Полный текст (1 091 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
[١٦٢٤] وعن أَبي طلحة زيد بن سهل ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً بالأفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَجَاءَ رسولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ» فقُلْنَا: إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: «إمَّا لا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الكَلَامِ» . رواه مسلم.
«الصُّعُدات» بضمِ الصاد والعين: أيْ الطُّرقَاتِ.
في هذا الحديث: استحباب ترك الجلوس في الطريق، وأن من جلس فعليه القيام بما ذكر من غض البصر عما لا يحل نظره، وكف الأذى بفعل أو قول، وإذا رأى ما يعجبه فليقل: ما شاء الله. ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وورد في بعض الأحاديث زيادات على ذلك، وجمعها بعض العلماء في أبيات، فقال:
جمعت آداب من رام الجلوس على الـ ... طريق من قول خير الخلق إنسانا
أفشِ السلام، وأحسن في الكلام ... وشَمَِّت عاطسًا وسلامًا رُدَّ إحسانا
في العمل عاون ومظلومًا أعنْ وأغث ... لهفانَ اهدِ سبيلاً واهد حيرانا
بالعرف مر وانْه عن منكر وكف أذى ... وغضّ طرفًا وأكثر ذكر مولانا
[١٦٢٥] وعن جرير ﵁ قَالَ: سألت رسول الله ﷺ عن نَظَرِ الفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» . رواه مسلم.
الفجأة: البغتة من غير قصد إلى النظر.
وروى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» .
стр. 912
[١٦٢٦] وعن أُم سَلَمَة ﵂، قالت: كنتُ عِنْدَ رسول الله ﷺ وعندهُ مَيْمُونَة، فَأقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، ألَيْسَ هُوَ أعْمَى! لا يُبْصِرُنَا، وَلا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أفَعَمْيَاوَانِ أنتُما أَلَسْتُمَا ... تُبْصِرَانِهِ» ؟! . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال الشارح: فيه مبالغة في الستر لأمهات المؤمنين، لكريم مقامهن ﵅. أما غيرهن من النساء فلا يجب عليها الحجاب لحضور الأعمى، وإنما حرم عليها النظر إليه إذا كان أجنبيًّا منها، ونظرُ عائشة إلى لعب الحبشة في المسجد، لم يكن لأبدانهم إنما هو للعبهم وآلاتهم.
[١٦٢٧] وعن أَبي سعيد ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضي المَرْأةُ إِلَى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ» . رواه مسلم.
فيه: تحريم النظر إلى العورات، ولو مع اتحاد الجنس، وكذا المباشرة.
٢٩١- باب تحريم الخلوة بالأجنبية
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب (٥٣) ] .
قال البغوي: أي من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر
стр. 913
إلى امرأة من نساء رسول الله ﷺ ، منتقبة أو غير منتقبة. انتهى.
وأما غيرهن من النساء، فالحجاب في حقهن مستحب لا واجب.
[١٦٢٨] وعن عقبة بن عامر ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أفَرَأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ!» . متفق عَلَيْهِ.
«الحَمْو» : قَريبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ، وابْنِ أخِيهِ، وَابْنِ عَمِّهِ.
قوله: «الحمو الموت» . قال النووي: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم ممن يحل لها تزويجه لو لم تكن متزوجة.
وجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه. فشبّه بالموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره. والشر يتوقع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير نكير عليها، بخلاف الأجنبي.
[١٦٢٩] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَخْلُونَّ أَحَدكُمْ بامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . متفق عَليْهِ.
في رواية الطبراني والبيهقي: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا مع ذي محرم» . وأخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما» .
стр. 914
[١٦٣٠] وعن بُريدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِيْنَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضى» ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ ﷺ فَقال: «مَا ظَنُّكُمْ» ؟ . رواه مسلم.
في هذا الحديث: غلظ إثم الخالف للمجاهد في أهله بالخيانة، وأنه يأخذ من حسناته ما شاء، وطبعُ الإِنسانِ الحرصُ، والظن أنه لا يترك من حسناته شيئًا.
٢٩٢- باب تحريم تشبه الرجال بالنساء
وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذَلِكَ
[١٦٣١] عن ابن عباس ﵄، قَالَ: لَعَنَ رسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.
وفي رواية: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ. رواه البخاري.
المخنثين: بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة اسم المفعول من يشبه خلقه النساء في حركاته وكلماته وإنْ كان ذلك خلقيًّا فلا لوم عليه، وعليه تكلف إزالته، فإن تمادى عليه ولم يتكلف إزالته ذم. وإنْ كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم.
قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال، وإنْ لم تعرض منه الفاحشة، مأخوذ من التكسر في المشي ونحوه.
قوله: «المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» .
стр. 915
قال الحافظ: قال القرطبي: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في لبس وزينة مختصات بهن، ولا العكس. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبيه في كل شيء، لكن عرف من أدلة أخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما، إلا التشبه في أمور الخير.
واللعن: يدل على أنَّ ما ذكر من الكبائر.
والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، كما أشار إليه ﷺ في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات خلق الله» . انتهى ملخصًا.
[١٦٣٢] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، والمَرْأَةَ تَلْبِسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
فيه: وعيد شديد لمن لبس لباس المرأة تشبهًا بها، وكذا عكسه.
[١٦٣٣] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «صِنْفَانِ مِنْ أهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا ... وَكذَا» . رواه مسلم.
معنى «كَاسِيَاتٌ» أيْ: مِنْ نِعْمَةِ اللهِ «عَارِيَاتٌ» مِنْ شُكْرِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ إظْهاراً لِجَمَالِهَا وَنَحْوِهِ.
стр. 916
وَقِيلَ: تَلْبَسُ ثَوباً رَقِيقاً يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا. وَمَعْنَى «مائِلَاتٌ» ، قِيلَ: عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ حِفْظُهُ «مميلَاتٌ» أيْ: يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ فِعْلَهُنَّ المَذْمُومَ. وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتٍ، مُمِيلَاتٌ لأَكْتَافِهِنَّ، وقيلَ: مائلاتٌ يَمْتَشطنَ المِشْطَةَ المَيلاءَ: وهي مِشطةُ البَغَايا، و «مُميلاتٌ» يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ المِشْطَةَ. «رُؤوسُهُنَّ كَأسْنِمَةِ البُخْتِ» أيْ: يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَةٍ أَوْ عِصَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
قوله: «قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس» ، أي: يضربونهم ظلمًا.
«ونساء كاسيات عاريات» ، أي: يسترن بعض أبدانهن ويكشفن بعضها.
«مائلات مميلات» ، أي: تشبهًا بالمختال من الرجال.
قال النووي: وهذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان في هذا الزمان.
وقال القاضي عياض: «مائلات مميلات» ، أي: مائلات إلى الرجال مميلات بما يبدينه من زينتهن وغيرها.
٢٩٣- باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار
[١٦٣٤] عن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَأكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بِالشِّمَالِ» . رواه مسلم.
стр. 917
في هذا الحديث: النهي عن الأكل بالشمال.
وفيه: التصريح بأن الشيطان يأكل.
[١٦٣٥] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا يَأكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» . رواه مسلم.
وفيه: النهي عن التشبه بالشيطان، فإنه لاستقذاره وخساسته يستعمل الخسيس في النفيس.
[١٦٣٦] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارى لا يَصْبغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» . متفق عَلَيْهِ.
المُرَادُ: خِضَابُ شَعْرِ اللَّحْيَةِ والرَّأسِ الأبْيَضِ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ؛ وأمَّا السَّوَادُ، فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ في البَابِ بَعْدَهُ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فيه: استحباب صبغ الشعر، وكان النبي ﷺ يصبغ شعره بالحناء والكتم.
٢٩٤- باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد
[١٦٣٧] عن جابر ﵁ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ والِدِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» . رواه مسلم.
стр. 918
في هذا الحديث: الأمر بتغير الشيب بالصبغ واجتناب السواد.
وقال البخاري: باب الخضاب. وذكر حديث أبي هريرة.
قال الحافظ: الخضاب: تغيير لون مشيب الرأس واللحية. ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيضٌ لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار، حمَّروا وصفَّروا، وخالفوا أهل الكتاب» .
إلى أن قال: «والأولى كراهة الصبغ بالسواد» .
ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل. انتهى. يعني إذا لم تدلس به.
٢٩٥- باب النهي عن القَزَع
وَهُوَ حلق بعض الرأس دون بعض
وإباحة حَلْقِهِ كُلّهِ للرجل دون المرأة
[١٦٣٨] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: نهَى رسول الله ﷺ عن القَزَعِ. متفق عَلَيْهِ.
[١٦٣٩] وعنه قَالَ: رأَى رسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيّاً قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِ رَأسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وقال: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ ... كُلَّهُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم.
قال النووي: وقد أجمع العلماء على كراهة القزع، إلا أنْ يكون لمداواة ونحوها.
стр. 919
قال الحافظ: واختلف في علة النهي، فقيل: لكونه يشوه الخلقة. وقيل لأنه زي الشيطان. وقيل: لأنه زي اليهود. وقد جاء هذا في رواية لأبي داود.
[١٦٤٠] وعن عبد الله بن جعفر ﵄: أنَّ النبي ﷺ أمْهَلَ آلَ جَعْفَر ثَلَاثاً ثُمَّ أتَاهُمْ فَقَالَ: «لا تَبْكُوا عَلَى أخِي بَعْدَ اليَوْمِ» ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي» فَجِيءَ بِنَا كَأنَّا أفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الحَلاقَ» فَأمرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح عَلَى شرط البخاري ومسلم.
في هذا الحديث: إباحة حلق رؤوس الصبيان.
[١٦٤١] وعن عليٍّ ﵁ قَالَ: نَهَى رسُولُ اللهِ ﷺ أنْ تَحْلِقَ المَرْأةُ رَأسَهَا. رواه النسائي.
في هذا الحديث: النهي عن حلق شعر رأس المرأة ما لم تدع إليه حاجة.
٢٩٦- باب تحريم وصل الشعر والوشم
والوشر وهو تحديد الأسنان
قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ الآية [النساء (١١٧، ١١٩) ] .
قال قتادة: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ ، يعني: تشقيقها، وجعله سِمَةً وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة.
стр. 920
وقال عكرمة: فليغيرن خلق الله بالخصاء، والوشم، وقطع الآذان، حتى حرم بعضهم الخصاء، وجوزه بعضهم في البهائم؛ لأنَّ فيه غرضًا ظاهرًا.
وقال ابن عباس: خَلْقُ الله: دين الله.
وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحَرَّمَت عليهم ما أحللت لهم» . رواه مسلم.
[١٦٤٢] وعن أسماءَ ﵂: أنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابْنَتِي أصَابَتْهَا الحَصْبَةُ، فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا، وإنّي زَوَّجْتُهَا، أفَأَصِلُ فِيهِ؟ فقالَ: «لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمَوْصُولَةَ» . متفق عليه.
وفي روايةٍ: «الوَاصِلَةَ، والمُسْتوْصِلَةَ» .
قَوْلُهَا: «فَتَمَرَّقَ» هو بالراءِ ومعناهُ: انْتَثَرَ وَسَقَطَ. «وَالوَاصِلَةُ» : التي تَصِلُ شَعْرَهَا، أو شَعْرَ غَيْرِهَا بِشَعْرٍ آخَرَ. «وَالمَوْصُولَةُ» : التي يُوصَلُ شَعْرُهَا.
«والمُسْتَوْصِلَةُ» : التي تَسْألُ مَنْ يَفْعَلُ ذلك لها.
وعن عائشة ﵂ نَحوهُ. متفق عليه.
في هذا الحديث: أنَّ وصل الشعر من الكبائر.
[١٦٤٣] وعن حُميدِ بنِ عبد الرحْمنِ: أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ ﵁ عامَ حَجَّ على المِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ في يَدِ حَرَسِيٍّ فَقَالَ: يَا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟! سَمِعتُ النبي ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ
стр. 921
هذِهِ، ويقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حينَ اتَّخَذَ هَذِه نِسَاؤُهُمْ» . متفق عليه.
في هذا الحديث: اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن يتوجه عليه.
وفيه: حسن التحذير، فإن السعيد من وعظ بغيره.
وفيه: معاقبة العامة بظهور المنكر.
[١٦٤٤] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَعَنَ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ. متفق عليه.
فيه: أن الوشم من الكبائر، والرجل في ذلك كالمرأة.
[١٦٤٥] وعن ابن مسعود ﵁ قال: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ في ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا لِي لا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر (٧) ] . متفق عليه.
المُتَفَلِّجَةُ هيَ: الَّتي تَبْرُدُ مِنْ أسْنَانِهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا منْ بَعْضٍ قَلِيلاً، وتُحَسِّنُهَا وَهُوَ الوَشْرُ.
وَالنَّامِصَةُ: [هِيَ] الَّتي تَأخُذُ مِنْ شَعْرِ حَاجِبِ غَيْرِهَا، وتُرَقِّقُهُ لِيَصِيرَ حَسَناً. وَالمُتَنَمِّصَةُ: الَّتي تَأمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ.
فيه: أنَّ هذه المذكورات من الكبائر.
стр. 922
قال النووي: هذا الفعل حرام على الفاعلة وعلى المفعول بها، لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله، ومحله إن فعلته للحُسْن. أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب فلا بأس.
قال البخاري في كتاب اللباس: باب وصل الشعر. وذكر حديث معاوية، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء، وابن عمر.
قال الحافظ: قوله: وتناول قُصَّة من شعر. القُصَّة: الخصلة من الشعر.
وفي رواية قتادة عند مسلم: نهى عن الزور. قال قتادة: يعني ما تكثر به النساء أشعارهن من الخِرَق.
وهذا الحديث حجة للجمهور، ويؤيده حديث جابر: زجر رسول الله ﷺ أن تصل المرأة بشعرها شيئًا آخر. أخرجه مسلم.
وذهب الليث، ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء: أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها، فلا يدخل في النهي.
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل. وبه قال أحمد. انتهى ملخصًا.
٢٩٧- باب النهي عن نتف الشيب من اللحية
والرأس وغيرهما، وعن نتف الأمرد شعر لحيته عند أول طلوعه
[١٦٤٦] عن عمرو بن شعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ يَوْمَ القِيَامَةِ»
стр. 923
حديث حسن، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد حسنة، قال الترمذي: ... (هو حديث حسن) .
فيه: النهي عن نتف الشيب. وعند أحمد: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور الإسلام ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام، إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .
[١٦٤٧] وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ علَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . رواه مسلم.
قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أنْ يعتنى بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك.
٢٩٨- باب كراهية الاستنجاء باليمين
ومس الفرج باليمين عند الاستنجاء من غير عذر
[١٦٤٨] وعن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَأخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ» . متفق عليه.
وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة.
فيه: النهي عن إمساك الذكر باليمين عند البول. وعن إزالة الأذي باليمين.
وفيه: النهي عن التنفس في الإناء، أي: داخله؛ لأن التنفس فيه مستقذر، وربما أفسد على غيره. وأما إذا أبانَ الإِناء، وتنفس خارجه فهو السنة.
стр. 924
وعن عائشة ﵂ قالت: كانت يد النبي ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى. رواه أبو داود.
٢٩٩- باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد
لغير عذر وكراهة لبس النعل والخف قائماً لغير عذر
[١٦٤٩] عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: «لا يَمشِ أحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعاً، أو لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً» .
وفي رواية: «أو لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً» . متفق عليه.
فيه: النهي عن المشي في النعل الواحدة؛ لما فيه من التشويه والمثلة، ومخالفة الوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى، فيعسر مشيه وربما كان سببًا لعثاره.
[١٦٥٠] وعنه قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكمْ، فَلا يَمْشِ في الأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» . رواهُ مسلم.
الشِسْعُ: أحد السيور الذي في صدر النعل المشدودة في الزمام.
والزمام: هو السير الذي يعقد فيه الشِّسْع.
[١٦٥١] وعن جابر ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِماً. رواه أبو داود بإسناد حسن.
هذا الحديث: محمول على ما إذا احتاج في الانتعال إلى الاستعانة باليد في إدخال سيورها في الرِّجل، لئلا يصير حينئذٍ على هيئة قبيحة، أما إذا لم يحتج
стр. 925
فيه إلى الاستعانة بها، فلا كراهة في ذلك.
٣٠٠- باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم
ونحوه سواء كانت في سراج أو غيره
[١٦٥٢] عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» . متفق عليه.
فيه: النهي عن ترك النار في البيت عند النوم، لئلا يشتعل البيت على صاحبه.
[١٦٥٣] وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: احْتَرَقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ عَلَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَأنِهِم، قالَ: «إنَّ هذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإذا نِمْتُمْ، فَأطْفِئُوهَا» متفق عليه.
فيه: حكمة النهي وهي خشية الاحتراق
قوله: «إنَّ هذه النار عدو لكم» .
في رواية البخاري: «إن هذه النار إنما هي عدو لكم» .
قال الحافظ: هكذا أورده بصيغة الحصر مبالغة في تأكيد ذلك.
قال ابن العربي: معنى كون النار عدوَّا لنا، أنها تنافي أبداننا وأموالنا منافاة العدو، وإن كانت لنا بها منفعة، لكن لا يحصل لنا منها إلا بواسطة، فأطلق أنها عدو لنا، لوجود معنى العداوة فيها. والله أعلم.
[١٦٥٤] وعن جابر ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «غَطُّوا الإنَاءَ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ. وَأطْفِئُوا السِّرَاجَ، فإنَّ
стр. 926
الشَّيْطَانَ لا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلا يَفْتَحُ بَاباً، وَلا يَكْشِفُ إنَاءً. فإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلا أنْ يَعْرُضَ عَلَى إنَائِهِ عُوداً، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَل، فإنَّ الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أهْلِ البَيْتِ بَيْتَهُمْ» . رواه مسلم.
«الفُويْسِقَةُ» : الفَأرَةُ، «وَتُضْرِمُ» : تُحْرِقُ.
في رواية البخاري: «خمروا الآنية، وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، فإن الفويسقة ربما جرَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» .
قال القرطبي: في هذه الأحاديث أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه أنْ يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يؤمن به الاحتراق.
وكذا إن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم، وأحقهم بذلك آخرهم نومًا، فمن فرّط في ذلك كان للسنَّة مخالفًا، ولأدائها تاركًا.
ثم أورد حديث ابن عباس، قال: جاءت فأرة فَجَرَّت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال النبي ﷺ : «إذا نمتم فأطفئوا سراجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم» .
وقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جرِّ الفويسقة الفتيلة، فمقتضاه أنَّ السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا يمنع إيقاده. وأما ورود الأمر بإطفاء النار مطلقًا فقد يتطرق منها مفسدة أخرى غير جرِّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج إلى شيء من المتاع فيحرقه، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك، فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإِحراق فيزول الحكم بزوال علته. انتهى ملخصًا.
وفي الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية، حراسة الأنفس
стр. 927
والأموال، من أهل العبث والفساد، ولاسيما الشياطين.
وفيه: أن ذكر اسم الله تعالى يطرد الشيطان، كما ورد في الرواية الأخرى: «خَمِّر إناءك واذكر اسم الله، وأغلق بابك واذكر اسم الله» .
٣٠١- باب النهي عن التكلف
وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص (٨٦) ] .
يقول تعالى لنبيّه ﷺ : قُلْ يَا محمد لهؤلاء المشركين ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على هذا البلاغ، وهذا النصح أجرًا تعطونيه من أموالكم.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ، أي: ما أزيد على ما أرسلني الله به، ... ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام (١٩) ] .
[١٦٥٥] وعن عمر ﵁ قال: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ. رواه البخاري.
التكلف: كل فعل أو قول لا مصلحة فيه، وهو مضر بالعقل أو البدن، أو الدِّين.
[١٦٥٦] وعن مسروقٍ، قال: دَخَلْنَا على عبدِ اللهِ بْنِ مَسعُودٍ ﵁ فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللهُ أعْلَمُ، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ: اللهُ أعْلَمُ. قالَ
стр. 928
اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص (٨٦) ] . رواه البخاري.
قال الحافظ: وقوله: «إن من العلم أنْ يقول لما لا يعلم: الله أعلم» ، أي: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن القول فيما لا يعلم، قسم من التكلف.
٣٠٢- باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب
ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
[١٦٥٧] عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» .
وَفِي روايةٍ: «مَا نِيحَ عَلَيْهِ» . متفق عليه.
فيه: أن الميت يعذب بنياحة أهله عليه، إذا كان النوح من عادتهم، ولا أوصاهم بتركه.
[١٦٥٨] وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» . متفق عليه.
في هذا الحديث: وعيد شديد لمن فعل ما ذكر.
والمراد بدعوى الجاهلية: ما يقولونه عند موت الميت، كقولهم: واجبلاهُ، واسنداهْ واسيداه، والدعاء بالويل والثبور.
قال الحافظ: وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره. وكأن
стр. 929
السبب في ذلك مَا تَضَمَّنَهُ من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين.
[١٦٥٩] وَعَنْ أبي بُرْدَةَ قال: وَجعَ أبو مُوسَى، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أهْلِهِ، فَأَقْبَلَتْ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: أنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رسُولُ اللهِ ﷺ إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقَةِ، والحَالِقَةِ، والشَّاقَّةِ. متفق عليه.
«الصَّالِقَةُ» : الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنِّيَاحَةِ والنَّدْبِ. «وَالحَالِقَةُ» : الَّتِي تَحْلِقُ رَأسَهَا عِنْدَ المُصِيبَةِ. «وَالشَّاقَّةُ» : الَّتي تَشُقُّ ثَوْبَهَا.
قال الحافظ: الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء.
وفي الحديث: دليل على تحريم هذه الأفعال.
[١٦٦٠] وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ» . متفق عليه.
قال البخاري: باب قول النبي ﷺ : «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» .
إذا كان النوح من سنته، لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم (٦) ] . وقال النبي ﷺ : «كلكم راع ومسؤول عن رعيته» . فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ [الأنعام (١٦٤) ] .
وهو كقوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذنوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر (١٨) ] ، وما يرخص من البكاء في غير نَوْح. وقال النبي ﷺ : «لا تقتل نفس ظلمًا
стр. 930
إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل» .
[١٦٦١] وعن أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ - بِضَمِّ النون وفتحها ﵂، قالت: أخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَ البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ. متفق عليه.
قال البخاري: باب ما ينهى من النوح والبكاء، والزجر عن ذلك. وذكر حديث عائشة في قصة قتل جعفر. وحديث أم عطية ولفظه: أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة.
قال الحافظ: قوله: باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، قال ابن المنير: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث، بقوله: «فاحثُ في أفواههن التراب» .
قال الحافظ: وفي حديث أم عطية مصداق ما وصفه النبي ﷺ بأنهن ناقصات عقل ودين.
[١٦٦٢] وعن النعمان بن بشير ﵄، قال: أُغْمِيَ عَلَى عَبدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاجَبَلاهُ، ... وَاكَذَا، وَاكَذَا: تُعَدِّدُ عَلَيْهِ. فقالَ حِينَ أفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئاً إلا قِيلَ لِي أنْتَ كَذَلِكَ؟! . رواه البخاري.
فيه: بيان صورة تعذيب من لم يرض بالنوح، بل يقال له ذلك على سبيل التقريع والتوبيخ.
стр. 931
[١٦٦٣] وعن ابن عمر ﵄، قال: اشْتَكَى سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ شَكْوَى، فَأتاهُ رسُولُ الله ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوفٍ، وَسَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ، وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ ﵃. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَجَدَهُ في غَشْيَةٍ فَقالَ: «أقَضَى؟» قالوا: لا يا رسول اللهِ، فَبكَى رسولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبيِّ ﷺ بَكَوْا، قال: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهذَا» - وَأشَارَ إلَى لِسَانِهِ - أو يَرْحَمُ» . متفق عليه.
فيه: أنَّ البكاء والحزن الخاليين عن التضجر والتبرم بالقدر لا عقاب فيهما، وأنَّ العقاب والثواب يتعلق باللسان.
[١٦٦٤] وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ... «النَّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . رواه مسلم.
فيه: وعيد شديد للنائحة، وأنَّ النوح من كبائر الذنوب.
[١٦٦٥] وعن أَسِيد بن أبي أَسِيدٍ التابِعِيِّ، عن امْرَأةٍ مِنَ المُبَايِعاتِ، قالت: كان فِيما أخَذَ عَلَيْنَا رسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَعْرُوفِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْنَا أنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ: أنْ لا نَخْمِشَ وَجْهَاً، وَلا نَدْعُوَ وَيْلاً، وَلا نَشُقَّ جَيْباً، وأنْ لا نَنْثُرَ شَعْراً. رواه أبو داود بإسناد حسن.
قولها: ولا ندع ويلاً، أي: كأنْ تقول: يا ويلاه.
стр. 932
[١٦٦٦] وعن أبي موسى ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، واسَيِّدَاهُ، أو نَحْوَ ذلِكَ إلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أهكَذَا كُنْتَ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«اللَّهْزُ» : الدَّفْعُ بِجُمْعِ اليَدِ فِي الصَّدْرِ.
قوله: أهكذا كنت. يقولان له ذلك تقريعًا وتوبيخًا.
[١٦٦٧] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» . رواه مسلم.
فيه: تغليظ تحريم النياحة، والطعن في النسب الثابت شرعًا.
٣٠٣- باب النَّهي عن إتيان الكُهّان
والمنجِّمين والعُرَّاف وأصحاب الرمل
والطوارق بالحصى وبالشعير ونحو ذلك
[١٦٦٨] عن عائشة ﵂، قالت: سأل رسُولَ اللهِ ﷺ أنَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيءٍ» فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أحْيَاناً بِشَيءٍ، فَيَكُونُ حَقّاً؟ فقالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مئَةَ كَذْبَةٍ» . متفق عليه.
وفي رواية للبخاري عن عائشة ﵂: أنَّها سمعتْ
стр. 933
رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ، فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْع، فَيَسْمَعُهُ، فَيُوحِيَهُ إلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» .
قَولُهُ: «فَيَقُرُّهَا» هو بفتح الياء وضم القاف والراء، أي: يُلْقِيها، «والعَنانِ» بفتح العين.
الكاهن: من يخبر عن المغيبات، والتنجيم: نوع من الكهانة. والعرافة: نوع من التنجيم، وأصحاب الرمل والطوارق من الكهان، وقد كذبهم الشرع، ونهى عن تصديقهم وإتيانهم.
قال الخطابي: هؤلاء الكهان فيما عُلم بشهادة الامتحان قومٌ لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات.
قوله: «فقال: ليس بشيء» ، أي: ليس قولهم بشيء يعتمد عليه.
قال الحافظ: قوله: «فَيقرَّها» بفتح أوله وثانيه وتشديد الراء، أي: يصبها.
وفي رواية: «فيقرقرها» ، أي: يرددها.
وفي الحديث: بقاء استراق الشياطين السمع، لكنه قل وندر حتى كاد يضمحل بالنسبة لما كانوا فيه من الجاهلية.
وفيه: النهي عن إتيان الكهان.
قال القرطبي: يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره، أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكر، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال لما فيه في إتيانهم من المحذور.
стр. 934
[١٦٦٩] وعن صَفِيَّةَ بِنتِ أبي عُبيدٍ، عن بعض أزواجِ النبي ﷺ ورَضِيَ اللهُ عنها، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أرْبَعِينَ يَوماً» . رواه مسلم.
العرَّاف: من جملة أنواع الكُهَّان.
قال الخطابي وغيره: العرَّاف: الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة. ونحوهما.
قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» . قال الشارح: لأنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الَفرْضِ عنه.
[١٦٧٠] وعَنْ قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ ﵁ قال: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: «العِيَافَةُ، وَالطِّيَرَةُ، والطَّرْقُ، مِنَ الجِبْتِ» . رواه أبو داود بإسناد حسن.
وقال: «الطَّرْقُ» هُوَ الزَّجْرُ: أيْ زَجْرُ الطَّيْرِ وَهُوَ أنْ يَتَيَمَّنَ أو يَتَشَاءمَ بِطَيَرَانِهِ، فإنْ طَارَ إلَى جِهَةِ اليَمِين، تَيَمَّنَ، وإنْ طَارَ إلَى جِهَةِ اليَسَارِ، تَشَاءمَ. قال أبو داود: «والعِيَافَةُ» : الخَطُّ.
قالَ الجَوْهَريُّ في الصِّحَاحِ: الجِبْتُ كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الصَّنَمِ وَالكاهِنِ والسَّاحِرِ وَنَحْوِ ذلِكَ.
قوله: «من الجبت» . قال الشارح: أي: من الكفر، إن استحل ذلك أو من السحر والكهانة وقد حذّر منها.
стр. 935
[١٦٧١] وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُوم، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ ما زَادَ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قوله: «من اقتبس علمًا من النجوم» .
قال الشارح: أي: ما ينشأ من الحوادث عن سيرها، أمّا علمُ الوقت والقبلة فليسا مرادين هنا.
قوله: «فقد اقتبس شعبة» ، أي: قطعة من السحر، أي: وهو من باب الكبائر، وقد يكون كفرًا. «زاد» : أي: من السحر. «ما زاد» : أي: من علوم النجوم.
قال الخطابِّي: علم النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغيير السعر، وما في معناها مما يزعمون إدراكه من الكواكب في مجاريها وافتراقها، ويدعون أنَّ لها تأثيرًا في السلفيات، وأنها تجري على ذلك، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله تعالى به، لا يعلم الغيب سواه.
وأما علم النجوم الذي يدرك بالمشاهدة والخبر، كالذي يعرف به الزوال، ويعلم به جهة القبلة، فغير داخل فيما نهي عنه؛ لأن مدار ذلك على ما يشاهد من الظل في الأول، والكواكب في الثاني. انتهى ملخصًا.
[١٦٧٢] وعن مُعاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ ﵁ قال: قلتُ: يا رسُولَ اللهِ إنِّي حديثُ عَهْدٍ بالجاهِليَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بالإسْلَامِ، وإنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأتُونَ الكُهَّانَ؟ قال: «فَلا تأتِهِمْ»
стр. 936
قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدُّهُمْ» قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ؟ قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» . رواه مسلم.
فيه: تحريم المجيء إلى الكهان.
قوله: ومنا رجال يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم» .
قال الشارح: أي أمر خلقي بحسب الطبع، لا يكلفون برفعه، إنما يكلفون أن لا يعملوا بقضيته، كما قال: فلا يصدهم، أي لا يعيقهم ذلك عما خرجوا له، فإن الفاعل هو الله ، ولا أثر لغيره في شيء ألبتة.
قوله: ومنا رجال يخطّون؟ قال: «كان نبِيٌّ من الأنبياء يخط فمن وافق خطة فذاك» .
قال في النهاية: قال ابن عباس: الخط: هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك. وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى الأرض رخوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَيْ عيان أسرعا البيان، فإن بقي خطان فهما علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.
وقال الحربي: الخط: هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة.
قلت: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسام. وعمل كثير، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرًا ما يصيبون فيه. انتهى كلام النهاية.
وقال الخطابي: الكهانة على أصناف، منها ما يتلقونه من الجن، إلى أنْ
стр. 937
قال: ثالثها: ما يستند إلى ظن، وتخمين، وحدث، فهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة، مع كثرة الكذب فيه. رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك.
ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعْتضد بعضهم في ذلك بالزجر، والطرق، والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا.
وقال الخطابي أيضًا: وأما قوله: «فمن وافق خطه فذاك» . فقد يحتمل أنْ يكون معناه الزجر عنه إذا كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب؛ لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، فليس لمن بعده أنْ يتعاطاه طمعًا في نيله. والله أعلم.
[١٦٧٣] وعن أَبي مَسعودٍ البدريِّ ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكاهِنِ. متفق عَلَيْهِ.
قوله: «نهى عن ثمن الكلب» . قال الحافظ: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب؛ معلمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازمِ ذلك أنْ لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور. انتهى.
وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. لما روى النسائي عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد.
قوله: «ومهر البغي» : هو ما تُعْطاه على الزنى، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، وهو حرام؛ لأنه في مقابلة حرام.
قوله: «وحلوان الكاهن» : وهو ما يعطاه على كهانته.
стр. 938
قال الحافظ: هو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل. وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصا، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب.
والكهانة: ادّعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجني السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أُذن الكاهن.
والكاهن: لفظ يطلق على العرّاف، والذي يضرب بالحصا، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه.
وقال الخطابيِّ: الكهنة: قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فأَلِفَتْهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه.
٣٠٤- باب النهي عن التَّطَيُّرِ
فِيهِ الأحاديث السابقة في الباب قبله.
الطَّيَرَة: هي التشاؤم بالشَّيْء.
قال الحافظ: وأصل التطيُّر أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمَّن به، واستمر. وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه: السانح والبارح. فالسانح: ما ولاك ميامنه. والبارح: بالعكس. وكانوا يتيمَّنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنَّه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه.
وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو
стр. 939
تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذْ لا نطق للطير ولا تميز. وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر الطير ويتمدح بتركه.
قال شاعر منهم:
?? ... الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقْفال
وقال آخر:
?? ... لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وكان أكثرهم يتطيَّرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: «لا طيرة، والطيرة على من يتطير» .
وأخرج عبد الرازق عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبي ﷺ : «ثلاثة لا يَسْلَمُ منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تحقق» . انتهى ملخصًا.
[١٦٧٤] وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُني الفَألُ» قالُوا: وَمَا الفَألُ؟ قَالَ: «كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ» . متفق عَلَيْهِ.
[١٦٧٥] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ. وإنْ كَانَ الشُّؤمُ في شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، والفَرَسِ» . متفق عَلَيْهِ.
قال البخاري: باب لا عدوى. وذكر حديث ابن عمر، وأنس.
стр. 940
وحديث أبي هريرة: «لا توردوا الممرض على المُصِحِّ» . وحديثه أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى» . فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي ﷺ : «فمن أعدى الأول» .
وقال أيضًا: باب الجذام. وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد» .
قال الحافظ: وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله ﷺ : «إنا قد بايعناك فارجع» .
قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر: أنَّ النبي ﷺ أكل مع مجذوم، وقال: «ثقةً بالله، وتوكلاً عليه» . قال: مذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ.
والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أنْ لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحملِ الأمر باجتنابه والفرارِ منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز.
وقال القرطبي: إنما نهى رسول الله ﷺ عن إيراد الممرض على المصح، مخافةَ الوقوع، فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» . وإنْ كنا نعتقد أنَّ الجذام لا يُعْدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته،
стр. 941
حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذّت نفسه بذلك، فحينئذ فالأولى للمؤمن أنْ لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أنْ لا ينجي حذرٌ من قدر. والله أعلم. انتهى ملخصًا.
قوله: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل» . قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» . «وإنْ كان الشؤم في شيء، ففي الدار، والمرأة، والفرس» .
قال الشارح: خص هذه الثلاث بالذكر لطول ملازمتها، ولأنها أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيء تركه، واستبدل به غيره.
وللحاكم: «ثلاث من الشقاء: المرأة تراها تسوؤك، أو تحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحق أصحابك. والدار تكون ضيقة قليلة المرافق» .
[١٦٧٦] وعن بُريْدَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ لا يَتَطَيَّرُ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قوله: كان لا يتطير، أي: من أي شيء، بل يتوكل على الله.
[١٦٧٧] وعن عُروة بن عامر ﵁ قال: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «أحْسَنُهَا الفَألُ. وَلا تَرُدُّ مُسْلِماً فإذا رَأى أحَدُكُمْ ما يَكْرَهُ، فَليْقلْ: اللَّهُمَّ لا يَأتِي بِالحَسَناتِ إلا أنْتَ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إلا أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِكَ» . حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح.
стр. 942
قال البخاري: باب الفأل. وذكر حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «لا طيرة. وخيرها الفأل» . قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟! قال: ... «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» .
وحديث أنس عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة» .
قال الحافظ: وأخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة رفعه: كان يعجبه الفأل، ويكره الطيرة.
وأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي ﷺ يقول: ... «العين حق، وأصدق الطيرة الفأل» .
قال الخطابي: الفرق بين الفأل والطيرة. أنَّ الفأل من طريق حُسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء، فلذلك كُرهت.
قال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح بالنظر الأنيق، والماء الصافي، وإنْ كان لا يملكه، ولا يشربه.
وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس: أن النبي ﷺ كان إذا خرج لجاجته يعجبه أنْ يسمع يا نجيح، يا راشد.
وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة، أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رؤي كراهة ذلك في وجهه.
وقال الطيبي: معنى الترخص في الفأل، والمنع من الطيرة، لو رأى شيئًا
стр. 943
فظنه حسنًا محرضًا على طلب حاجته فليفعل ذلك، وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله، بل يمضي لسبيله، فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.
٣٠٥- باب تحريم تصوير الحيوان
في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم
أو دينار أو مخدة أو وسادة وغير ذلك
وتحريم اتخاذ الصور في حائط وسقف وستر وعمامة وثوب ونحوها والأمر بإتلاف الصورة
[١٦٧٨] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ الَّذينَ يَصْنَعُونَ هذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . متفق عليه.
فيه: تحريم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب.
[١٦٧٩] وعن عائشة ﵂، قالت: قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرامٍ فِيهِ تَمَاثيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وقال: «يَا عائِشَةُ، أشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِندَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ!» قَالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنهُ وِسَادَةً أوْ وِسَادَتَيْنِ. متفق عليه.
«القِرامُ» بكسرِ القاف هو: السِّتْرُ. «وَالسَّهْوَةُ» بفتح السينِ المهملة وهي: الصُّفَّةُ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ البَيْتِ، وقيلَ: هِيَ الطَّاقُ النَّافِذُ في الحائِطِ.
فيه: تحريم استعمال الصور، ولو كانت غير مجسمة، وجواز استعمالها إذا قطعت.
стр. 944
[١٦٨٠] وعن ابن عباس ﵄، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ» . قال ابن عباس: فإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلاً، فَاصْنعِ الشَّجَرَ وَمَا لا رُوحَ فِيهِ. متفق عليه.
فيه: جواز تصوير ما لا روح فيه من الشجر، والأبنية ونحوها.
[١٦٨١] وعنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» . متفق عليه.
تكليفه بنفخ الروح فيما صور، تعجيزًا له، وتوبيخًا.
[١٦٨٢] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» . متفق عليه.
قال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر، إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل.
[١٦٨٣] وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «قال اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟
стр. 945
فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» . متفق عليه.
قال الحافظ: المراد بالذرة: النملة، والغرض تعجيزهم تارة بتكليفهم خلق حيوان، وهو أشد، وأخرى بتكليفهم خلق الجماد وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك.
[١٦٨٤] وعن أبي طلحة ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتاً فيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» . متفق عليه.
قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها روح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن.
[١٦٨٥] وعن ابن عمر ﵄ قال: وَعَدَ رسُولَ اللهِ ﷺ جِبْرِيلُ أنْ يَأتِيَهُ، فَرَاثَ عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ فَلَقِيَهُ جِبريلُ فَشَكَا إلَيهِ، فَقَالَ: إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ. رواهُ البُخاري.
«راث» : أبْطَأَ، وهو بالثاء المثلثة.
قال القرطبي: واختلف في المعنى الذي في الكلب، حتى منع الملائكة من دخول البيت الذي هو فيه، فقيل: لكونها منجسة العين، وقيل: لكونها من الشياطين , وقيل: لأجل النجاسة التي تتعلق بها.
[١٦٨٦] وعن عائشة ﵂، قالت: واعدَ رسولَ الله ِ ﷺ -
стр. 946
جبريلُ ﵇، في سَاعَةٍ أنْ يَأتِيَهُ، فَجَاءتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأتِهِ! قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصاً، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «ما يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ» ثُمَّ التَفَتَ، فإذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ. فقالَ: «يا عائشة! مَتَى دَخَلَ هَذَا الكَلْبُ؟» فَقُلْتُ: واللهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءهُ جِبْرِيلُ ﵇، فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : «وَعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأتِني» فقالَ: «مَنَعَنِي الكَلْبُ الَّذِي كانَ في بَيْتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» . رواه مسلم.
قال الحافظ: وحديث أبي هريرة في السنن، وصححه الترمذي، وابن حبان أتم سياقًا ولفظه،: أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أنْ أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه ثماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي على الباب يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فيقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ .
[١٦٨٧] وعن أبي الهَيَّاجِ حَيَّانَ بِن حُصَيْنٍ، قال: قال لي عَليُّ بن أبي طالب ﵁: ألا أبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أن لا تَدَعَ صُورَةً إلا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْراً مُشْرفاً إلا سَوَّيْتَهُ. رواه مسلم.
стр. 947
في هذا الحديث: وجوب طمس الصور، وهدم القبور المشرفة.
وقال البخاري: باب نقض الصور. وذكر حديث عائشة، أنَّ النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب، إلا نقضه. وحديث أبي هريرة: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» . الحديث.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه استنبط نقض الصور التي تشترك مع الصليب في المعنى، وهو عبادتهم من دون الله، فيكون المراد بالصور في الترجمة خصوصًا ما يكون من ذوات الأرواح.
قال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة على أنه ﷺ كان ينقض الصورة، سواءً كانت ممّا له ظل، أم لا، وسواء كانت مما توطأ أم لا، سواء في الثياب، وفي الحيطان، وفي الفرش، والأوراق وغيرها. انتهى ملخصًا.
٣٠٦- باب تحريم اتخاذ الكلب إلا
لصيد أو ماشية أو زرع
[١٦٨٨] عن ابن عمر ﵄، قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إلا كَلْبَ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَةٍ فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ» . متفق عليه.
وفي رواية: «قِيرَاطٌ» .
[١٦٨٩] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أمْسَكَ كَلْباً، فَإنَّهُ ينْقُصُ كُلَّ يَومٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إلا كَلْبَ حَرْثٍ أوْ مَاشِيَةٍ» . متفق عليه.
стр. 948
وفي رواية لمسلم: «مَنْ اقْتَنَى كَلْباً لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أرْضٍ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ» .
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية، وكذلك الزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها، لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة لِلْبَيْتِ الذي هو فيه.
٣٠٧- باب كراهية تعليق الجرس في البعير
وغيره من الدواب
وكراهية استصحاب الكلب
والجرس في السفر
[١٦٩٠] عن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أوْ جَرَسٌ» . رواه مسلم.
[١٦٩١] وعنه: أنَّ النبي ﷺ قال: «الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ» . رواه مسلم.
قال البخاري: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل. وذكر حديث أبي بشير الأنصاري ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرْسِل رسولك: «لا تبقينَّ في رقبة بعير قلادة، من وتَر أو قلادة إلا قطعت» .
قال الحافظ: قوله: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل، أي: من الكراهة. وقيّده بالإبل لورود الخبر فيها بخصوصها.
стр. 949
والذي يظهر: أنَّ البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدارقطني بلفظ: «لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع» . ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك.
وقد روى أبو داود والنَّسائي من حديث أبي وهب رفعه: «اربطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» . فدل على أن الاختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب.
وروى مسلم عن أبي هريرة رفعه: «الجرس مزمار الشيطان» . وهو دال على أنَ الكراهة فيه لصوته؛ لأن فيها شبهًا بصوت الناقوس وشكله.
قال النووي وغيره: الجمهور على أنَّ النهي للكراهة، وأنها كراهة تنزيه، وقيل: للتحريم. وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة. وعن مالك: تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها، مما ليس فيه قرآن ونحوه.
فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به، والتعوذ بأسمائه، وذكره. وكذلك لا نهي عما يُعَلَّق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء، أو السرف، واختلفوا في تعلق الجرس أيضًا.
ثالثها: يجوز بقدر الحاجة. انتهى ملخصًا.
٣٠٨- باب كراهة ركوب الجَلالة
وهي البعير أو الناقة التي تأكل العَذِرَة
فإنْ أكلت علفاً طاهراً فطاب لَحمُهَا، زالت الكراهة
[١٦٩٢] عن ابن عمر ﵄، قال: نهَى رسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجَلالَةِ في الإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
стр. 950
وفي رواية: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة وألبانها.
الجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه، وقال: «حتى تعلف أربعين ليلة» . ولأبي داود: «أنْ يركب عليها، وأن يشرب ألبانها» .
والحديث: دليل على تحريم الجلالة سواء كانت من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج. وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام، ولم يرَ مالك بأسًا بأكلها من غير حبس. وحمل الجمهور النهي على التنزيه.
قال في (الإفصاح) : واختلفوا في أكل لحم الجلالة، وشرب لبنها، وأكل بيضها. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعية: يباح ذلك وإنْ لم تحبس، مع استحبابهم حبسها، وكراهيتهم لأكلها دون حبسها.
وقال أحمد: يحرم، إلا أنْ يحبس الطير ثلاثة أيام. رواية واحدة عنه.
واختلفت الرواية عنه في الإبل، والبقر، والغنم. فروي عنه ثلاثة أيام، كالطير وهو الأظهر، والثانية: أربعون يومًا. انتهى.
قال في (الاختيارات) : وما يأكل الجيف فيه روايتان. الجلالة، وعامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم.
٣٠٩- باب النهي عن البصاق في المسجد
والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه
والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار
[١٦٩٣] عن أنس ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «البُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . متفق عليه.
следующие страницы →