← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21543

تطريز رياض الصالحين

فيصل آل مبارك

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فكانت سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله، لاشتمالها على التقديس والتنزيه، والثناء بأنواع الجميل. [١٤١٣] وعن أَبي مالك الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ... «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ» . رواه مسلم. قوله: «الطُّهور شطر الإيمان» ، أي: نصفه؛ لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة، ولهذا قال ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» . قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» ، أي: عِظَم أجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى. قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض» ، أي: لو كان جسمين لملآ ما ذكر، ففيه عظم فضلهما وعلوِّ مقامهما. [١٤١٤] وعن سعد بن أَبي وقاصٍ ﵁ قال: جَاءَ أعْرَابيٌّ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَاماً أقُولُهُ. قَالَ: «قُلْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، اللهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالِمينَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ» قَالَ: فهؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» . رواه مسلم.

стр. 772

الذكر ثناء ودعاء، كما في سورة الفاتحة؛ ولهذا قال الأعرابي للجمل الأولى: فهؤلاء لربي فما لي؟ أي: فأي شيء أدعو به مما يعود لي بنفعٍ ديني أو دنيوي، فأمره أن يطلب من الله المغفرة، والرحمة، والهداية، والرزق. [١٤١٥] وعن ثَوبانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثَاً، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإكْرَامِ» قِيلَ لِلأوْزَاعِيِّ - وَهُوَ أحَدُ رواة الحديث -: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تقول: أسْتَغْفِرُ الله، أسْتَغْفِرُ الله. رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية الاستغفار بعد الصلاة. وفيه: إيماء إلى أنه ينبغي عدم النظر لما يأتي به العبد من الطاعة، فذلك مزيد للقول، والتكرار للمبالغة في رؤية النقص فيما جاء به من العبادة. [١٤١٦] وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» . متفقٌ عَلَيْهِ. الجدُّ: الحظ والغنى، أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه، إنما ينفعه عنايتك به، وما قدمه من صالح العمل. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء (٨٨، ٨٩) ] . [١٤١٧] وعن عبدِ الله بن الزُّبَيْرِ رضي الله تَعَالَى عنهما أنَّه كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، حِيْنَ يُسَلِّمُ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ

стр. 773

المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لا إلهَ إِلا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ» . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ رسول الله ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ. رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية التهليل خلف الصلاة المكتوبة. [١٤١٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رسول الله ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ، يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. فَقَالَ: «ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُون أَحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا منْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ» . قَالَ أَبُو صالح الراوي عن أَبي هريرة، لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِنَّ قَالَ: يقول: سُبْحَان اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنهُنَّ كُلُّهُنَّ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ. متفقٌ عَلَيْهِ. وزاد مسلمٌ في روايته: فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهَاجِرينَ إِلَى رسول الله ﷺ فقالوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أهْلُ الأمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : «ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . «الدُّثُورُ» جمع دَثْر - بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة - وَهُوَ: المال الكثير.

стр. 774

في هذا الحديث: فضيلة الذكر. وفيه: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف. وفيه: التوسعة في الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد المذموم. وفيه: المسابقة إلى الأعمال المحصِّلة للدرجات العالية، لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم. وفيه: أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق. وفيه: أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي. [١٤١٩] وعنه عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ، وقال تَمَامَ المِئَةِ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . رواه مسلم. الحديث: دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات المكتوبة. [١٤٢٠] وعن كعب بن عُجْرَةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثٌ وَثَلاثونَ تَسْبِيحَةً. وَثَلاثٌ وثَلَاثونَ تَحْمِيدَةً، وَأرْبَعٌ وَثَلَاثونَ تَكْبِيرَةً» . رواه مسلم. سميت معقبات؛ لأنها تفعل مرة بعد مرة. [١٤٢١] وعن سعد بن أَبي وقاص ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَواتِ بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ

стр. 775

مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» . رواه البخاري. الجُبْن: ضعف القلب، وهو ضد الشجاعة، والبخل: ضد السخاء. وأرذل العمر: الهرم. وعن عليّ ﵁، أنه خمس وسبعون سنة، ففيه ضعف القوى، وسوء الحفظ، وقلة العلم. وفتنة الدنيا: الابتلاء بالغنى، أو الفقر المشغل عن طاعة الله تعالى. وفتنة القبر: سؤال منكر ونكير، فيثبت الله المؤمن، ويضل المنافق. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم (٢٧) ] . [١٤٢٢] وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ» فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاة تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث: شرف لمعاذ ﵁، وفي الدعاء بهذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة. [١٤٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» . رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية الاستعاذة بالله من هذه الأربع لعظم الأمر فيها وشدة البلاء في وقوعها.

стр. 776

[١٤٢٤] وعن عليٍّ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا أنْتَ» . رواه مسلم. قال البيهقي: قدَّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخَّر من شاء عن مراتبهم وثبطهم بمحنها. في هذا الحديث: خضوع النبي ﷺ لربه، وأداؤه لحق مقام العبودية، وحثٌ للأمة على الاستغفار. [١٤٢٥] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ النبيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ. في هذا الحديث: استحباب هذا الذكر في حال الركوع والسجود. قال النووي: ومعنى «وبحمدك» ، أي: وبتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليَّ، سبحتك لا بحولي وقوتي. ففيه: شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إليه تعالى، وأن كل الأفضال له. [١٤٢٦] وعنها أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يقولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ... «سبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» . رواه مسلم.

стр. 777

قال في القاموس: وسبوح قدوس، ويفتحان، من صفاته تعالى؛ لأنه يُسَبَّحُ وَيُقَدَّسُ. وقال في «النِّهاية» : يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالاً، وهو من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه. قال الشارح: وهما اسمان وضعا للمبالغة في النزاهة والطهارة عن كل ما لا يليق بجلاله تعالى، وكبريائه، وعظمته، وأفضاله، أي: ركعوي وسجودي لمن هو البالغ في النزاهة والطهارة، المبلغَ الأعلى. [١٤٢٧] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «فَأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . رواه مسلم. فيه: استحباب تعظيم الله في الركوع، وكثرة الدعاء في السجود. [١٤٢٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «أقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . رواه مسلم. فيه: استحباب كثرة الدعاء في السجود، ولأنه من مواطن الإجابة. [١٤٢٩] وعنه: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ في سجودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» . رواه مسلم.

стр. 778

فيه: التضرع إلى الله تعالى، وطلبه المغفرة من جميع الذنوب، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح (١: ٣) ] . [١٤٣٠] وعن عائشة ﵂ قالت: افْتَقَدْتُ النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَتَحَسَّسْتُ، فإذا هُوَ راكِعٌ - أَوْ سَاجِدٌ - يقولُ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لا إلهَ إِلا أنت» وفي روايةٍ: فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ في المَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . رواه مسلم. قوله: «لا أحصي ثناءً عليك» ، أي: لا أطيق أن أحصره. قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم (٣٤) ] . «أنت كما أثنيت على نفسك» ، بقولك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية (٣٦، ٣٧) ] . وغيرها من الآيات والأحاديث القدسية. [١٤٣١] وعن سعد بن أَبي وقاصٍ ﵁ قَالَ: كنا عِنْدَ رسول الله ﷺ فَقَالَ: «أيعجزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكْسِبَ في كلِّ يومٍ ألْفَ حَسَنَةٍ!» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ ألفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ ألفُ خَطِيئَةٍ» . رواه مسلم.

стр. 779

قَالَ الحُمَيْدِيُّ: كذا هُوَ في كتاب مسلم: «أَوْ يُحَطُّ» قَالَ البَرْقاني: ورواه شُعْبَةُ وأبو عَوَانَة، وَيَحْيَى القَطَّانُ، عن موسى الَّذِي رواه مسلم من جهتِهِ فقالوا: «ويحط» بغير ألِفٍ. في هذا الحديث: سعة فضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام (١٦٠) ] . [١٤٣٢] وعن أَبي ذر ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسْبيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْميدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيجْزئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» . رواه مسلم. السُّلامى: هي المفاصل والأعضاء، قال النبي ﷺ : «خلق الله ابن آدم على ستين وثلاثِ مئةِ مفصل» . قوله: «ويجزي من ذلك ركعتان يركعها من الضحى» . قال ابن دقيق العيد: أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عملٌ لجميع أعضاء الجسد. [١٤٣٣] وعن أم المؤمنين جُويْريَةَ بنت الحارِث ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِيْنَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِها، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أنْ أضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فقالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى

стр. 780

الحالِ الَّتي فَارقَتُكِ عَلَيْهَا؟» قالت: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . رواه مسلم. وفي روايةٍ لَهُ: «سُبْحانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ الله رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . وفي رواية الترمذي: «ألا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهَا؟ سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ الله رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرشِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرشِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . فيه: شرف هذا الذكر بأي صيغة من صيغه المذكورة. وفيه: دليل على فضل هذه الكلمات الجوامع، والأحسن الإتيان بجميع ما ذكر في هذه الروايات. [١٤٣٤] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» . رواه البخاري. ورواه مسلم فَقَالَ: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» . قال العيني: وجه الشبه بين الذكر والحي: الاعتداد والنفع والضرر

стр. 781

ونحوهما، وبين تارك الذكر والميت: التعطيل في الظاهر، والبطلان في الباطن. [١٤٣٥] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «يقول الله تَعَالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرنِي في ملأٍ ذَكرتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . متفق عَلَيْهِ. الحديث: دليل على فضل الذكر سرًا وعلانية، وأن الله مع ذاكره برحمته، ولطفه، وإعانته، والرضا بحاله، وهذه معية خاصة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ... [النحل (١٢٨) ] . [١٤٣٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ» قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ يَا رسولَ الله قال: «الذَّاكِرُونََ اللهَ كثيراً والذَّاكِرَاتِ» . رواه مسلم. وَرُوي: «المُفَرَدُونَ» بتشديد الراءِ وتخفيفها والمشهُورُ الَّذِي قَالَهُ الجمهُورُ: التَّشْديدُ. قال في القاموس: وَفَرَدَ تفريدًا، تفقّه واعتزل الناس، وخلا لمراعاة الأمر والنهي. ومنه: «طوبى للمفرِّدين، وسبق المفرِّدون» . وهم المهتزون بذكر الله تعالى، وهم أيضًا الذين هلكت لذَّاتهم وبقوا هُم. وقال في النهاية: سبق المفرِّدون. وفي رواية: «طوبى للمفرِّدين» . قيل: وما المفرِّدون؟ قال: «الذين اهتزوا في ذكر الله تعالى» .

стр. 782

يقال: فرد برأيه، وأفرد وفرَّد، واستفرد، بمعنى: انفرد به. وقيل: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وقيل: هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من الناس، وبقوا يذكرون الله. قال الشارح: واللفظان وإنْ اختلفا في الصيغة، فإن كل واحد منهما في المعنى قريب من الثاني إذ المراد المستخلصون لعبادة الله المتخلون لذكره عن الناس، المعتزلون فيه، المتبتلون إليه. [١٤٣٧] وعن جابر ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ: لا إلهَ إِلا اللهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . لا إله إلا الله، هي أفضل ما قاله النبيون، وهي كلمة التوحيد والإخلاص. وقيل: هي اسم الله الأعظم. [١٤٣٨] وعن عبد الله بن بسر ﵁ أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ الله، إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَليَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ قَالَ: «لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطباً مِنْ ذِكْرِ الله تعالى» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . رطوبة اللسان بالذكر، عبارة عن مداومته، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١) ] . قال الحسن: أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا. وقيل لبعض الصالحين: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من ذكرني» .

стр. 783

[١٤٣٩] وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «من قَالَ: سُبْحان الله وبِحمدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن) . يشهد لهذا الحديث قوله ﷺ في حديث الإِسراء عن إبراهيم ﵇: «إن الجنة قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . [١٤٤٠] وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لَقِيْتُ إبْرَاهِيمَ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ أقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طَيَّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماءِ، وأنَّهَا قِيعَانٌ وأنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، وَلا إلهَ إِلا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . تراب الجنة المسك والزعفران، وإذا طابت التربة وعذب الماء كان الغرس أطيب وأفضل. والقيعان: جمع قاع، وهو المكان الواسع المستوي من الأرض. قال العاقولي: معنى تقرير الكلام أنَّ الجنة ذات قيعان، وذات أشجار، فما كان قيعانًا فغراسه سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. [١٤٤١] وعن أَبي الدرداءِ ﵁ قال: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أن تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟» قَالَوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكر الله تَعَالَى» . رواه الترمذي، قَالَ الحاكم أَبُو عبد الله: «إسناده صحيح» .

стр. 784

هذا الحديث: يدل على أنّ الذكر أفضل من الصدقة والجهاد. [١٤٤٢] وعن سعد بن أَبي وقاص ﵁ أنَّه دخل مَعَ رسُولِ الله ﷺ عَلَى امْرأةٍ وَبَيْنَ يَدَيْها نَوىً - أَوْ حَصَىً - تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: «أَلا أُخْبِرُكِ بما هُوَ أيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا - أَوْ أفْضَلُ -» فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّمَاءِ، وسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في الأرْضِ، وسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وسُبحَانَ الله عَدَدَ مَا هو خَالِقٌ، واللهُ أكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، والحَمْدُ للهِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وَلا إلَهَ إِلا اللهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ مِثْلَ ذَلِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . فيه: دليل على أنَّ التسبيح بغير الأصابع جائز. لأن النبي ﷺ لم ينهها عن ذلك، لكنه دلّها على ما هو أفضل منه. [١٤٤٣] وعن أَبي موسى ﵁ قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: «لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . متفق عَلَيْهِ. قال النَّووي: المعنى أنَّ قائلها يحصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر له في الجنة، وهي كلمة استسلام، وتفويض. وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، ولا له حيلة في دفع شر، ولا في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى. قوله: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله» ، قال الشارح: أي، لا تحويل للعبد عن معصية الله، ولا قوَّة له على طاعة الله، إلا بتوفيق الله.

стр. 785

٢٤٥- باب ذكر الله تَعَالَى قائماً أَوْ قاعداً ومضطجعاً ومحدثاً وجنباً وحائضاً إِلا القرآن فَلا يحل لجنب وَلا حائض قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١) ] . يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذه في ارتفاعها واتِساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما فيهما من الآيات العظيمة المشاهدة. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما، الطول والقصر. ﴿لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ﴾ أي: العقول الذكية. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ ، أي: في جميع أحوالهم. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، أي: ما فيهما من الحِكَم الدالة على عظمة الخالق، وقدرته، وتوحيده، وحكمته. وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. [١٤٤٤] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ تعالى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رواهُ مسلم. فيه: مشروعية الذكر على كل حال طاهرًا أو مُحْدثًا. [١٤٤٥] وعن ابن عباسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «لَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ» . متفق عَلَيْهِ. قوله: «لم يضره» . في رواية: «لم يضره الشيطان أبدًا» ، أي: لم يسلّط عليه

стр. 786

لأجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء (٦٥) ] . وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء (٦٤) ] . قال مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمّي، يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه. قيل للبخاري: من لا يحسنها بالعربية يقولها بالفارسية؟ قال: نعم. وفي الحديث: استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك في كل حال، حتى في حالة الملاذ. وفيه: الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء. وفيه: إشارة إلى أنّ الشيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله. ٢٤٦- باب مَا يقوله عِنْدَ نومه واستيقاظه [١٤٤٦] عن حُذَيفَةَ وأبي ذرٍ ﵄ قالا: كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأموتُ» وَإذَا اسْتَيقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بعْدَ مَا أماتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ» . رواه البخاري. النوم أخو الموت، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢) ] .

стр. 787

وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عند الاضطجاع، وعند الانتباه. ٢٤٧- باب فضل حِلَقِ الذكر والندب إِلَى ملازمتها والنهي عن مفارقتها لغير عذر قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تريد زينة الحياة الدنيا﴾ ... [الكهف (٢٨) ] . أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويسألونه بكرةً وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أنْ يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، فنهاه الله عن ذلك. وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنَّا مع النبي ﷺ ستة، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام (٥٢) ] . أخرجه مسلم. وقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة. ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ ، أي: شغل عن الدِّين، وعبادة ربه بالدنيا. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ، في طلب الشهوات ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ، أي: ضياعًا.

стр. 788

[١٤٤٧] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أعْلَم -: مَا يقولُ عِبَادي؟ قَالَ: يقولون: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هَلْ رَأَوْنِي؟ فيقولونَ: لا واللهِ مَا رَأَوْكَ. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْني؟! قَالَ: يقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً. فَيقُولُ: فماذا يَسْألونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يقولُ: وَهل رَأَوْها؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يقول: فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقولون: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ؛ قَالَ: فيقولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يقولون: لا واللهِ مَا رَأوْهَا. فيقولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟! قَالَ: يقولون: لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فيقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم، قَالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهم فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 789

وفي رواية لمسلمٍ عن أَبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «إن للهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبُّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللهُ وَهُوَ أعْلَمُ -: مِنْ أيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْألُونَكَ. قَالَ: وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا، أَيْ رَبِّ. قَالَ: فكيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونكَ. قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟! قالوا: وَيَسْتَغفِرُونكَ؟ فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَألُوا، وَأجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فيقولون: ربِّ فيهمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فيقُولُ: ولهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَومُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» . الذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم الديني. قوله: «فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم» . قيل: من حكم السؤال إقرار الملائكة أنَّ في بني آدم المسبحين والمقدسين، فيكون كالاستدراك لما سبق من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة (٣٠) ] قوله: «فضلاً» منضبط بوجوه: أشهرها ضم أَوَّلَيه، وبضم، ففتح، أخره ألف

стр. 790

ممدودة جمع فاضل. ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة، وغيرهم من المرتبين مع الخلائق. قال الحافظ: وفي الحديث: فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل عليهم إكرامًا لهم، وإنْ لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه: محبة الملائكة لبني آدم، واعتناؤهم بهم. وفيه: أنّ السؤال قد يصدر ممن هو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول، لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته. [١٤٤٨] وعنه وعن أَبي سعيدٍ ﵄ قالا: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ إِلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . رواه مسلم. قوله: «لا يقعد قوم يذكرون الله» . وفي حديث أبي هريرة: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتْلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . السكينة هنا: الطمأنينة والوقار. قوله: «وذكرهم الله فيمن عنده» ، أي: في الملأ الأعلى. كما في الحديث الآخر: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . [١٤٤٩] وعن أَبي واقدٍ الحارث بن عوف ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ

стр. 791

نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ واحِدٌ؛ فَوَقَفَا عَلَى رسولِ الله ﷺ . فأمَّا أحَدُهُما فَرَأَى فُرْجةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأمَّا الثَّالثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ إِلَيْهِ. وَأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَى فَاسْتَحْيَى اللهُ مِنْهُ، وأمّا الآخَرُ، فَأعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ. قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وذكر الحديث. وفيه: فضل ملازمة حِلَقِ العلم والذكر، وجلوس العالم، والذكر في المسجد. وفيه: الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس. وفيه: جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة. [١٤٥٠] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: خرج معاوية ﵁ عَلَى حَلْقَةٍ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا

стр. 792

أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ. قَالَ: آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلا ذاك؟ قالوا: مَا أجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ، قَالَ: أما إنِّي لَمْ اسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسولِ الله ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَديثاً مِنِّي: إنَّ رسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أجْلَسَكُمْ؟» قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا للإسْلَامِ؛ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: «آللهِ مَا أجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ؟» قالوا: واللهِ مَا أجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ. قَالَ: «أمَا إنِّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، ولكِنَّهُ أتَانِي جِبرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنَّ الله يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ» . رواه مسلم. قوله: قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذلك، أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم» . قال الشارح: وحذف المصنف جوابهم، وهو في مسلم ولفظه: فقالوا: (والله ما أجلسنا إلا ذلك) ، وهو من قلم الناسخ. ٢٤٨- باب الذكر عِنْدَ الصباح والمساء قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعَاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥) ] . قَالَ أهلُ اللُّغَةِ: «الآصَالُ» : جَمْعُ أصِيلٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ وَالمَغْرِبِ. قال ابن كثير: يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرًا. ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ ، أي: رغبة ورهبة، وبالقول. ولهذا قال: ... ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ . وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداءً وجهرًا بليغًا. انتهى ملخصًا. وقال مجاهد وغيره: أمر أن يذكروه في الصدور، وبالتضرع إليه في الدعاء، والاستكانة دون رفع الصوت، والصياح بالدعاء. وقال تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه (١٣٠) ] . قيل: المراد من التسبيح: الصلاة المكتوبة. وقيل: على ظاهره.

стр. 793

والصواب: أن الآية عامة للصلاة، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وجميع الذكر. وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإنْ استطعتم أنْ لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا» . ثم قرأ هذه الآية. وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالأِبْكَارِ﴾ [غافر (٥٥) ] . قَالَ أهلُ اللُّغَةِ «العَشِيُّ» : مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِهَا. قال: ابن كثير: وقوله ﵎: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر (٥٥) ] ، هذه تهييج للأمة على الاستغفار. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... بِالْعَشِيِّ﴾ ، أي: في أواخر النهار، وأوائل الليل. ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ ، وهي أوائل النهار، وأواخر الليل. وقال تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسْبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ... ﴾ الآية [النور (٣٦، ٣٧) ] . قال ابن عباس: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ ، قال: مجاهد: أن تبنى. وقال الحسن: أي: تعظم لا يذكر فيها الخنا من القول. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ، قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ ، أي: يُصَلَّ له فيها.

стр. 794

﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ . فيه: إشعار بهممهم السامية، وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وذكره. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [ص (١٨) ] . قال ابن كثير: أي أنَّه تعالى سخَّر الجبال تسبِّح مع داود عند إشراق الشمس، وآخر النهار، كما قال : ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ (١٠) ] ، وكذلك كانت الطير تسبِّح بتسبيحه، وترجِّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء، فسمعه وهو يترنَّم بقراءة الزبور ولا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه وتسبح تبعًا له. [١٤٥١] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ وَحينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِئَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ» . رواه مسلم. فيه: إيماء إلى أن الاستكثار من هذا الذكر محبوب إلى الله تعالى. [١٤٥٢] وعنه قَالَ: جَاءَ رجلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله مَا لَقِيْتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ! قَالَ: «أمَا لَوْ قُلْتَ حِيْنَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ: لَمْ تَضُرَّك» . رواه مسلم. قال القرطبي: منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء إلى أنْ تركته فلدغتني عقرب ليلاً، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات.

стр. 795

[١٤٥٣] وعنه عن النبي ﷺ أنَّه كَانَ يقولُ إِذَا أصْبَحَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنَا، وَبِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ النُّشُورُ» . وإذا أمسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنَا، وبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ. وَإلْيَكَ النُّشُورُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . قال في «النهاية» : «وإليك النشور» ، يقال: نشر الميت ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله: أي أحياه. قوله: «وإليك المصير» ، أي: إليك المرجع. [١٤٥٤] وعنه: أنَّ أَبَا بكرٍ الصديق ﵁ قَالَ: يَا رسول الله مُرْني بِكَلِمَاتٍ أقُولُهُنَّ إِذَا أصْبَحْتُ وإذا أمْسَيْتُ، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ؛ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إِلا أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَّرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ» قَالَ: «قُلْهَا إِذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . زاد الترمذي من طريق آخر: «وأن نقترف على أنفسنا سوءًا، أو نجره إلى مسلم» . وفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر عند الصباح والمساء وعند النوم. [١٤٥٥] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ نبيُّ الله ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وأمْسَى المُلْكُ للهِ، والحَمْدُ للهِ، لا إلهَ إِلا اللهُ

стр. 796

وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ» قَالَ الراوي: أَرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: «لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدير، رَبِّ أسْألُكَ خَيْرَ مَا في هذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا في هذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ، وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، وَعَذَابٍ في القَبْرِ» ، وَإذَا أصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أيضاً «أصْبَحْنَا وأصْبَحَ المُلْكُ للهِ» . رواه مسلم. فيه: استحباب هذا الذكر في الصباح والمساء. [١٤٥٦] وعن عبد الله بن خُبَيْب - بضم الخاء المعجمة ﵁ قَالَ: قَالَ لي رَسولُ الله ﷺ : «اقْرَأْ: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، والمُعَوِّذَتَيْنِ حِيْنَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبحُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: استحباب قراءة المعوذات في المساء والصباح. [١٤٥٧] وعن عثمان بن عفان ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، إِلا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . رُوي أن أبان بن عثمان راوي الحديث، عن أبيه، كان قد أصابه طرف فالج، فجعل رجل ينظر إليه، فقال له أبان: أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذٍ ليمضي الله عليّ قدره.

стр. 797

٢٤٩- باب مَا يقوله عِنْدَ النوم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ والأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ﴾ الآيات [آل عمران (١٩٠، ١٩١) ] . [١٤٥٨] وعن حُذَيْفَةَ وأبي ذرٍّ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ، قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وأَمُوتُ» . رواه البخاري. فيه: استحباب هذا الذكر عند النوم. [١٤٥٩] وعن عليٍّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ ولِفَاطِمَةَ ﵄: «إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا - أَوْ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا - فَكَبِّرا ثَلَاثاً وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، واحْمِدا ثَلاثاً وَثَلاثِينَ» وفي روايةٍ: التَّسْبيحُ أرْبعاً وثلاثينَ، وفي روايةٍ: التَّكْبِيرُ أرْبعاً وَثَلَاثينَ. متفق عَلَيْهِ. قال بعض العلماء: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه، من شغل ونحوه. قلت: ويشهد لهذا سبب هذا الحديث، وهو أن فاطمة سألت النبي ﷺ خادمًا، فذكر لها هذا الذكر، وقال: «إنه خير لكما من خادم» . [١٤٦٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَليَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إزَارِهِ فإنَّهُ لا

стр. 798

يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبي، وَبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإنْ أَرْسَلْتَهَا، فاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» . متفق عَلَيْهِ. فيه: استحباب نفض الفراش قبل الاضطجاع لئلا يكون دخل فيه حية، أو عقرب، أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر، وقد قال الله تعالى: ... ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢) ] . [١٤٦١] وعن عائشة ﵂: أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ في يَدَيْهِ، وَقَرَأَ بالمُعَوِّذَاتِ، ومَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ. متفق عَلَيْهِ. وفي رواية لهما: أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إذا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرأَ فيهِما: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ ، وَ ﴿قَلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ، وَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما مَا استْطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بهما عَلَى رَأسِهِ وَوجْهِهِ، وَمَا أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. متفق عَلَيْهِ. قَالَ أهلُ اللُّغَةِ: «النَّفْثُ» نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلا رِيقٍ. المعوِّذات: «قل هو الله أحد» ، والمعوذتين، كما فسره في الرواية الأخرى. والنفث: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل. [١٤٦٢] وعن البراءِ بنِ عازبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا أَتَيتَ مَضْجعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَن، وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوضْتُ أَمْرِي إليكَ،

стр. 799

وأَلْجَأتُ ظَهرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً وَرهْبَةً إليكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إليكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ، فإنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» . متفق عَلَيْهِ. قوله: «أسلمت نفسي إليك» ، أي: جعلتها منقادة لك، تابعة لحكمك. و «فوَّضت أمري إليك» ، أي: رددته إليك. و «ألجأت ظهري إليك» ، أي: اعتمدت عليك في أموري كلها. و «ورغبةً ورهبةً إليك» ، أي: خوفاً من عقابك وطمعًا في ثوابك. و «لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك» ، أي: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك. و «آمنت بكتابك الذي أنزلت» يعني: القرآن وجميع الكتب السماوية. و «وبنبيّك الذي أرسلت» . وفي رواية: أنَّه قرأها البراء فقال: و «وبرسولك الذي أرسلت» . فقال النبي ﷺ : «قل: وبنبيّك الذي أرسلت» . و «فإن متَّ متَّ على الفطرة» ، أي: الدين. وفي رواية: «وإن أصبحت أصبت خيرًا، واجعلهنَّ آخر ما تقول ليكون ختمًا حسنًا» . [١٤٦٣] وعن أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وكفَانَا وآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ» . رواه مسلم. فيه: تعداد العبد للنعم على نفسه، والنظر إلى من جعلهم الله دونه، فهو أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه. [١٤٦٤] وعن حذيفة ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ، وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ قِني

стр. 800

عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . ورواه أَبُو داود؛ من رواية حَفْصَةَ ﵂، وفيهِ أنه كَانَ يقوله ثلاث مراتٍ. هذا منه ﷺ خضوع لمولاه، وأداء لحق مقام الربوبية، وتنبيه للأمة أنْ لا يأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

стр. 801

كتَاب الدَّعَوات ٢٥٠- باب فضل الدعاء قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر (٦٠) ] . قال البغوي: أي اعبدوني دون غيري، أجبكم، وأثبكم، وأغفر لكم، فلمَّا عَبَّرَ عن العبادة بالدعاء، جعل الإِثابة استجابة، وساق بسنده حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «إنَّ الدعاء هو العبادة» . وروى أبو يعلى عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: «أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك عليَّ: فما عملت من خير جزيتك به. وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعليَّ الإِجابة. وأما التي بينك وبين عبادي: فارض لهم ما ترضى لنفسك» . وقال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ... [الأعراف (٥٥) ] .

стр. 802

أي: المتجاوزين. قال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء. وقال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت، والنداء بالدعاء والصياح. وقال ابن جرير: ﴿تَضَرُّعاً﴾ : تذلُّلاً واستكانة لطاعته. و ﴿خُفْيَةً﴾ . يقال: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بواحدنيته وربوبيته، فيما بينكم وبينه لا جهارًا ومرآةً. وقال تَعَالَى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنِّي قَريبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة (١٨٦) ] . عن معاوية بن حيدة، أنَّ أعرابيًّا قال: يَا رسول الله، أقريبٌ ربنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي﴾ . وعن ابن عباس قال: قال يهود أهل المدينة: يَا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمس مئة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية. قال ابن كثير: والمراد أنه تعالى لا يجيب دعاء داعٍ ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. ففيه: ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى. وعن أبي سعيد، أنَّ النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» . قالوا: يَا رسول الله! إذًا نكثر. قال: «الله أكثر» . رواه أحمد.

стр. 803

وقال تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل (٦٢) ] . أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضرّ المضرورين سواه. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ﴾ ، أي: خلفًا بعد سلف ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ يقدر على ذلك ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ . [١٤٦٥] وعن النعمان بن بشيرٍ ﵄، عن النبي ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . يعني: أن الدعاء هو خالص العبادة كما في حديث أنس عند الترمذي، أن النبي ﷺ قال: «الدعاء مخُّ العبادة» . والمعنى أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخِّ. قال القاضي عياض: أي: هو العبادة الحقيقة التي تستأهل أنْ تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ... [الجن (١٨) ] . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر (٦٠) ] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف (٥، ٦) ] .

стр. 804

[١٤٦٦] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يَسْتَحِبُّ الجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أَبُو داود بإسناد جيدٍ. أي: يستحب الدعاء الجامع للمهمات والمطالب، فيكون قليل المبنى، جليل المعنى. [١٤٦٧] وعن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ أكثرُ دعاءِ النبيّ ﷺ : «اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» . متفق عَلَيْهِ. زاد مسلم في روايتهِ قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، وَإِذَا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ. يدخل في الحسنة، كل خير ديني ودنيوي، وصرف كل شر. [١٤٦٨] وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الهُدَى، والتُّقَى، والعَفَافَ، والغِنَى» . رواه مسلم. الهدى: ضد الضلالة. والتقى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والعفاف: الكف عن المعاصي والقبائح. والغنى: الاستغناء عن الحاجة إلى الناس. [١٤٦٩] وعن طارق بن أَشْيَمَ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبيُّ ﷺ الصَّلَاةَ ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِهؤلَاءِ الكَلِمَاتِ: «

стр. 805

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْنِي» . رواه مسلم. وفي روايةٍ له عن طارق: أنَّه سمع النبي ﷺ وأتاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رسول اللهِ كَيْفَ أقُولُ حِيْنَ أسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِني، وارْزُقْنِي، فإنَّ هؤلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ» . بدأ بالمغفرة لكونها كالتخلية، لما فيها من التنزيه من إقذار المعاصي، وعقبها بالرحمة لكونها كالتحلية، وعطف عليها الهداية، عطف خاص على عام، وبعد تمام المطالب سأل الله العافية ليقدر على الشكر، وطلب الرزق لتستريح نفسه عن الهم بتحصيله. [١٤٧٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتِكَ» . رواه مسلم. أي: صرّف على طاعتك قلوبنا، فلا تنزعها بعد الهدى. وأول الحديث قال: قال رسول الله ﷺ : «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه كيف يشاء» . ثم قال: «اللَّهُمَّ مصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك» . [١٤٧١] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» . متفق عَلَيْهِ. وفي روايةٍ قَالَ سفيان: أَشُكُّ أنِّي زِدْتُ واحدةً مِنْهَا. الجهد: المشقة. وكل ما أصاب الإنسان من شدة المشقة، وما لا طاقة له بحمله، ولا يقدر على دفعه عن نفسه، فهو من جهد البلاء.

стр. 806

﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة (٢٨٦) ] ، قيل: إن التي زاد فيها سفيان هي شماتة الأعداء، وهذا دعاء جامع للتعوذ من شر الدنيا والآخرة. [١٤٧٢] وعنه قَالَ: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ أصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا مَعَاشِي، وأصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتي فِيهَا مَعَادي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . رواه مسلم. هذا من الأدعية الجوامع، فإن الله تعالى إذا وفق العبد للقيام بآداب الدين، ورزقه من الحلال كفافًا، ووفقه للإخلاص، وحسن الخاتمة، وأطال عمره على طاعته، ووقاه من الفتن، فقد حصل له سعادة الدنيا والآخرة. [١٤٧٣] وعن علي ﵁ قال: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِني، وسَدِّدْنِي» . وفي رواية: «اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ الهُدَى والسَّدَادَ» . رواه مسلم. وفي مسلم زيادة: «واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم» . الهدى: هنا الرشاد، وسداد العمل: تقويمه على السنَّة. [١٤٧٤] وعن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَمِ، والبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ» . وفي رواية: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» . رواه مسلم.

стр. 807

العجز: عدم القدرة على الخير. والكسل: التثاقل عنه. والجبن: الخوف، وضعف القلب، وهو ضد الشجاعة. والهرم: الكِبَر والضعف في العقل. والبخل: ضد السخاء. قوله: «وأعوذ بك من عذاب القبر» ، أي: العذاب الكائن فيه. وفي الحديث: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، فإن حسن فما بعده أحسن، وإن قبح فما بعده أقبح» . قوله: «وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» ، أي: الحياة والموت. «وَضَلَعِ الدَّيْنِ» ، أي: ثقله وشدته. قال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلبًا إلا ذهب من العقل ما لا يعود إليه. وقوله: «وغلبة الرجال» . فيه: إشارة إلى التعوذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا. [١٤٧٥] وعن أَبي بكر الصديق ﵁: أنَّه قَالَ لرسُولِ الله ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلَاتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» . متفق عَلَيْهِ. وفي روايةٍ: «وفي بيتي» وَرُوِيَ: «ظلماً كثيراً» ورُوِي: «كبيراً» بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة؛ فينبغي أنْ يجمع بينهما فيقال: كثيراً كبيراً. أي: ينبغي أنْ يحتاط فيجمع بين الروايتين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحسن أن يؤتى بالدعاء على إحدى الروايتين، ويعاد ثانيًا باللفظ الآخر.

стр. 808

[١٤٧٦] وعن أَبي موسى ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كَانَ يدْعُو بِهذا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وإسرافِي في أمْرِي، وَمَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي؛ وَخَطَئِي وَعَمْدِي؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أنتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ، وأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . متفق عَلَيْهِ. فيه: استحباب الاستغفار بهذا الدعاء. قال بعض السلف: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقال بعضهم: هفوات الطبع البشري لا يسلم منها أحد. والأنبياء وإنْ عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر. [١٤٧٧] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يقول في دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ومنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ» . رواه مسلم. قال الشارح: استعاذ ﷺ من أنْ يعمل في المستقبل من الزمان ما لا يرضاه الله تعالى. فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقيل: استعاذ من أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله عليه، لا بحوله وقوته. وهذا تعليم منه ﷺ لأمته، وأداءٌ لحق الربوبية، وتواضعًا للحضرة الإلهية. [١٤٧٨] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ مِن دعاءِ رسُولِ الله ﷺ : «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ

стр. 809

عَافِيَتِكَ، وفُجَاءةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ» . رواه مسلم. فُجَاءة: بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة. وروي بفتح الفاء وسكون الجيم. خص فجاءة النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد من أن تصيبه تدريجًا. [١٤٧٩] وعن زيد بن أرقم ﵁ قَالَ: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يقول: ... «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، والبُخْلِ والهَرَمِ، وَعَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ؛ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ؛ وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَهَا» . رواه مسلم. العلم الذي لا ينفع، هو الذي لا يعمل به. وقيل: هو الذي لا يهذب الأخلاق الباطنة، فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة وأنشد: ?? ... يا من تباعد عن مكارم خلقه ... ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة من لم يهذّب علمُه أخلاقَه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة [١٤٨٠] وعن ابن عباس ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ. فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ، وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إِلا أنْتَ» . زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: «وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ» . متفق عَلَيْهِ. في هذا الحديث: كمال الرجوع إلى الله تعالى، والركون إليه في الأحوال كلها، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه.

стр. 810

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق (٣) ] . قال بعضهم: ?? ... إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ... ضللت ولو أن السماك دليل [١٤٨١] وعن عائشة ﵂: أنَّ النبيّ ﷺ كَانَ يدعو بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الغِنَى وَالفَقْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ؛ وهذا لفظ أَبي داود. قوله: «من فتنة النار» ، أي: الفتنة المسبب عنها النار. قوله: «ومن شر الغنى» ، أي: الشر المرتب عليه، كالكبر والعجب، والشره، والحرص، والجمع للمال من الحرام، والبخل، والشح. «وشر الفقر» : كالتضجر، والتبرم من القدر، والوقوع في المساخط بسببه. [١٤٨٢] وعن زياد بن عِلَاقَةَ عن عمه، وَهُوَ قُطْبَةُ بنُ مالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النبيّ ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلَاقِ، وَالأعْمَالِ، والأهْواءِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . الأخلاق المنكرة، كالعجب، والكبر، والخيلاء، والفخر، والحسد، والتطاول، والبغي، ونحو ذلك. والأعمال المنكرة، كالزنى وشرب الخمر، وسائر المحرمات. والأهواء المنكرة، كالاعتقادات الفاسدة، والمقاصد الباطلة. زاد الترمذي: (والأدواء) . وهي الأدواء المنكرة، كالبرص، والجنُونِ والجذام، وسيِّء الأسقام.
следующие страницы →