← Адаб

Адаб · id 21554

التعازي [والمراثي والمواعظ والوصايا]

المبرد

Полный текст (252 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أبيت الليلة ثم أغدو. قال عزمت عليك إلا رجعت. فرجع ولم يدعه يبيت قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: إن رجلاً من أهل البصرة أيام الطاعون الجارف لما رآه قد كثر أراد الهرب، فعمد إلى حمار له فجعل عليه متاعه، وغلام له يناوله جهازه، والغلام يرتجز: مشطور الرجز لن يبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعةٍ مطّار قد يصبح الله أمام السّاري فقال له الرجل: صدقت. ثم حط رحله وأقام، فمات فيمن مات. قال المدائني: قال الحسن البصري وذكر عنده الطاعون: ما أحسن ما أبلى الله فيه: ارتدع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.

стр. 177

وقال أبو الحسن المدائني عن جناب بن موسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما احتضر رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فخيره بين البقاء في الدنيا وبين المصير إلى رحمة الله أو رفعه إليه وتعجيل ما وعده فقال ﷺ : بل الرفيق الأعلى. فكان يقول ذلك حتى قضى، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. وأخبر المدئني عن شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، رحمها الله، قالت: كنت أسمع أن النبي ﷺ لا يموت حتى يخير، فسمعته يقول ﷺ في مرضه: الرفيق الأعلى، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فظننت أنه خير فاختار الآخرة. وقال خلاد بن عبيدة عن علي بن زيد عن الحسن قال: قيل لأبي بكر في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب! فقال: قد رآني. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. وفي رواية: إني أفعل ما أشاء. وقال: أبو محمد الناجي عن الحسن: إن أبا بكر، ﵀، سمع عائشة ﵂ وهو في سكرات الموت، وهي تقول: الطويل

стр. 178

لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر فقال: يا بنية: ألا قلت وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وقال متمثلاً: مخلع البسيط وكلّ ذي إبلٍ مورثها ... وكلّ ذي سلبٍ مسلوب وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب وآخر ما تكلم به: رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين وقال أبو بلال الأشعري عن محمد بن عاصم الأسلمي عن موسى بن عقبة المزني قال: كتب أبو بكر، رحمة الله عليه، وصيته بيده وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث، يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب. إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ﵁، فاسمعوا له وأطيعوا. فإن عدل فذلك ظني به ورأيي فيه. وإن جار وبدل فلا أعلم الغيب، والخير أردت، ولكل امريء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وقال عمر بن غياث عن الهلالي: كان رسول الله ﷺ إذا أفرطت عليه الحمى في وجعه الذي توفي فيه قالت فاطمة: يا بأبي وأمي. ثم تمثلت: الطويل

стр. 179

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل قال: فأفاق رسول الله ﷺ فقال: ذلك قول عمك أبي طالب. ثم قال ﷺ : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية. قال أبو الحسن عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب ﵀: يا أمير المؤمنين، أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في بعض الكتب. قال: أتجد اسمي ونسبي؟ قال: لا، ولكن أجد صفتك وسيرتك وزمانك،

стр. 180

فقال عمر: الطويل توعّدني كعبٌ ثلاثاً يعدّها ... ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب وما بي خوف الموت إنّي لميّتٌ ... ولكنّ خوف الذّنب يتبعه الذّنب وقال هشام بن عاصم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قال عند موته: ليتني أنجو من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي. يا عبد الله، ضع خدي على الأرض، ويل لعمر ولأم عمر إن لم ينجه الله. وقال الأصمعي لما طعن العلج ألقى ملحفةً كانت عليه وقال: يا لله للمسلمين! وقال الأصمعي أيضاً: لما طعن العلج عمر قال: وكان أمر الله قدراً مقدورا. وقال سعيد بن مسلم عن أبيه أن عثمان بن عفان ﵀ يوم دخل عليه فقتل، دعا بالمصحف فنشره، فكان أول حرف نظر إليه: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وتمثل: الطويل أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع ... لعادٍ ملاكاً في الأمور ومرتبا يبيّت أهل الحصن والحصن مغلقٌ ... ويأتي الجبال من شماريخها العلا وقال أبو الحسن عن سعيد بن عبد العزيز السلمي عن أبيه أن الزبير ﵀ قال حين طعنه ابن جرموز:

стр. 181

ما له قاتله الله يذكر بالله وينساه! وذلك أن الزبير ﵀ لما رآه هم به، فقال له ابن جرموز: أذكرك الله، فتركه ثم تغفله فطعنه. وتمثل الزبير: الكامل ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي ... أنّ الحياة من الممات قريب وقال طلحة بن عبيد الله ﵀ يوم الجمل عند موته: مجزوء الكامل صرف الزّبير جواده ... أنّى لتدركه وفاته ثم قال حين نزل به الموت: تالله ما رأيت كاليوم مصرع أسد أضيع، وتمثل: الطويل أرى الموت أعداد النّفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقرب اليوم من غد وقال يعقوب بن داود الثقفي عن الحسين بن بزيغ: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵀ خرج في الليلة التي ضرب فيها في السحر وهو يقول: الهزج اشدد حيازيمك للموت ... فإنّ الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت ... إذا حلّ بواديكا وضربه ابن ملجم، فقال: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد. وقال علي حين ضرب:

стр. 182

فزت ورب الكعبة. وكان آخر ما تكلم به أن قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. وقال أبو الحسن عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه: إن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله ﷺ كساني قميصاً فرفعته. وقلم أظفاره يوماً فأخذت قلامتها فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عيني وفمي ثم أغمي عليه، فقالت ابنته أو امرأة من أهله متمثلة: الطويل إن مات مات الجود وانقطع النّدى ... من النّاس إلاّ من قليلٍ مصرّد وردّت أكفّ السّائلين وأمسكوا ... من الدّين والدّنيا بخلفٍ مجدّد ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله فإن الله يقي من اتقاه، ولا واقية لمن لا يتقي الله. وقال عوانة: لما حضرت معاوية الوفاة قال: يوم من ابن الأدبر طويل! ثم تمثل: البسيط لقد جمعت لكم من جمع ذي حسبٍ ... وقد كفيتكم التّرحال والنّصبا ثم قال: إنكم لتقلبون حولاً قلباً، إن نجا من كبة النار فهو الرجل.

стр. 183

وفي غير هذا الإسناد أنه قال حين احتضر لابنة قرظة: اندبيني فقالت: الهزج ألا أبكيه ألا أبكيه ... ألا كلّ الفتى فيه وقال لابنتيه: قلباني، ففعلتا. فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وقي كبة النار. ثم تمثل: الكامل لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ ... وسقى الغوادي قبره بذنوب وقال سعيد بن بشر: إن عبد الملك بن مروان ليلة قبض قلق فسمع صوت قصار فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال حين ثقل: ليتني كنت غالاً أعيش بما أكتسب يوماً بيوم. فقيل لأبي حازم: إن عبد الملك قال كذا وكذا. فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى ما هم فيه. وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أن سليمان بن عبد الملك قال عند الموت

стр. 184

متمثلاً بقول الحارث بن عباد: الرجز إنّ بنيّ صبيةٌ صغار ... أفلح من كان له كبار إنّ بنيّ غلمةٌ صيفيّون ... أفلح من كان له ربعيّون فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. فقالها، ثم قال: أسألك منقلباً كريماً. ثم قضى وقال مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح: تأوه طاوس في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، شكوت ربك فقال: ليتني أخرج من مرضي هذا لا علي ولا لي. وقال محمد بن جعفر عن أبيه: دخلت على عبد الرحمن بن الفضل ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في مرضه فبكى وقال:

стр. 185

أبكي لصبيات خلف هذا الستر، لولاهن لهان علي الموت. إني لمؤمن، وإني لتائب، وإن الله لغفور رحيم. قلت: رحمك الله فالذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك. فقال: صدقت، جزاك الله خيراً. وقال أبو الحسن عن معاوية بن محمد عن عبد الله بن بجير قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاصي لأبيه: يا أبه، كنت تقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً عند نزول الموت به يحدثني ما يجد. وقد نزل بك وأنت ذلك الرجل فصف لي الذي تجد. قال: يا بني لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من سم إبرة، ولكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي. ثم قال متمثلاً قول أمية بن أبي الصلت: الخفيف ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا والله ليتني كنت حيضةً عركها الإماء. ثم مد يده فقال: اللهم، إني لست ذا قوة فأنتصر، ولا ذا براءة فأعتذر. اللهم إني مقر مذنب مستغفر. وقال عوانة: قال عمرو بن العاصي عند موته: اللهم، إنك أمرتنا فلم نأتمر، وزجرتنا فلم ننزجر، فإنا لا نعتذر، ولكنا نستغفر.

стр. 186

وقال يعقوب بن عوف بن عبد الملك بن نوفل: لما نزل بالمغيرة بن شعبة الموت قال: اللهم، هذه يدي بايعت بها نبيك ﷺ ، وجاهدت في سبيلك، فاغفر لي ما يعلمون من ذنوبي وما لا يعلمون. وقال أبو الحسن عن مسلمة بن محارب: لما ثقل زياد قدم عليه الهيثم بن الأسود النخعي بعهده على الحجاز، فقيل له، فقال: شربة من ماء أسيغها أجد طعمها أحب إلي مما جاء به الهيثم. وقال علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال أبو العباس وحدثني ببعض هذا الحديث وزاد عليه شيئاً العباس بن الفرج الرياشي قال: أغمي على أمية بن أبي الصلت في مرضه الذي مات فيه، وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا بريء فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر. ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا مال يفديني، ولا عشية تحميني. وأغمي عليه ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، محفوف بالنعم: الرجز إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبدٍ لك لا ألمّا؟! ثم قال: الخفيف كلّ عيشٍ وإن تطاول يوماً ... قصره مرّةً إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا

стр. 187

اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدّهر إنّ للدّهر غولا قال أبو الحسن عن إسحاق بن أيوب: إن عبد الله بن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت بشر بقدوم مال له كثير كان له بمصر، فقال: مالي وله! ليته كان بعراً حائلاً بنجد. وقال عوانة: قال نافع بن علقمة حين حضر: ليت القرابة التي كانت بيني وبين مروان كانت بيني وبين رجل من الزنج، ولم أدخل في شيء من هذا الأمر. وقال أبو الحسن عن الحسن بن دينار: كان الحسن البصري يغمى عليه ثم يفيق فيقول: ساعة صبر واحتساب وتسليم لأمر الله حتى مات. قال: وكان محمد بن سيرين يقول وهو في الموت: في سبيل الله نفسي أعز الأنفس علي، حتى هلك. وقال يحيى بن زكريا عن أبيه إن الشعبي قال وهو بالموت: اشهدوا أني قد احتسبت نفسي عند الله تعالى.

стр. 188

وقال قيس بن الربيع: بلغني أن إبراهيم النخعي بكى عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ولم لا أبكي؟ وإنما أنتظر مبشراً يبشرني بالجنة أو بالنار. والله لوددت أنها تجلجل في صدري إلى يوم البعث. وقال حفص بن ميمون عن يونس وغيره عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة قيل لمن كان يحدث بالرخص: لم حدثتم عبادي بالرخص قالوا: سمعناك تذكر أن رحمتي وسعت كل شيء، وأنك تغفر الذنوب غير الشرك، فحدثناهم ليشكروك ولا يقنطوا من رحمتك. فيقول لهم: قد جعلت ثوابكم على ذلك الجنة. وقال أبو الحسن: بلغني أن سليمان التيمي قال لابنه وهو بالموت: يا بني، حدثني بالرخص حتى ألقى الله وأنا له راج. وقال أبو الحسن عن أبي محمد الناجي قال: قال حذيفة وهو بالموت: حبيب جاء على ناقة، لا أفلح من ندم. الحمد لله الذي سبق بي الفتن. أليس بين يدي ما أعلم.

стр. 189

وقال النضر بن إسحاق: قيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت: اللهم، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تغفر لي. اللهم، فاغفر لي ذنوبي، فإنها صغيرة في في جنب عفوك. فقال الحسن: أقالها؟ قالوا: نعم. قال: عسى! وقال أبو الحسن عن مسلمة بن محارب قال: قال مسلمة بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: أوص إلي ببنيك أو: ألا توصي إلي ببنيك فقال: أوصي بهم إلى الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين ونظر إلى ولده فقال: بنفسي فتية أفقرتهم من هذا المال، ثم قال: ونعم المذهوب إليه ربي. وقرأ قاريء من ناحية البيت، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين. فقالها عمر ثم قضى. قال عوانة:

стр. 190

قال الوليد بن عقبة عند الموت وهو بالبليخ من أرض الجزيرة: اللهم، إن كان أهل الكوفة صدقوا علي، فلا تلق روحي منك روحاً ولا ريحاناً، وإن كانوا كذبوا علي فلا ترضهم بأمير، ولا ترض أميراً عنهم، وانتقم لي منهم واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي. قال أبو الحسن عن علي بن سليمان: دخل عمر بن عبد العزيز على رجل وهو يجود بنفسه، فقال له: استغفر الله، فقيل له: يا أبا حفص، لو لقنته شهادة أن لا إله إلا الله، فقال عمر: إن لا إله إلا الله من ذنبه، وله ذنوب يستغفر الله منها، فإذا استغفر الله فقد وحده، وإن المستغفر الخائف بعرض خير. وقال أبو الحسن المدائني عن المنهال بن عبد الملك، مولى بني أمية حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد وضربه وألبسه المسوح فلم يزل محبوساً مدة هشام، فلما ثقل هشام وصار في حد من لا يرجى برؤه رهقته غشية، فظنوا أنه قد مات، أرسل عياض ابن مسلم إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد إلى شيء وأفاق هشام من غشيته، فأرسل يطلب شيئاً من الخزان فمنع. فقال هشام:

стр. 191

أرانا كنا خزاناً للوليد، وخرج عياض من ساعته من الحبس، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن. فكفنه غالب، مولى هشام، ولم يجدوا قمقماً يسخن فيه ماء حتى استعاروه، فقال الناس: إن هذه لعبرةً لمن اعتبر. قال أبو الحسن عن عبد الله بن قائد عن أشياخ بني تميم قالوا: خرج إياس ابن قتادة يوم الجمعة من المسجد فنظر إلى السماء ثم قال: مرحباً بك، قد كنت أنتظر مجيئك! ثم سقط فحمل إلى أهله، فمات. فحمل إلى ملحوب فدفن بها، فبها قبره. وقال أبو المنذر عن عمه عامر بن حفص قال: قيل للربيع بن خشيم حين ثقل: ألا ندعو لك أصحاب الطب؟ فقال: قد أردت ذلك ثم ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً، وعلمت أنه كان فيهم الداء والمداوي. فهلكوا جميعاً. وقال أبو مخنف: مرض معبد بن طوق العنبري فجزع فقيل له: كأنك تخاف أن تموت! فقال: إي والله، ما أمرض إلا خفت ذاك. قيل له:

стр. 192

ولم؟ قال: لأني قد استأنيت احتضار المدة، وانقضاء العدة، وتمام الظمأ واتجاه القرب. وقال عوانة عن الأسود بن عبيد: قال أبو قيس بن الأسلت عند الموت: اللهم، إنك تعلم أني لم أقطع رحماً، ولم أشرب بإناء غادر، ولم أصب بكنة ولم أبت ليلةً جنباً حتى أصبح، فاغفر لي. وقال الحرمازي: هلك لرجل من أهل البادية ابنان، فسئل عن جزعه عليهما فقال: كنت أتوهمهما حتى كأن الأرض تنشق عنهما فأنظر إليهما. قيل له: ثم مه؟ قال: ثم كان جرحاً فبرأ. وقال أبو الحسن: أخبرني بعضهم قال: أتيت امرأةً أعزيها عن ابنها. قال فجعلت تثني عليه فقالت: كان، والله، ماله لغير بطنه، وأمره لغير عرسه، وكان: الطويل رحيب الذّراع بالّتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا قال: فقلت لها: هل لك منه خلف؟ وأنا أعني الولد

стр. 193

قالت نعم، بحمد الله كثير، طيب ثواب الله عليه، ونعم العوض من الدنيا والآخرة. وقال: دخل درواش بن حبيب العجلي على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان، فلما نظر إليه جعفر قال: إن كان عند أحد فرج فعند درواش. فسلم ثم قال: أيها الأمير، التمس ثواب الله بحسن العزاء، والشكر لأمر الله، واذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك واذكر قول النبي ﷺ : من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب. واذكر قول الله لنبيه ﷺ : إنك ميت وإنهم ميتون، وقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد. وخذ بقول عبد الله بن أراكة في أخيه عمرو: الطويل تفكّر فإن كان البكا ردّ هالكاً ... على أحدٍ فاجهد بكاك على عمرو ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّه ... عليٌّ وعبّاسٌ وآل أبي بكر قال: وهلك أخ لبعض الأعراب فأظهر له الشماتة بعض بني عمه، فأنشأ الأعرابي يقول: الكامل

стр. 194

ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأى ... جزعي، ومن يذق الفجيعة يجزع اشمت فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك الّتي لم تقرع إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو تردك الأحداث إن لم تفجع قال: ومات بنون لا مرأة تباعاً فكلمناها، فحدثتنا ساعة ثم ضحكت، فقالت لها امرأة: أتضحكين! أجنون بك أم فند! قالت: لا، وأبيك، ولكن الشر لم يجد لي مزيداً. قال أبو الحسن المدائني: وأنشد ابن كناسة: الطويل لا تجزعي يا أمّ زيدٍ فإنّه ... ستأتي المنايا كلّ حافٍ وذي نعل فلولا الأسى ما بتّ في النّاس ليلةً ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي وقال محمد بن كناسة عن خشاف الفقعسي قال: حدثتني أمي قالت: دخلت علينا عجوز للحي اسمها بادية ورحال إخوتي ثمانية في جانب البيت فقالت لي لمن هذه الرحال؟ أنزل بكم الليلة ركب؟

стр. 195

قلت: هذه رحال إخوتي. فقالت: لقد ولدت لك أمك حزناً طويلاً. قالت: وصدقت بادية، ذهبت نفسي عليهم قطعاً. وأنشدت: الكامل ذهبوا بنفسي أنفساً إذ فارقوا ... فالعيش بعد منغّصٌ مذموم وقال عمر بن غياث: أخبرني الثقة قال: دفن أعرابي ابنا له، فلما أجنه وقف على قبره وأنشأ يقول: الكامل لمّا مشى ورجوته لغدٍ ... وطمعت أن يقوى به أزري ويكون من أعمامه خلفاً ... فيقول بعد تأطّرٍ ظهري رشقته عن قوسٍ منيّته ... فغدا رهينة مظلم القعر قد كان يضرب من مضى مثاً ... وجد الثّكول وكنت لا أدري ما ذاك حتّى ذقت لوعته ... فألذّ منها لوعة الصّبر وخرج رجل مع خالد بن الوليد بدومة الجندل، فاستشهد فجزع عليه أبوه فبكاه حتى كثر عليه بكاؤه، فليم في ذلك وعوتب، فقال: دعوني أبكي عليه ما أسعدتني عيني، فإن دموعها ستنفد وتبلى كما ذهب نافع وبلي. وقال يرثيه: الكامل ما بال عيني لا تغمّض ساعةً ... إلاّ اعترتني عبرةٌ تغشاني

стр. 196

أرعى نجوم اللّيل عند طلوعها ... وهناً وهنّ من الغيار دوان يا نافعاً من للفوارس أحجمت ... عن شدّةٍ مذكورةٍ وطعان؟ فلو أستطيع جعلت منّي نافعاً ... بين اللهاة وبين عكد لساني يا نافعاً من للفوارس إذ ثووا ... في يوم بؤسٍ أو ليوم ليان؟ قال أبو الحسن: حدثني كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة قال: أصيب عمرو بن كعب النهدي بتستر مع مجزأة بن ثور فكتموا أباه الخبر ثم علم بعد فلم يجزع وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من أصيب شهيداً وقال: الوافر فهل تعدو المقادر يا لقومي ... هلاك المال أو فقد الرّجال!؟ فكلاًّ قد لقيت وقلّبتني ... صروف الدّهر حالاً بعد حال فما أبقين منّي غير نضوٍ ... به أثر الرّحالة والحبال عروفٍ كلّما جلبت قروحٌ ... به نكئت بأعدالٍ ثقال ثم استشهد ابن له آخر يقال له حمل مع سعيد بن العاصي بجرجان فبلغه فقال: الحمد لله الذي توفى مني شهيداً. وقال: الطويل جزى حملاً جازي العباد كرامةً ... وعمرو بن كعبٍ خير ما كان جازيا خليليّ وابنيّ اللّذين تتابعا ... شهيدين كانا عصمتي ورجائيا ومن يعطه الله الشّهادة يعطه ... بها شرفاً يوم القيامة عاليا وقال محمد بن كناسة:

стр. 197

زوج زبان بن منصور الحسن بن علي بن أبي طالب خولة ابنة زبان، فمكثت عنده حولاً لا تكتحل ولا تدهن حتى وضعت له ابناً، فاكتحلت وتهيأت له: فقال لها الحسن: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: كرهت أن تقول النساء: احتفلت فلم تصنع شيئاً. فأما إذ جاء هذا فما أبالي ما كان. فقال لها الحسن: وابأبي أنت! فلما مات الحسن اشتد جزعها عليه، فقال زبان: الكامل نبّئت خولة أمس قد جزعت ... من أن تنوب نوائب الدّهر لا تجزعي يا خول واصطبري ... إنّ الكرام بنوا على الصّبر قال: وحدثني رجل من بجيلة عن امرأة من بني العنبر يقال لها مهدية، قال: وكان لها بنون وإخوة فهلكوا حتى بقي لها ابن فمات فقالت: الوافر أمنجاب الأكارم من لركبٍ ... أناخوا جنبةً ودنوا أصيلا؟ أمنجاب الأكارم عد إلينا ... لكي نشفي برؤيتك الغليلا كأنّك لم تقل للرّكب سيروا ... ولم ترحل عذافرةً ذمولا وقال عن علي بن سليمان عن الحسن قال: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومبتلى غير صابر. وقال أبو الحسن:

стр. 198

قال جهم بن حسان: بلغني أن توسعة بن أبي عتبان جزع على أخيه عتبة فقال يبكيه: الكامل منع الرّقاد تحوّبي ما أهجع ... ونبا بجنبي عن فراشي مضجع أعتيب قد كنت امرءاً لي جانبٌ ... حتّى رزئتك والجدود تضعضع فلمن أقول إذا تلمّ ملمّةٌ ... أرني برأيك أم إلى من أفزع!؟ قد كنت أنظر في المقامة سادراً ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع وفقدت إخواني الّذين بقربهم ... أعطي الدّنيّة من أشاء وأمنع نعم الفتى من آل بكرٍ ألبسوا ... أثوابه في اللّحد ثمّ تصدّعوا عنه وما طابت بذاك نفوسهم ... ولكلّ جنبٍ لا محالة مصرع وجزعت عليه أخته عمرة فقالت: الكامل قل للأرامل واليتامى قد ثوى ... فلتبك أعينها على عتّاب أودى ابن كلّ مخاطرٍ بتلاده ... وبنفسه بقيا على الأحساب الرّاكبين من الأمور صدورها ... لا يركبون معاقد الأذناب قال أبو الحسن: قال الهلالي: أغمي على سعيد بن المسيب فوجه ثم أفاق فقال: ما هذا؟ فقيل له، فقال:

стр. 199

أوليس وجهي لله جل ذكره حيث كان!. وقال الهلالي: كان عثمان بن عفان، ﵀، إذا وقف على قبر بكى، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لتبكي عند القبر بكاءً ما تبكيه عند شيء! فقال: نعم، إنه آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخر، فإن شدد على صاحبه فما بعده أشد، وإن هون على صاحبه فما بعده أهون. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه. وقال الهلالي: لما حضرت معاوية الوفاة، قيل له: قل لا إله إلا الله. فضعف عنها، ثم قيل له فضعف، فثلث عليه. فقال: أولست من أهلها؟! وقال الهلالي: أثني قوم على عوف الأعرابي وهو في الموت، فقال: يا قوم، أمدونا بالدعاء، وأعفونا من الثناء.

стр. 200

باب الجفاة عند الموت قال أبو العباس رحمه الله تعالى: ونذكر الجفاة عند الموت: قال علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب وهو في الموت: يا عم، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند ربي. قال: يا بن أخي، لولا أن تكون سبةً عليك بعدي لأقررت بها عينك. وقال: قال الزهري: مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله. قال: يا بن أم عبد، ما أخزاني الله. لست بأول سيد قتله قومه. إن أشد من ذلك علي ألا يكون ولي مني ما تريد أن تليه، رجل من صميم المطيبين، فوضع ابن مسعود رجله على عنقه فقال: أرويعياً بالأمس بمكة. لقد ارتقيت مرتقى صعبا

стр. 201

قال أبو الحسن: سئل وكيع بن الدورقية: كيف قتلت عبد الله ابن خازم؟ قال: قعدت على صدره، وغلبته بفضل فتاء كان لي عليه وناديت: يا لثارات دويلة يعني أخاه من أمه. وكان دويلة أخا وكيع من أمه، قتله عبد الله. قال: وكنت طعنته في شدقه، فجمع ما كان في فيه من الدم والريق فتنخم به، فملأ وجهي وقال: قبحك الله، أتقتل كبش مضر بأخ لك لا يساوي كف نوى!. قال: وكان ابن هبيرة يقول: هذه والله البسالة، لقدرته على كثرة ريقه عند الموت. وقال عبد الله بن قائد: كان طريف بن نافع الباهلي عالماً بالنسب، فلما ثقل قال لقومه وهو في الموت: بلوا فمي بماء، فعصروا في فيه ماءً بقطنه، ثم قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: فلان ليس لأبيه الذي يدعى له. فقيل له: أتقول هذا وأنت على هذه الحال!

стр. 202

فقال: خفت أن أموت وأنتم في شك منه، ثم أضجعره فمات. وقال يعقوب بن عوف عن عبد الله بن أبي بكر أن بجرة بن فراس القشيري قيل له وقد نزل به الموت: قل لا إله إلا الله، قال: أشهد أن أبا الزاهرية أو أبا حرب نعم الفارس كان يوم النخيل ثم مات. وقال عوانة: قال الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي: كيف قتلت همام بن قبيصة الفزاري؟ قال: مر بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يفوتني فعل، فلما رآني قصدني فضربني وضربته، وسقط وحاول القيام فلم يقدر عليه، وقال وهو في الموت: الطويل تعست ابن ذات البظر أجهز على امريءٍ ... يرى الموت خيراً من فرارٍ وأكرما ولا تتركنّي بالحشاشة إنّني ... صبورٌ إذا ما النّكس مثلك أحجما فدنوت منه. فقال: أجهز علي قبحك الله، فقد كنت أحب أن يلي هذا مني أربط جأشاً منك. فاحتززت رأسه فأتيت به مروان وأخبرته الخبر، فقال: لا تبعد رجالات قيس!

стр. 203

قال أبو عبد الرحمن التميمي: جاء رجل من كلب برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا. قال: كذبت! هذا أشرف وأشجع من أن تقتله. قال: أنا، والله، قتلته، مر بي يعدو به فرسه وهو يقول: مشطور الرجز قد طاب ورد الموت مروان فرد ... لا تحسبنّ العيش أدنى للرّشد لا خير في طول الحياة في كبد فطعنته فسقط، ثم نزلت إليه وهو يجود بنفسه ويقول: السريع بعداً وسحقاً لامريءٍ عاش في ... ذلٍّ وفي كفّيه عضبٌ صقيل وقال يزيد بن قحيف: لما قتل حلحلة بن قيس وسعيد بن عيينة من قتلا من كلب، رجعوا إلى خيبر فأقاموا. فلما ظفر عبد الملك استعداه الكلبيون وقالوا: دماءنا! فأخذ عبد الملك سعيداً وحلحلة. فأما سعيد فكان يسبح ويستغفر، وأما حلحلة فقال: أرحنا منك يا بن الزرقاء، فلو ملكتها منك لما تركتك طرفة عين. وقال: الطويل إن أك مقتولاً أقاد برمّتي ... فمن قبل قتلي ما شفى نفسي القتل

стр. 204

وقد تركت حربي رفيدة كلّها ... محالفها في دارها الجوع والذّلّ ومن عبد ودٍّ قد أبرت قبائلاً ... فغادرتهم كلاًّ يطيف به كلّ وقال أيضاً: الطويل لعمري لئن شيخا فزارة أسلما ... لقد خزيت قيسٌ وقد ظفرت كلب فلا تأخذوا عقلاً وخصّوا بغارةٍ ... بني عبد ودٍّ بين دومة والهضب سلامٌ على حيّي عديٍّ ومازنٍ ... جميعاً وخصّا بالسّلام أبا وهب أبو وهب هو زبان بن منظور بن زبان. فقال لما بلغه قوله وخصا بالسلام أبا وهب: رحمك الله أبا ثوابة، لقد كفيتنا العار والنار، وأدركت الثار، وللقوم فينا فضل، فلم تخصصنا عليهم، وقد ظلمتهم!. فلما دعي به ليقتل قيل له: أصبر حلحل، فبرك وقال: الرجز أصبر من عودٍ بجنبيه الجلب ... قد أثّر البطان فيه والحقب وقال: الرجز أصبر من ذي ضاغطٍ عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك ومد عنقه فقتله رجل من بني عبد ود. وقال عوانة ويزيد بن عياض أن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة فنزل به الموت بثنية هرشا أو بقفا المشلل فدعا حصين بن نمير السكوني فقال:

стр. 205

يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره خلافه عند الموت، ولولا ذلك لكان الوالي حبيش بن دلجة فإنه أولى بذلك منك. احفظ عني ما أقول لك: لا تطيلن المقام بمكة، فإنها أرض جردة محتدمة الحر، ولا تصلح الدواب بها، ولا تمنع أهل الشام من الحملة، ولا تمكن قريشاً من أذنك، فإنهم قوم خدع. ليكن أمرك الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. ولئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذن لشقي. وقال عثمان بن الضحاك عن ذكوان مولى مروان قال: بعث يزيد بطبيب إلى مسلم فقال مسلم للطبيب: ويحك، إنما كنت أحب أن أبقى حتى أشفي نفسي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت. فما شيء أحب إلي من الموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثاً. فإني لا أشك في أن الله طهرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس. وقال ابن جعدبة: قال مسلم بن عقبة وهو بالموت لحصين بن نمير: إنك تقدم على قوم لا عدة ولا سلاح لهم، جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المنجنيق في موضعين بين جبلين فإن تعوذوا بالبيت فارمه، فما أقدرك على بنائه. ومات. وقال حمزة بن إبراهيم بن مضرس: قيل لرجل من بني قريع: قل لا إله إلا الله وقدم خيراً فقال: البسيط

стр. 206

يا ربّ قائلةٍ يوماً وقد لغبت ... كيف الطّريق إلى حمّام منجاب ومات من ساعته. وقال عبدة العنبري: قيل لعبد الله بن شعبة بن القلعم: لو قدمت لنفسك خيراً، فقال لبنيه: يا بني إن قوماً يقولون لكم بعدي: اقضوا دين أبيكم عنه، فلا تفعلوا، فإن لأبيكم ذنوباً كلها أعظم من الدين. اللهم، إن تغفر تغفر جماً. فبكت امرأته، فقال: لا تعصري عينيك علي، وإذا مت فاركبي بغلاً قوياً وطوفي اليمن وانظري أطول بني تميم رقبةً فتزوجيه. فلما هلك تزوجها أبو شيخ بن العرق الفقيمي. وقال: لما حضرت لبيد بن ربيعة الوفاة قال لبني عمه: أسمعوني كيف تبكون علي. فقال رجال منهم أشعاراً لم يرضها، فقال بعضهم: الطويل لتبك لبيداً كلّ قدرٍ وجفنةٍ ... وتبك الصّبا من فاد وهو حميد ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لأهله ومن اجتمع إليه من قومه: الوافر أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن العتاب إلى من تفزعون إذا حثيتم ... بأيديكم عليّ من التّراب

стр. 207

فقالت مولاته له: إلى الله. فقال: وأنت تعيشين في مالي؟! امحوا اسم الخبيثة من الوصية. وقال المدائني: لما هلك الأحوص بن محمد بن عبد الله بن ثابت الأنصاري كان آخر ما قال، ورأسه في حجر جارية له يقال لها بشرة: الطويل ما لجديد الموت يا بشر لذّةٌ ... وكلّ جديدٍ تستلذّ طرائفه فلا ضير إنّ الله يا بشر سائقي ... إلى منزلٍ فيه تكون خلائفه فلست وإن عيشٌ تولّى بجازعٍ ... ولا أنا ممّا حمّل الموت خائفه وقال عوانة: لما حضر بأخرة قيل له: قل لا إله إلا الله. قال: قد بلغ الأمر إلى هذا؟ وقال مغلس بن عبد الله المحاربي: كنت بساباط فسمعت غلاماً يصيح واسيداه، يعني نوفل بن صالح مولى بني جعفر، فأتيته فإذا هو يجود بنفسه. فقلت:

стр. 208

أبا صالح، قل لا إله إلا الله، فأبى وقال: الطويل أيا ويح نفسي حسب نفسي الّذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي فقلت: قل لا إله إلا الله. فأبى، وجعل يردد هذا البيت حتى قبض. وقال يونس بن حبيب: لما حضرت أخاه الأبح الكندي الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فلما أكثروا عليه جعل يتقلب على جنبه ويقول: وقد حيل بين العير والنّزوان وقال أبو عمرو المدني وغيره: إن سالم بن دارة وهي أمه، وأبوه مسافع بن عقبة، من بني عبد الله بن غطفان وقع بينه وبين زميل بن أم دينار وأبوه أبير، من بني فزارة شر، فضربه، فجرحه أبير، فأدخل المدينة، وحمل إلى عثمان بن عفان، فأمر عثمان الطبيب فنظر ما مبلغ جرحه ثم أمره فداواه، فأفاق من وجعه، فدست أم البنين بنت عيينة بن حصن وهي امرأة عثمان إلى الطبيب دينارين. وقال قوم: بل أعطاه ذلك منظور بن سيار فسم جرحه، فانتقض فقال لأبيه وهو بالموت يحضه على قتل منظور: البسيط

стр. 209

أبلغ أبا سالمٍ عنّي مغلغلةً ... فلا تكوننّ أدنى القوم للعار لا تأخذن مئةً منّي مكمّلةً ... وإن أتاك بها تحدى ابن عمّار لو كان زيدٌ هو المقتول لأعترفوا ... وسط الدّيار غلاماً غير عوّار ومات من يومه. فقال أبوه: إن ابني عقني في حياته، وكلفني تعباً بعد موته. وقال أبو الحسن قال أبو العباس: وحدثنيه أبو عثمان المازني وحدث به أبو الحسن عن عبد الله بن مسلم قال: قيل لامرأة من بني نمير: أوصي فحدثني أبو عثمان المازني أنها قالت: ما أحب أن أوصي. قيل: إن لك في ذلك لأجراً، قالت: من الذي يقول: الوافر لعمرك ما رماح بني نميرٍ ... بطائشة الصّدور ولا قصار قالوا: زياد الأعجم، قالت: وممن هو؟ من بني نمير قالت: فثلثي لبني نمير. وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: مرضت عجوز من بني نمير فأتوها بعطاء ابنها، وكان غائباً، فقالوا: هذا عطاء ابنك، وقد نقصناه درهمين.

стр. 210

قالت: ولم؟ قالوا: قتل رجل من بني نمير رجلاً من بني سلول، فحملنا الدية شيئاً تراضوا به، فتناولت درهمين آخرين فألقتهما إليهم وقالت: قولوا له يقتل آخر، وادفعوا هذين في الدية، فضحكوا وخرجوا، فما غابوا حتى ماتت. وقال عوانة: قيل للحطيئة عند موته: لك مال فأوص منه للمساكين: قال: بل أوصيهم بإلحاف المسألة. قيل: فأعتق غلامك سيار. قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض عبسي. قيل: فأوص فإن لك بنات. قال: مالي كله للذكور دون الإناث. قالوا: إن الله جل ذكره لم يقل هكذا. قال: لكني أقوله. وأوصيكم بالأيتام شراً، كلوا أموالهم، وانكحوا أمهاتهم، واحملوني على حمار، فلعلي لا أموت، فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواية السوء. وقيل له وهو يجود بنفسه:

стр. 211

قل لا إله إلا الله، فتمثل قول الشماخ: الطويل فظلّت بيمؤودٍ كأنّ عيونها ... إلى الشّمس هل تدنو ركيٌّ نواكز وقال أبو الحسن عن أبي خيران الحماني عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت رجلاً مصطلم الأذن فقلت: أخلقة أم حادث؟ قال: بل حادث. بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى، مررت برجل منهم ينشد: الطويل لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا ... فما صدرت إلاّ ونحن رواء أطعنا قريشاً ضلّةً من حلومنا ... ونصرتنا أهل الحجاز عناء لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه ... وشيعتها مندوحةٌ وغناء أطعنا بني تيم بن مرّة شقوةً ... وهل تيم إلاّ أعبدٌ وإماء فقلت: من أنت؟ قال: أدن مني أخبرك. فدنوت منه فأزم بأذني فقطعها وقال: إذا أتيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب فعل ذلك بي، ومات. وقال أبو الحسن عن عامر بن حفص قال: بلغني أن رجلاً من بني الهجيم قال وهو بالموت: الرجز كيف تراني والمنايا تعترك ... تنهض أحياناً وحيناً تبترك

стр. 212

وقال أبو الحسن عن عامر بن الأسود: ثقل وكيع بن أبي سود فأشرف عليه عدي بن أرطاة وهو يومئذ أمير البصرة من دار الإمارة، فقال: كيف أصبحت يا أبا المطرف؟ قال: أصبحت وثاباً جرياً، فضحك عدي ورجع. فما جلس حتى سمع الواعية عليه. وقال حمزة بن إبراهيم: قال لبطة بن الفرزدق: لما ظننا أن أبي قد احتضر بكينا حوله، ففتح عينيه ثم قال: أعلي تبكون؟ فقلنا: أفعلى ابن المراغة نبكي؟ قال: أو ها هنا موضع ذكره؟ ثم أغمي عليه، فلما أفاق قال: الوافر إذا ما دبّت الأنقاء فوقي ... وصاح صدىً عليّ مع الظّلام لقد شمتت أعاديكم وقالت ... أدانيكم من أين لنا المحامي؟ وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: قال وكيع بن أبي سود عند موته لأهله وولده: إني إذا مت جاءكم قوم قد سودوا جباههم، ونشروا لحاهم، وعرضوا نعالهم، يقولون إن على أبيكم ديناً فاقضوه، فلا تقضوا عني شيئاً، فإن على أبيكم من الذنوب ما إن غفرها الله فالدين من أيسرها.

стр. 213

قال أبو الحسن عن عامر بن الأسود قال: قيل لأبي السفاح بكير بن معدان أوص، قال: إنا الكرام يوم طخفة. قالوا: إنك في الموت فقل خيراً وتشهد. قال: غلامي إذا مات فهو حر. قال أبو الحسن: قال دحيم وهو بالموت: الرجز قد وردت نفسي وما كادت ترد ... قد كنت ذا أزرٍ شديد المعتمد وكنت ذا شغبٍ على الخصم الألدّ ... قد جاء قرنٌ ليس بالقرن يردّ ثم هلك. قال أبو الحسن: قيل لرجل وهو مريض: قل لا إله إلا الله. ب: فقال: لم يأن لذلك بعد. وقيل لهرم بن حيان: أوص. فقال: صدقتني في الحياة نفسي، ما لي مال أوصيكم به، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة البقرة. وأخبر أبو الحسن عن شعبة بن عبد الله الأنصاري قال: عزى إياس بن معاوية رجلاً عن ابنه فقال: لا ينقص الله عددك، ولا يزل نعمةً عنك، وعجل الله لك من الخلف خيراً مما رزئت به وعزى آخر رجلاً فقال: إن فيما عوضك الله من الأجر خيراً مما فجعك به من الرزية. وقيل لأعرابية: ما أحسن عزاءك عن ابنك! فقالت: إن فقدانيه أمنني من المصائب بعده. وقال: أخبرني سعيد عن رجل منهم قال: خرجت إلى اليمن فنزلت على امرأة منهم، فرأيت مالاً كبيراً ورقيقاً وولداً وحالاً حسنة، فأقمت حتى قضيت حاجتي. فأردت الرحيل فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، كلما نزلت هذه البلاد فانزل علي، فغبرت أعواماً، ثم أتيت اليمن، فأتيت منزل المرأة فإذا حالتها قد تغيرت، وذهب رقيقها، ومات ولدها، وباعت منزلها، وإذا هي مسرورة بحالها، ضاحكة. فقلت: أتضحكين مع ما قد نزل بك؟ قالت: يا عبد الله، كنت في حال النعمة ولي أحزان كثيرة، فعلمت أن ذلك من قلة الشكر، فأنا اليوم في هذه الحال أضحك شكراً لله على ما أعطاني من الصبر. فقلت لعبد الله بن عمر: ما رأيت منها؟ فقال: ما كان صبر أيوب النبي ﵇ إلى هذه بشيء. وقال سفيان: شكا الربيع بن أبي راشد إلى محارب بن دثار إبطاء خبر أخيه جامع. فقال له محارب: إن لم تكن وطنت نفسك على فراق جامع فأنت عاجز. وقال: محمد بن أبي محمد: بلغني أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها أملاك سبعة، وبادوا. فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به فقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت ذلك سواءً. قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة؟ قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وغنىً لا يتبعه فقر، وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على هذا. قال: فامض لشأنك، وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. فقال الاسكندر: هذا أحكم من رأيت. وقال عبد الله بن عباس: ما قيل لقوم قط طوبى لهم إلا خبأ لهم الدهر يوم شر، فالصبر خير مغبةً. وتحدث أبو الحسن المدائني قال: قال بعثر بن لقيط بن خالد بن نضلة الفقعسي وهلك ابنه طعمة، فورثه بردين فلبسهما وأنشأ يقول: الطويل كساني ثوبي طعمة الموت إنّما التّ ... راث وإن عزّ الحبيب الغنائم إذا نفحت ريّاهما الرّيح نفحةً ... أبيت كأنّي غضّة الطّرف رائم يقول: أبيت أحن كالناقة الرائم حنيناً إلى ابني. والرائم: الناقة يفارقها ولدها فيحشى جلد فصيل تبناً أو غير ذلك، ويلطخ بشيء من سلاها، وتحشى غمامة في أنفها، وتجعل درجة في حيائها، فتفتح عينها، وذلك الجلد محشو كأنه خرج منها، ورائحة السلا فيه، وتنزع الغمامة من أنفها فتجد لذلك رائحة، فكأنها قد ولدت، فإذا تشممت ذلك الولد فقد رأمته، فينزل اللبن، فكأنهم خدعوها عن لبنها. وقال شعيب بن صفوان: كان لحضرمي بن عامر الأسدي إخوة فهلكوا، فورث أموالهم، فراح ذات يوم في بردين له، فنظر إليه رجل من قومه يقال له جزء بن فاتك، فقال له: لقد أمسيت يا حضرمي جذلان، فأنشأ يقول وجزع: المنسرح يقول جزء ولم يقل جللا ... إنّي تروّحت ناعماً جذلا إن كنت أزننتني بها كذباً ... جزء فلاقيت مثلها عجلا أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصاً نبلا؟ الذوذ: القليل من الإبل. يقال: إن الذود الذوذ إلى الذود إبل والشصائص: المهازيل العجاف. والنبل: يقول أصحاب الغريب إنها الحقيرة، وإنها من الأضداد. كم كان في إخوتي إذا اشتمل الأب ... طال تحت العجاجة الأسلا من فارسٍ ماجدٍ أخي ثقةٍ ... يعطي جزيلاً ويقتل البطلا وقال حرب وذكر المعمرين: عاش دويد النهدي أربع مائة سنة، فقال لولده وأهله حين نزل به الموت: أوصيكم بالناس شراً، طعناً لزا، وضرباً أزا، اقصروا الأعنة، وأطيلوا الأسنة، وارعوا الكلأ، ثم قال: مشطور الرجز اليوم يبنى لدويدٍ بيته ... يا ربّ نهبٍ حسنٍ حويته ومعصمٍ ذي برةٍ لويته ... لو كان للدّهر بلىً أبليته أو كان قرني واحداً كفيته

стр. 214

وقال عروة بن سليم: دخلت على رجل من الأحامرة بالكوفة، وعنده جماعة من أهله وغيرهم، فقالوا: قل لا إله إلا الله، فأعرض بوجهه، فأعادوها عليه مراراً، فقال: أخبروني عن أبي طالب أقالها؟ قالوا: وما أنت وأبو طالب؟ قال: لا أرغب بنفسي عنه. وقال سلام بن أبي خبرة: ضربت الخوارج بكراً الطاحي فقطعوه بالسيوف، فدخل عليه قوم يعودونه وعنده رجال ونساء، فقالوا له: ليس عليك بأس، فقال: الطويل غناءٌ قليلٌ عن بكير بن وائلٍ ... ترّمز أستاه الإماء العوائد

стр. 215

باب من تكلم في مرضه بشيء حكي عنه قال أبو الحسن: حدثني رجل من بني كنانة من أهل المدينة قال: مرض بلال مؤذن رسول الله ﵌ فعاده رسول الله ﵌ وأبو بكر الصديق، فقال بلال: الرجز جاءك مولاك مع الرّسول ... ذاك هدى الله به سبيلي فلم أدن دين أبي عقيل ... ولا بدين الأسود الضّلول وقال أبو الحسن عن غياث بن إبراهيم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قال أبو العباس: وحدثني به ابن عائشة وأبو عمر الجرمي ورسمه واحد قال: لما قدم المهاجرون المدينة وعكوا وابن عائشة والجرمي يقولان: اجتووها، وكانت أشد أرض الله حمى. قالت عائشة: فقال لي رسول الله ﷺ : اذهبي فانظري كيف أبوك وعمك، فدخلت على أبي بكر فقلت: يا أبتاه كيف تجدك؟ فقال: الرجز كلّ امريءٍ مصبّحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
следующие страницы →