Полный текст (252 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أبو الأرامل والأيتام ليس له ... إلاّ مراعاتهم همٌّ ولا وطر
للهاربين مصادٌ غير مطّلعٍ ... وللعفاة جنابٌ ممرعٌ خضر
من كلّ أفقٍ إليه العيس معملةٌ ... وكلّ حيٍّ على أبوابه زمر
المصاد: رأس الجبل يتحصن فيه الخائفون، كما قال أوس بن حجر: الطويل
إذا أبرز الخوف الكعاب فإنّهم ... مصادٌ لمن يأوي إليهم ومعقل
مشيّعٌ لا يفوت الذّحل صولته ... وأكرم النّاس عفواً حين يقتدر
لا يزدهيه لغير الحقّ منطقه ... ولا تناجيه إلاّ بالتّقى الفكر
ثبتٌ على زلل الأيّام مضطلعٌ ... بالنّائبات لصعب الدّهر مقتسر
سامي الجفوني يروق الطّرف منظره ... وأطهر النّاس غيباً حين يختبر
الحلم يصمته والعلم ينطقه ... وفي تقى الله ما يأتي وما يذر
لم تسم همّته يوماً إلى شرفٍ ... إلاّ حباه بما يسمو له الظّفر
يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلاّ وهو معتذر
يزيد معروفه كبراً ويرفعه ... أنّ الجسيم لديه منه محتقر
وليس يسعى لغير الحمد يكسبه ... وليس إلاّ من المعروف يدّخر
عفّ الضّمير رحيب الباع مضطلعٌ ... لحرمة الله والإسلام منتصر
ما انفكّ في كلّ فجٍّ من ندى يده ... للنّاس جودان: محويٌّ ومنتظر
لو هاب عن عزّةٍ أو نجدةٍ قدرٌ ... من البريّة خلقاً هابك القدر
ليبك فقدك أطراف البلاد كما ... لم يخل من نعمةٍ أسديتها قطر
وليبكك المرملون الشّعث ضمّهم ... من كلّ أوبٍ إلى أبياتك السّفر
وذات هدمين تزجي دردقاً قزماً ... مثل الرّئال حباها البؤس والكبر
ويبكك الدّين والدّنيا لرعيهما ... والبرّ والبحر والإعسار واليسر
كفلت عترة أقوامٍ مهاجرةٍ ... عثمان جدّهم أو جدّهم عمر
وقد نصرت وقد آويت محتسباً ... أبناء قومٍ هم آووا وهم نصروا
стр. 142
يا ربّ أرملةٍ منهم ومكتهلٍ ... أيتمته وهو مبيضٌّ له الشّعر
لله شمل جميعٍ كان ملتئماً ... أضحى ليوم سعيدٍ وهو منتشر
أمسى لفقدك ظهر الأرض مختشعاً ... بادي الكآبة واختالت بك الحفر
أحياك عمروٌ ولولاه وإخوته ... عفا النّوال فلم يسمع له خبر
ألهمتهم طوعه فانقاد رشدهم ... كلٌّ يراه بحيث السّمع والبصر
كأنّهم كنفاه وهو بينهم ... بدر السّماء حوته الأنجم الزّهر
بنو قتيبة نور الأرض نورهم ... إذا خبا قمرٌ منهم بدا قمر
إذا تشاكهت الأيّام واشتبهت ... أبان أيّامك التّحجيل والغرر
إمّا ثويت فما أبقيت مكرمةً ... إلاّ بكفّيك منها العين والأثر
إنّ اللّيالي والأيّام لو نطقت ... أثنت بآلائك الآصال والبكر
كان النّدى في شهور الحول مقتسماً ... بين البريّة فاغتال النّدى صفر
قال: وكان سعيد عامراً لطرق الخير، عواداً على الأيتام والأرامل، وعلى أبناء المهاجرين والأنصار. وكان حسن العزاء، وكان يقدم من بنيه عمراً وسلماً فأتاه موت ابن له يقال له العباس في يوم مات سلم بحضرته، وكانت ميتة العباس بكرمان، قتله بها الخوارج، فذكر الحسن بن رجاء أنهم دخلوا عليه مع رجاء بن أبي الضحاك ليعزوه عنهما، فرأوا عنده من العزاء ما لو شهده من لم يعرف القصة لظن أنه المعزي.
وحدثني ابن لموسى بن سعيد بن سلم أن سعيداً كان عنده قوم على الطعام في عقب موت سلم، فحدثهم حديثاً ثم قال لهم، واللقمة في يده: حدثني بهذا ابني سلم ﵀. ثم وضع اللقمة في فيه.
وقال عبد الصمد فيه: الخفيف
ربّ طفلٍ نعشته بعد يتم ... وفقيرٍ أغنيته بعد عدم
كلّما عضّت الحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سلم: الطويل
هريقا دماً إن أنفدت عبرةٌ تجري ... أبى الصّبر أنّ الرّزء جلّ عن الصّبر
стр. 143
ولا تجمدا عينيّ قد حسّن البكا ... وفرط الأسى فقد المغيّب في القبر
ليغركما بالبثّ أن لست واقفاً ... من الصّبر يوماً بعد عمروٍ على عذر
سلامٌ وسقيا من يد الله ثرّةٌ ... على جسدٍ بالٍ بلمّاعةٍ قفر
جرت فوقه الأرواح أمناً لجريه ... وقد كنّ حسرى حين يجري كما تجري
تولّى النّدى والبأس والحلم والتّقى ... فلم يبق منها بعد عمرٍ وسوى الذّكر
فإن تطوه الأيّام لا تطو بعده ... صنائع منه لا تبيد على النّشر
متى تلقه لا تلق إلاّ ممنّعاً ... حماه، مصون العرض مبتذل الوفر
وأيّ محلٍّ لا لكفّيه نعمةٌ ... على أهله من أرض برٍّ ولا بحر
وما اختلفت حالان إلاّ رأيته ... ركوب الّتي تسبي هيوب الّتي تزري
ومن تكن الأوراق والتّبر ذخره ... فما كان غير الحمد يرغب في ذخر
كلا حالتيه الجود أنّى تصرّفت ... به دول الأيّام في العسر واليسر
وما عدمت يوماً لكفّيه أنعمٌ ... تضاف له منها عوانٌ إلى بكر
وما انتسبت إلاّ إليه صنيعةٌ ... وما نطقت إلاّ به ألسن الفخر
يرى غبناً يوماً يمرّ وليلةً ... عليه ولم يكسب طريقاً من الشّكر
تغضّ له الأبصار عند اجتلائه ... وليس به إلاّ الجلالة من كبر
ترى جهره جهر التّقيّ وسرّه ... إذا ما اختبرت السّرّ أتقى من الجهر
ولم يصح من يومٍ ولم يمس ليلةً ... بغير اكتساب الحمد مشتغل الفكر
وكانت تعمّ النّاس نعماء كفّه ... فعمّوا عليه بالمصيبة والأجر
تناعاه أقطار البلاد تفجّعاً ... لمصرعه تبكيه قطراً إلى قطر
تباشر بطن الأرض أنساً بقربه ... وأضحت عليه وهي خاشعة الظّهر
ولم تك تسقى الأرض إلاّ بسيبه ... إذا ما جفا أقطارها سبل القطر
إذا نشأت يوماً لكفّيه مزنةٌ ... أديل الغنى في كلّ فجٍّ من القفر
هوى جبل الله الّذي كان معقلاً ... وعزّاً لدين الله، ذلاً على الكفر
عجبت لأيدي الحتف كيف تغلغلت ... إليك وبين النّسر بيتك والنّسر
وما كنت بالمغضي لدهرٍ على القذى ... ولا ليّنٍ للحادثات على القسر
ولو دفع العزّ الحمام عن امريءٍ ... لما نال عمراً للحمام شبا ظفر
стр. 144
ألم تك أسباب الرّدى طوع كفّه ... تبين لصرفي ما يريش وما يبري
إذا صاح داعي الرّوع سار أمامه ... لواءان معقودان بالفتح والنّصر
يقسّم آجال العدى عزم بأسه ... بهنديّة بيضٍ وخطّيّةٍ سمر
وما ذبّ إلاّ عن حمى الدّين سيفه ... ولا قاد خيل الله إلاّ إلى ثغر
وقد كان يقري الحتف أعداء سلمه ... فأضحى قرى ما كان أعداءه يقري
تولّى أبو عمروٍ فقلنا لنا عمروٌ ... كفانا طلوع البدر غيبوبة البدر
وكان أبو عمروٍ معاداً حياته ... بعمروٍ، فلمّا مات مات أبو عمروٍ
وكنّا عليه نحذر الدّهر وحده ... فلم يبق ما يخشى عليه من الدّهر
وهوّن وجدي أنّ من عاش بعده ... يلاقي الّذي لاقى وإن مدّ في العمر
وهوّن وجدي أنّني لا أرى أمرءاً ... من النّاس إلاّ وهو مغضٍ على وتر
رمتنا اللّيالي فيك يا عمرو بعد ما ... حمدنا بك الدّنيا، بقاصمة الظّهر
سأجزيك شكري ما حييت فإن أمت ... أبقّ ثناءً فيك يبقى إلى الحشر
وأوثر حزني فيك دون تجلّدي ... وإسبال دمعٍ لا بكيءٍ ولا نزر
قال أبو العباس: وكان مروان بن أبي الجنوب بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة مداحاً للخلفاء من لدن المهدي إلى أن قام محمد ولي عهد، ولم يبلغ خلافته. وكان مطبوعاً خطيباً في شعره، صحيح المعاني، قليل الإغماض صلب الكلام، وأعطاه المهدي فأكثر. وفي ذلك يقول: البسيط
صدّقت يا خير مأمولٍ ومنتجعٍ ... ظنّي بأضعاف ما قد كنت أحتسب
أعطيت تسعين ألفاً غير متبعها ... منّاً ولست بمنّانٍ لما تهب
стр. 145
فلما مات المهدي جزع عليه جزعاً شديداً، ورثاه بأشعار اخترنا منها قوله: الكامل
لو خلّدت بعد الإمام محمّدٍ ... نفسي لما فرحت بطول بقائها
كم قائلٍ لمّا أتاه نعيّه: ... ليت اللّيالي آذنت بفنائها
إنّ البلاد غداة أصبح ثاوياً ... كادت تعود جبالها كصفائها
ترك المسامع فقده مستكّةً ... وشجا النّفوس وحال دون عزائها
فاليوم شاغبت النّفوس حرارةٌ ... كالنّار موصدةً على أحشائها
واليوم أظلمت البلاد وربّما ... كشفت بغرّته دجى ظلمائها
واليوم أصبحت الأرامل ولّهاً ... تدعو وما ظلمت بطول شقائها
كانت تعوذ من الشّتاء إذا شتت ... بفنائه وتعيش في أذرائها
وتبيت آمنةً لدى حجراته ... كحمام مكّة قطّناً وظبائها
أفنى البكاء على الإمام محمّدٍ ... ماء العيون فأستعدت بدمائها
لمّا استنار ببطن مكّة هلكه ... حنّ التّراب إليه من بطحائها
فرحت بطون الأرض إذ كسيت به ... نوراً جلا ظلماتها بجلائها
وبكت أمير المؤمنين ظهورها ... إذ غاب زين عشيّها وضحائها
كانت خلافته خلافة رحمةٍ ... حتّى مضت أيّامه لمضائها
ما مرّ من يومٍ عليه وليلةٍ ... إلاّ تدفّق كفّه بعطائها
روّى الظّماء بوادياً وغوادياً ... عفواً بأرشية النّدى ودلائها
عمّ الصّحاح بعدله وبعرفه ... وشفى المراض بسيفه من دائها
وصلت جناحي من فواضل سيبه ... سبعون ألفاً راشني بحبائها
فلأتبعنّ له المديح مراثياً ... يبقى على المهديّ حسن ثنائها
أثني لأجزيه أيادي عرفه ... عندي ولست ببالغ لجزائها
стр. 146
أقلي الحياة إذا رأيت قصوره ... غبراً خواشع بعد طول بهائها
وجياده قد عرّيت وقبابه ... مختلّةً عرصاتها لخلائها
فقدت مشرّفها الجياد فأصبحت ... تبكيه عند صباحها ومسائها
ففحولهنّ عن الحجور ذواهلٌ ... وحجورهنّ تصدّ عن أفلائها
سقيت على الظّمإ القراح لفقدها ... من كان يعرضها على أسمائها
ولقد تراها والحليب صبوحها ... وغبوقها في قيظها وشتائها
قلعت لترك ركوبها غلمانها ... ولقد ترى ثبتاً على أقرائها
القلع: الذي لا يستقر على سرج.
يا من علا شمس النهار لفقده ... رهج القتام فحال دون ضيائها
إنّ القبور قديمها وحديثها ... لصداك فاضلةٌ على أصدائها
ما حفرةٌ أسنى وأكرم ساكناً ... من حفرةٍ حدروك في أرجائها
إلاّ الّتي أمسى النبيّ محمّدٌ ... فيها فإنّ لتلك فضل سنائها
يا ليت نفسي قبل نفسك غالها ... ريب المنون فحال دون ثوائها
وبقيت ما بقي النّهار لأمّةٍ ... ما إن تملّ عليك طول بكائها
فجعت بسيرتك الرّعيّة بعدما ... أنسيتها الماضين من خلفائها
ألبستها كنفي رؤوفٍ حافظٍ ... حرم الحقوق، موكّلٍ بأدائها
يمشي اليتامى في ذراه كأنّما ... يأوي المبيت بها إلى آبائها
لولا أبنك الكافي الخطوب لأدبرت ... عنّا بقيّة عيشنا برخائها
قال أبو العباس: كتب الحسن بن وهب إلى الأمير محمد ابن عبد الله بن طاهر يعزيه عن مصيبة:
стр. 147
بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاء الأمير مسروراً غير محزون، ومعطىً غير، مسلوب، ووفقه في أحواله كلها لما يستديم به النعمة، ويستحق عنده المثوبة. أفظعني أعز الله الأمير ما رأيت بالأمير جعلني الله فداءه من هذه الرزية التي كادت تكون أشبه بالنعم منها بالرزايا، لما وفر الله، إن شاء الله، للأمير أيده الله من ثوابها، وبقى له في نفسه حاطه الله من بعدها. فإن حياة الأمير مد الله في عمره حياة لأهله وذوي تأميله، بعد الذي جعل الله للدين والخلافة من الأنس والعز بسلامته، وللأمة من جيل مكانه وموضعه، ووفر الله للأمير، ولا نقصه وتولاه بحسن المدافعة عنه والحياطة، ولا أراه سوءاً في نفس ولا حميم، بقدرته وهذه جعلت فداء الأمير أبيات ينظر فيها أيده الله عند نشاطه إن شاء الله: مجزوء الكامل
قل للمجير على الدّهور ... ومقيل ذي الجدّ العثور
ولمن يصغّر كبره ... مستعظم الخطب الكبير
حتّى يرى بعد الجلا ... لة منه في حال الصّغير
إنّ الأمير أجلّ قد ... راً في ملمّات الأمور
من أن تفيض دموعه ... لفراق إلفٍ أو عشير
لا، بل يكون مسلّماً ... لحكومة الملك القدير
ويبثّه منه الرّضى ... عنه بإخلاص الضّمير
والصّبر في البلوى فيع ... طى وافياً أجر الصّبور
والشّكر في النّعمى يغ ... نم ما يضاعف للشّكور
فالله ينسئ عمره ... في منتهى رتب الحبور
وإذا بكت غزر العيو ... ن فلا بكت عين الأمير
لا بل تبيت قريرةً ... أبداً على برد السّرور
ماذا بعبدك مذ رآ ... ك من الكآبة والفتور
стр. 148
عبدٌ يراك وليّ نع ... مته إلى يوم النّشور
ويراك جابر ما وهى ... من عظمه ذاك الكسير
ويجنّ ودّاً، خبره ... عند العليم به الخبير
قال: وكان الحسن بن وهب يقدم حبيب بن أوس أبا تمام الطائي تقديماً يتجاوز فيه، ولا يرى له في الشعر نداً قديماً فضلاً عن حديث. فأتاه خبر موته بالموصل فرثاه بشعر سلك فيه مثل طريقه، وترك مذهبه في السهولة والبيان وألفاظ الكتاب فقال: الوافر
سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن له نحيبا
إذا ظلّلنه أطلقن فيه ... شعيب المزن تتبعها شعيبا
الشعيب: المزادة التي يحملها البعير.
ولطّمت البروق لها خدوداً ... وشقّقت الرّعود لها جيوبا
فإنّ تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا
لبيباً شاعراً فطناً أديبا ... أصيل الرّأي في الجلّى أريبا
إذا شاهدته روّاك ممّا ... يسرّك رقّةً منه وطيبا
أبا تمّامٍ الطّائيّ إنّا ... لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقاً لا نرانا ... نصيب له مدى الدّنيا ضريبا
وكنت أخاً لنا يدني إلينا ... ضمير الودّ والنّسب القريبا
وكانت مذحجٌ تطوى علينا ... جميعاً ثمّ تنشرنا شعوبا
فلمّا بنت نكّرت اللّيالي ... قريب الدّار والأقصى الغريبا
وأبدى الدّهر أقبح صفحتيه ... ووجهاً كالحاً جهماً قطوبا
فأحر بأن يطيب الموت فيه ... وأحر، بعيشةٍ ألاّ تطيبا
стр. 149
وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي بنيه: المتقارب
أما يزجر الدّهر عنّا المنونا ... يبقّي البنات ويفني البنينا
وأنحت عليّ بلا رحمةٍ ... فلم تبق فوق غصوني غصونا
وكنت أبا ستّةٍ كالبدور ... وقد فقؤوا أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات المنون ... كمرّ الدّراهم بالنّاقدينا
فألقين ذاك إلى صارخٍ ... وألقين ذاك إلى ملحدينا
فما زال ذلك دأب الزّما ... ن حتّى أماتهم أجمعينا
وحتّى بكى لي حسّادهم ... وقد أتعبوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادثٍ بامريءٍ ... ترى حاسديه له راحمينا
رأيت بنيّ على ظهرها ... فصاروا إلى بطنها ينقلونا
فمن كان يسليه مرّ السّنين ... فحزني تجدّده لي السّنونا
وقال فيهم: الكامل
يا ستّةً أودعتهم حفر البلى ... لخدودهم تحت الجبوب وساد
منعوا جفوني أن يصافح بعضها ... بعضاً فهنّ وإن قربن بعاد
لمّا بقيت عماد بيتٍ مفرداً ... قد أسلمت أطنابه الأوتاد
لم تبق عينٌ أسعدت ذا عبرةٍ ... إلاّ بكت حتّى بكى الحسّاد
ماذا أرجّي بعد خمسٍ بعدها ... ستّون أكملها لي الميلاد؟
وسطت عليّ من الزّمان يدٌ بها ... فلّ الجميع وغيّب الأولاد
وقال يرثي أخته: الطويل
لقد خانني صبري بأمّ محمّدٍ ... فلم يبق لي إلاّ التّأسّف من جهدي
سوى أنّ صدري تحته مستكنّةٌ من الحزن ما تبقي على الرّجل الجلد
وإنّي مذ اليوم الّذي لم أطق به ... عن ابنة أمّي مدفعاً لعلى وعد
стр. 150
وقال يرثي محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب: الطويل
محمّد إن آنست منّي جانبا ... بقربٍ لقد أوحشت بالبعد جانبا
وقد عظمت فيك المصائب إنّها ... تصغّر عندي في سواك المصائبا
سلوت به عمّن تقدّم قبله ... وآليت أصفي بعده الودّ صاحبا
ستبكيك أخلاق المروءة إنّها ... مغيّبةٌ ما دمت عنهنّ غائبا
وقال يرثي ابنه سليمان، وكان نفيساً من ولده: الطويل
سليمان والله الّذي أنا عبده ... لقلبي عليلٌ ما بقيت حزين
تقاضاك دهرٌ فاقتضاك بدينه ... وللدّهر في نفسي عليّ ديون
فقرّت عيونٌ كنت شمل جفونها ... وجادت بحزنٍ بالدّماء عيون
فليس على دهرٍ مجيرٌ إذا عدا ... بكرهٍ، ولا خلقٌ عليه معين
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... لها دافنٌ من نفسها ودفين
فلله ما أعطى ولله ما حوى ... وأحر بأمرٍ كائنٍ سيكون
فيا فجعة الدّنيا بمن شبت بعده ... فسيّان مضنونٌ به وضنين
وقال يرثي صديقاً له يقال له عيسى بن القاسم: الطويل
بكت عين من لم يبك عيسى بن قاسمٍ ... بأربعةٍ حتّى تجفّ نواظره
فتىً غاب عنه أقربوه فلم يكن ... له من يحامي دونه ويؤازره
مررت على ربعٍ له بعد موته ... فباطنه يشكو الخراب وظاهره
تكاد مغانيه تقول لفقده ... لسائلها عن أهله: مات عامره
سلامٌ على الإخوان والعيش بعده ... ومن كنت أصفيه الهوى وأعاشره
ومن كان يسلي الهمّ عنّي حديثه ... إليّ إذا ضاقت بأمري مصادره
فإن أسل عن شيءٍ فما عنه سلوةٌ ... ومهما أضيّعه فإنّي ذاكره
стр. 151
وقال في ابن له يكنى أبا عمرو مات في آخر ولده قصيدةً يطيلها، اخترت منها هذه الأبيات: الطويل
لقد شمت الأعداء بي وتغيّرت ... عيونٌ أراها بعد موت أبي عمرو
تجرّا عليّ الدّهر لمّا فقدته ... ولو كان حيّا لاجترأت على الدّهر
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدى ... فديتم وأعطينا بكم ساكني الظّهر
فيا ليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيماً إلى الحشر
فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهم ... فثكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ إلى قبر
وقال دعبل بن علي الخزاعي يرثي أبا القاسم نصر بن حمزة: البسيط
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتّسعت ... فقصّ مرّ اللّيالي من حواشيها
هذا أبو القاسم الثّاوي ببلقعةٍ ... تسفي الرّياح عليه من سوافيها
هبّت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيراً إذ يجاريها
أضحى قرىً للمنايا إذ نزلن به ... وكان في سالف الأيّام يقريها
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي محمد بن منصور: السريع
أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتىً أصبح معروفه ... منتسباً في البيض والسّود
أنعى إلى الفتيان أعلاهم ... كعباً وأولاهم بتمجيد
أنعى ابن منصورٍ إلى سيّدٍ ... وأيّدٍ ليس برعديد
وأشعثٍ يسعى على صبيةٍ ... مثل فراخ الطّير مجهود
وطارقٍ أعيا عليه القرى ... ومسلمٍ في القدّ مصفود
стр. 152
أنعى فتىً مصّ الثّرى بعده ... بقيّة الماء من العود
وانثلم المجد به ثلمةً ... جانبها ليس بمسدود
أنعى فتىً كان ومعروفه ... يملأ ما بين ذرى البيد
فأصبحا بعد تساميهما ... قد جمعا في بطن ملحود
اليوم تخشى عثرات النّدى ... وعدوة البخل على الجود
يا راكب العيس الّتي تختطي ... ما بين أعناق القراديد
إنّ بباب البردان الفتى الضّ ... امن حاجات المجاهيد
من قنّع المسكين لمّا مضى ... من رغد العيش بتصريد
من لم يكن سائله ممسكاً ... منه بأذناب المواعيد
لا خير في الدّنيا وقد أغلقت ... أبوابها دون الفتى المودي
ليرتج البخّل عليها فقد ... مضى فتاها بالمقاليد
أورده حوضاً عظيم الثّأى ... في المجد يومٌ غير محمود
كلّ فتىً يسعى إلى مدّةٍ ... من أجلٍ قد خطّ معدود
سينطبق الشّعر بأيّامه ... على لسانٍ غير معقود
كفاك أنّ المجد قد أصبحت ... أعلامه في بطن أخدود
جودي بدمعٍ أو دمٍ جودي ... يا عين لا عذت بمجلود
فكلّ مفقودٍ إلى جنبه ... وإن تغالى غير مفقود
يا وافدي قومهما إنّ من ... طلبتما تحت الجلاميد
طلبتما الجود وقد ضمّه ... محمّدٌ في جوف ملحود
فاتكما بالموت معروفه ... وليس ما فات بمردود
يا عضداً للموت مفتوتةً ... وساعداً ليس بمعضود
أوهن زنديه وأكباهما ... قرع المنايا في الصّناديد
وهدّ ذا الرّكن الذي كان بال ... أمس عماداً غير مهدود
стр. 153
باب مواعظ وتعاز وأشعار
قال أبو العباس قد أملينا من أشعار المحدثين جملةً يخاف على مثلها الملل. وإنما كتابنا هذا وإن كان يقصد به معنى واحد فإنما يخرجه شيء من ذلك المعنى إلى آخر منه. فكأنه باب يخالف باباً. وهذا باب مواعظ وتعاز وأشعار داخلة في ذلك، موصولة به.
وقد كنا أملينا أخباراً عن عروة بن الزبير في قطع رجله، ومصاب ابنه بضرب دابة إياه. وهذا الذي نذكره مما يتصل بجملة أخباره: قال إسماعيل بن يسار يرثي محمد بن عروة: الخفيف
تلك عرسي رامت سفاهاً فراقي ... وجفتني فما تريد عناقي
زعمت أنّما هلاكي مع الما ... ل وأنّي محالفي إملاقي
وتناست رزيّةً بدمشقٍ ... أشخصت مهجتي فويق التّراقي
يوم ندعى إلى ابن عروة نعشاً ... فوق أيدي الرّجال والأعناق
مستحثّاً به سياقٌ إلى القب ... ر وما إن يحثّهم من سياق
بمقامٍ ربخٍ فلما أجنّوا ... شخصه وارتقوا وليس ثمّ براق
مكان ربخ: إذا كان لا يستقر عليه.
ثمّ ولّيت موجعاً قد شجاني ... قرب عهدٍ به وبعد تلاق
ولقد كنت للحتوف عليه ... مشفقاً لو أعاذه إشفاقي
فإذا الموت لا يردّ بحرصٍ ... لحريصٍ ولا لرقية راق
стр. 154
وغنينا كابني نويرة يوماً في رخاءٍ ولذّةٍ واتّفاق
ثمّ صرنا لفرقةٍ ذات بعدٍ ... كلّ حيٍّ مصيره لفراق
وقال أيضاً يرثيه: الكامل
صلّى الإله على أمريءٍ فارقته ... بالشّام في حدّ الضّريح الملحد
بوّأته بيديّ دار مقامةٍ ... نائي المحلّة عن مزار العوّ؟ د
ولئن تركتك يا محمّد ثاوياً ... لبما تروح مع الكرام وتغتدي
وغبرت أعوله وقد أسلمته ... لسفى الأماعز والمزار الأبعد
وأرى الوفود لدى المنازل من منىً ... شهدوا وإنّك غائبٌ لم تشهد
أعني ابن عروة إنّه قد هدّني ... فقد ابن عروة هدّةً لم تقصد
والمرء رهن منيّةٍ يدعى لها ... لا بدّ أسرع من رداء المرتدي
وإذا ذهبت إلى العزاء أريده ... غلب العزاء وحيل دون تجلّدي
غلب التّعزّي أنّني لفراقه ... لبس العدوّ عليّ جلد الأربد
وقال البعيث ومات ابن له فقال يرثيه بشعر حفظ منه بيت استحساناً: الطويل
فصادف منّي غصّةً لا يسيغها ... شرابٌ ولم يذهب مرارتها العسل
стр. 155
وأخبرنا عن مخلد بن حمزة عن عبد الملك بن عمير قال: دخل عبد الله ابن الزبير على أمه، أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵄ فقال: يا أمه، قد خذلني الناس، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من المنع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت. فما رأيك؟ قالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق، وإليه تدعو، فامض على حقك، ولا تمكن غلمان بني أمية من نفسك. فقال: وفقك الله، هذا رأيي، وإني لحسن الظن بربي، فإن هلكت فلا يشتد جزعك علي، فإن ابنك لم يتعمد إتيان دنية، ولا عملاً بفاحشة، ولم يسع بغدر، ولم يجر في حكم، ولم يكن شيء آثر عنده من رضى ربه. اللهم إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي. أنت أعلم بي. ولكن أقوله لتسلو عني.
ويروى أنه خرج فحمل على أهل الشام وهو يتمثل: الطويل
فلست بمبتاع الحياة بسبّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سلّما
وقال رحمه الله تعالى: الرجز
يا أمّ إن متّ فلا تبكيني ... الدّرع والبيضة لا تنجيني
من قدر الله إذا يأتيني ... قد علم الأعبد أنّ دوني
ضرباً كإيزاغ المخاض الجون ... إيهاً شمالي عاوني يميني
فإن كرهت صحبتي فبيني ... فإنّما يضنّ بالضّنين
وتحدث عن سفيان بن عيينة قال:
стр. 156
رأى سعيد بن جبير ابنه يطوف بالبيت فقال: هذا أعز الخلق علي، وما شيء أسر إلي من أن يكون في ميزاني.
وأخبرنا عن عامر بن حفص قال: جزع القلاخ بن حزن على أخيه جحناء فقال: الطويل
أعاذل من يرزأ كجحناء لا يزل ... حزيناً، ويزهد بعده في العواقب
ثمال أناسٍ كان يجمع بينهم ... ويدفع عنهم كلّ أبلخ شاغب
الأبلخ: المتكبر. وقال ضمرة بن ضمرة: المتقارب
ماويّ لست برعديدةٍ ... أبلخ جاد على المعدم
وقال عن الحسن بن دينار: جزع رجل على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن بن أبي الحسن فقال له الحسن: هل كان ابنك هذا يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غبته عني أكثر من حضوره قال: فأنزله غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبةً، الأجر لك فيها، أعظم من هذه الغيبة.
ومن غير هذا الإسناد أنه قال:
стр. 157
فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه. قال: يا أبا سعيد، قد هونت من وجدي على ابني.
وأخبرني عن أبي إسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: مات ابن لشريح فلم يشعر أحد بموته، ولم يصرخ عليه أحد، فغدا قوم إلى شريح يسألونه عن ابنه فقالوا: كيف أصبح مريضك يا أبا أمية؟ قال: قد سكن علزه، ورجاه أهله، وما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة.
والعلز: شدة القلق.
وقال: أحد بني كليب: البسيط
وإن رأيت سهيلاً ظلت مكتئباً ... كأنّني راقبٌ للنّجم أو علز
وأخبر عن أبي عمرو بن يزيد قال: احتضر رجل فوضع رأسه في حجر أخيه، فدمعت عين أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خد المريض، فأفاق من غشيته، فنظر إلى أخيه يبكي فقال: الطويل
أخيّين كنّا فرّق الدّهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدّهرا؟
стр. 158
وتحدث عن عمر بن غياث عن محمد بن حرب قال: كتب إبراهيم بن أبي يحيى إلى بعض الخلفاء يعزيه: أما بعد. فإن أولى من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه، من عظم حق الله جل وعز عنده فيما أبقى له. واعلم أن الماضي قبلك الباقي لك، وأن الباقي بعدك هو المأجور فيك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عندهم فيما يعافون منه.
وقال عمر بن غياث: عزى رجل قوماً فيهم نصراني فقال: مثلي لا يعزيك، ولكن انظر إلى ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
قال الأصمعي: حدثني معتمر بن سليمان أن أخاً له مات، قال: فكنت أرغب إلى الله أن أراه في نومي، فذكرت ذلك لشعيب بن الحبحاب فقال: إن الحزن ينضو عن آدم كما ينضو صبغ الثوب، ولو بقي على ابن آدم قتله.
وقال الأصمعي: سمعت بعض المحدثين يقول: نعي مجزأة بن ثور السدوسي إلى أخيه شقيق بن ثور فكأنه لم ير ذلك فيه، فقال له صاحب البريد:
стр. 159
هل نعاه إليك أحد قبلي قال: نعم، قد خبرنا الله جل ذكره أنا كلنا سنموت.
وقال الأصمعي: ماتت امرأة عبد الله بن مطرف بن عبد الله بن الشخير، فتبخر ولبس حلةً، فقالوا له في ذلك، فقال: أكره أن أستكين للمصيبة.
وقال أبو الحسن المدائني عن سعيد بن عبد العزيز: إن مسلمة بن عبد الملك كان له صديق يقال له شراحيل، فمات، فجزع عليه وخرج فصلى عليه ودخل قبره فلما خرج أناه المعزون، وفيهم عبد الله بن عبد الأعلى، فعزاه، فبكى مسلمة وقال: الطويل
وهوّن وجدي على شراحيل أنّني ... إذا شئت لاقيت أمرءاً مات صاحبه
وقال القاسم بن الوليد: حدثني أبي، الوليد بن خلف، أن الحجاج بن يوسف أوفد مالك بن أسماء بن خارجة إلى عبد الملك بن مروان فدخل عليه فسمع صوارخ في داره، فقال: ما هذه الصوارخ يا أمير المؤمنين؟ فقال له عبد الملك:
стр. 160
مات أبان بن عبد الملك في هذه الليلة، فقال له مالك: آجرك الله يا أمير المؤمنين، فوالله ما على ظهر الأرض أهل بيت أعظم مرزئة واحد على الناس ولا الله أكفى لهم بالواحد الباقي من أنفسهم منكم أهل البيت. فأعجب عبد الملك كلامه، فاستعاده، وفضله على أصحابه.
وكان الحجاج لا يستعمل مالكاً لإدمانه الشراب واستهتاره فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إنك أوفدت إلي رجل أهل العراق فوله واستعمله وأكرمه.
قال أبو الحسن المدائني عن عامر بن الأسود وغيره أن الحجاج رأى في منامه كأن عينيه ذهبتا. فلما طلق هند ابنة أسماء، وهند ابنة المهلب ظن أنها تأويل رؤياه. فلما مات ابنه محمد وأتاه موت محمد أخيه قال هذا تأويل رؤياي من قبل.
وأخبر المدائني عن أبي محمد بن عمرو الثقفي قال: لما مات محمد بن الحجاج جزع عليه فقال: إذا غسلتموه فآذنوني به. فأعلموه به فدخل البيت فنظر إليه فقال: الكامل
الآن لمّا كنت أكمل من مشى ... وأفترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصّالح
فقيل له: اتق الله واسترجع،
стр. 161
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأ: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
وأتاه موت محمّد بن يوسف وكان بينهما جمعةٌ، فقال: الطويل
حسبي حياة الله من كلّ ميّتٍ ... وحسبي بقاء الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله ربّي مسلماً ... فإنّ نجاة النّفس فيما هنالك
وجلس الحجاج للمعزين ووضع بين يديه مرآة، وولى الناس ظهره وقعد في مجلسه، فكان ينظر إلى ما يصنعون، فدخل الفرزدق فلما نظر إلى فعل الحجاج تبسم، فلما رأى الحجاج ذلك منه قال: أتضحك وقد هلك المحمدان فأنشأ يقولك الطويل
لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍ ... تكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهم ... جناحيه لمّا فارقاه فودّعا
أخٌ كان أغنى أيمن الأرض كلّها ... وأغنى أبنه أمر العراقين أجمعا
جناحا عقابٍ فارقاه كلاهما ... ولو قطّعا من غيره لتضعضعا
سميّا نبيّ الله سمّاهما به ... أبٌ لم يكن عند النّوائب أخضعا
وكتب إليه الوليد يعزيه عن محمد بن يوسف ويحثه على الصبر فكتب إليه: كتب إلي أمير المؤمنين يعزيني عن محمد بن يوسف ويذكر رضاه عنه، ويأمرني بالصبر، وكيف لا أصبر وقد أبقى الله لي أمير المؤمنين؟.
وتحدث المدائني عن يونس بن حبيب قال:
стр. 162
كان الحجاج إذا سمع نوحاً في دار هدمها. فلما مات ابنه وأخوه كان يعجبه أن يسمع النوح، وكان يتمثل بشعر الفرزدق: الطويل
هل ابنك إلاّ من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم
قال أبو العباس: حدثني التوزي قال: سمعت أبا زيد ينشد خنين المآتم. وكان يتمثل أيضاً بشعر ليزيد بن الحكم الثقفي: الطويل
إن تحتسب تؤجر وإن تبكه تكن ... كباكيةٍ لم يحي ميتاً بكاؤها
ومن شرّ حظّي مسلمٍ من حميمه ... بكاءٌ وأحزانٌ قليلٌ جداؤها
وتحدث المدائني عن عوانة قال: أرسل الحجاج إلى علي بن ثابت بن قيس الأنصاري فقال: أنشدني مرثيتك ابنك فأنشده: المنسرح
يا كذّب الله من نعى حسناً ... ليس لتكذيب نعيه ثمن
أجول في الدّار لا أراك وفي الدّ ... ار أناسٌ جوارهم غبن
كنت خليلي وكنت خالصتي ... لكلّ حيٍّ من أهله سكن
بدّلتهم منك، ليت أنّهم ... أمسوا وبيني وبينهم عدن
فقال الحجاج: ارث ابني محمداً، فرثاه. فقال الحجاج: مرثيتك ابنك أجود. قال: إن قلبي وجد على ابني ما لم يجد على ابنك. قال:
стр. 163
كيف كان حبك له؟ قال: لم أمل من النظر إليه، ولم يغب عني إلا اشتقت إليه قال: كذاك كنت أجد بابني محمد. وقال الفرزدق: البسيط
إنّي لباكٍ على ابني يوسفٍ عمري ... ومثل هلكهما للدّين يبكيني
ماسدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهما ... إلاّ الخلائف من بعد النّبيئين
وقال أيضاً: الكامل
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان مثل محمّدٍ ومحمّد
ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ المنون عليهما بالمرصد
وأخبر المدائني عن سلمة بن عثمان وغيره أن الحجاج جزع على ابنه محمد، فقيل لرجل من بني عقيل كان الحجاج قتل ابنه: إن الحجاج شديد الجزع على ابنه محمد وقد أتته وفاة أخيه محمد بن يوسف، فتمثل العقيلي: الطويل
ذوقوا كما ذقنا غداة محرّقٍ ... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتحدث المدائني عن إسحاق بن أيوب عن مطير، مولى يزيد قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه عن أخيه محمد بن يوسف فكتب إليه الحجاج: ما التقيت أنا ومحمد بن يوسف مذ كذا وكذا عاماً، وما غاب عني غيبة أنا، لطول اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا نفترق فيها.
стр. 164
وقال ابن كناسة: مات محمد بن الحجاج ونعي محمد بن يوسف في جمعة فخطب الحجاج الناس فقال: إن محمد بن الحجاج ومحمد بن يوسف ماتا في جمعة فكأن الباقي منا ومنكم قد فني، وكأن الحي منا ومنكم قد بلي، وتدال الأرض منا ومنكم فتأكل من لحومنا كما أكلنا من ثمارها، وتشرب من دمائنا كما شربنا من أنهارها، ولنجدنها كما قال الله ﵎ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون.
وقال عوانة بن الحكم: لما مات محمد بن الحجاج وأتاه نعي أخيه بعث إلى مالك ابن أسماء وهو في السجن فقال: أنشدني مرثيتك أخاك فأنشده: الخفيف
أقطع اللّيل زفرةً ونحيبا ... ولما قد لقيت أمسي كئيبا
أذكر اليأس من بقائك في الدّن ... يا وعهداً منّا ومنك قريبا
يوم أدعوك للخطوب ولو ... يسمع داعيك من دعا لأجيبا
قال: وأنا، والله، لو أسمعتهما النداء لأجابا.
وقال إبراهيم بن سعد: سمع علي بن الحسين واعيةً من بيته وهو في مجلسه وعنده جماعة، فنهض إلى منزله فسكتهم ثم خرج إلى مجلسه فقالوا له: أمن حدث كانت الواعية؟ فقال: نعم، ابن لي،
стр. 165
فعزوه وتعجبوا من صبره. فقال: إنا أهل بيت نطيع الله جل ذكر فيما نحب ونكره، ونحمده، فإذا نزل مكروه حمدنا واحتسبنا.
قال أبو القاسم بن قيس العامري: لما دفن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه فاطمة صلوات الله عليها، تمثل عند قبرها: الطويل
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على ألاّ يدوم خليل
وتمام هذا الشعر:
ذكرت أبا أروى فبتّ كأنّني ... بردّ الأمور الماضيات وكيل
لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ ... وكلّ الذي دون الفراق قليل
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على ألاّ يدوم خليل
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للأشعث بن قيس وعزاه عن ابن له: يا أشعث، إن تجزع على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله الخلف. يا أشعث، إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور.
стр. 166
وكان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه يقول إذا عزى: إن تجزعوا فالرحم أهل ذلك منكم، وإن تصبروا ففي ثواب الله خلف من المصيبة. عظم الله أجركم.
وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد أصله وفرعه؟ وعزى رجل رجلاً فقال: ما كان لك في الآخرة أجراً خير لك مما كان في الدنيا سروراً.
وقال موسى الهادي لإبراهيم بن سلم وعزاه عن ابنه: أيسرك وهو يلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة؟.
وقال سعيد بن عبد الله: قال الحسن لرجل عزاه عن ابنه: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه. فلا تجمع، إلى ما أصبت به، الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكأ المرزئتين لك.
стр. 167
وقال أبو الحسن المدائني: لما هلك يزيد بن الصعق ورثه معية ابن يزيد قدره وجفنته فقالت ليلة بنت يزيد: الطويل
يزيد أبا قيسٍ وهل تسمعنّه ... وعندك تعبيرٌ لو أنّك تسمع
لأصبح ما جمّعت من كلّ صالحٍ ... معيّة يعطي النّاس منه ويمنع
فلا تأمننّ الدّهر شيئاً رأيته ... ولا أن يسوق النّاس عبدٌ مجدّع
وقال سعيد بن قيس المحاربي: الوافر
أبادر قسمة الشّركاء مالي ... إذا حسبوا وهم حولي قعود
وقالوا: حقّنا الثّلثان منه ... وقد صدقوا لعمري أو يزيدٌ
تقول عجوزهم في ذاك سهمي ... بلى وبسهمك العين الشديد
وكانت قبل تملكه جميعاً ... تعنيّ باليدين كما تريد
وقالت المحياة بنت طلق الجشمية، من بني تيم اللات بن ثعلبة في الإسلام، وجاء العصبة يقتسمون دارها التي كانت لزوجها، فسمعت أصواتهم فقالت: السريع
يا دعوةً ما دعوتي عامراً ... بالله لو يسمعني لاستجاب
تالله لو يسمع دعواهم ... لفلّهم عنّي بظفرٍ وناب
فرجعوا عنها وغبروا حيناً ثم عادوا، فقالت: الطويل
لقد بدّلت دار الأحبّة بعدهم ... موالي منهم ملحقون وتابع
فلو أنّ داراً أعولت فقد أهلها ... بكت دارنا والتحّ منها المسامع
فرجعوا فمكثوا ثم عادوا، فقالت: مجزوء الكامل
стр. 168
الدّار تبكي أهلها ... وبكاؤها شيءٌ عجيب
فيقال: إنهم تركوها لها.
قال المدائني: توفي ابن لخالد بن صفوان يكنى أبا الحصين فقال: رحم الله أبا الحصين. والله إن كان، ما علمته، لبراً بوالديه، وصولاً لرحمه بعيداً مما يقرف به الشبان.
قال أبو العباس: وحدثت بهذا الخبر على غير هذا. إنه توفي ابن له يقال له نعيم فقال: لا أنسى نعيماً أبداً. وفي هذا الخبر: ولقد ذكرت عند موته قول الشاعر يعني أبا خراش الهذلي: الطويل
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
ثم علم أنه سينساه فقال:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
стр. 169
وقال أبو الحسن في أخبار الطاعون: الذي بلغنا من خبر الطاعون أن الناس لا يجزعون فيه على موتاهم كجزعهم في غير الطاعون، وذلك لتأسي الناس بعضهم ببعض، ولما يدخلهم من الخوف، فكل إنسان يخاف على نفسه فيسلو عن الولد والأهل والقرابة.
وقال: وكانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام بالعراق خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في سنة ست من الهجرة.
والطاعون الجارف سنة تسع وسبعين في شوال. هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً. مات لأنس بن مالك فيه ثلاثة وثمانون ابناً ويقال: وسبعون. ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، وهرب عبيد الله بن عمير، مات له ثلاثون ابناً، وإنما هرب بهم من الطاعون. وقال البراء المازني: مات في الطاعون لصدقة بن عامر المازني سبعة بنين في يوم واحد، فدخل، فوجدهم قد سجوا جميعاً، فقال: اللهم، إني مسلم مسلم.
وقال محمد أبو عبد الله التميمي: هرب المرقع بن العلاء، أحد بني ربيعة ابن مالك بن زيد مناة، من الطاعون، وله اثنا عشر ابنا، فماتوا جميعاً، فدفنهم في سفح سنام فرثاهم فقال: الوافر
стр. 170
دفنت الدّافعين الضّيم عنّي ... برابيةٍ مجاورةٍ سناما
أقول إذا ذكرتهم جميعاً ... بنفسي تلك أصداءً وهاما
فليت حمامهم إذ فارقونا ... تلقّانا وكان لنا حماما
فلم أر مثلهم هلكوا جميعاً ... ولم أر مثل هذا العام عاما
قال: أنشدني الرياشي ثلاثة أبيات منها ولم ينشدني الرابع.
وقال علي بن القاسم: حدثني رجل قال: رأيت في المنام أيام الطاعون كأنه أخرجت من داري اثنتا عشرة جنازة وأنا وعيالي اثنا عشر، فمات منا أحد عشر وبقيت وحدي، فقلت في نفسي: أنا تمام العدة، فخرجت من الدار ثم رجعت من غد إليها فإذا لص قد دخل للسرقة فطعن في الدار فمات، فأخرجنا جنازته.
قال أبو الحسن: بلغني أن رجلاً نبش في الطاعون قبراً فأخرج الميت من قبره وأخذ ثيابه فطعن من ساعته فمات فوجد والثياب معه.
وقال سليمان بن قحذم: خرجت في الطاعون الجارف إلى مكة، ودارنا مشحونة، فرجعت وقد خلت، فقال لي أبي: يا بني، ما بقي في الدار أحد ممن تركت غيري وغير أمي جدتك.
وقال معاذ التمار:
стр. 171
بلغني أن دوراً كثيرة مات أهلها. فلما قدم الحجاج هدمها مخافة أن يكمن فيها الخوارج، واشترى الناس دوراً كثيرة فدفنوا فيها.
قال: بلغني أن داراً مات أهلها جميعاً، أغلقوا بابها وفيها صبي صغير رضيع لم يعلموا به، فلما خف الطاعون فتحوا الباب بعد أشهر فإذا صبي يحبو، فتعجبوا منه، فإذا كلبة تطفر إلى الدار فتربض ناحية ويحبو إليها الصبي فيشرب من أطبائها ثم تطفر الحائط إلى خارج. فلم يزل ذلك دأب الصبي حتى حبا حبواً.
قال: وأخبرت أن الدار كانت تصبح وفيها خمسون، وتصبح الغد وليس فيها واحد.
قال: وكان الرجل بعد الطاعون يلقى المرأة، فلو شاء أن يغصبها نفسها فعل قبل أن يمر أحد.
ثم خف الطاعون وخليفة مصعب بن الزبير على البصرة سنان بن سلمة الهذلي فخطب الناس فقال: اتقوا الله أيها الناس فإن عند الله أياماً مثل شوال. قال وكان طاعون القينات في شوال سنة سبع وثمانين، مات فيه الجواري.
стр. 172
ثم كان طاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب فاشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم عشرة آلاف جنازة، أياماً، وخف في شوال.
وقال طارق: أخبرني رجل قال: تزوجت امرأة فدخلت بها ليلة الاثنين، وأصبحت غادياً من عندهم وهي عند أبيها وأمها وأختها وخادمهم، فعدت إليهم يوم الجمعة فلم يبق منهم أحد.
وهرب من الطاعون علي بن زيد بن جدعان إلى السيالة، وكان يجمع كل جمعة ويرجع. فكان إذا جمع صاحوا به: فر من الطاعون، فطعن فمات بالسيالة وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد بن رباط إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الفقيمي: الطويل
لمّا استفزّ الموت كلّ مكذّبٍ ... صبرت، ولم يصبر رباطٌ ولا عمرو
ورأى نافع رجلاً قد خرج من البصرة على حمار فرقاً من الطاعون، وكان نافع يعرفه فقال: انظروا يفر من الله على حمار.
стр. 173
وكان ابن شبل بن معبد البجلي بشيراز فمات أهله بالطاعون فبلغه، فجزع عليهم فقال: الطويل
سما لك في شيراز همٌّ فلم تنم ... غريباً كما بعض الرّجال غريب
برتني صروف الدّهر من كلّ جانبٍ ... كما ينبري دون اللّحاء عسيب
أقول لأصحابي وقد قذفت بنا ... نوى غربةٍ عمّن نحبّ شطوب
متى العهد بالأهل الّذين تركتهم ... لهم من فؤادي بالعراق نصيب
وهل ترك الطاعون لي من قرابةٍ ... إليه إذا كان الإياب أؤوب؟
وكنّا نرّجي أن نصير إليهم ... فغالتهم من دون ذاك شعوب
مقادير لا يغفلن من كان يومه ... لهنّ على كلّ الأنام رقيب
سقين بكأس الموت من قد أصبنه ... وللحيّ من أنفاسهنّ ذنوب
فقد أصبحوا لا دارهم منك غربةٌ ... بعيدٌ ولا هم في الحياة قريب
وهوّن عنّي بعض وجدي أنّني ... رأيت المنايا تغتدي وتثوب
وأنّي رأيت النّاس أفنى كرامهم ... حودث، كلّ العالمين تصيب
وما نحن إلاّ منهم غير أنّنا ... إلى أجلٍ ندعى له فنجيب
وقال أبو عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: هلك في طاعون عمواس من آل الوليد بن المغيرة عشرون فتىً، ومن آل صخر مثلهم. فقال رجل منهم: السريع
من ينزل الشّام ويعرس به ... فالشّام إن لم يفننا كارب
يقول: إن لم يفننا فهو يقارب ذلك. يقال: كرب الشيء يكرب إذا قرب.
стр. 174
أفنى بني صخرٍ وفرسانهم ... عشرين لم يطرر لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا العجب العاجب
طعناً وطاعوناً مناياهم ... ذلك ما خطّ لنا الكاتب
واستشهد بالشام من بني المغيرة سبعة وسبعون رجلاً في وقعة، فقال خالد بن الوليد بنفسي أنتم زعم ابن حنتمة يعني عمر بن الخطاب ﵀ أن بني المغيرة لا يستشهدون.
وقال المدائني: كان بالكوفة طاعون سنة خمسين، فقال المغيرة بن شعبة لأبي موسى: انطلق بنا. فخرج إلى دابق من الطاعون فقال أبو موسى: إلى الله أبق لا إلى دابق، فخرج المغيرة. فلما خرج خف الطاعون فقيل له: لو رجعت إلى أهلك! قال: ما يريدون مني؟ فلم يزالوا به حتى أقبل إلى الكوفة، فقال: كأنكم بالطاعون قد ختلني في خصاص بني عوف، فطعن فمات. واستخلف على الكوفة جرير بن عبد الله البجلي
стр. 175
وقال أبو إسماعيل عن مجالد عن الشعبي أن صديقاً لشريح خرج هارباً من الطاعون، فأقام بالنجف فكتب إليه شريح: إن المكان الذي أنت به بعين من لا يفوته طلب، ولا يعجزه هرب، والمكان الذي خلفت لا يعجل امرءاً إلى حمامه قبل أجله، ولا يظلمه أيامه، وأنت وهم على بساط واحد، وإن النجفة من ذي القدرة لقريب.
وقال أبو عاصم من ولد عباد بن زياد: كانت الطواعين بالشام كثيرةً وكانت الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدون ويهربون من الريف فينزلون البرية خوفاً من الطاعون. فلما أراد هشام بن عبد الملك أن ينزل الرصافة قيل له: يا أمير المؤمنين، لا تجزع فإن الخلفاء لا يطعنون، ولم نسمع بخليفة طعن ولم نره. قال: أتريدون أن تجربوا في؟ فتحول فنزل الرصافة وهي برية، وبنى فيها قصرين.
قال: وكان عبد العزيز بن الوليد ينزل أسيساً فقدم على أبيه بدمشق غلام للوليد فقال الوليد لابنه عبد العزيز: يا بني، ارجع إلى منزلك. قال:
стр. 176
أبيت الليلة ثم أغدو. قال عزمت عليك إلا رجعت. فرجع ولم يدعه يبيت قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: إن رجلاً من أهل البصرة أيام الطاعون الجارف لما رآه قد كثر أراد الهرب، فعمد إلى حمار له فجعل عليه متاعه، وغلام له يناوله جهازه، والغلام يرتجز: مشطور الرجز
لن يبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعةٍ مطّار
قد يصبح الله أمام السّاري
فقال له الرجل: صدقت. ثم حط رحله وأقام، فمات فيمن مات.
قال المدائني: قال الحسن البصري وذكر عنده الطاعون: ما أحسن ما أبلى الله فيه: ارتدع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.
стр. 177
وقال أبو الحسن المدائني عن جناب بن موسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما احتضر رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فخيره بين البقاء في الدنيا وبين المصير إلى رحمة الله أو رفعه إليه وتعجيل ما وعده فقال ﷺ : بل الرفيق الأعلى. فكان يقول ذلك حتى قضى، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.
وأخبر المدئني عن شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، رحمها الله، قالت: كنت أسمع أن النبي ﷺ لا يموت حتى يخير، فسمعته يقول ﷺ في مرضه: الرفيق الأعلى، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فظننت أنه خير فاختار الآخرة.
وقال خلاد بن عبيدة عن علي بن زيد عن الحسن قال: قيل لأبي بكر في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب! فقال: قد رآني. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. وفي رواية: إني أفعل ما أشاء.
وقال: أبو محمد الناجي عن الحسن: إن أبا بكر، ﵀، سمع عائشة ﵂ وهو في سكرات الموت، وهي تقول: الطويل
стр. 178
لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر
فقال: يا بنية: ألا قلت وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وقال متمثلاً: مخلع البسيط
وكلّ ذي إبلٍ مورثها ... وكلّ ذي سلبٍ مسلوب
وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وآخر ما تكلم به: رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين وقال أبو بلال الأشعري عن محمد بن عاصم الأسلمي عن موسى بن عقبة المزني قال: كتب أبو بكر، رحمة الله عليه، وصيته بيده وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث، يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب. إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ﵁، فاسمعوا له وأطيعوا. فإن عدل فذلك ظني به ورأيي فيه. وإن جار وبدل فلا أعلم الغيب، والخير أردت، ولكل امريء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وقال عمر بن غياث عن الهلالي: كان رسول الله ﷺ إذا أفرطت عليه الحمى في وجعه الذي توفي فيه قالت فاطمة: يا بأبي وأمي. ثم تمثلت: الطويل
стр. 179
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل
قال: فأفاق رسول الله ﷺ فقال: ذلك قول عمك أبي طالب. ثم قال ﷺ : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية.
قال أبو الحسن عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب ﵀: يا أمير المؤمنين، أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في بعض الكتب. قال: أتجد اسمي ونسبي؟ قال: لا، ولكن أجد صفتك وسيرتك وزمانك،
стр. 180
فقال عمر: الطويل
توعّدني كعبٌ ثلاثاً يعدّها ... ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب
وما بي خوف الموت إنّي لميّتٌ ... ولكنّ خوف الذّنب يتبعه الذّنب
وقال هشام بن عاصم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قال عند موته: ليتني أنجو من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي. يا عبد الله، ضع خدي على الأرض، ويل لعمر ولأم عمر إن لم ينجه الله.
وقال الأصمعي لما طعن العلج ألقى ملحفةً كانت عليه وقال: يا لله للمسلمين! وقال الأصمعي أيضاً: لما طعن العلج عمر قال: وكان أمر الله قدراً مقدورا.
وقال سعيد بن مسلم عن أبيه أن عثمان بن عفان ﵀ يوم دخل عليه فقتل، دعا بالمصحف فنشره، فكان أول حرف نظر إليه: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وتمثل: الطويل
أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع ... لعادٍ ملاكاً في الأمور ومرتبا
يبيّت أهل الحصن والحصن مغلقٌ ... ويأتي الجبال من شماريخها العلا
وقال أبو الحسن عن سعيد بن عبد العزيز السلمي عن أبيه أن الزبير ﵀ قال حين طعنه ابن جرموز:
следующие страницы →