Полный текст (1 091 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
[٨٨٣] وعن أَبي موسى ﵁ قال: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ رسول الله ﷺ يَرْجُونَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُم الله، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
كان اليهود يعلمون نبوته ﷺ ورسالته باطنًا وإن أنكروها ظاهرًا حسدًا وعنادًا.
قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة (١٤٦) ] .
وفيه: أن الكافر لا يقال له: يرحمك الله بل يقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.
[٨٨٤] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» . رواه مسلم.
فيه: استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب، لأن الشيطان يدخل الجوف مع التثاؤب. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه» .
١٤٣- باب استحباب المصافحة عِنْدَ اللقاء وبشاشة الوجه
وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة
ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء
[٨٨٥] عن أَبي الخطاب قتادة، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أكَانَتِ
стр. 527
المُصَافَحَةُ في أصْحَابِ رسولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه البخاري.
فيه: دليل على مشروعية المصافحة؛ لأن الإجماع السكوتي حجة.
[٨٨٦] وعن أنس ﵁ قال: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَالَ رسولُ الله ﷺ : «قَدْ جَاءكُمْ أهْلُ اليَمَنِ» . وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالمُصَافَحَةِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
المصافحة: مما يؤكد المحبة، وأهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدةً.
[٨٨٧] وعن البراءِ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمَينِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقَا» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: تأكيد أمر المصحافة، والحث عليها لإِخبار الصادق ﷺ أنه يغفر للمتصافحين في مقامهما.
[٨٨٨] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أينحَنِي لَهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب المصافحة والنهي عن الانحناء، وأما المعانقة فتشرع للقادم من السفر.
[٨٨٩] وعن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبيِّ، فَأتَيَا رسول الله ﷺ فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ
стр. 528
آياتٍ بَيِّنَاتٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى قَوْلهِ: فقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ.
لفظ الحديث عند الترمذي، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصةً، أيها اليهود ألا تعدوا في السبت.
قال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات: تسع منها مشتركة بينهم وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة، وأضمروا ما كان مختصًا بهم. فأجابهم ﷺ عما سألوه، وعما أضمروه ليكون أدل على معجزاته. انتهى.
وفيه: جواز تقبيل يد الرجل الصالح.
[٨٩٠] وعن ابن عمر ﵄ قِصَّة قَالَ فِيهَا: فَدَنَوْنَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ فَقَبَّلْنَا يَدَه. رواه أَبُو داود.
وحاصل القصة أنهم كانوا في سرية ففروا، فأتوا النبي ﷺ وقالوا: نحن الفارون. فقال: «بل أنتم الكارهون» . وفي رواية: فقال: «أنا فئة المسلمين» .
[٨٩١] وعن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرسولُ الله ﷺ في بَيتِي، فَأتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ النبيُّ ﷺ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب قصد القادم أول قدومه إلى من يعز عليه.
وفيه: جواز الاسئذان بالقرع.
وفيه: استحباب المعانقة والتقبيل للقادم من الأصحاب والأقارب.
стр. 529
[٨٩٢] وعن أَبي ذَرٍّ ﵁ قال: قَالَ لي رسول الله ﷺ : «لا تَحقِرَنَّ منَ الْمَعرُوف شَيْئاً، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم
في هذا الحديث: استحباب طيب الكلام، وبشاشة الوجه، وفعل المعروف وإن قل.
[٨٩٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ النبيُّ ﷺ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ ﵄، فَقَالَ الأقْرَعُ بن حَابِسٍ: إنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَدَاً. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفيه: استحباب تقبيل الأطفال شفقة ورحمة.
* * *
стр. 530
كتاب عيَادة المريض وَتشييع المَيّت
والصّلاة عليه وَحضور دَفنهِ وَالمكث عِنْدَ قبرهِ بَعدَ دَفنه
١٤٤- باب عيادة المريض
[٨٩٤] عن البَرَاءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلَامِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
عيادة المريض سنة مؤكدة. ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس عنده، وينفس له في أجله، ويذكر له فضل الصبر، ويدعو له.
[٨٩٥] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» . وزاد: «وإذا استنصحك. فانصح له» .
[٨٩٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ اللهَ يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ
стр. 531
تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي!» . رواه مسلم
قوله: (لوجدتني عنده) ، أي: بالعلم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ... [المجادلة (٧) ] .
قوله: «أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» ، أي: ثوابه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [المزمل (٢٠) ] .
وفيه: دليل أنَّ الحسنات لا تضيع، وأنها عند الله بمكان.
[٨٩٧] وعن أَبي موسى ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي» . رواه البخاري.
«العاَنِي» : الأسيرُ.
قال في " النهاية ": العاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع.
[٨٩٨] وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ المُسْلِمَ
стр. 532
إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» . قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا» . رواه مسلم.
فيه: فضل عيادة المريض، وثواب العائد، ولما كانت العيادة مفضية إلى مخارف الجنة سميت بها، والجنا: ما يجتني من الثمر.
[٨٩٩] وعن عليّ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوة إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«الخَريفُ» : الثَّمرُ الْمَخْرُوفُ، أيْ: الْمُجْتَنَى.
الصلاة من الملائكة: الاستغفار والدعاء، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ [غافر (٧، ٨) ] .
[٩٠٠] وعن أنسٍ ﵁ قال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبي ﷺ فَمَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أنْقَذَهُ منَ النَّارِ» رواه البخاري.
في هذا الحديث: جواز عيادة الكافر للمصلحة.
وفيه: بركة صحبة الصالحين وظهور ثمرتها دنيا وأخرى.
١٤٥- باب مَا يُدعى به للمريض
[٩٠١] عن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكى الإنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ بِأُصْبُعِهِ
стр. 533
هكَذا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة الرَّاوي سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَها - وقال: «بِسمِ اللهِ، تُرْبَةُ أرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
في بعض الروايات: أن النبي ﷺ كان يبل أصبعه ويضعها أعلى لأرض ليلتزق بها التراب.
وفيه: إشارة إلى أن أول خلق الإِنسان من تراب، ثم من نطفة.
[٩٠٢] وعنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أهْلِهِ يَمْسَحُ بِيدِهِ اليُمْنَى، ويقولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أذْهِب البَأسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفاؤكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقماً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «لا يغادر سقمًا» ، أي: لا يترك مرضًا. وفائدة التقييد به أنه قد يحول الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر متولد منه مثلاً، فكأنه يدعو بالشفاء المطلق، لا بمطلق الشفاء.
[٩٠٣] وعن أنسٍ ﵁ أنه قَالَ لِثابِتٍ ﵀: ألا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلا أنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقماً» . رواه البخاري.
فيه: دليل على جواز الرقية من كل الآلم، وأنه كان أمرًا فاشيًا معلومًا بينهم وأجمع العلماء على جواز الرقية إذا كانت بكلام الله تعالى، أو ... بأسمائه، أو بصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. وسئل ابن عبد السلام
стр. 534
عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون كفرًا.
[٩٠٤] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ ﵁ قال: عَادَنِي رسول الله ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً» . رواه مسلم.
كرر الدعاء ﷺ لمزيد الاهتمام والاعتناء.
وفي الحديث: «إن الله يحب المُلحِّين في الدعاء» .
[٩٠٥] وعن أَبي عبدِ الله عثمان بنِ أَبي العاصِ ﵁: أنّه شَكَا إِلَى رسول الله ﷺ وَجَعاً، يَجِدُهُ في جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ : «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَألَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بسم اللهِ ثَلاثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ بِعِزَّةِ الله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أجِدُ وَأُحَاذِرُ» . رواه مسلم.
قال الطيبي: تعوذ من مكروه ووجع، ومما يتوقع حصوله في المستقبل.
[٩٠٦] وعن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أسْأَلُ اللهَ العَظيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظيمِ، أنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن) ، وقال الحاكم: «حديث صحيح عَلَى شرط البخاري» .
стр. 535
فيه: استحباب الدعاء للمريض بهذا الدعاء وتكريره سبع مرات.
وفيه: أن الأجل إذا حضر لم يرده شيء.
[٩٠٧] وعنه: أنَّ النبي ﷺ دَخَلَ عَلَى أعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ، قَالَ: «لا بَأسَ؛ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللهُ» . رواه البخاري.
تمام الحديث: فقال الأعرابي: بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور قال النبي ﷺ : فنعم إذًا.
[٩٠٨] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁: أن جِبريلَ أتَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بِسْمِ الله أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِسمِ اللهِ أُرقِيكَ. رواه مسلم.
في الحديث: جواز الإِخبار بالمرض على طريق بيان الواقع من غير تضجر ولا تبرم.
وفيه: تنبيه على أن الرقى لا ينبغي أن تكون إلا بأسماء الله وأوصافه وذكره، فببركة ذلك يرتفع ما يؤذن في رفعه من الضرر.
[٩٠٩] وعن أَبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: أنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رسول الله ﷺ أنّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وأنَا أكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: يقول: لا إلهَ إلا أنَا وَحْدِي لا شَريكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا
стр. 536
لِيَ المُلْكُ وَلِيَ الحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لا إله إِلا اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ، قَالَ: لا إلهَ إِلا أنَا وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بي» وَكَانَ يقُولُ: «مَنْ قَالَهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله وحده منفردًا في ذاته وأوصافه، لا شريك له في ربوبيته، وإلاهيته. ومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونة الله.
١٤٦- باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
[٩١٠] عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ عليَّ بْنَ أَبي طالب ﵁، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رسول الله ﷺ في وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فقالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارئاً. رواه البخاري.
في هذا الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه.
وفيه: أنه ينبغي لمن يُسأل عن حال المريض أن يجيب بما يشعر بخفة مرضه، وقرب عافيته.
وفي رواية: فقال العباس: (والله إني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى من وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ... ) الحديث.
١٤٧- باب مَا يقوله مَن أيس من حياته
[٩١١] عن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ وَهُوَ
стр. 537
مُسْتَنِدٌ إلَيَّ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأَعْلَى» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: تنبيه على أن سؤال المغفرة والرحمة لا يغفل عنه المستيقظ خصوصًا في مثل هذه الحال، لأنها حالة الانتقال، وساعة الارتحال. وقد قال النبي ﷺ : «اعملوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» . قالوا: ولا أنت يَا رسول الله. قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
[٩١٢] وعنها قالت: رَأيتُ رسولَ الله ﷺ وَهُوَ بِالمَوْتِ، عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ثُمَّ يَقُولُ: ... «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى غَمَرَاتِ المَوْتِ وَسَكَرَاتِ المَوْتِ» رواه الترمذي.
فيه: استحباب عدم الغفلة عن الذكر والدعاء في كل حال.
١٤٨- باب استحباب وصية أهل المريض
ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر عَلَى مَا يشق من أمره
وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد أَوْ قصاص ونحوهما
[٩١٣] عن عِمْران بن الحُصَيْنِ ﵄: أنَّ أمْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَت النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رسول الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رسولُ الله ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإذَا وَضَعَتْ فَأتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِهَا النبي ﷺ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. رواه مسلم.
стр. 538
في هذا الحديث: مشروعية الصلاة على المقتول حدًا، وإن الحد طهرة له من دنس الذنوب.
١٤٩- باب جواز قول المريض: أنَا وجع، أَوْ شديد الوجع
أَوْ مَوْعُوكٌ أَوْ وارأساه ونحو ذلك. وبيان أنَّه لا كراهة في ذلك
إِذَا لَمْ يكن عَلَى وجه التسخط وإظهار الجزع
[٩١٤] عن ابن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسسْتُهُ، فَقلتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعَكاً شَديداً، فَقَالَ: «أجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: جواز إخبار المريض لمن سأله بما يجده من الألم، وأنه كلما اشتد وجعه عظم أجره.
[٩١٥] وعن سعدِ بن أَبي وقاصٍ ﵁ قال: جَاءني رسولُ الله ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فقلتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَتِي.. وذَكر الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.
الشاهد من الحديث تقرير النبي ﷺ سعدًا على قوله: (بلغ بي من الوجع ما ترى) ، ولو كان منهيًّا عنه لنهاه.
[٩١٦] وعن القاسم بن محمد قَالَ: قالت عائشةُ ﵂: وَارَأسَاهُ! فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «بَلْ أنَا، وَارَأسَاهُ!» ... وذكر الحديث. رواه البخاري.
فيه: جواز مثل ذلك إذا لم يكن على وجه التسخط والجزع.
стр. 539
١٥٠- باب تلقين المحتضر: لا إله إِلا اللهُ
[٩١٧] عن معاذ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه أَبُو داود والحاكم، وقال: (صحيح الإسناد) .
فيه: فضل كلمة التوحيد، وأن من قالها عند موته دخل الجنة.
وفي حديث علي بن أبي طالب: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله لم يدخل النار» .
وفي حديث آخر: «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا» .
[٩١٨] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إلهَ إِلا اللهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: الأمر بتلقين المحتضر لا إله إلا الله. زاد ابن حبان من حديث أبي هريرة: «فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل لجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» .
وينبغي أن يكون الملقن رفيقًا لئلا يضجره ولا يكرر عليه التلقين إلا أن يتكلم بعد ذلك فيعيد تلقينه برفق. ولا يجوز إشغاله بالوصية وهو في الموت كما يفعله الجهال؛ لأنَّ ذلك يشغله عن الشهادة.
١٥١- باب مَا يقوله بعد تغميض الميت
[٩١٩] عن أُم سلمة ﵂، قالت: دَخَلَ رسولُ الله ﷺ -
стр. 540
عَلَى أَبي سَلَمة وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، تَبِعَهُ البَصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أهْلِهِ، فَقَالَ: «لا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ، فَإنَّ المَلَائِكَةَ يَؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» . ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ دَرَجَتْهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب تغميض الميت لئلا يتشوه منظره، واستحباب الدعاء له، ووصية أهله بالصبر والدعاء له بالخير.
١٥٢- باب ما يقال عند الميت وَمَا يقوله من مات له ميت
[٩٢٠] عن أُم سَلَمة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا حَضَرتُمُ المَرِيضَ أَو المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْراً، فَإنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» ، قالت: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سلَمة أتَيْتُ النبي ﷺ فقلت: يَا رسولَ الله، إنَّ أَبَا سَلَمَة قَدْ مَاتَ، قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبى حَسَنَةً» فقلتُ، فَأعْقَبنِي اللهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ: مُحَمَّداً ﷺ . رواه مسلم هكَذا: «إِذَا حَضَرتُمُ المَريضَ، أَو المَيِّتَ» ، عَلَى الشَّكِّ، ورواه أَبُو داود وغيره: «الميت» بلا شَكّ.
في هذا الحديث: البداءة بالنفس في الدعاء.
وفيه: حصول ثمرة الامتثال.
[٩٢١] وعنها قالت: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إنّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجِرْنِي في
стр. 541
مُصِيبَتي وَاخْلفْ لِي خَيراً مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللهُ تَعَالَى في مُصِيبَتِهِ وَأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا» قالت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَة قلتُ كَمَا أمَرَني رسول الله ﷺ فَأخْلَفَ اللهُ لِي خَيْراً مِنْهُ رسولَ الله ﷺ . رواه مسلم.
قوله: «إلا أجره الله» ، بفتح الهمزة من غير مد، وبمدها لغتان، أي: أثابه.
[٩٢٢] وعن أَبي موسى ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَة فُؤَادِهِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ. فيقولُ: فمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فيقولونَ: حَمدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فيقول اللهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الإضافة في قوله تعالى: (عبدي) ، للتشريف جبرًا لما أصابه من المصيبة وتشريفًا له لصبره على أقضية ربه.
[٩٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «يقولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤمِن عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْل الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الجَنَّةَ» . رواه البخاري.
صفيه: حبيبه من زوج، وولد، وقريب، وصديق.
[٩٢٤] وعن أسَامَة بن زَيدٍ ﵄، قَالَ: أرْسَلَتْ إحْدى بَنَاتِ النَّبيِّ ﷺ إِلَيْهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أنَّ صَبِيَّاً لَهَا - أَوْ ابْناً - في المَوْتِ فَقَالَ للرسول: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأخْبِرْهَا أنَّ للهِ تَعَالَى مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» ... وذكر تمام الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.
стр. 542
في هذا الحديث: الوصية بالصبر عند المصيبة قبل وجودها ليستعد لها.
١٥٣- باب جواز البكاء عَلَى الميت بغير ندب وَلا نياحة
أمَّا النِّيَاحَةُ فَحَرَامٌ وَسَيَأتِي فِيهَا بَابٌ فِي كِتابِ النَّهْيِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَأمَّا البُكَاءُ فَجَاءتْ أحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَأنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ، وَهِيَ مُتَأَوَّلَةٌ ومَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ أوْصَى بِهِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ عَن البُكَاءِ الَّذِي فِيهِ نَدْبٌ، أَوْ نِيَاحَةٌ.
أجمع العلماء على أنَّ البكاء الذي يعذب به هو مجرد النياحة لا مجرَّد دمع العين ونحوه.
والدَّليلُ عَلَى جَوَازِ البُكَاءِ بِغَيْرِ نَدْبٍ وَلا نِياحَةٍ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:
[٩٢٥] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ عاد سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَمَعَهُ عَبدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوفٍ، وَسَعدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵃ فَبَكَى رسول الله ﷺ فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ رسولِ الله ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا أَوْ يَرْحَمُ» وَأشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: دليل على جواز البكاء، والحزن، وتحريم الندب، والنياحة والتسخط.
[٩٢٦] وعن أُسَامَة بن زَيدٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ ابنُ ابْنَتِهِ وَهُوَ فِي المَوتِ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ سَعدٌ: مَا هَذَا يَا رسولَ الله؟! قَالَ: «هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى في
стр. 543
قُلُوبِ ... عِبَادِهِ، وَإنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
سعد هذا هو ابن عبادة كما تقدم في الحديث في باب الصبر.
[٩٢٧] وعن أنسٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهيمَ ﵁ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله ﷺ تَذْرِفَان. فَقَالَ لَهُ عبدُ الرحمنِ بن عَوف: وأنت يَا رسولَ الله؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ» . ثُمَّ أتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقَالَ: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلب يَحْزنُ، وَلا نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبرَاهِيمُ لَمَحزُونُونَ» . رواه البخاري، وروى مسلم بعضه. والأحاديث في الباب كثيرة في الصحيح مشهورة، والله أعلم.
قوله: «فقال: يَا ابن عوف، إنها رحمة» .
وفي رواية: فقلت: يَا رسول الله، تبكي أو لم تنه عن البكاء! فقال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت نغمة لهو ولعب. ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب. ورنة شيطان؛ إنما هذه رحمة، ومن لا يَرْحَم لا يُرْحَم» . قال ابن المنيِّر: فيه أنه ﷺ بين أن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة، ولا يكلف العبد الانكفاف عنه.
١٥٤- باب الكف عن مَا يُرى من الميت من مكروه
[٩٢٨] عن أَبي رافع أسلم مولى رسول الله ﷺ : أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيتاً فَكَتَمَ عَلَيْهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ أربَعِينَ مَرَّة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح عَلَى شرط مسلم.
стр. 544
قوله: «فكتم عليه» ، أي: ما رأى منه من تغير لون، أو تشويه صورة، أو نحو ذلك. ولأحمد من حديث عائشة مرفوعًا: «من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
١٥٥- باب الصلاة عَلَى الميت وتشييعه وحضور دفنه
وكراهة اتباع النساء الجنائز
وَقَدْ سَبَقَ فَضْلُ التَّشْييعِ.
أي: في كتاب عيادة المريض في حديث البراء: «أمرنا بسبع إلى أن قال: واتباع الجنائز. وبقوله في حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس: رد الإِسلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» .
[٩٢٩] عن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيراطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا القِيرَاطانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في حديث للطبراني: «من تبع جنازة كتب له ثلاثة قراريط» . قال في «فتح الباري» : الإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلقق به: فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط. وذكر القيراط تقريبًا للفهم، وفي حديث واثلة بن عدي: ... «كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد» .
стр. 545
[٩٣٠] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيماناً وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإنَّهُ يَرْجعُ مِنَ الأَجْرِ بِقيراطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِقيرَاطٍ» . رواه البخاري.
قوله: «إيمانًا واحتسابًا» ، أي: تصديقًا بالوعد واحتسابًا للأجر.
[٩٣١] وعن أم عطية ﵂، قالت: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: وَلَمْ يُشَدَّدْ في النَّهْيِ كَمَا يُشَدَّدُ في المُحَرَّمَاتِ.
قولها: (نهينا) ، أي: نهانا رسول الله ﷺ . والمراد جماعة النساء.
قال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم.
١٥٦- باب استحباب تكثير المصلين عَلَى الجنازة
وجعل صفوفهم ثلاثة فأكثر
[٩٣٢] عن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ مَيتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا فِيهِ» . رواه مسلم.
[٩٣٣] وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيقومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أرْبَعُونَ
стр. 546
رَجُلاً لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً، إِلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» . رواه مسلم.
لا مخالفة بين هذا الحديث والذي قبله، لأن مفهوم العدد غير حجة على الصحيح، أو أن الله أخبره بما جاء فيمن صلَّى عليه مئة ثم زاد الفضل من الله تعالى بحصول مثل ذلك فيمن صلَّى عليه أربعون فأخبر به، والله أعلم.
[٩٣٤] وعن مرثدِ بن عبدِ الله اليَزَنِيِّ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بن هُبَيْرَة ﵁ إِذَا صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ، فَتَقَالَّ النَّاس عَلَيْهَا، جَزَّأَهُمْ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ ... أوْجَبَ» رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قوله: «فقد أوجب» ، أي: وجبت له الجنة.
١٥٧- باب مَا يقرأ في صلاة الجنازة
يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكبِيرَاتٍ، يَتَعوَّذُ بَعْدَ الأُولَى، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبي ﷺ فيقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَالأفْضَلُ أنْ يُتَمِّمَهُ بقوله: كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إبرَاهِيمَ - إِلَى قَوْله - إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَلا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلهُ كَثيرٌ مِنَ العَوامِّ مِنْ قراءتِهِمْ: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ﴾ [الأحزاب (٥٦) ] الآية، فَإنَّهُ لا تَصحُّ صَلَاتُهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ، وَيَدعُو للمَيِّتِ وَللمُسْلِمِينَ بِمَا سَنَذكُرُهُ مِنَ الأحاديث إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيَدْعُو. وَمِنْ أحْسَنِهِ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» . وَالمُخْتَارُ أنه يُطَوِّلُ الدُّعاء في الرَّابِعَة خلافَ مَا يَعْتَادُهُ أكْثَرُ النَّاس،
стр. 547
لحديث ابن أَبي أَوْفى الذي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاء اللهُ تَعَالَى.
الدعاء بعد الرابعة جائز.
قال في الإنصاف» : ظاهر كلام المصنف أنه لا يدعو بشيء بعد الرابعة وهو صحيح، وإنما يقف قليلاً بعدها ليكبر آخر الصفوف، وهذا المذهب نقله الجماعة، وعنه: يقف ويدعو، اختاره أبو بكر وغيره. قال في «مجمع البحرين» : هذا أظهر الروايتين، وعنه: يخلص الدعاء للميت.
فَأمَّا الأَدْعِيَةُ المَأثُورَةُ بَعْدَ التَّكبِيرَةِ الثالثة، فمنها:
[٩٣٥] عن أَبي عبد الرحمن عوف بن مالك ﵁ قال: صَلَّى رسول الله ﷺ عَلَى جَنازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ، وَهُوَ يقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّه مِن الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَس، وَأبدلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيراً مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجَاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأدْخِلهُ الجَنَّةَ، وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمنْ عَذَابِ النَّارِ» حَتَّى تَمَنَّيتُ أن أكُون أنَا ذَلِكَ الْمَيِّت. رواه مسلم.
في هذا الحديث: مشروعية الدعاء للميت، وجواز الجهر به ولو سمعه من يليه.
[٩٣٦] وعن أَبي هريرة وأبي قتادة وَأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه - وأبوه صَحَابيٌّ ﵃ عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرنَا وَكَبيرنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وشَاهِدنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى الإسْلَامِ،
стр. 548
وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوفَّهُ عَلَى الإيمَان، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعدَهُ» . رواه الترمذي من رواية أَبي هريرة والأشهلي. ورواه أَبُو داود من رواية أَبي هريرة وأبي قتادة. قَالَ الحاكم: «حديث أَبي هريرة صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم» ، قَالَ الترمذي: «قَالَ البخاري: أجمع رواياتِ هَذَا الحديث رواية الأشْهَلِيِّ، قَالَ البخاري: وأصح شيء في هَذَا الباب حديث عَوْفِ بن مَالِكٍ» .
في هذا الحديث: جواز الدعاء لعامة المسلمين في الصلاة على الميت.
[٩٣٧] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاء» . رواه أَبُو داود.
قال العلقمي: إخلاص الدعاء للميت أن يدعى له بخصوصه، وإن كان طفلاً.
[٩٣٨] وعنه عن النبيِّ ﷺ في الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وَأنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأنتَ هَدَيْتَهَا للإسْلَامِ، وَأنتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأنْتَ أعْلَمُ بِسرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئنَا شُفَعَاءَ لَهُ، فَاغْفِرْ لَهُ» . رواه أَبُو داود.
[٩٣٩] وعن وَاثِلَة بنِ الأَسْقَعِ ﵁ قال: صَلَّى بِنَا رسول الله ﷺ عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانٍ في ذِمَتِّكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ، وَعذَابَ النَّار،
стр. 549
وَأنْتَ أهْلُ الوَفَاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ» . رواه أَبُو داود.
قال الطيبي: الحبل: العهد والأمان والذمة، أي هو في كنف حفظك.
[٩٤٠] وعن عبدِ الله بنِ أبي أَوْفى ﵄: أنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ ﷺ يَصْنَعُ هكَذَا.
وفي رواية: كَبَّرَ أرْبَعاً فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْساً، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ... إنِّي لا أزيدُكُمْ عَلَى مَا رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ، أَوْ: هكَذَا صَنَعَ رسول الله ﷺ . رواه الحاكم، وقال: «حديث صحيح» .
يؤخذ من هذا الحديث: استحباب الدعاء للميت بعد الرابعة.
قوله: «ثم سلم عن يمينه وعن شماله» ، قال في «الإنصاف» : الصحيح من المذهب وجوب التسليمة الأولى، وعليه الأصحاب. وعنه: ثنتان، وهي من المفردات. انتهى.
والراجح وجوب الأولى وجواز الثانية.
١٥٨- باب الإسراع بالجنازة
[٩٤١] عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «أسْرِعُوا بالجَنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
стр. 550
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ» .
المراد: الإسراع فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، وأن لا يشق على من تبعها ولا يحرك الميت.
[٩٤٢] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: كَانَ النبي ﷺ يقُولُ: «إِذَا وُضِعَت الجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعنَاقِهمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلا الإنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإنسَانُ لَصَعِقَ» . رواه البخاري.
قوله: «قالت لأهلها: يَا ويلها» ، الويل: كلمة تقال عند العذاب أو خوفه.
قال النووي: هذا من حسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى بضمير الغيبة لقبح صورة اللفظ الواقع.
١٥٩- باب تعجيل قضاء الدَّين عن الميت
والمبادرة إِلَى تجهيزه إلا أن يموت فجأة فيترك حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه
[٩٤٣] عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: الحث على الإسراع بقضاء الدين عن الميت.
[٩٤٤] وعن حُصَيْنِ بن وَحْوَحٍ ﵁ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵄ مَرِضَ، فَأتَاهُ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إنِّي لا أرى طَلْحَةَ إِلا قَدْ حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ، فآذِنُوني بِهِ وَعَجِّلُوا بِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لجِيفَةِ
стр. 551
مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أهْلِهِ» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: الأمر بالمبادرة إلى تجهيز الميت. وروي أنه توفي ليلاً فقال: ادفنوني ليلاً. والحقوني بربي ولا تدعو رسول الله ﷺ فإني أخاف عليه من اليهود أن يصاب في سببي. فأخبر رسول الله ﷺ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه ثم رفع يديه. وقال: «اللهم ألق طلحة وأنت تضحك إليه، وهو يضحك إليك» .
١٦٠- باب الموعظة عند القبر
[٩٤٥] عن عَلِيٍّ ﵁ قال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، فَأتَانَا ... رسولُ الله ﷺ فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» . فقالوا: يَا رسولَ الله، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابنَا؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا؛ فكلٌّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ... » وذكَر تَمَامَ الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.
الموعظة: هي التذكير بعذاب الله الزاجر عن مخالفته، وبثوابه الباعث على طاعته تعالى. والمخصرة: عصا ذات رأس معوج.
قوله: «فنكس» بتخفيف الكاف وتشديدها، أي: طأطأ رأسه، وذلك يكون عند التفكر والتدبر.
وفي الحديث: استحباب الموعظة عند القبر لأن رؤية الميت، وذكر الموت يرقق القلب، ويذهب غلظته.
стр. 552
وفيه: الإيمان بالقدر.
وفيه: أن كلاً ميسر لما خلق له، من سعادة أو شقاوة.
وفيه: الأمر بالعمل وعدم الاتكال على الكتاب السابق، ولهذا لما قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» . ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل (٥، ١٠) ] .
١٦١- باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره
ساعة للدعاء لَهُ والاستغفار والقراءة
[٩٤٦] وعن أَبي عمرو - وقيل: أَبُو عبد الله، وقيل: أَبُو ليلى - عثمان بن عفان ﵁ قال: كَانَ النبيُّ ﷺ إِذَا فُرِغَ مِن دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وقال: «اسْتَغْفِرُوا لأخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإنَّهُ الآنَ يُسألُ» . رواه أَبُو داود.
فيه: مشروعية الدعاء للميت بعد دفنه بالتثبيت؛ لأنه يُسأل حينئذٍ عن ربه ودينه ونبيه.
[٩٤٧] وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: إِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَأقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلم. وَقَدْ سبق بطوله.
стр. 553
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُقْرَأ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ القُرآنِ، وَإنْ خَتَمُوا القُرآنَ عِنْدَهُ كَانَ حَسَنَاً.
يشرع الوقوف عند قبر الميت بعد دفنه والدعاء له بالتثبيت. ويباح التلقين، وتركه أولى. وأما القراءة فلا بأس بها عند القبر، والأولى تركها اقتداءً بالسلف الأول، والأحاديث في ذلك ضعيفة.
١٦٢- باب الصدقة عن الميت والدعاء لَهُ
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر (١٠) ] .
هذه الآية نزلت في الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة. ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم يقولون ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، أي: غشًّا وحسدًا وبغضًا. واستدل المصنف بهذه الآية على طلب الدعاء للميت، ويُقاس به الصدقة عنه.
стр. 554
[٩٤٨] وعن عائشة ﵂: أنَّ رجلاً قَالَ للنبيِّ ﷺ : إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: دليل على أن الصدقة عن الميت يصل أجرها إليه.
[٩٤٩] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جَاريَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رواه مسلم.
فيه: دليل على أن عمل ابن آدم ينقطع بعد الموت، لقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم (٣٩) ] .
قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداؤها، إلى الموتى لأنه ليس من عملهم، ولا كسبهم.
وأما حديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ، فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله. انتهى ملخصًا.
١٦٣- باب ثناء الناس عَلَى الميت
[٩٥٠] عن أنسٍ ﵁ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ» . ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى، فَأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً، فَقَالَ النبي ﷺ : «وَجَبَتْ» . فَقَالَ عمر بن الخطاب ﵁: مَا
стр. 555
وَجَبَت؟ فَقَالَ: «هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، فَوَجَبتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّار، أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرضِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
النهي عن ذكر مساوي الموتى في غير الكافر، والمنافق، والمتجاهر بالفسق للتحريم، فانطلاق الألسنة بالثناء الحسن من المؤمنين علامة على صلاح العبد، وانطلاق الألسنة بالثناء القبيح علامة على فساده.
[٩٥١] وعن أَبي الأسْوَدِ الديلي، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ فَمَرَّتْ بِهمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بَأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْراً، فَقَالَ عُمرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرّاً، فَقَالَ عُمر: وَجَبَتْ، قَالَ أَبُو الأسودِ: فقلتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أمْيرَ المُؤمِنينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كما قَالَ النبي ﷺ : «أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيرٍ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ» فقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلاثَةٌ» فقلنا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ» . ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَن الواحِدِ. رواه البخاري.
فيه: فضل الثناء على الميت بخير، إذا كان يعلم ذلك منه، وعند أحمد: «ما من مسلم تشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه. وغفرت له ما لا يعلمون» .
١٦٤- باب فضل من مات لَهُ أولاد صغار
[٩٥٢] عن أنسٍ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغوا الحِنْثَ إِلا أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
стр. 556
الحنث: الحلم، وعبر بالحنث عن البلوغ، لأن الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه، وخص الصغير بذلك، لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أكثر، فإن البالغ يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة.
[٩٥٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لا تَمسُّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ» . متفقٌ ... عَلَيْهِِ.
وَ «تَحِلَّةُ القَسَمِ» قول الله تَعَالَى: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَالوُرُودُ: هُوَ العُبُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، عَافَانَا اللهُ مِنْهَا.
قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخل مجتازًا، ويكون ذلك الجواز بقدر ما يحلل به الرجل يمينه.
وفي رواية عند الطبراني: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل» . يعني الجواز على الصراط.
[٩٥٤] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: جَاءتِ امْرأةٌ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رسولَ الله، ذَهبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْماً نَأتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، قَالَ: «اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ النبيُّ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأةٍ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنَ الوَلَدِ إِلا كَانُوا لَهَا
стр. 557
حِجَاباً مِنَ النَّارِ» . فقالتِ امْرَأةٌ: وَاثْنَينِ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «وَاثْنَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الولد يشمل الذكر والأنثى، والكبير والصغير، وخُصت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة، والحديث يتناول ما فوق الثلاثة بالأولى.
١٦٥- باب البكاء والخوف عِنْدَ المرور بقبور الظالمين
ومصارعهم وإظهار الافتقار إِلَى الله تَعَالَى
والتحذير من الغفلة عن ذلك
[٩٥٥] عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ لأصْحَابِهِ - يعْني لَمَّا وَصَلُوا الحِجْرَ - دِيَارَ ثَمُودَ -: «لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي روايةٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رسولُ الله ﷺ بِالحِجْرِ، قَالَ: «لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أنْ يُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ، إِلا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّع رسول الله ﷺ رَأسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أجَازَ الوَادِي.
أي: لا تدخلوها إلا حال الاعتبار الباعث على البكاء لا على سبيل التفرج خشية أن يصيبكم ما أصابهم من إهمال أمر الله فيحل بكم عقابه.
стр. 558
كتَاب آداب السَّفَر
١٦٦- باب استحباب الخروج يوم الخميس
واستحبابه أول النهار
[٩٥٦] عن كعب بن مالك ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخَمِيس، وَكَانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَميسِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية في لأبي داود: لقَلَّمَا كَانَ رسولُ الله ﷺ يَخْرُجُ إِلا في يَوْمِ الخَمِيسِ.
في الحديث: استحباب الخروج إلى السفر يوم الخميس، وأنه لا كراهة في ذلك.
[٩٥٧] وعن صخر بن وَداعَةَ الغامِدِيِّ الصحابيِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا» وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشَاً بَعَثَهُمْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ. وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِراً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أوَّلَ النَّهَار، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
стр. 559
في هذا الحديث: استحباب السفر أول النهار.
١٦٧- باب استحباب طلب الرفقة
وتأميرهم عَلَى أنفسهم واحداً يطيعونه
[٩٥٨] عن ابن عمرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لَوْ أنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنَ الوحدَةِ مَا أعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» ! . رواه البخاري.
في هذا الحديث: كراهية المسير بالليل للمنفرد، لما يلحقه من ضرر الوحدة الديني والدنيوي.
[٩٥٩] وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحةٍ، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمل عليه الشيطان ويدعوه إليه. فقيل لذلك أن فاعله شيطان، وكذا الاثنان ليس معهما ثالث.
وقوله: «والثلاثة ركب» ، أي: إذا وجد ذلك تعاضدوا وتعاونوا على نوائب السفر. ودفع ما فيه من الضرر، وأمنوا من خيانة بعضهم.
[٩٦٠] وعن أَبي سعيد وأبي هُريرة رضي اللهُ تَعَالَى عنهما قالا: قَالَ
رسولُ الله ﷺ : «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّرُوا أحَدَهُمْ» حديث حسن، رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
стр. 560
فيه: استحباب تأمير أحد المسافرين فيما يتعلق بالسفر وما يعرض فيه والأولى ولاية الأجود رأيًا لأن التأمير إنما طلب للمصالح ودفع المفاسد.
[٩٦١] وعن ابن عبّاسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِئَةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ ألْفاً مِنْ قِلةٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قيل: فائدة تخصيص الأربعة أن واحدًا يكون أميرًا، والثاني حافظًا للرجل، واثنان معاونان. والسرية هي القطعة من الجيش تغير وترجع إليه.
وقوله: «من قلة» ، أي قلة عدد بل لسبب آخر من عُجبٍ أو غيره.
زاد العسكري: «وخير الطلائع أربعون» .
١٦٨- باب آداب السير والنزول والمبيت
والنوم في السفر واستحباب السُّرَى والرفق بالدواب
ومراعاة مصلحتها وأمر من قصّر في حقها بالقيام بحقها
وجواز الإرداف عَلَى الدابة إِذَا كانت تطيق ذلك
[٩٦٢] عن أَبي هُريرةَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الخِصْبِ، فَأعْطُوا الإبلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ في الجدْبِ، فَأسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» . رواه مسلم.
مَعنَى «أعْطُوا الإبِلَ حَظَّهَا مِنَ الأرْضِ» أيْ: ارْفُقُوا بِهَا في السَّيْرِ لِتَرْعَى في حَالِ سَيرِهَا، وَقوله: «نِقْيَهَا» هُوَ بكسر النون وإسكان
стр. 561
القاف وبالياءِ المثناة من تَحْت وَهُوَ: المُخُّ، معناه: أسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلُوا المَقصِدَ قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ مُخُّهَا مِنْ ضَنْك السَّيْرِ. وَ «التَّعْرِيسُ» : النُزولُ في اللَّيلِ.
[٩٦٣] وعن أَبي قتادة ﵁ قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رواه مسلم.
قَالَ العلماءُ: إنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلا يَسْتَغْرِقَ في النَّومِ، فَتَفُوتَ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أوَّلِ وَقْتِهَا.
قوله: «اضطجع على يمينه» ، النوم على اليمين أشرف جهة، ولئلا يستغرق في النوم لكون القلب يكون حينئذٍ معلقًا فلا ينغمر في النوم.
[٩٦٤] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
«الدُّلْجَةُ» : السَّيْرُ في اللَّيْلِ.
تقطع الدواب من المسافة في الليل خصوصًا آخره ما لا تقطعها في ... النهار، لنشاطها ببرود الليل، وبركة آخره. قال الشاعر:
?? ... عند الصباح يحمد القوم السري ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
[٩٦٥] وعن أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ تَفَرُّقكُمْ فِي هذِهِ الشِّعَابِ وَالأوْدِيَةِ إنَّمَا ذلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ!» فَلَمْ يَنْزِلُوا
стр. 562
بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
يعني: أن التفرق ناشئ من وسواس الشيطان وإغوائه، وذلك أن المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر، والتعاون على نوائبه، والتفرق مانع من ذلك.
[٩٦٦] وعن سهل بن عمرو - وقيل: سهل بن الربيع بن عمرو - الأنصاري المعروف بابن الحنظلِيَّة، وَهُوَ من أهل بيعة الرِّضْوَانِ ﵁ قال: مَرَّ رسولُ الله ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله في هذِهِ البَهَائِمِ المُعجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم.
وفي هذا الحديث: الأمر بتقوى الله فيها. ونص على صفتها بأنها معجمة للاستعطاف عليها، ومزيد الشفقة بها، ولأنها لا تقدر على الفرار، ولا الشكوى إلا إلى الله. وقد ورد في بعض الآثار: أن الملك يمسح خاصرتها كل ليلة، فإن كانت شابعة دعى لصاحبها بالبركة، وإن كانت جائعة دعا عليه بالفقر وهذا مشاهد بالحس.
[٩٦٧] وعن أَبي جعفر عبد الله بن جعفر ﵄، قَالَ: أردفني رسولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، وَأسَرَّ إليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ بِهِ أحَداً مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رسولُ الله ﷺ لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. يَعنِي: حَائِطَ نَخْلٍ. رواه مسلم هكَذَا مُختصراً.
وزادَ فِيهِ البَرْقاني بإسناد مسلم - بعد قَوْله: حَائِشُ نَخْلٍ - فَدَخَلَ
стр. 563
حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَإذا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأى رَسولَ الله ﷺ جَرْجَرَ وذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النَّبيُّ ﷺ فَمَسَحَ سَرَاتَهُ - أيْ: سِنَامَهُ - وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتَىً مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هَذَا لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ: «أفَلا تَتَّقِي اللهَ في هذِهِ البَهِيمَةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاهَا؟ فَإنَّهُ يَشْكُو إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» . رواه أَبُو داود كرواية البرقاني.
قَوْله «ذِفْرَاهُ» : هُوَ بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاءِ، وَهُوَ لفظ مفرد مؤنث. قَالَ أهل اللغة: الذِّفْرى: الموضع الَّذِي يَعْرَقُ مِن البَعِيرِ خَلف الأُذُنِ، وَقوله: «تُدْئِبهُ» أيْ: تتعِبه.
في هذا الحديث: معجزة من معجزات النبي ﷺ الدالة على صدقة.
وفيه: تواضعه ﷺ وكمال شفقته، ومزيد رحمته.
وفيه: جواز قولهم: رب هذا الجمل، ورب الإبل، يعني مالكها.
وفي رواية لأحمد: فقال النبي ﷺ : «انظر لمن هذا الجمل» . قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته له. فقال: «ما شأن جملك هذا» ؟ فقال: ما شأنه لا أدري، والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره، ونقسم لحمه. قال: «فلا تفعل» .
قوله: «أفلا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه يشكوا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه» .
وفي رواية لأحمد: «شاكيًا كثرة العمل، وقلة العلف» .
قال الأزهري: البهيمة في اللغة معناها المبهمة عن العقل، والتمييز.
стр. 564
والمعنى: ألا تتقي الله في ما لا لسان له فتشكو ما بها من جوع، وعطش، ومشقة.
[٩٦٨] وعن أنس ﵁ قال: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً، لا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَال. رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط مسلم.
وَقَوْلُه: «لا نُسَبِّحُ» : أيْ لا نُصَلِّي النَّافِلَةَ، ومعناه: أنَّا - مَعَ حِرْصِنَا عَلَى الصَّلَاةِ - لا نُقَدِّمُهَا عَلَى حَطِّ الرِّحَالِ إرَاحَةِ الدَّوَابِّ.
في هذا الحديث: استحباب إراحة البهائم بالحط عنها قبل الاشتغال بعبادة أو غيرها لما لحقها من التعب.
وفيه: استحباب التنفل في السفر.
١٦٩- باب إعانة الرفيق
في الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث: «وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» . وحديث: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة» وَأشْبَاهِهِما.
[٩٦٩] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا
стр. 565
ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» ، فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ، حَتَّى رَأيْنَا، أنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رواه مسلم.
قوله: (فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً) ، أي: ينظر من يتوسم فيه الإعانة فعرف النبي ﷺ أنه محتاج، فأمر بمواساته ومواساة غيره من المحتاجين لمن كان عنده فضل من طعام أو غيره.
[٩٧٠] وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، إن مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، وَلا عَشِيرةٌ، فَلْيَضُمَّ أحَدكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ والثَّلَاثَةَ، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلا عُقْبةٌ كَعُقْبَةٍ» يَعْني أحَدهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لِي إِلا عُقْبَةٌ كَعقبة أحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي. رواه أَبُو داود.
قوله: «فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة» ، أي: على حسب القدرة والحال من اليسار والإعسار.
[٩٧١] وعنه قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يَتَخَلَّفُ في المَسير، فَيُزْجِي الضَّعِيف، وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُ. رواه أَبُو داود بإسناد حسن.
قوله: (يزجي) ، أي، يسوق.
وفيه: استحباب الإعانة للرفيق بالسوق به، وإردافه، والدعاء له وغير ذلك مما يحتاجه.
وفيه: استحباب التخلف وراء الرفقة لإعانتهم فيما يعرض لهم.
следующие страницы →