← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21543

تطريز رياض الصالحين

فيصل آل مبارك

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد تحققه فيتجسس ويبحث فنهي عن ذلك، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ﴾ الآية [الحجرات (١٢) ] . ودل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال: ابحث لأتحقق، قيل له: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ . فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ . قوله ﷺ : «ولا تحسسوا، ولا تجسسوا» إحداهما: بالجيم. والأخرى: بالحاء المهملة. قال الخطابي: أي: لا تجسسوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها. وأصله بالمهملة من الحاسة، إحدى الحواس الخمس، وبالجيم من الجس بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواس الخمس، فتكون التي بالحاء أعم. وقيل: هما بمعنى وذكر الثاني تأكيدًا كقولهم بعدًا وسحقًا. وقيل: بالجيم، البحث عن العورات، وبالمهملة استماع حديث القوم. وقيل: بالجيم، البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، وبالمهملة عما يدرك بحاسة العين أو الأُذن، ورجَّحه القرطبي. قوله: «ولا تنافسوا» ، أي: في أمور الدنيا، فأما أمور الآخرة فقد أمر الله بالتنافس في أعمالها. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين (٢٦) ] . قوله ﷺ : «ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم» ، أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوة من التآلف والتحابب، وترك هذه المنهيات. قوله: «المسلم أخو المسلم» ، لاجتماعهما في الإسلام. «لا يظلمه في نفسٍ، ولا مال، ولا عرض» . «ولا يخذله» ، أي: «لا يترك نصرته، وإعانته» . «ولا يحقره» ، أي: يهينه ولا يعبؤ به. «التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره، أي: «أن محلها القلب.» «بحسب امرئ من الشر» لعظمه وشدته عند الله. «لأن يحقر أخاه

стр. 877

المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله» . قوله: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» . قال الله تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ الآية [المنافقون (٤) ] . وفي رواية عند مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . فإذا كان العمل خالصًا لله تعالى صوابًا على سنة رسوله ﷺ قَبِلَهُ الله. قوله: «ولا تناجشوا» ، النجش: الزيادة في السلعة لا لرغبة، بل ليضر غيره ويخدعه. قوله: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» . ومثله الشراء على شرائه، والسوم على سومه، بعد استقرار الثمن والرضا به. [١٥٧١] وعن معاوية ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ أفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهُمْ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث: كراهة التجسس عن عورات المسلمين، واكتشاف ما يخفونه منها. [١٥٧٢] وعن ابن مسعود ﵁: أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْراً، فَقَالَ: إنَّا قَدْ نُهِيْنَا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ، نَأخُذ بِهِ. حديث حسن صحيح، رواه أَبُو داود بإسنادٍ عَلَى شَرْطِ البخاري ومسلم. قوله: «إنا قد نهينا عن التجسس» .

стр. 878

قال الشارح: يحتمل أن يكون مراده النهي عن ذلك في القرآن أو السنة. أي سمعه من النبي ﷺ أيضًا، إن يظهر لنا شيء نأخذ به ونعامله بمقتضاه من حدٍ أو تعزير. ٢٧٢- باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة قال الشارح: وقوله: «من غير ضرورة» . مُخْرج لما أن دعت إليه كأن وقف مواقف التهم، أو بدا عليه علامة الريب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات (١٢) ] . قال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظنّ، وهو التهمة، والتخون للأهل، والأقارب، والناس، في غير محله؛ لأنَّ بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثيرًا منه احتياطًا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً. وقال سفيان الثوري: الظنُّ ظنَّان: أحدهم إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإِثم، وهو أن تظن ولا تتكلم. قال الحافظ: المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب من غير دليل.

стр. 879

[١٥٧٣] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . متفق عَلَيْهِ. ٢٧٣- باب تحريم احتقار المسلمين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات (١١) ] . وقال تَعَالَى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ﴾ [الهمزة (١) ] . قال ابن كثير: ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الكبر بَطَرُ الحق، وغمص الناس» . ويُروى: «وغمط الناس» . والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتَقَر أعظم قَدْرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه - المحتقر له -. ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ ، فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء. وقوله ﵎: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ، أي: لا تلمزوا الناس. والهمّاز اللمّاز من الرجال مذموم ملعون. كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ ، والهمز بالفعل، واللمز بالقول. كما قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ [القلم (١١) ] ، أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاغيًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة. وهي اللمز بالمقال. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات (١١) ] ، أي: لا تداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. وعن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ ، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يَا رسول الله، إنه

стр. 880

يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ . رواه أحمد. انتهى ملخصًا. وقال عكرمة: هو قول الرجل للرجل يَا فاسق. يَا منافق. يَا كافر. وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يُسْلم فيقال له بعد إسلامه: يَا يهودي. يَا نصراني. فنهوا عن ذلك. وقال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب، يا حمار، يا خنزير. ورُوي عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب، أنْ يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب عنها، فنهي أنْ يعيّر بما سلف من عمله. ﴿بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ ، أي: بئس الاسم أنْ يقول له يَا يهودي، أو يَا فاسق، بعدما آمن وتاب. وقيل: معناه أنَّ من فعل ما نهي عنه من السُّخرية، واللمز، والنبز، فهو فاسق. وبئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان فلا تفعلوا ذلك، فتستحقوا اسم الفسوق، ومن لم يتب من ذلك فأولئك هم الظالمون. [١٥٧٤] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» . رواه مسلم، وَقَدْ سبق قريباً بطوله. قال الشارح: «بحسب» ، أي: كافي، «امرئٍ» ، أي: إنسان، «من الشر أن يحقر أخاه المسلم» ، أي: وذلك لعظمه في الشر، كافٍ له عن اكتساب آخر، ولا يخفى ما فيه من فظاعة هذا الذنب، والنداء عليه بأنه غريق في الشر، حتى إنه لشدته فيه يكفي من تلبس به عن غيره. [١٥٧٥] وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ

стр. 881

الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنةً، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» . رواه مسلم. ومعنى «بَطَرُ الحَقِّ» دَفْعُه، «وغَمْطُهُمْ» : احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ أوْضَحَ مِنْ هَذَا في باب الكِبْرِ. في هذا الحديث: وعيد شديد للمتكبرين. وفيه: أن التجمل إذا لم يكن على وجه الخيلاء غير مذموم بل مستحب. [١٥٧٦] وعن جُندب بن عبدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللهُ : مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ! إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأحْبَطْتُ عَمَلَكَ» . رواه مسلم. في هذا الحديث: التحذير من احتقار أحد من المسلمين، وإن من كان الرعاع، فإن الله تعالى أخفى سره في عباده. ٢٧٤- باب النهي عن إظهار الشماتة بِالمُسْلِم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات (١٠) ] . أي: وشأن الأُخوة أن يتحرك الأخ لما يلحق أخاه من الضرر. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [النور (١٩) ] . هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه المنافقين، الذين قذفوا عائشة ﵂ وهي بريئة، وهي عامة في جميع المؤمنين. وعن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيِّروهم، ولا تطلبوا

стр. 882

عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» . [١٥٧٧] وعَن وَائِلَةَ بن الأسقع ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . فيه: النهي عن إظهار الشماتة بما نزل بأخيه المسلم، بل شأن المؤمن التألم بما يتألم منه أخوه، والفرح بما يفرح به. وفي الباب حديث أَبي هريرة السابق في باب التَّجسُّس: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ ... » الحديث. أي: فدخل فيه ذلك لما فيه من التعرض لإِيذائه، والتوصل إلى القدح في عرضه. ٢٧٥- باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب (٥٨) ] . قال الشارح: ولا شبهة في أنَّ الطعن في النسب من أعظم أنواع الأذى، فالآية تشمله شمولاً بيِّنًا. [١٥٧٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» . رواه مسلم.

стр. 883

في هذا الحديث: وعيد شديد. وفيه: تغليظ تحريم النياحة، وتحريم الطعن في النسب. ٢٧٦- باب النهي عن الغش والخداع قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب (٥٨) ] . أي: ومن أشد الإِيذاء الغش، لما فيه من تزيين غير المصلحة والخديعة، لما فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه. [١٥٧٩] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . رواه مسلم. وفي رواية لَهُ: أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أصابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: «مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رسول الله. قَالَ: «أفَلا جَعَلْتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يرَاهُ النَّاسُ! مَنْ غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . في هذا الحديث: وعيد شديد على من بغى على المسلمين وخرج عن جماعتهم وبيعتهم. وفيه أيضًا: وعيد شديد لمن غشهم. ومن الغش خلط الجيد بالرديء، ومزج اللبن بالماء، وترويج النقد الزغل. وفي حديث ابن مسعود: «والمكر والخداع في النار» . [١٥٨٠] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا تَنَاجَشُوا» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 884

[١٥٨١] وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ نَهى عن النَّجْشِ. متفق عَلَيْهِ. فيه: دليل على تحريم النجش، وهو أن يسوم السلعة بأكثر ثمنها، وليس قصده أن يشتريها بل يريد أن يضر غيره. [١٥٨٢] وعنه قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ في البُيُوعِ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لا خِلَابَةَ» . متفق عَلَيْهِ. «الخِلَابَةُ» بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ وباءٍ موحدة، وهي: الخديعة. الحديث: دليل على ثبوت خيار الغبن إذا اشترط ذلك. وزاد الدارقطني والبيهقي: «ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيتها فأمسك» ، فبقي حتى أدرك زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبنت فيه، رجع فيشهد له الرجل من الصحابة، أنَّ النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا فيرد له دراهمه. [١٥٨٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ، أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» . رواهُ أَبُو داود. «خَبب» بخاءٍ معجمة، ثُمَّ باءٍ موحدة مكررة: أيْ أفْسده وخدعه. فيه: تحريم التخبيب، وهو إفساد المرأة على زوجها، فيقع بينهما الشقاق والتنافر، وكذا المملوك؛ لأن من شأن المؤمنين التعاون والتناصر على الحق، وهذا بخلافه. ٢٧٧- باب تحريم الغدر قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقُودِ﴾ [المائدة (١) ] .

стр. 885

قال ابن عباس وغيره: يعني العهود. قال ابن جرير: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحِلْف وغيره. وفي رواية عن ابن عباس: يعني ما أحل الله، وما حرم، وما فرض، وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا، ولا تنكثوا. وقال زيد بن أسلم: أوفوا بالعقود هي ستة: عهد الله، وعقد الحِلْف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين. وقال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسئُولاً﴾ [الإسراء (٣٤) ] . قال ابن كثير: ﴿أَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ ، أي: الذي تُعاهِدون عليه الناس، والعقود التي تُعاملون بها، فإن العهد والعقد كل منهما يُسأل صاحبه عنه. [١٥٨٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَها: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» . متفق عَلَيْهِ. فيه: أن الغدر من صفات المنافقين، وكذا بقية الخصال. [١٥٨٥] وعن ابن مسعودٍ، وابن عمر، وأنس ﵃ قالوا: قَالَ النَّبيّ ﷺ : «لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هذِهِ غَدْرَةُ فلانٍ» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 886

[١٥٨٦] وعن أَبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ أِسْتِهِ يومَ القِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدَرِ غَدْرِهِ، ألا وَلا غَادِرَ أعْظَمُ غَدْراً مِنْ أمِيرِ عَامَّةٍ» . رواه مسلم. نشر اللواء زيادة في فضيحة الغادر وشناعة أمره، وشهرته بذلك عند الخلق يوم القيامة. وفي هذه الأحاديث: بيان غلظ تحريم الغدر، ولاسيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير. [١٥٨٧] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرَّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيراً، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ» . رواه البخاري. قيل: الحكمة في كون الله تعالى خصمهم، أنهم جنوا على حقه سبحانه، وحق عباده. ٢٧٨- باب النهي عن المنِّ بالعطية ونحوها قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة (٢٦٤) ] . يخبر تعالى أنَّ الصدقة تُبْطل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يغني ثوابه الصدقة بخطيئة المنّ والأذى. والمنّ: تعداد النعمة على المنعم عليه. والأذى: كالتعيير بالسؤال والحاجة. وقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أنْفَقُوا مَنّاً وَلا أذىً﴾ [البقرة (٢٦٢) ] .

стр. 887

قال زيد بن أسلم: حظَّر الله على عباده المنّ بالصنيعة، واختصَّ به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تعيير وتكدير، ومن الله إفضال وتذكير. [١٥٨٨] وعن أَبي ذَر ﵁ عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ مِرارٍ: قَالَ أَبُو ذرٍ: خَابُوا وخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِبِ» . رواه مسلم. وفي روايةٍ لَهُ: «المُسْبِلُ إزَارَهُ» يَعْنِي: المُسْبِلَ إزَارَهُ وَثَوْبَهُ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ لِلخُيَلَاءِ. في هذا الحديث: غلظ تحريم ثلاث هذه الخصال. ٢٧٩- باب النهي عن الافتخار والبغي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم (٣٢) ] . أي: لا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ، أي: برَّ وأطاع، وأخلص العمل لله تعالى. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ﴾ [الشورى (٤٢) ] . أي: إنما السبيل بالمعاقبة على الذين يبدؤون بالظلم. ﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، أي: يعملون فيها بالمعاصي. [١٥٨٩] وعن عياضِ بن حمارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ

стр. 888

اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم. قَالَ أهلُ اللغةِ: البغيُ: التَّعَدِّي والاستطالَةُ. في هذا الحديث: الأمر بالتواضع، والنهي عن التفاخر. [١٥٩٠] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ» . رواه مسلم. والرواية المشهورة: «أهْلَكُهُمْ» بِرَفعِ الكاف وروي بنصبها: وذلكَ النْهيُ لِمنْ قَالَ ذَلِكَ عُجْباً بِنَفْسِهِ، وتَصَاغُراً للنَّاسِ، وارْتِفاعاً عَلَيْهِمْ، فَهَذَا هُوَ الحَرامُ، وَأمَّا مَنْ قَالَهُ لِما يَرَى في النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ في أمرِ دِينِهم، وقَالَهُ تَحَزُّناً عَلَيْهِمْ، وعَلَى الدِّينِ، فَلا بَأسَ بِهِ. هكَذَا فَسَّرَهُ العُلَماءُ وفَصَّلُوهُ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ: مالِكُ بن أنس، وَالخَطَّابِيُّ، والحُميدِي وآخرونَ، وَقَدْ أوْضَحْتُهُ في كتاب: (الأذْكار) . قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّنًا عليهم لما يرى في الناس - يعني في أمر دينهم - فلا أرى به بأسًا. وإذا قال ذلك عجبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس فهو المكروه الذي ينهى عنه. ٢٨٠- باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إِلا لبدعة في المهجور، أَوْ تظاهرٍ بفسقٍ أَوْ نحو ذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات (١٠) ] . أي: والتهاجر والتقاطع خلاف مقتضى الأُخوة.

стр. 889

وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة (٢) ] . ومنه قطيعه المسلم وهجرانه بلا سبب شرعي. [١٥٩١] وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاث» . متفق عَلَيْهِ. في هذا الحديث: النهي عن التقاطع والتهاجر. والعمل بهذا الحديث من أعظم الأسباب الموصلة للتآلف بين المسلمين، وقلة الشحناء. [١٥٩٢] وعن أَبي أيوبَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» . متفق عَلَيْهِ. فيه: تحريم الهجر بعد ثلاثة أيام، والثناء على البادئ بالسلام. [١٥٩٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ في كلِّ اثْنَيْنِ وَخَمْيسٍ، فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً، إِلا امْرَءاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيقُولُ: اتْرُكُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» . رواه مسلم. في هذا الحديث: وعيد شديد للمتشاحنين. [١٥٩٤] وعن جابر ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيَسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» . رواه مسلم.

стр. 890

«التَّحْرِيشُ» : الإفْسَادُ وتَغييرُ قُلُوبِهِمْ وتَقَاطُعُهُم. قال الأصمعي: حد جزيرة العرب هو أطراف ما بين عدن أبين إلى الشام طولاً. وأما العرض فمن جُدَّة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق. وقال بعض العلماء: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن. وقال صاحب «المُحْكَم» : إِنما سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ بحر فارس، وبحر الحبش، ودجلة، والفرات قد أحاطت بها. وقوله: و «لكن في التحريش بينهم» ، أي: يسعى في إيقاع الخصومات، والشحناء، والحروب، والفتن، ونحوها بينهم. وهذا الحديث: من معجزات النبوة، لكونه وقع كما أخبر ﷺ . [١٥٩٥] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» . رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم. في هذا الحديث: وعيد شديد. وفيه: دليل على أنَّ الهجر من كبائر الذنوب. [١٥٩٦] وعن أَبي خِراشٍ حَدْرَدِ بنِ أَبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ. ويقالُ: السُّلمِيّ الصحابي ﵁: أنَّه سمع النبي ﷺ يقولُ: «مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث: وعيديد شديد لمن هجر سَنَة، وأن ذلك كإراقة دم المهجور فيِ الإثم.

стр. 891

[١٥٩٧] وعن أَبي هريرة ﵁: أنًّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوقَ ثَلَاثٍ، فإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ، فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ رَدَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ، وَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإثْمِ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ» . رواه أَبُو داود بإسناد حسن. قَالَ أَبُو داود: «إِذَا كَانَتْ الهِجْرَةُ للهِ تَعَالَى فَليسَ مِنْ هَذَا في شَيْءٍ» . قال الخطابي: هذا في هجر الرجل أخاه لعتب وموجدة، فرخص له في مدة الثلاث. فأما هجران الوالد الولدَ والزوج الزوجة، ومن كان من معناهما، فلا يضيق عليهما أكثر من ثلاث، وقد هجر النبي ﷺ نساءه شهرًا. ٢٨١- باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إِلا لحاجةٍ وَهُوَ أن يتحدثا سراً بحيث لا يسمعهما وفي معناه [مَا] إِذَا تحدثا بلسان لا يفهمه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة (١٠) ] قال ابن كثير: أي إنما النجوى، وهي المساررة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة (١٠) ] ، أي: لِيَسؤهم. وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحسَّ من ذلك شيئًا فليستعذ بالله، وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله. [١٥٩٨] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كانُوا ثَلاثَةً، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 892

ورواه أَبُو داود وزاد: قَالَ أَبُو صالح: قُلْتُ لابنِ عُمرَ: فَأرْبَعَةً؟ قَالَ: لا يَضُرُّكَ. ورواه مالك في (الموطأ) : عن عبد الله بن دينارٍ، قَالَ: كُنْتُ أنَا وابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بنُ عُقْبَةَ الَّتي في السُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَللرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا: اسْتَأْخِرَا شَيْئاً، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ: «لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» . [١٥٩٩] وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» . متفق عَلَيْهِ. فيه: النهي عن التناجي، إلا أن يكونوا أربعة فما فوق؛ لأنه يؤذي الواحد ويحزنه. ٢٨٢- باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أَوْ زائد عَلَى قدر الأدب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَبِالوَالِدَيْنِ إحْساناً وَبِذي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ [النساء الآية (٣٦) ] . قال ابن كثير: أي مختالاً في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس،

стр. 893

يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض. قال مجاهد: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمة وهو قليل الشكر لله. [١٦٠٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» . متفق عَلَيْهِ. «خَشَاشُ الأرضِ» بفتح الخاءِ المعجمة وبالشينِ المعجمة المكررة، وهي: هَوَامُّها وَحَشَرَاتُهَا. في هذا الحديث: تحريم حبس الحيوان وإجاعته. [١٦٠١] وَعَنْهُ: أنَّهُ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إنَّ رسولَ الله ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً. متفق عَلَيْهِ. «الغَرَضُ» بفتحِ الغَين المعجمة والراءِ وَهُوَ الهَدَفُ وَالشَّيءُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ. فيه: أن تعذيب الحيوان من غير سبب شرعي من الكبائر. [١٦٠٢] وعن أنس ﵁ قَالَ: نهى رسُولُ الله ﷺ أن تُصْبَرَ البَهَائِمُ. متفق عَلَيْهِ. ومعناه: تُحْبَسُ لِلقَتْلِ. في هذا الحديث: تحريم صبر البهائم. قال العلقمي: هو أن يمسك الحي، ثم يرمي بشيء حتى يموت.

стр. 894

[١٦٠٣] وعن أَبي عليٍّ سويدِ بن مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلا وَاحِدَةٌ لَطَمَهَا أصْغَرُنَا فَأَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أنْ نُعْتِقَهَا. رواه مسلم. وفي روايةٍ: «سَابعَ إخْوَةٍ لِي» . حكمة الأمر بعتقها، ليكون كفارة لضربها. ففيه: غلظ تعذيب المملوك والاعتداء عليه. [١٦٠٤] وعن أَبي مسعودٍ البدْرِيِّ ﵁ قال: كُنْتُ أضْرِبُ غُلامَاً لِي بالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ» فَلَمْ أفْهَمِ الصَّوْتِ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رسولُ الله ﷺ فإذا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلامِ» . فَقُلتُ: لا أضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً. وَفِي روايةٍ: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ. وفي روايةٍ: فَقُلتُ: يَا رسولَ الله، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ: «أمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» . رواه مسلم بهذه الروايات. فيه: تحريم ضرب المملوك من غير موجب شرعي. [١٦٠٥] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامَاً لَهُ حَدّاً لَمْ يَأتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فإنَّ كَفَارَتَهُ أنْ يُعْتِقَهُ» . رواه مسلم.

стр. 895

قال القاضي عياض: أجمعوا على أن الإعتاق غير واجب، وإنما هو مندوب. وفي الحديث: الرفق بالمماليك إذا لم يذنبوا، أما إذا أذنبوا، فقد رخص ﷺ بتأديبهم بقدر إثمهم، ومتى زاد يؤخذ بقدر الزيادة. [١٦٠٦] وعن هِشام بن حكيمِ بن حِزَامٍ ﵄: أنَّه مَرَّ بالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ، وَقَدْ أُقيِمُوا في الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ! فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قيل: يُعَذَّبُونَ في الخَرَاجِ - وفي رواية: حُبِسُوا في الجِزْيَةِ - فَقَالَ هِشَامٌ: أشهدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيَا» . فَدَخَلَ عَلَى الأمِيرِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. رواه مسلم. «الأنباط» الفلاحون مِنَ العَجَمِ. فيه: تحريم تعذيب الناس حتى الكفار بغير موجب شرعي. [١٦٠٧] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: رأى رسولُ الله ﷺ حِمَاراً مَوْسُومَ الوَجْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «واللهِ لا أسِمُهُ إِلا أقْصَى شَيْءٍ مِنَ الوَجْهِ» وأمَرَ بِحِمَارِهِ فَكُوِيَ في جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ. رواه مسلم. «الجَاعِرَتَانِ» : نَاحِيَةُ الوَرِكَيْنِ حَوْلَ الدُّبُرِ. في هذا الحديث: تحريم الوسم في الوجه. [١٦٠٨] وعنه: أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» . رواه مسلم.

стр. 896

وفي رواية لمسلم أَيضاً: نهى رسول الله ﷺ عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ. في هذا الحديث: تحريم وسم الوجه، وضرب الوجه من البهائم والآدميين. ٢٨٣- باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حَتَّى النملة ونحوها [١٦٠٩] عن أَبي هريرةَ ﵁ قَالَ: بعثنا رسولُ الله ﷺ في بَعْثٍ فَقَالَ: «إنْ وَجَدْتُمْ فُلَاناً وَفُلاناً» لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا «فَأَحْرِقُوهُمَا بالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ حِيْنَ أرَدْنَا الخرُوجَ: «إنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلاناً وفُلاناً، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا الله، فإنْ وَجَدْتُمُوهُما ... فاقْتُلُوهُما» . رواه البخاري. قال البخاري: باب لا يعذب بعذاب الله. وذكر الحديث. وحديث عكرمة: أن عليَّا ﵁ حرّق قومًا. فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب ... الله» ، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» . قال الحافظ: واختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما. وقال المهلب: ليس هذا النهي فيه للتحريم، بل على سبيل التواضع. قال الحافظ: وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم. وفيه: كراهة قتل مثل البرغوت بالنار.

стр. 897

قوله: «لا تعذبوا بعذاب الله» . هذا أصرح في النهي من الذي قبله. انتهي ملخصًا. [١٦١٠] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ رسول الله ﷺ في سَفَرٍ، فانْطَلَقَ لحَاجَتِهِ، فَرَأيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَعْرِشُ فَجَاءَ النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا؟ ، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْها» . ورأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هذِهِ؟» قُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: «إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إِلا رَبُّ ... النَّارِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. قَوْله: «قَرْيَةُ نَمْلٍ» مَعْنَاهُ: مَوضْعُ النَّمْلِ مَعَ النَّمْلِ. قال أبو داود: باب في كراهية حرق العدو بالنار، وذكر الحديثين. قال الخطابي: هذا إنما يكره إذا كان الكافر أسيرًا قد ظفر به، وحصل في الكف. وقد أباح رسول الله ﷺ أن تضرم النار على الكفار في الحرب، وقال لأسامة: «اغز على أبنا صباحًا، وحرق» . ورخَّص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمى أهل الحصون بالنيران، إلا أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون، إلا أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار. وقال على حديث ابن مسعود: وفيه دلالة على أن تحريق بيوت الذنابير مكروه، وأما النمل فالعذر فيه أقل. وذلك أن ضرره قد يمكن أن يزال من غير إحراق وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ نبيًّا من الأنبياء نزل على قرية نمل، فقرصته نملة، فأمر بالنمل فأحرقت، فأوحي إليه ألا نملة واحدة» .

стр. 898

قال: والنمل على ضربين: أحدهما مؤذٍ ضَرَّار فَدَفْعُ عاديته جائز، والضرب الآخر: لا ضرر فيه وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله. ٢٨٤- باب تحريم مطل الغني بحقٍّ طلبه صاحبه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ ... [النساء (٥٨) ] . ذكر كثير من المفسرين: أنَّ هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حين أخذ منه النبي ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، وهي عامة في جميع الأمانة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال تَعَالَى: ﴿فَإن أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ﴾ ... [البقرة (٢٨٣) ] . أي: فإن أمن بعضكم من غير رهن، ولا إشهاد، فليؤد الذي اؤتمن أمانته مقابلة لائتمانه. والأمر بأداء الأمانة حكم عام يدخل فيه ما ذكر وغيره، كالودائع وغيرها. [١٦١١] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع» . متفق عَلَيْهِ. معنى «أُتبع» : أُحِيل. مليء: بالهمز وقد سهل، هو الغني. قال الحافظ: ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها، أنه لما دل على أن مطل الغني ظلم، عقبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل، واستدل به على اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه. انتهى ملخصًا.

стр. 899

قال في (الاختيارات) : والحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط والمختار الرجوع ومطالبته. ٢٨٥- باب كراهة عود الإنسان في هبة لَمْ يُسلِّمها إِلَى الموهوب لَهُ وفي هبة وهبها لولده وسلمها أَوْ لَمْ يسلمها وكراهة شرائه شَيْئاً تصدّق بِهِ من الَّذِي تصدق عَلَيْهِ أَوْ أخرجه عن زكاة أَوْ كفارة ونحوها وَلا بأس بشرائه من شخص آخر قَدْ انتقل إِلَيْهِ قوله: باب كراهية عود الإِنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له. قَيَّدَها بذلك لأنها بعد التسليم لا يحل الرجوع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي ولده. [١٦١٢] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: ... «الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ» . متفق عَلَيْهِ. وفي رواية: «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ في صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ فَيَأكُلُهُ» . وفي روايةٍ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ» . التشبيه بالكلب للاستقذار والتنفير، وهو ظاهر في تحريم الرجوع في الصدقة والهبة. وفي لفظ: «ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» , وهذا أبلغ في الزجر عن ذلك. قال ابن دقيق العيد: وقع التشديد في التشبيه من وجهين: أحدهما: تشبيه الراجع بالكلب. والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء.

стр. 900

[١٦١٣] وعن عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِندَهُ، فَأَرَدْتُ أن أشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النبي ﷺ فَقَالَ: «لا تَشْتَرِهِ وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئِهِ» . متفق عَلَيْهِ. قَوْله: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ الله» مَعنَاهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى بَعْضِ المُجَاهِدِينَ. سُمِّي الشراء عودًا في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك. ٢٨٦- باب تأكيد تحريم مال اليتيم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً﴾ [النساء (١٠) ] . روى ابن مردوديه عن أبي برزة مرفوعًا: «يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارًا» . قيل: يَا رسول الله، ومن هم؟ قال: «ألم تر أنَّ الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ » . وروي أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أُحَرِّجُ مال الضعيفين، المرأة واليتيم» .

стр. 901

وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلا بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [الأنعام (١٥٢) ] . أي: بطريقة هي أحسن الطرق، كحفظهِ وتثميره. وقال تَعَالَى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة (٢٢٠) ] . عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام (١٥٢) ] ، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء (١٠) ] ، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ... عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة (٢٢٠) ] ، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. [١٦١٤] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ!» قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلا بالحَقِّ، وأكلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» . متفق عَلَيْهِ. «المُوبِقَاتِ» : المُهْلِكات. قال النووي: هذا الحديث فيه: أن أكبر المعاصي الشرك بالله، وهو ظاهر لا خفاء فيه. وأن القتل بغير حق يليه. وما سواهما فلها تفاصيل وأحكام

стр. 902

تعرف مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المرتّبة عليها. ٢٨٧- باب تغليظ تحريم الربا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ - إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة (٢٧٥، ٢٧٨) ] . الربا: حرام بالكتاب والسنة والإِجماع. وهو أنواع، بعضها أشد من بعض، وهو من أكبر الكبائر، ومن استحله فهو كافر، مخلد في النار. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ، أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبته في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أنَّ المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم يأكل أموال الناس بالباطل. وذكر زيد بن أسلم وغيره: أنَّ هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الحاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام بكسب الإِسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة (٢٧٨، ٢٧٩) ] ، فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم.

стр. 903

قال ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة، مِنْهَا حديث أَبي هريرة السابق في الباب قبله. [١٦١٥] وعن ابن مسعود ﵁ قال: لَعَنَ رسول الله ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ. رواهُ مسلم. زاد الترمذي وغيره: وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ. في هذا الحديث: تغليظ شديد؛ لأنه إذا لعن الكاتب والشاهدان، مع أنه لا يصيبهما منه شيء، فلأن يلعن المباشر له من آخذٍ أو معط بالأولى. ٢٨٨- باب تحريم الرياء قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... حُنَفَاءَ﴾ . [البينة (٥) ] . أي: ما أُمروا إلا بإخلاص العبادة لله، موحدين حنفاء، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام، ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها، ويؤتوا الزكاة عند محلها، وذلك الذي أُمروا به. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة (٥) ] ، أي: الملة والشرعية المستقيمة. وقال تَعَالَى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة (٢٦٤) ] . أي: لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمَنِّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءي بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له. ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة (٢٦٤) ] ، يريد أنَّ الرياء يبطل الصدقة،

стр. 904

ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين. ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة (٢٦٤) ] . وفيه: إيماء إلى أنَّ الرياء من صفة الكفار، فعلى المؤمن أن يحذر منها. وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [النساء (١٤٢) ] . قال ابن كثير: يراؤون الناس: أي: لا إخلاص لهم، ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلَّفون كثيرًا عن الصلاة، التي لا يُرون فيها غالبًا، كصلاة العشاء، وصلاة الصبح. وقوله: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً﴾ [البقرة (١٤٢) ] ، أي: في صلاتهم لا يخشعون، ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. وروى الإِمام أحمد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس فيرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» . [١٦١٦] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . رواه مسلم. فيه: أن الرياء من الشرك، وهو يحبط ثواب العمل الذي قارنه.

стр. 905

[١٦١٧] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أَولَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ! وَقَرَأتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأعْطاهُ مِنْ أصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قال: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ» . رواه مسلم. «جَرِيءٌ» بفتح الجيم وكسر الراء والمد: أيْ شُجَاعٌ حَاذِقٌ. يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود (١٥، ١٦) ] .

стр. 906

[١٩١٨] وعن ابن عمر ﵄: أن نَاساً قَالُوا لَهُ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى سَلَاطِيننَا فَنَقُولُ لَهُمْ بِخِلَافِ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِندِْهِمْ؟ قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفاقاً عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ . رواه البخاري. قال البخاري: باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك. وذكر الحديث. وحديث أبي هريرة: «إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» . قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق. إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، ومدخلٌ للفساد بين الناس. [١٦١٩] وعن جُندب بن عبد اللهِ بن سفيان ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ يُرائِي يُرائي اللهُ بِهِ» . متفق عَلَيْهِ. ورواه مسلم أَيضاً من رواية ابن عباس ﵄. «سَمَّعَ» بتشديد الميم، ومعناه: أظهر عمله للناس رِياءً. «سَمَّعَ اللهُ بِهِ» أيْ: فَضَحَهُ يَومَ القِيَامَةِ. ومعنى: «مَنْ رَاءى» أيْ: مَنْ أظْهَرَ لِلنَّاسِ العَمَلَ الصَّالِحَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُمْ. «رَاءى اللهُ بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ. قال الحافظ: ولابن المبارك من حديث ابن مسعود: «من سمّع

стр. 907

سمَّع الله به، ومن رَاءى رَءاى الله به، ومن تطاول تعاظمًا خفضه الله، ومن تواضع تخشعًا رفعه الله» . وفي الحديث: استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل، مَنْ يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم. ومنه حديث: «لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» . قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم. قال: فمن كان إمامًا يستن بعمله، عالمًا بما لله عليه، قاهرًا لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله وما خفي، لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل. وعلى ذلك جرى عمل السلف. فمن الأول: حديث أنس قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقرأ ويرفع صوته بالذكر فقال: «إنه أواب» . قال: فإذا هو المقداد بن الأسود. أخرجه الطبري. ومن الثاني: حديث أبي هرير قال: قام رجل يصلي فجهر بالقراءة، فقال له النبي ﷺ : «لا تسمعْني وأسْمِع ربك» . أخرجه أحمد. [١٦٢٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ

стр. 908

عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» يَعْنِي: رِيحَهَا. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ والأحاديث في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ. فيه: وعيد شديد لمن تعلم العلم الشرعي لأجل الدنيا فقط. ٢٨٩- باب مَا يتوهم أنَّه رياء وليس هُوَ رياء [١٦٢١] وعن أَبي ذرٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرسولِ الله ﷺ : أرَأيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ مِنَ الخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ» . رواه مسلم. في هذا الحديث: أنّ مَنْ أخلص العمل لله تعالى أطلق الله الألسنة بالثناء عليه، وأنه من جملة أولياء الله . قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس (٦٢، ٦٤) ] . ٢٩٠- باب تحريم النظر إِلَى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ﴾ [النور (٣٠) ] . قال ابن كثير: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عمَّا حرَّم عليهم، فلا ينظروا إلا لما أباح لهم النظر إليه، وأنْ يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا. كما رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه من حديث جرير

стр. 909

بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أنْ أصرف بصري. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء (٣٦) ] . أي: يسأل المرء عن سمعه، وبصره، وفؤاده. وفي الحديث: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر منيِّي» . وقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر (١٩) ] . قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ : هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتَهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به، وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ودَّ أنْ لو اطلع على فرجها. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبكَ لَبِالمِرْصَادِ﴾ [الفجر (١٤) ] . قال ابن عباس: يعني بحيث يرى، ويسمع، ويبصر ما تقول، وتفعل، وتهجس به العباد. قال ابن كثير: يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلاً بعمله في الدنيا والأُخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلاً بما يستحقه،، وهو المنزَّه عن الظلم والجور.

стр. 910

[١٦٢٢] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْن آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ: العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِناهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، والقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» . متفق عَلَيْهِ. هَذَا لفظ مسلمٍ، ورواية البخاري مختصرَةٌ. قال ابن بطال: كل ما كتب الله على العبد وسبق في علمه القديم فلا يستطيع العبد من دفعه، إلا أنه يُلام إذا وقع فيما نهى الله عنه؛ لأن الله نهاه عن المحرمات، وأقدره على اجتنابها والتمسك بالطاعة، فلما وقع في المحرم الممنوع منه وقع في اللَّوْم. قوله: «العينان زناها النظر ... » إلخ. قال ابن بطال: أطلق على كل مما ذكر (زنًى) لكونه من دواعيه، وذلك كله من اللمم الذي تفضل الله بغفره إذا لم يكن للفرج تصديق بها، فإذا صدق الفرج كان ذلك كبيرة. [١٦٢٣] وعن أَبي سعيد الخُدريِّ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «إيّاكُمْ والجُلُوس فِي الطُّرُقَاتِ» ! قالوا: يَا رسولَ الله، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «فَإذَا أبَيْتُمْ إِلا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، والأمرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ» . متفق عَلَيْهِ.

стр. 911

[١٦٢٤] وعن أَبي طلحة زيد بن سهل ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً بالأفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَجَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ» فقُلْنَا: إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: «إمَّا لا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الكَلَامِ» . رواه مسلم. «الصُّعُدات» بضمِ الصاد والعين: أيْ الطُّرقَاتِ. في هذا الحديث: استحباب ترك الجلوس في الطريق، وأن من جلس فعليه القيام بما ذكر من غض البصر عما لا يحل نظره، وكف الأذى بفعل أو قول، وإذا رأى ما يعجبه فليقل: ما شاء الله. ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وورد في بعض الأحاديث زيادات على ذلك، وجمعها بعض العلماء في أبيات، فقال: جمعت آداب من رام الجلوس على الـ ... طريق من قول خير الخلق إنسانا أفشِ السلام، وأحسن في الكلام ... وشَمَِّت عاطسًا وسلامًا رُدَّ إحسانا في العمل عاون ومظلومًا أعنْ وأغث ... لهفانَ اهدِ سبيلاً واهد حيرانا بالعرف مر وانْه عن منكر وكف أذى ... وغضّ طرفًا وأكثر ذكر مولانا [١٦٢٥] وعن جرير ﵁ قَالَ: سألت رسول الله ﷺ عن نَظَرِ الفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» . رواه مسلم. الفجأة: البغتة من غير قصد إلى النظر. وروى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» .

стр. 912

[١٦٢٦] وعن أُم سَلَمَة ﵂، قالت: كنتُ عِنْدَ رسول الله ﷺ وعندهُ مَيْمُونَة، فَأقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، ألَيْسَ هُوَ أعْمَى! لا يُبْصِرُنَا، وَلا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أفَعَمْيَاوَانِ أنتُما أَلَسْتُمَا ... تُبْصِرَانِهِ» ؟! . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قال الشارح: فيه مبالغة في الستر لأمهات المؤمنين، لكريم مقامهن ﵅. أما غيرهن من النساء فلا يجب عليها الحجاب لحضور الأعمى، وإنما حرم عليها النظر إليه إذا كان أجنبيًّا منها، ونظرُ عائشة إلى لعب الحبشة في المسجد، لم يكن لأبدانهم إنما هو للعبهم وآلاتهم. [١٦٢٧] وعن أَبي سعيد ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضي المَرْأةُ إِلَى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ» . رواه مسلم. فيه: تحريم النظر إلى العورات، ولو مع اتحاد الجنس، وكذا المباشرة. ٢٩١- باب تحريم الخلوة بالأجنبية قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب (٥٣) ] . قال البغوي: أي من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر

стр. 913

إلى امرأة من نساء رسول الله ﷺ ، منتقبة أو غير منتقبة. انتهى. وأما غيرهن من النساء، فالحجاب في حقهن مستحب لا واجب. [١٦٢٨] وعن عقبة بن عامر ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أفَرَأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ!» . متفق عَلَيْهِ. «الحَمْو» : قَريبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ، وابْنِ أخِيهِ، وَابْنِ عَمِّهِ. قوله: «الحمو الموت» . قال النووي: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم ممن يحل لها تزويجه لو لم تكن متزوجة. وجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه. فشبّه بالموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره. والشر يتوقع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير نكير عليها، بخلاف الأجنبي. [١٦٢٩] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَخْلُونَّ أَحَدكُمْ بامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . متفق عَليْهِ. في رواية الطبراني والبيهقي: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا مع ذي محرم» . وأخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما» .

стр. 914

[١٦٣٠] وعن بُريدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِيْنَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضى» ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ ﷺ فَقال: «مَا ظَنُّكُمْ» ؟ . رواه مسلم. في هذا الحديث: غلظ إثم الخالف للمجاهد في أهله بالخيانة، وأنه يأخذ من حسناته ما شاء، وطبعُ الإِنسانِ الحرصُ، والظن أنه لا يترك من حسناته شيئًا. ٢٩٢- باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذَلِكَ [١٦٣١] عن ابن عباس ﵄، قَالَ: لَعَنَ رسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ. وفي رواية: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ. رواه البخاري. المخنثين: بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة اسم المفعول من يشبه خلقه النساء في حركاته وكلماته وإنْ كان ذلك خلقيًّا فلا لوم عليه، وعليه تكلف إزالته، فإن تمادى عليه ولم يتكلف إزالته ذم. وإنْ كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم. قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال، وإنْ لم تعرض منه الفاحشة، مأخوذ من التكسر في المشي ونحوه. قوله: «المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» .

стр. 915

قال الحافظ: قال القرطبي: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في لبس وزينة مختصات بهن، ولا العكس. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبيه في كل شيء، لكن عرف من أدلة أخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما، إلا التشبه في أمور الخير. واللعن: يدل على أنَّ ما ذكر من الكبائر. والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، كما أشار إليه ﷺ في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات خلق الله» . انتهى ملخصًا. [١٦٣٢] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، والمَرْأَةَ تَلْبِسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. فيه: وعيد شديد لمن لبس لباس المرأة تشبهًا بها، وكذا عكسه. [١٦٣٣] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «صِنْفَانِ مِنْ أهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا ... وَكذَا» . رواه مسلم. معنى «كَاسِيَاتٌ» أيْ: مِنْ نِعْمَةِ اللهِ «عَارِيَاتٌ» مِنْ شُكْرِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ إظْهاراً لِجَمَالِهَا وَنَحْوِهِ.
следующие страницы →