﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة (٢٨٦) ] ، قيل: إن التي زاد فيها سفيان هي شماتة الأعداء، وهذا دعاء جامع للتعوذ من شر الدنيا والآخرة.
[١٤٧٢] وعنه قَالَ: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ أصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا مَعَاشِي، وأصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتي فِيهَا مَعَادي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . رواه مسلم.
هذا من الأدعية الجوامع، فإن الله تعالى إذا وفق العبد للقيام بآداب الدين، ورزقه من الحلال كفافًا، ووفقه للإخلاص، وحسن الخاتمة، وأطال عمره على طاعته، ووقاه من الفتن، فقد حصل له سعادة الدنيا والآخرة.
[١٤٧٣] وعن علي ﵁ قال: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِني، وسَدِّدْنِي» .
وفي رواية: «اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ الهُدَى والسَّدَادَ» . رواه مسلم.
وفي مسلم زيادة: «واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم» . الهدى: هنا الرشاد، وسداد العمل: تقويمه على السنَّة.
[١٤٧٤] وعن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَمِ، والبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ» .
وفي رواية: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» . رواه مسلم.
стр. 807
العجز: عدم القدرة على الخير. والكسل: التثاقل عنه. والجبن: الخوف، وضعف القلب، وهو ضد الشجاعة.
والهرم: الكِبَر والضعف في العقل. والبخل: ضد السخاء.
قوله: «وأعوذ بك من عذاب القبر» ، أي: العذاب الكائن فيه.
وفي الحديث: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، فإن حسن فما بعده أحسن، وإن قبح فما بعده أقبح» .
قوله: «وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» ، أي: الحياة والموت.
«وَضَلَعِ الدَّيْنِ» ، أي: ثقله وشدته.
قال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلبًا إلا ذهب من العقل ما لا يعود إليه.
وقوله: «وغلبة الرجال» . فيه: إشارة إلى التعوذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا.
[١٤٧٥] وعن أَبي بكر الصديق ﵁: أنَّه قَالَ لرسُولِ الله ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلَاتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ: «وفي بيتي» وَرُوِيَ: «ظلماً كثيراً» ورُوِي: «كبيراً» بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة؛ فينبغي أنْ يجمع بينهما فيقال: كثيراً كبيراً.
أي: ينبغي أنْ يحتاط فيجمع بين الروايتين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحسن أن يؤتى بالدعاء على إحدى الروايتين، ويعاد ثانيًا باللفظ الآخر.
стр. 808
[١٤٧٦] وعن أَبي موسى ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كَانَ يدْعُو بِهذا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وإسرافِي في أمْرِي، وَمَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي؛ وَخَطَئِي وَعَمْدِي؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أنتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، وأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . متفق عَلَيْهِ.
فيه: استحباب الاستغفار بهذا الدعاء.
قال بعض السلف: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقال بعضهم: هفوات الطبع البشري لا يسلم منها أحد. والأنبياء وإنْ عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر.
[١٤٧٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقول في دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ومنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ» . رواه مسلم.
قال الشارح: استعاذ ﷺ من أنْ يعمل في المستقبل من الزمان ما لا يرضاه الله تعالى. فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وقيل: استعاذ من أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله عليه، لا بحوله وقوته. وهذا تعليم منه ﷺ لأمته، وأداءٌ لحق الربوبية، وتواضعًا للحضرة الإلهية.
[١٤٧٨] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ مِن دعاءِ رسُولِ الله ﷺ : «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ
стр. 809
عَافِيَتِكَ، وفُجَاءةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ» . رواه مسلم.
فُجَاءة: بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة. وروي بفتح الفاء وسكون الجيم.
خص فجاءة النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد من أن تصيبه تدريجًا.
[١٤٧٩] وعن زيد بن أرقم ﵁ قَالَ: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يقول: ... «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، والبُخْلِ والهَرَمِ، وَعَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ؛ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ؛ وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَهَا» . رواه مسلم.
العلم الذي لا ينفع، هو الذي لا يعمل به.
وقيل: هو الذي لا يهذب الأخلاق الباطنة، فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة وأنشد:
?? ... يا من تباعد عن مكارم خلقه ... ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
من لم يهذّب علمُه أخلاقَه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة
[١٤٨٠] وعن ابن عباس ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ. فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ، وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا أنْتَ» .
زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: «وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: كمال الرجوع إلى الله تعالى، والركون إليه في الأحوال كلها، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه.
стр. 810
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق (٣) ] .
قال بعضهم:
?? ... إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ... ضللت ولو أن السماك دليل
[١٤٨١] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيّ ﷺ كَانَ يدعو بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الغِنَى وَالفَقْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ؛ وهذا لفظ أَبي داود.
قوله: «من فتنة النار» ، أي: الفتنة المسبب عنها النار.
قوله: «ومن شر الغنى» ، أي: الشر المرتب عليه، كالكبر والعجب، والشره، والحرص، والجمع للمال من الحرام، والبخل، والشح.
«وشر الفقر» : كالتضجر، والتبرم من القدر، والوقوع في المساخط بسببه.
[١٤٨٢] وعن زياد بن عِلَاقَةَ عن عمه، وَهُوَ قُطْبَةُ بنُ مالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النبيّ ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلَاقِ، وَالأعْمَالِ، والأهْواءِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الأخلاق المنكرة، كالعجب، والكبر، والخيلاء، والفخر، والحسد، والتطاول، والبغي، ونحو ذلك.
والأعمال المنكرة، كالزنى وشرب الخمر، وسائر المحرمات.
والأهواء المنكرة، كالاعتقادات الفاسدة، والمقاصد الباطلة.
زاد الترمذي: (والأدواء) . وهي الأدواء المنكرة، كالبرص، والجنُونِ والجذام، وسيِّء الأسقام.
стр. 811
[١٤٨٣] وعن شَكَلِ بن حُمَيدٍ ﵁ قَالَ: قلتُ: يَا رسولَ الله، علِّمْنِي دعاءً أَدْعُو بِهِ، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
[. . .] () أن تواقعه في المعاصي، أو لا يستعملها في الطاعات.
[١٤٨٤] وعن أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ، والجُنُونِ، والجُذَامِ، وَسَيِّيءِ الأسْقَامِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيحٍ.
عطف سيء الأسقام على ما قبله، من عطف العام على الخاص.
[١٤٨٥] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الجُوعِ، فَإنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وأعوذُ بِكَ منَ الخِيَانَةِ، فَإنَّهَا بِئْسَتِ البِطَانَةُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
فيه: مشروعية الاستعاذة من الجوع لأنه يضعف القوى، ويخل بوظائف العبادة، والاستعاذة من الخيانة؛ لأنها من علامات النفاق.
[١٤٨٦] وعن عليّ ﵁ أنَّ مُكَاتباً جاءهُ فَقَالَ: إنِّي عَجِزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأعِنِّي، قَالَ: ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ عَلَّمَنِيهنَّ رسُولُ الله ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْناً أدَّاهُ اللهُ عَنْكَ؟ قَالَ: قُلْ: «اللَّهُمَّ
стр. 812
اكْفِني بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: استحباب الدعاء بهؤلاء الكلمات.
[١٤٨٧] وعن عِمْرَانَ بن الحُصَينِ ﵄: أنَّ النبيّ ﷺ عَلَّمَ أبَاهُ حُصَيْناً كَلِمَتَيْنِ يَدْعُو بهما: «اللَّهُمَّ ألْهِمْني رُشْدِي، وأعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسي» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
أي: ألهمني بالتوفيق للأعمال الصالحة المقربة إليك. و «أعذني» : أي: أعصمني من شر نفسي فإنها الداعية لحتفي وطردي.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف (٥٣) ] .
[١٤٨٨] وعن أَبي الفضل العباس بن عبد المطلب ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله عَلِّمْني شَيْئاً أسْألُهُ الله تَعَالَى، قَالَ: «سَلوا الله العَافِيَةَ» فَمَكَثْتُ أَيَّاماً، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلتُ: يَا رسولَ الله عَلِّمْنِي شَيْئاً أسْألُهُ الله تَعَالَى، قَالَ لي: «يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رسول اللهِ، سَلُوا الله العَافِيَةَ في الدُّنيَا والآخِرَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: إرشاد إلى أنه ينبغي لكل أحد سؤال العافية في الدنيا بالسلامة من الأسقام، والمحن، والآلام. والآخرة بالعفو عن الذنوب، وإنالة المطلوب.
وروى الترمذي عن أنس: أنَّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة» . ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك. ثم أتاه
стр. 813
في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك. قال: «فإذا أُعطيتَ العافية في الدنيا، وأُعطيتها في الآخرة، فقد أفلحتَ» .
[١٤٨٩] وعن شَهْرِ بن حَوشَبٍ قَالَ: قُلْتُ لأُمِّ سَلَمة ﵂، يَا أمَّ المؤمِنينَ، مَا كَانَ أكثْرُ دعاءِ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قالت: كَانَ أكْثَرُ دُعائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: خضوع منه ﷺ لربه وتضرعٌ إليه، وإرشاد الأمة إلى سؤال ذلك، وإيماء إلى أن العبرة بالخاتمة.
زاد الترمذي في آخره، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعائك: يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك. فقال: «يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، من شاء أقام، ومن شاء أزاغ» . فقال: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران (٨) ] .
[١٤٩٠] وعن أَبي الدرداءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «كَانَ مِنْ دُعاءِ دَاوُدَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وأهْلِي، وَمِنَ الماءِ البارِدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
خص الماء البارد بالذكر، لشدة ميل النفس ونزعها إليه زمن الصيف، فهو أحب المستلذات إليها.
وفي الحديث: مشروعية الصلاة والسلام على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 814
[١٤٩١] وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «ألِظُّوا بـ (يَاذا الجَلَالِ والإكْرامِ) » . رواه الترمذي، ورواه النسائي من رواية ربيعة بن عامِرٍ الصحابي، قَالَ الحاكم: «حديث صحيح الإسناد» .
«ألِظُّوا» : بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة، معناه: الزَمُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ وأكْثِرُوا مِنْهَا.
قيل: إن اسم الله الأعظم هو: يَا ذا الجلال والإكرام.
وعن معاذ بن جبل قال: قد سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: يَا ذا الجلال والإكرام. فقال: «قد استجيب لك فسل» . رواه الترمذي.
[١٤٩٢] وعن أَبي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: دعا رسُولُ الله ﷺ بدُعاءٍ كَثيرٍ، لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً؛ قُلْنَا: يَا رسول الله، دَعَوْتَ بِدُعاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً، فَقَالَ: «ألا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسَألُكَ مِنْ خَيْر مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ ﷺ ؛ وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا استَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأنتَ المُسْتَعانُ، وَعَليْكَ البَلَاغُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: مشروعية رفع الصوت بالدعاء بما يسمعه الجليس، وأنه لا يدخل في الجهر المنهي عنه.
[١٤٩٣] وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: كَانَ من دعاءِ رسُولِ الله ﷺ : ... «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ
стр. 815
مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ» . رواه الحاكم أَبُو عبد الله، وقال: «حديث صحيح عَلَى شرط مسلمٍ» .
«موجبات رحمة الله» : امتثال أمره، واجتناب نهيه.
قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف (١٥٦) ] .
«وعزائم مغفرتك» : أي: الظفر «بالجنة» . «والنجاة» : أي: الخلاص من النار.
قال الشارح: وفي ختم المصنف الباب بهذا الدعاء إيماءٌ إلى أن المطلوب من الأدعية كغيرها من الأعمال، وهو أداء العبودية لحق الربوبية، طلب النجاة من النار، ودخول الجنة.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران (١٨٥) ] .
وقال الشاعر:
?? ... إن ختم الله برضوانه ... فكل ما لا قيته سهل
٢٥١- باب فضل الدعاء بظهر الغيب
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ﴾ [الحشر (١٠) ] .
لما ذكر الله تعالى السابقين من المهاجرين والأنصار، أثنى على التابعين منهم بإحسان، بدعائهم للمؤمنين الغائبين عنهم حال الدعاء.
وقال تَعَالَى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ﴾ [محمد (١٩) ] .
أَمَرَهُ الله تعالى بالاستغفار للجميع منهم الحاضرين والغائبين.
стр. 816
وقال تَعَالَى إخْبَاراً عَن إبْرَاهِيمَ ﷺ : ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إبراهيم (٤١) ] .
كان استغفاره لأبيه أولاً كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة (١١٤) ] .
[١٤٩٤] وعن أَبي الدرداء ﵁: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلمٍ يدعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلا قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» . رواه مسلم.
[١٤٩٥] وعنه أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ يقول: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: فضل الدعاء للمسلم بظهر الغيب، وأنه يحصل للداعي مثلها، وأن دعوته لا ترد، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعوا لنفسه دعا لأخيه المسلم بتلك الدعوة.
٢٥٢- باب في مسائل من الدعاء
[١٤٩٦] وعن أسَامة بن زيد ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفاعِلهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيراً، فَقَدْ أبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: مشروعية الدعاء لمن فعل المعروف حسِّيًّا أو معنويًّا.
стр. 817
[١٤٩٧] وعن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ وَلا تَدعُوا عَلَى أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أموَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسألُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» . رواه مسلم.
فيه: النهي عن الدعاء على من ذُكِر، لئلا يوافقوا ساعة استجابة فيستجاب.
[١٤٩٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أقْرَبُ مَا يكونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . رواه مسلم.
فيه: الندب إلى كثرة الدعاء في السجود، كما في الحديث الآخر: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ أنْ يستجاب لكم» .
[١٤٩٩] وعنه أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يقُولُ: قَدْ دَعْوتُ رَبِّي، فَلَمْ يسْتَجب لِي» . متفق عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «لا يَزالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطيعَةِ رحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قيل: يَا رسولَ اللهِ مَا الاستعجال؟ قَالَ: ... «يقول: قَدْ دَعوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أرَ يسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» .
الاستحسار: الإعياء، والله سبحانه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، فأما أن يعجلها في الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
وقال ابن جريج: إنَّ دعوة موسى وهارون على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة.
стр. 818
[١٥٠٠] وعن أَبي أمامة ﵁ قَالَ: قيل لِرسولِ اللهِ ﷺ : أيُّ الدُّعاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
إنما كان جوف الليل أقرب للإجابة لكمال التوجُّه، وفقد العلائق والعوائق، وكذلك إدبار الصلوات؛ لأن الصلاة مناجاة العبد لربه، ومحل مسألته من فضله، وبعد تمام العمل، يظهر الأمل.
[١٥٠١] وعن عُبَادَةَ بنِ الصامت ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو الله تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلا آتَاهُ اللهُ إيَّاها، أَوْ صَرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِذاً نُكْثِرُ قَالَ: «اللهُ أكْثَرُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
ورواه الحاكم من روايةِ أَبي سعيدٍ وزاد فِيهِ: «أَوْ يَدخِرَ لَهُ مِن الأَجْرِ مثْلَها» .
فيه: استحباب كثرة الدعاء، وانتظار الإجابة واحتساب ذلك.
[١٥٠٢] وعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يقولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لا إلهَ إِلا اللهُ العَظِيمُ الحَليمُ، لا إلهَ إِلا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظيمِ، لا إلهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَّمَاواتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: إن الدواء من الكرب توحيد الله ، وعدم النظر إلى غيره أصلاً.
قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي، قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم
стр. 819
أكتب الحديث عنه، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا فَسُعِيَ به عند السلطان فحبسه، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل ﵇ عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي ﷺ : قل: لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في (صحيح البخاري) حتى يفرج الله عنه. قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج من السجن.
وقال الحسن البصري: أرسل إليَّ الحجاج فقلتهن، فقال: والله ما أرسلت إليك إلا وأنا أريد أنْ أقتلك، فلأنت اليوم أحب من كذا وكذا، فسل حاجتك.
قال العيني: اشتملت الجملة الأولى على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة.
وحكمة تخصيص الحليم بالذكر، أنّ كرب المؤمن غالبًا إنما هو نوع من التقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن.
واشتملت الجملة الثانية على التوحيد، والربوبية، وعظم العرش.
ووجه تكرير الرب بالذكر من بين سائر الأسماء الحسنى، هو كونه مناسبًا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية.
ووجه تخصيص العرش بالذكر، كونه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى.
وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المشاهدات. انتهى. ملخصًا.
٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألا إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى في الحَيَاةِ
стр. 820
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس (٦٢: ٦٤) ] .
الكرامة: إحدى الخوارق للعادات، والولي هو المطيع لله، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا.
قال ابن عباس وغيره: أولياء الله الذين إذا رُؤُا ذُكِرَ الله.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء» . قيل: من هم يَا رسول الله، لعلَّنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» . ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس (٦٢) ] ، رواه ابن جرير وغيره.
وعن أبي الدرداء ﵁: عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس (٦٤) ] ، قال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» . رواه أحمد.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت (٣٠: ٣٢) ] .
وقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ﴾ [يونس (٦٤) ] ، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس (٦٤) ] .
стр. 821
وقال تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم (٢٥، ٢٦) ] .
هذا من خوارق العادة، وهي كرامة لمريم ﵍، وأشار بقوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم (٢٩، ٣٠) ] إلى تكلم عيسى ومخاطبته لقومها، ومحاورته عنها، من ولادته إرهاصًا لنبوته، وكرامةً لها.
وقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكرِيّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران (٣٧) ] .
قيل: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء. في قصة مريم عدة كرامات، منها: حبلها من غير ذَكَر، وحصول الرطب الطري من الجذع اليابس، ودخول الرزق عندها في غير أوان حضور أسبابه، وهي لم تكن نبية.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّيءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف (١٦، ١٧) ] .
قال بعض المفسرين: صرف الله عنهم الشمس بقدرته، وحال بينهم وبينها؛ لأنَّ باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جنبه، فيكون كرامة لهم كما قال: ذلك من آيات الله إذا أرشدهم إلى ذلك الغار، وصرف عنهم الأضرار.
وفي لبثهم ثلاث مئة وأزيد، نيامًا أحياء من غير آفة، مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب من جملة الخوارق.
стр. 822
[١٥٠٣] وعن أَبي محمد عبد الرحمن بن أَبي بكرٍ الصديق ﵄: أنَّ أَصْحَابَ الصُّفّةِ كَانُوا أُنَاساً فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، وَمنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كما قَالَ، وأنَّ أَبَا بكرٍ ﵁ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وانْطَلَقَ النبيّ ﷺ بعَشَرَةٍ، وأنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبي ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فجاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. قالت له امْرَأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أضْيَافِكَ؟ قَالَ: أوَ ما عَشَّيْتِهمْ؟ قالت: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وقالَ: كُلُوا لا هَنِيئاً وَاللهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ: وايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلا ربا من أسفلِها أكثرَ منها حتى شبعوا، وصارتْ أكثرَ مما كانتْ قبلَ ذلكَ، فنظرَ إليها أبو بكر فقالَ لامرأتِهِ: يا أختَ بني فراسٍ ما هذا؟ قالت: لا وقُرَّةِ عيني لهي الآنَ أكثرُ منها قبلَ ذلكَ بثلاثِ مراتٍ! فأكل منها أبو بكرٍ وقال: إنَّما كانَ ذلكَ من الشيطانِ، يعني: يمينَهُ. ثم أكلَ منها لقمةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.
وَفِي رِوَايةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَت المَرْأَةُ لا تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ. - أَو الأَضْيَافُ - أنْ لا يَطْعَمُهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ! فَدَعَا بالطَّعَامِ فَأكَلَ وأكَلُوا، فَجَعَلُوا
[١٥٠٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لَقَدْ كَانَ فيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحدٌ فإنَّهُ عُمَرُ» . رواه البخاري.
ورواه مسلم من رواية عائشة.
وفي روايتهما قَالَ ابن وهب: «محَدَّثُونَ» أيْ مُلْهَمُونَ.
المُحْدَّث: الرجل الصادق الظن، وهو مَنْ أُلْقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى. وعند الترمذي: «إن الله جعل الحق على لسان عمر ... وقلبه» .
وفي حديث آخر: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» .
وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعمر ﵁.
وعن ابن عمر قال: بينا عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته، فدخلت شظية في ركبته، فوقعت فيها الأكلة.
وعن الحسن بن علي قال: قال علي: إنَّ رسول الله ﷺ مسح ظهري الليلة في منامي، فقلت يا رسول الله: ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: «ادع عليهم» . قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فخرج فضربه الرجل. رواهما ابن سيد الناس.
ففي هذين كرامة للخليفتين ﵄.
[١٥٠٥] وعن جابر بنِ سُمْرَةَ ﵄، قَالَ: شَكَا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً يعني: ابنَ أَبي وقاص ﵁، إِلَى عمر بن الخطاب ﵁ فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوا حَتَّى
стр. 825
ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إسْحَاقَ، إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعَمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رسولِ الله ﷺ لا أُخْرِمُ عَنْها، أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ.
قَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إسْحَاقَ، وأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً - أَوْ رِجَالاً - إِلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إِلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقال: أمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْداً كَانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ وَلا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأَدْعُونَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِباً قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.
قَالَ عَبدُ الملكِ بن عُمَيْرٍ الراوي عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: فَأنا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعد بن أبي وقاص ﵁.
[١٥٠٦] وعن عروة بن الزبير: أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ ﵁ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وادَّعَتْ أنَّهُ أخَذَ شَيْئاً مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سعيدٌ: أنا كُنْتُ آخُذُ شَيئاً مِنْ أرْضِهَا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رسول الله ﷺ ؟! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟
стр. 826
قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ أخَذَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أسْألُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد: اللَّهُمَّ إنْ كَانَتْ كاذِبَةً، فَأعْمِ بَصَرَها، وَاقْتُلْهَا في أرْضِها، قَالَ: فَما ماتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي في أرْضِهَا إذ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَماتَتْ. متفق عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وأنه رآها عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تقولُ: أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعيدٍ، وأنَّها مَرَّتْ عَلَى بِئرٍ في الدَّارِ الَّتي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانتْ قَبْرَها.
في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعيد بن زيد ﵁.
[١٥٠٧] وعن جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دعَانِي أَبي من اللَّيلِ فَقَالَ: مَا أُرَاني إِلا مَقْتُولاً في أوْلِ مَنْ يُقْتَلُ من أصْحَابِ النبي ﷺ وإنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسول الله ﷺ وإنَّ عَلَيَّ دَيْناً فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً، فَأصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فإذا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذنِهِ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رواه البخاري.
في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعبد الله أبي جابر ﵄.
[١٥٠٨] وعن أنس ﵁ أنَّ رجلين مِنْ أصحاب النبي ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النبي ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ
قال في «القاموس» : الدَّبَر، بالفتح: جماعة النحل والزنابير، ويكسر فيهما.
وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لخبيب وعاصم بن ثابت ﵄.
وفي الباب أحاديث كثيرةٌ صَحيحةٌ سَبَقَتْ في مَوَاضِعِها مِنْ هَذَا الكِتَابِ، مِنْهَا حديثُ الغُلامِ الَّذِي كَانَ يأتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ، ومنْها حَدِيثُ جُرَيْج، وحديثُ أصْحابِ الغَارِ الذين أطْبِقَتْ عَلَيْهِم الصَّخْرَةُ، وَحديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتاً في السَّحَابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالدلائِل في البابِ كثيرةٌ مشهُورةٌ، وباللهِ التَّوفيقِ.
قال النووي: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء، وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليه دلائل العقول وصرائح النقول.
[١٥١٠] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عمر ﵁ يقولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رواه البخاري.
قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة بالنسبة لما يروى عمن بعدهم من الأولياء؟ ! فقال: أولئك كان إيمانهم قويًا فما احتاجوا إلى زيادة يقوي بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتاج إلى تقويته بإظهار الكرامة، والله أعلم.
стр. 830
كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا
٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات (١٢) ] .
في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.
قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها ﵎ بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال : ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.
وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال ﷺ في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .
стр. 831
وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء (٣٦) ] .
قال ابن عباس: يقول: لا تقل.
وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.
وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ﴾ [ق: ١٨] .
أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.
قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد (٣٩) ] .
وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق (١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.
اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،
стр. 832
وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
قال النبي ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
[١٥١١] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.
يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.
[١٥١٢] وعن أَبي موسى ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.
هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.
[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.
стр. 833
في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥١٤] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.
ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.
وفي حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ فيما يروي عن صحف إبراهيم ﵇: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .
[١٥١٥] وعنه عن النبيّ ﷺ قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.
قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.
[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى
стр. 834
يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله ﷺ في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله ، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.
[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت (٣٠) ] .
وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.
قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.
[١٥١٨] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ
стр. 835
اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.
الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.
وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.
[١٥١٩] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.
[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.
معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.
قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.
стр. 836
قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.
[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.
стр. 837
وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله ، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.
وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.
[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.
[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.
[١٥٢٥] وعن عائشة ﵂، قالت: قُلْتُ للنبيّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
стр. 838
ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . [النجم (٣، ٤) ] .
قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.
قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.
[١٥٢٦] وعن أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.
فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .
[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.
стр. 839
٢٥٥- باب تحريم سماع الغيبة
وأمر من سمع غيبةً مُحرَّمةً بِرَدِّها والإنكارِ عَلَى قائلها
فإنْ عجز أَوْ لَمْ يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ... (٥٥) ] .
أي: إذا سمعوا القبيح من القول أعرضوا عنه تكرُّمًا وتنزُّهًا.
وقال تَعَالَى: ﴿والَّذينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون (٣) ] .
أي: معرضون عن كل ما لا يعنيهم من قول أو فعل.
وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء (٣٦) ] .
قال ابن كثير: أي يُسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه، وعما عمل فيها. وفي الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي، وشرّ بصري، وشرّ لساني، وشرّ قلبي، وشرّ مَنِيِّي) .
وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام (٦٨) ] .
قال قتادة: نهاه الله أنْ يُجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
وقال السدي: فإذا ذكرت فقم.
وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال المسلمون: كيف نقعد في
стр. 840
المسجد الحرام، ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدًا؟ ! . فأنزل الله : ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ [الأنعام (٦٩) ] ، أي: من إثم الخائضين ﴿مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى﴾ [الأنعام (٦٩) ] ، أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام (٦٩) ] الخوض إذا وعظتموهم، فرخص في مجالستهم على الوعظ.
[١٥٢٨] وعن أَبي الدرداء ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَومَ القيَامَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: ثواب من رد عن عرض أخيه المسلم قبل الوقوع في الغيبة أو بعده.
[١٥٢٩] وعن عِتبَانَ بنِ مَالكٍ ﵁ في حديثه الطويل المشهور الَّذِي تقدَّمَ في بابِ الرَّجاء قَالَ: قام النبيّ ﷺ يُصَلِّي فَقَالَ: «أيْنَ مالِكُ بنُ الدُّخْشُمِ» ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ولا رَسُولهُ، فَقَالَ النبيّ ﷺ : «لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ يُريدُ بِذَلكَ وَجْهَ اللهِ! وإنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلهَ إِلا اللهُ يَبْتَغي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» . متفق عَلَيْهِ.
«وَعِتْبان» بكسر العين عَلَى المشهور وحُكِيَ ضَمُّها وبعدها تاءٌ مثناة مِن فوق ثُمَّ باءٌ موحدة. و «الدُّخْشُم» بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين المعجمتين.
في هذا الحديث: رد الغيبة والإنكار على قائلها.
стр. 841
وفيه: تنبيه على أنَّ العمل الصالح لا ينفع منه إلا ما أريد به وجه الله تعالى، وأداء عبوديته، والتقرب به إليه.
[١٥٣٠] وعن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصةِ تَوْبَتِهِ وَقَدْ سبق في باب التَّوبةِ. قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ وَهُوَ جالِسٌ في القَومِ بِتَبُوكَ: ... «مَا فَعَلَ كَعبُ بن مالكٍ؟» فَقَالَ رَجلٌ مِنْ بَنِي سَلمَةَ: يَا رسولَ الله، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعاذُ بنُ جبلٍ ﵁: بِئْسَ مَا قُلْتَ، والله يَا رسولَ الله مَا علمنا عَلَيْهِ إِلا خَيْراً، فَسَكَتَ رسُولُ الله ﷺ . متفقٌ عَلَيْهِ.
«عِطْفَاهُ» : جَانِبَاهُ، وهو إشارةٌ إلى إعجابِهِ بنفسِهِ.
في هذا الحديث: إقرار النبي ﷺ لإِنكار معاذ على من فعل غيبة، أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب.
٢٥٦- باب مَا يباح من الغيبة
اعْلَمْ أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلا بِهَا، وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ:
الأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ، فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ، أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فيقول: ظَلَمَنِي فُلَانٌ بكذا.
الثَّاني: الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ، فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا، فازْجُرْهُ عَنْهُ ونحو ذَلِكَ ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ، فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَاماً.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مُجَاهِراً بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الخَمْرِ، ومُصَادَرَةِ النَّاسِ، وأَخْذِ المَكْسِ، وجِبَايَةِ الأمْوَالِ ظُلْماً، وَتَوَلِّي الأمُورِ الباطِلَةِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلا أنْ يكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
السَّادِسُ: التعرِيفُ، فإذا كَانَ الإنْسانُ مَعْرُوفاً بِلَقَبٍ، كالأعْمَشِ، والأعرَجِ، والأَصَمِّ، والأعْمى، والأحْوَلِ، وغَيْرِهِمْ جاز تَعْرِيفُهُمْ بذلِكَ، وَيَحْرُمُ إطْلاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ، ولو أمكَنَ تَعْريفُهُ بِغَيرِ ذَلِكَ كَانَ أوْلَى، فهذه ستَّةُ أسبابٍ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وأكثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَدَلائِلُهَا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مشهورَةٌ.
وقد جمع هذه الأسباب بعض العلماء فقال:
?? ... القَدْحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ ... متظلّمٍ، ومعرّفٍ، ومحذّرٍ
ومجاهر بالفسق، ثمت سائلٌ ... ومن استعان على إزالة منكرٍ
فمن ذَلِكَ:
[١٥٣١] عن عائشة ﵂: أنَّ رجلاً اسْتَأذَنَ عَلَى النبي ﷺ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئسَ أخُو العَشِيرَةِ؟» . متفق عَلَيْهِ.
احتَجَّ بِهِ البخاري في جوازِ غيبَة أهلِ الفسادِ وأهلِ الرِّيبِ.
قيل: إنَّ الرجل: عيينة بن حصن، وقيل: مخرمة بن نوفل.
[١٥٣٢] وعنها قالت: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئاً» . رواه البخاري. قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ بن سعدٍ أحَدُ
стр. 844
رُواة هَذَا الحديثِ: هذانِ الرجلانِ كانا من المنافِقِينَ.
قيل: إنه ﷺ قال ذلك مبينًا لما أخفياه من النفاق، لئلا يلتبس ظاهرُ حالهما على من يجهل أمرهما.
[١٥٣٣] وعن فاطمة بنتِ قيسٍ ﵂، قالت: أتيت النبي ﷺ فقلتُ: إنَّ أَبَا الجَهْم وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي؟ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : «أمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، وأمَّا أَبُو الجَهْمِ، فَلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي رواية لمسلم: «وَأمَّا أَبُو الجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّساءِ» وَهُوَ تفسير لرواية: «لا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» وقيل: معناه: كثيرُ الأسفارِ.
قال الشارح: والأول أولى؛ لأن الروايات يفسر بعضها ببعض، وإن كان لا مانع من الجمع.
[١٥٣٤] وعن زيد بن أرقم ﵁ قَالَ: خرجنا مَعَ رسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ أصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عبدُ اللهِ بن أُبَيّ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رسولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بذلِكَ، فَأرْسَلَ إِلَى عبدِ الله بن أُبَيِّ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ: مَا فَعلَ، فقالوا: كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ الله ﷺ فَوَقَعَ في
стр. 845
نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أنْزلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون (١) ] ثُمَّ دعاهُمُ النبيّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. متفق عَلَيْهِ.
قوله: فاجتهد يمينه، أي: حلف وأكَّد الأيمان بتكراره.
[١٥٣٥] وعن عائشة ﵂، قالت: قالت هِنْدُ امْرَأةُ أَبي سفْيَانَ للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفيني وولَدِي إِلا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ قَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوفِ» . متفق عَلَيْهِ.
الشحُّ: البخل مع حرص.
وفي هذا الحديث: جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء، ونحو ذلك. وجواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء.
وفيه: وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدرة بالكفاية.
وفيه: اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع.
٢٥٧- باب تحريم النميمة
وهو نقل الكلام بَيْنَ الناس عَلَى جهة الإفساد
قال في القاموس: النمُّ: التوريش والإغراء ورفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، وتزيين الكلام بالكذب.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَميمٍ﴾ [القلم (١١) ] .
قال البغوي: ﴿هَمَّازٍ﴾ مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة.