتكم تطوعًا واقرؤا فيها؛ لأن الشيطان يفر من قراءة القرآن خصوصًا سورة البقرة.
[١٠١٩] وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ» ؟ قُلْتُ: الله ورسوله أعلم قال: يا أبا المنذر أَتَدْري أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ» ؟ قُلْتُ: ﴿اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وقال: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: منقبة جليلة لأُبَيٍّ.
وفيه: جواز مدح الإِنسان في وجهه، إذا أمن عليه الإِعجاب، وكان فيه مصلحة، كإظهار علمه ونحو ذلك.
وفيه: فضل آية الكرسي، لما اشتملت عليه من إثبات ربوبية الله، وألوهيته وأسمائه، وصفاته، وتنزيهه عن النقائص.
قال ابن كثير: وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
فقوله: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق.
стр. 592
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ : أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيِّم لغيره.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ : أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه.
﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ : إخبار أنَّ الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ، أنه لا يتجاسر أحد أن يشفع لأحد عنده، إلا بإذنه له في الشفاعة.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليلٌ على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء﴾ ، أي: لا يطَّلع أحد من علم الله على شيء إلا ما أعلمه الله وأطلعه عليه.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قال ابن عباس: (كرسيه) علمه. وعنه: (الكرسي) موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، وعنه: لو أن السماوات السبع، والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كُنَّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المسافة.
وقال ابن جرير: حدثني يوسف أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني يوسف، أخبرني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسيُّ في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» .
وقوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ، أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومَنْ بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد (٩) ] .
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود، فيها طريقة
стр. 593
السلف الصالح، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. انتهى ملخصًا.
[١٠٢٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: وَكَّلَنِي رسولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَام، فَأخَذْتُهُ فقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله ﷺ قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَليَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. فَقَالَ: «أمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ، لقولِ رسول الله ﷺ فَرَصَدْتُهُ، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله ﷺ قَالَ: دَعْنِي فَإنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لا أعُودُ، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأصْبَحْتُ فَقَالَ لي رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا هُريرة، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً، فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ.
فَقَالَ: «إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالثَة، فَجاء يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسول الله ﷺ وهذا آخِرُ ثلاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ! ثُمَّ تَعُود! فَقَالَ: دَعْنِي فَإنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فَإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «مَا فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رسول الله، زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا،
стр. 594
فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قَالَ لي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَة الكُرْسِيِّ مِنْ أوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآية: ﴿اللهُ لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وقال لِي: لا يَزَالُ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَنْ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «أمَا إنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لا. قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: فضل آية (الكرسي) ، وأن قراءتها تطرد الشياطين، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها، وتؤخذ عنه فيُنتفَع بها، وأن الكذَّاب قد يصدق، وأن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن الجِنَّ يأكلون من طعام الإِنس ويتكلمون بكلامهم.
وفيه: قبول العذر والستر على من يظن به الصدق.
وعند النسائي من حديث معاذ بن جبل: ضم إليَّ رسول االله ﷺ تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانًا، فشكوت ذلك إِلى رسول الله ﷺ فقال لي: «هو عمل الشيطان فارصده» فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليَّ ثيابي فأخذته فالتفت يداي على وسطه فقلت: يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ فيفضحك، قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيالٍ، وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئًا دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان تفرقنا منها، فإن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي وآخر سورة البقرة من قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ إلى آخرها.
[١٠٢١] وعن أَبي الدرداءِ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» .
стр. 595
وفي رواية: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ» . رواهما مسلم.
المراد: أنّ حفظ عشر هذه الآيات من سورة الكهف يكون عاصمًا من فتنة المسيح الدَّجَّال، الذي يخرج في آخر الزمان مدَّعيًا الألوهية لخوارق تظهر على يديه.
وروى أحمد عن أنس الجهني، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أوَّل سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إِلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض» .
وعن أبي سعيدٍ عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين» . أخرجه الحاكم وصححه.
وعن عليّ مرفوعًا: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إِلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدَّجَّال عُصم منه» . رواه الضِّياء المقدسي في المختارة.
[١٠٢٢] وعن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: بَيْنَمَا جِبْريلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النبي ﷺ سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلا اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلا اليومَ فَسَلَّمَ وقال: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَه. رواه مسلم.
(النَّقِيضُ) : الصَّوْتُ.
النقيض: الصوت.
قوله: «فاتحة الكتاب» ، سُمِّيت بذلك لأنه يُفتح بها في المصاحف فتُكتب
стр. 596
قبل جميع السور، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وسُمِّيت أُمُّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، والتعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش.
ولها أسماء أخرى: الكنز، والوافية، والشافية، والكافية، وسورة الحمد، والحمد لله، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء.
قوله: «لن تقرأ بحرف منها إِلا أعطيته» ، كما في حديث أبي هريرة: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... » الحديث.
وكما في الحديث الآخر: «ربنا لا تؤاخذنا إِنْ نسينا أو أخطأنا، قال الله: قد فعلت ... » الحديث.
١٨٤- باب استحباب الاجتماع عَلَى القراءة
[١٠٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب الاجتماع على القراءة لما فيه من تعظيم القرآن، وإظهار شعاره بتكثير مجالسه، وخصوصًا المساجد، لأنها أفضل المواضع وأشرفها.
стр. 597
وفيه: فضل مدارسة القرآن، ولهذا كان جبريل يلقى النبي ﷺ فيدارسه القرآن.
وفيه: بيان ثواب المجتمعين لقراءة القرآن، وأعلاه ذكر الله لهم فيمن عنده من الملائكة قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة (١٥٢) ] ، وقال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت (٤٥) ] .
١٨٥- باب فضل الوضوء
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة (٦) ] .
يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا القيام إلى الصلاة وهم محدثون أن يتوضؤوا، فيغسلوا وجوههم وأيديهم إلى المرافق، فيدخلوها في الغسل، ويمسحوا برؤوسهم، ويغسلوا أرجلهم، وإن كانوا جنبًا أن يغتسلوا، وإن كان أحدٌ منهم مريضًا يخاف ضررًا من استعمال الماء كفاه التيمم، أو كان مسافرًا وخاف العطش جاز له التيمم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ ، أي: جامعتموهن ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ ، أي: طاهرًا، ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة (٦) ] .
وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: بعثني النبي ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، قتمرَّغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. متفق عليه.
стр. 598
﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ ، أي: ضيق، ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ من الأحداث والذنوب: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيزيدها عليكم.
[١٠٢٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الغرة: في الوجه، والتحجيل: في اليدين والرجلين.
قال الحافظ: وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ .
وقوله: «محجلين» من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، والمراد به هنا: النور أيضًا.
[١٠٢٥] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ خليلي ﷺ يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: التحريض على إطالة الغرة والتحجيل، وإطالة الغرة: أن يغسل جميع وجهه طولاً وعرضًا. وإطالة التحجيل: أن يغسل يديه حتى يشرع في العضدين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساقين.
[١٠٢٦] وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «من تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» . رواه مسلم.
стр. 599
في هذا الحديث: الحثُّ على الاعتناء بتعلم شروط الوضوء وسننه وآدابه، والعمل بذلك.
[١٠٢٧] وعنه قَالَ: رَأيتُ رسول الله ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأ هكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجدِ نَافِلَةً» . رواه مسلم.
صفة الوضوء الذي ذكره عثمان، أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: «رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا» . ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» . رواه البخاري ومسلم.
وفيه: الحث على دفع الخواطر المتعلقة بأشغال الدنيا وجهاد النفس في ذلك، والترغيب في الإِخلاص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود (١١٤، ١١٥) ] .
[١٠٢٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ - أَو المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَّاً مِنَ الذُّنُوبِ» . رواه مسلم.
стр. 600
المراد بتكفير الخطايا هنا الصغائر لقول النبي ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
[١٠٢٩] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أنَّا قَدْ رَأَيْنَا إخْوانَنَا» . قالوا: أوَلَسْنَا إخْوَانَكَ يَا رسول الله؟ قَالَ: «أنْتُمْ أصْحَابِي، وَإخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأتُوا بَعْدُ» . قالوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسولَ الله؟ فَقَالَ: «أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلاً لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «فإنَّهُمْ يَأتُونَ غُرّاً مُحَجَّلينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: جواز تمني الخير، ولقاء الفضلاء. وليس في هذا الحديث نفيًا لأخوة الصحابة، ولكن ذكر مزيتهم بالصحبة. أي فأنتم أخوة صحابة والذين لم يأتوا بعد ليسوا بصحابة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠) ] .
وفيه: بشارة لهذه الأمة بأن واردهم إلى الماء هو محمد ﷺ . والفرط: هو المتقدم إلى الماء، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف (١٩) ] . والحوض: الكوثر.
[١٠٣٠] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «ألا أَدُّلُكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «
следующие страницы →