Полный текст (6 467 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضا حسنا﴾ أَي: حَلَالا محتسبا ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾ قَالَ الحَسَن: هَذَا فِي التَّطَوُّع، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يخلطون أَمْوَالهم بالحرام؛ حَتَّى جَاءَ الإِسْلام فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَأمروا أَن يتصدقوا من الْحَلَال، وَلما نزلت قَالَت الْيَهُود: هَذَا ربكُم يستقرضكم، وَإِنَّمَا يستقرض الْفَقِير؛ فَهُوَ فَقير وَنحن أَغْنِيَاء، فَأنْزل اللَّه ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحن أَغْنِيَاء﴾
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْقَرْض مَا يَفْعَله الرجل وَيُعْطِيه؛ ليجازي بِهِ، وَالْعرب تَقُولُ: لَك عِنْدِي قرض حسن، وقرض سيئ.
وَقَوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ من قَرَأَهُ بِالرَّفْع فَهُوَ عطف على ﴿يقْرض﴾ وَمن نصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ يقبض عَمَّن يَشَاء، ويبسط
стр. 352
الرزق لمن يَشَاء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعْنِي: الْبَعْث. [آيَة ٢٤٦]
стр. 353
﴿ألم تَرَ إِلَى الملإ﴾ يَعْنِي: الْأَشْرَاف ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿نُقَاتِل﴾ بِالْجَزْمِ؛ عَلَى جَوَاب الْمَسْأَلَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: إِن بني إِسْرَائِيل مَكَثُوا زَمَانا من الدَّهْر لَيْسَ عَلَيْهِم ملك، فأحبوا أَن يكون عَلَيْهِم ملك يُقَاتل عدوهم، فَمَشَوْا إِلَى نَبِي لَهُم من بني هَارُون يُقَال لَهُ: أشمويل، فَقَالُوا لَهُ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيل الله﴾ فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وأبنائنا﴾ وَكَانَ عدوهم من قوم جالوت ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ [آيَة ٢٤٧ - ٢٤٨]
стр. 354
[آيَة ٢٤٧ - ٢٤٨]
стр. 355
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ وَكَانَ طالوت من سبط قد عمِلُوا ذَنبا عَظِيما، فَنُزِعَ مِنْهُم الْملك فِي ذَلِكَ الزَّمَان فأنكروه ﴿وَقَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ وَهُوَ من سبط الْإِثْم، يعنون: الذَّنب الَّذِي كَانُوا أَصَابُوا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُم﴾ اخْتَارَهُ لكم ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعلم والجسم﴾ وَكَانَ طالوت أعلمهم يَوْمئِذٍ وأطولهم.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿بسطة﴾ أَي: سَعَة؛ من قَوْلك: بسطت الشَّيْء؛ إِذا فرشته ووسعته.
стр. 356
قَالَ الْكَلْبِيّ فَقَالُوا: ائتنا بِآيَة نعلم أَن اللَّه اصطفاه عَلَيْنَا ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ﴾ عَلامَة ﴿مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سكينَة من ربكُم﴾ قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي: رَحْمَة من ربكُم، فِي تَفْسِير بَعضهم.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: سكينَة فعيلة؛ من: السّكُون؛ الْمَعْنى: فِيهِ مَا تسكنون؛ إِذا أَتَاكُم.
стр. 357
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآل هَارُون﴾ وَكَانَ فِيهِ عَصا مُوسَى ورضاض الألواح وقفيز مَنٍّ كَانَ مُوسَى ﵇ (ل ٣٦) تَركه عِنْد فتاه يُوشَع بْن نون وَهُوَ فِي الْبَريَّة.
فِي تَفْسِير بَعضهم: فَأَقْبَلت بِهِ الْمَلَائِكَة تحمله حَتَّى وَضعته فِي دَار طالوت فَأصْبح فِي دَاره. قَالَ الحَسَن: وَكَانَ التابوت من خشب. [آيَة ٢٤٩]
стр. 358
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ … .﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما سَار بهم طالوت، اتخذ بهم مفازة من الأَرْض فعطشوا فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم ﴿إِن الله مبتليكم﴾ أَي: مختبركم ﴿بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يطعمهُ﴾ يَعْنِي: وَمن لم يشربه ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُم﴾ جعلُوا يشربون مِنْهُ وَلا يروون، وَأما الْقَلِيل فكفتهم الغرفة، وَرجع الَّذين عصوا وَشَرِبُوا.
стр. 359
قَالَ يحيى: ﴿غرفَة﴾ تقْرَأ بِفَتْح الْغَيْن ورفعها؛ فَمن قَرَأَها بِالنّصب؛ يَعْنِي: غرفته الَّتِي اغترف مرّة وَاحِدَة، وَمن قَرَأَهَا بِالرَّفْع؛ أَرَادَ: الغرفة ملْء الْيَد. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا بعدة أهل بدر ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يظنون﴾ [يعلمُونَ] ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصابرين﴾ قِيلَ لِلْحسنِ: أَلَيْسَ الْقَوْم جَمِيعًا كَانُوا مُؤمنين الَّذين جاوزوا؟! قَالَ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بِمَا شحت أنفسهم من الْجِهَاد فِي سَبيله. [آيَة ٢٥٠ - ٢٥٢]
стр. 360
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا﴾ يَعْنِي: أنزل عَلَيْنَا ﴿صَبْرًا وَثَبِّتْ أقدامنا﴾ أَي: وَاجعَل لنا الظفر عَلَيْهِم.
стр. 361
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قَالَ
стр. 362
مُحَمَّد: يَعْنِي: آتى اللَّه دَاوُد؛ لِأَنَّهُ مُلِّكَ بعد قَتله جالوت ﴿وَعلمه مِمَّا يَشَاء﴾ يَعْنِي: الْوَحْي الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ من اللَّه ﴿وَلَوْلا دِفْاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يبتلى الْمُؤْمن بالكافر، وَيُعَافى الْكَافِر بِالْمُؤمنِ.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه الْكَافرين بِالْمُسْلِمين، لكثر الْكفْر؛ فَنزلت بِالنَّاسِ السُّخطة فاستؤصل أهل الأَرْض. وَنصب ﴿بَعضهم﴾ بَدَلا من ﴿النَّاس﴾ الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه بَعْض النَّاس بِبَعْض.
стр. 363
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ مُحَمَّد: معنى آيَات اللَّه هَا هُنَا: أَعْلَامه الَّتِي تدل عَلَى توحيده، و ﴿تِلْكَ﴾ بِمَعْنى هَذِه. [آيَة ٢٥٣ - ٢٥٤]
стр. 364
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بعض﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: بِمَا آتَاهُم الله من النُّبُوَّة والرسالة ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ قَالَ
стр. 365
الحَسَن: يَعْنِي: فِي الدُّنيا عَلَى وَجه مَا أعْطوا ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ قَالَ مُحَمَّد: يُرِيد الْأَعْلَام الَّتِي تدل عَلَى إِثْبَات نبوته من إِبْرَاء الأكمه والأبرص، وإحياء الْمَوْتَى، وَغير ذَلِكَ مِمَّا أَتَاهُ اللَّه، وَقَوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُل﴾ يُرِيد: الْجَمَاعَة ﴿وأيدناه﴾ يَعْنِي: عِيسَى ﵇ أعنَّاه ﴿بِروح الْقُدس﴾ وروح الْقُدس جِبْرِيل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بعدهمْ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: من بعد مُوسَى وَهَارُون.
стр. 366
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: الزَّكَاة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خلة﴾ قَالَ قَتَادَة: ﴿وَلَا خلة﴾ أَي: وَلا صداقة، إِلَّا لِلْمُتقين ﴿وَلَا شَفَاعَة﴾ أَي: للْمُشْرِكين ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ. [آيَة ٢٥٥]
стр. 367
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ قَالَ الحَسَن: الْقَائِم عَلَى كُلِّ نفس بكسبها يحفظ عَلَيْهَا عَملهَا حَتَّى يجازيها بِهِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سنة وَلَا نوم﴾ قَالَ الحَسَن: السّنة: النعاس، وَالنَّوْم؛ يَعْنِي: النّوم الْغَالِب.
стр. 368
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: وَسن الرجل يوسن وسنا؛ إِذا نعس. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ كَقَوْلِه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا من بعد إِذْنه﴾ (ل ٣٧) وَكَقَوْلِه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارتضى﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفهم﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: أول أَعْمَالهم وَآخِرهَا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا يعلم الْأَنْبِيَاء من الْوَحْي ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ [قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: مَلأ كرسيه السَّمَوَات وَالْأَرْض].
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((إِنَّ الْكُرْسِيَّ الَّذِي وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَمَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلا يَعْلَمُ قَدْرَ الْعَرْشِ إِلا الَّذِي خلقه)).
стр. 369
﴿وَلَا يئوده حفظهما﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: لَا يثقل عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّد: يَقُولُ: آده الشي يئوده، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وأده يئده. [آيَة ٢٥٦ - ٢٥٧]
стр. 370
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تبين الرشد من الغي﴾ تَفْسِير سَعِيد بْن جُبَيْر: قَالَ: كَانَ قوم من أَصْحَاب النَّبي ﵇ استرضعوا أَوْلَادهم فِي الْيَهُود فِي الْجَاهِلِيَّة، فكبروا على الْيَهُودِيَّة؛ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام، وَأسلم الْآبَاء، أَرَادوا أَن يكرهوا أَبْنَاءَهُم عَلَى الإِسْلام فَأنْزل اللَّه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغي﴾ يَعْنِي: الْهدى من الضَّلَالَة ﴿فَمَنْ يكفر بالطاغوت﴾ بالشيطان ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أَي: لَا انْقِطَاع لَهَا.
стр. 371
﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ قَالَ الحَسَن: وَلِي هدَاهُم وتوفيقهم ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يَعْنِي: من الضَّلَالَة إِلَى الْهدى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ من الْهدى إِلَى الضَّلَالَة.
قَالَ مُحَمَّد: والطاغوت هَا هُنَا وَاحِد فِي معنى جمَاعَة؛ وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة؛ إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَى الْجَمَاعَة. [آيَة ٢٥٨]
стр. 372
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْملك﴾ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ هُوَ نمروذ؛ فِي تَفْسِير قَتَادَة. قَالَ قَتَادَة: وَهُوَ أول ملك تجبر فِي الأَرْض، وَهُوَ صَاحب الصرح [الَّذِي بني] بِبَابِل ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت﴾ قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن نمروذ دَعَا برجلَيْن فَقتل أَحدهمَا، واستحيى الآخر؛ فَقَالَ: أَنَا أحيي وأميت؛ أَي: أستحيي من شِئْت، وأقتل من شِئْت ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فبهت الَّذِي كفر﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: انْقَطَعت حجَّته ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين الَّذين يلقون اللَّه بشركهم، أَي: لَا يهْدِيهم إِلَى الْحجَّة، وَلا يهْدِيهم من الضَّلَالَة إِلَى دينه. [آيَة]
стр. 373
[آيَة ٢٥٩]
стр. 374
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: هَلْ رَأَيْت كَذَلِك أَو كَالَّذي مر عَلَى قَرْيَة؟ ﴿عَلَى طَرِيق التَّعَجُّب. ﴿وَهِيَ خاوية على عروشها﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: وَهِي خراب على سقوفها، وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ أَن تسْقط السقوف، ثمَّ تسْقط الْحِيطَان عَلَيْهَا. ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ عَزِيز، والقرية بَيت الْمُقَدّس بعد مَا خربه بخْتنصر، فَقَالَ: أَنى تُعْمَرُ هَذِه بعد خرابها؟﴾ ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَو بعض يَوْم﴾ ذكر لَنَا أَنَّهُ مَاتَ ضحى، وَبعث قبل غرُوب الشَّمْس، فَقَالَ: لَبِثت يَوْمًا، ثمَّ الْتفت، فَرَأى بَقِيَّة من الشَّمْس من ذَلِكَ الْيَوْم، فَقَالَ: أَو بَعْض يَوْم ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يتسنه﴾ أَي: لم يتَغَيَّر. قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ مَعَه سلتان: سلة من تين، وسلة من عِنَب، وزِقٌّ فِيهِ عصير. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فَنظر إِلَى حِمَاره فَإِذا هوعظام بالية، فَرَأى الْعِظَام قد تحركت، وسعى بَعْضهَا إِلَى بَعْض، وَجَاء الرَّأْس إِلَى مَكَانَهُ، ثمَّ رَأَى العصب وَالْعُرُوق ألقيت عَلَيْهَا، ثمَّ وُضعَ عَلَيْهَا اللَّحْم، ثمَّ بسط عَلَيْهَا الْجلد، ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح؛ فَإِذا هُوَ قَائِم ينهق فَخر عُزَيْر سَاجِدا ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير﴾.
стр. 375
قَالَ يَحْيَى: قَرَأَهَا قوم [﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، وَقوم آخَرُونَ: ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ وَهُوَ أَجود الْوَجْهَيْنِ]! وتصديقه فِي كتاب اللَّه ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أنشره﴾. (ل ٣٨) قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، فَالْمَعْنى: نحرك بَعْضهَا إِلَى بَعْض ونزعجه؛ ومِنْهُ يُقَال: نشزت الْمَرْأَة على زَوجهَا. [آيَة ٢٦٠]
стр. 376
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ الْآيَة.
قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن إِبْرَاهِيم ﵇ خرج يسير عَلَى حمَار لَهُ؛ فَإِذا هُوَ بجيفة دَابَّة يَقع عَلَيْهَا طير السَّمَاء، فَيَأْخُذ مِنْهَا بضعَة بضعَة، وتأتيها سِبَاع الْبر؛ فتأخذ مِنْهَا عضوا عضوا، وَيَقَع من أَفْوَاه الطير اللَّحْم، فتأخذه الْحيتَان.
فَقَامَ إِبْرَاهِيم ﵇ مُتَعَجِّبا، فَقَالَ: يَا رب، أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى؟! ﴿قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى﴾ يَا رب، قد آمَنت، وَلَكِن لأعْلم؛ حَتَّى يطمئن قلبِي - يَعْنِي: يسكن - كَيفَ تجمع لحم هَذِه الدَّابَّة بعد مَا أرم.
فَقَالَ لَهُ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي:
стр. 377
فَضَمَّهُنَّ إِلَيْك؛ تَقُولُ: صرت الشَّيْء فانصار؛ أَي: أملته فَمَال. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: فقطعهن، ثمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءا؛ فاختصر ((فقطعهن)). ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يأتينك﴾ قل: تعالين بِإِذن اللَّه يأتينك ﴿سعيا﴾ أَي: مشيا على أرجلهن.
قَالَ يَحْيَى: فَأخذ أَرْبَعَة أطيار مُخْتَلفَة ألوانها وأسماؤها وريشها، أَخذ ديكا وطاوساً وحمامة وغرابا؛ فَقطع أعناقها، ثمَّ خلط ريش بَعْضهَا بِبَعْض، وَدِمَاء بَعْضهَا بِبَعْض، ثمَّ فرق بَينهَا عَلَى أَرْبَعَة أجبل؛ فنوديت من السَّمَاء بِالْوَحْي أيتها الْعِظَام المتفرقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الْعُرُوق المتقطعة اجتمعي يرجع الله فِيك أرواحك، فَجعل يجْرِي الدَّم إِلَى الدَّم، وَتَطير الريشة إِلَى الريشة، ويثب الْعظم إِلَى الْعظم، فعلق عَلَيْهَا رءوسها، وَأدْخل فِيهَا أرواحها؛ فَقيل: يَا إِبْرَاهِيم إِن اللَّه حِين خلق الأَرْض وَضَعَ بَيته فِي وَسطهَا، وَجعل الأَرْض أَربع زَوَايَا، وَالْبَيْت أَرْبَعَة أَرْكَان؛ كل ركن فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الأَرْض؛ فَأرْسل عَلَيْهَا من السَّمَاء أَرْبَعَة أرياح: الشمَال، والجنوب، وَالدبور، وَالصبَا؛ فَإِذا نفخ فِي الصُّور يَوْم الْقِيَامَة، اجْتمعت أجساد الْقَتْلَى والهلكى من أَرْبَعَة أَرْكَان الأَرْض، وَأَرْبع زواياها كَمَا اجْتمعت أَرْبَعَة
стр. 378
أطيار من أَرْبَعَة أجبل. [آيَة ٢٦١ - ٢٦٢]
стр. 379
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ جَهَّزَ غَيْرَهُ بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَمَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ - كتب لَهُ بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَبِكُلِّ ضِعْفٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ضعف.
стр. 380
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ يَعْنِي: فِي طَاعَة اللَّه ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبهم﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: علم اللَّه أَن نَاسا يمنون فِي عطيتهم، فَنهى عَن ذَلِك. [آيَة ٢٦٣ - ٢٦٤]
стр. 381
﴿قَول مَعْرُوف﴾ أَي: حسن ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ أَي: يمن بِهَا عَلَى من تصدق عَلَيْهِ بهَا.
стр. 382
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمن والأذى﴾ تَفْسِير الحَسَن: قَالَ: كَانَ بَعْض الْمُؤمنِينَ يَقُولُ: فعلت كَذَا، وأنفقت كَذَا؛ فَقَالَ الله: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمن والأذى﴾ فَيصير مثلكُمْ فِيمَا يحبطه اللَّه من أَعمالكُم ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخر﴾ وَهُوَ الْمُنَافِق ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب﴾ قَالَ قَتَادَة: الصفوان: الْحجر ﴿فَأَصَابَهُ وابل﴾ مطر شَدِيد ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ أَي: نقيا ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كسبوا﴾ هَذَا مثل ضربه الله - تَعَالَى - لأعمال الْكفَّار يَوْم الْقِيَامَة؛ يَقُول: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كسبوا﴾ يَوْمئِذٍ؛ كَمَا ترك الْمَطَر الوابل هَذَا الْحجر لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. [آيَة ٢٦٥ - ٢٦٦]
стр. 383
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (ل ٣٩) قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: احتسابا فمثلهم فِي نَفَقَتهم ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ يَعْنِي: مَكَانا مرتفعا من الأَرْض ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أَي:
стр. 384
مرَّتَيْنِ ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فطل﴾ الطل: أَضْعَف من الْمَطَر. قَالَ الْحسن: يَقُولُ: لَا يخلف خَيرهَا عَلَى كُلِّ حَال؛ فَكَذَلِك لَا يخلفهم اللَّه نَفَقَتهم أَن يُصِيبُوا مِنْهَا خيرا.
стр. 385
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَار﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: ريحًا شَدِيدَة فِيهَا سموم ﴿فاحترقت﴾ يَقُولُ: أمنكم من يود ذَلِكَ؟! أَي: لَيْسَ مِنْكُم من يوده فاحذروا أَلا تكون منزلتكم عِنْد اللَّه كَذَلِك؛ أحْوج مَا تَكُونُونَ إِلَى أَعمالكُم يُحْبطها ويُبْطلها؛ فَلَا تقدرون مِنْهَا على شَيْء؛ وَهَذَا مثل المفرط فِي طَاعَة اللَّه حَتَّى يَمُوت. [آيَة ٢٦٧]
стр. 386
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كسبتم﴾ تَفْسِير الْحسن: هَذَا فِي النَّفَقَة الْوَاجِبَة؛ كَانُوا يتصدقون بأردأ دراهمهم، وأردأ طعامهم؛ فنهاهم اللَّه عَنْ ذَلِك؛ فَقَالَ: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ وَهُوَ الردىء ﴿مِنْهُ تنفقون﴾ قَالَ مُحَمَّد: ﴿لَا تيمموا﴾ يَعْنِي: لَا تقصدوا ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: يَقُولُ: لَو كَانَ لبعضكم على بَعْض حق فَأعْطِي دون حَقه - لم يَأْخُذهُ مِنْهُ، إِلَّا أَن يرى أَنَّهُ قد تغامض لَهُ عَنْ بَعْض حَقه؛ وَكَذَلِكَ [قَول] اللَّه لَا تستكملوا الْأجر كُله، إِلَّا أَنَّ يتغمدكم مِنْهُ برحمة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِي حميد﴾ غَنِي عَمَّا
стр. 387
عنْدكُمْ لمن بخل بِصَدَقَتِهِ، حميد لمن احتسب بِصَدَقَتِهِ. [آيَة ٢٦٨ - ٢٧١]
стр. 388
﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ يُخْبِرهُمْ أَنهم حِين يُنْفقُونَ الرَّدِيء إِنَّمَا هُوَ مَا يلقِي الشَّيْطَان فِي قُلُوبهم من الْفقر ﴿وَاللَّهُ يَعدكُم﴾ عَلَى مَا تنفقون ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبكم ﴿وفضلاً﴾. قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: جنَّة ﴿وَاللَّهُ وَاسع عليم﴾ وَاسع لخلقه، عليم بأمرهم.
стр. 389
قَوْله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يَعْنِي: الْفِقْه فِي الْقُرْآن ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب﴾ أولو الْعُقُول؛ وهم الْمُؤْمِنُونَ
стр. 390
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ تذرتم مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يَعْنِي: يُحْصِيه ﴿وَمَا للظالمين﴾ ﴿الْمُشْركين﴾ (مِنْ أَنْصَارٍ)!
следующие страницы →