Полный текст (252 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال سليمان بن قتة، وهو مولىً لبني تيم، وانقطاعه إلى بني هاشم يذكر يوم الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀: الطويل
مررت على أبيات آل محمّدٍ ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت
فلا يبعد الله الدّيار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت
وكانوا رجاءً ثم عادوا رزيّةً ... فقد عظمت تلك الرّزايا وجلّت
وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشمٍ ... أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا ... سنجزيهم يوماً بها حيث حلّت
إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرها ... وتقتلنا قيس إذا النّعل زلّت
قال أبو العباس: أنشدنيها الرياشي، وأنشدني ما بعدها مما أمليه إلى انقطاعه.
وقال الفرزدق يذكر ابني مسمع، وكان قد قتلهما معاوية بن يزيد ابن المهلب بعد قتل ابنه، وكانا مروانيين، وكان سائر بكر بن وائل مع يزيد بن المهلب، وكان المنتوف مولى بني قيس بن ثعلبة، على شرطة يزيد، فقتل لسبب عنده مع يزيد فبكته بكر بن وائل وهو مولىً وأعرضت عن ابني مسمع وهما صليبةً. فقال الفرزدق: الطويل
تبكّي على المنتوف بكر بن وائلٍ ... وتنهى عن ابني مسمعٍ من بكاهما
غلامان شبّا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حيّاً مالكٌ وابن مالكٍ ... إذن أوقدا نارين يعلو سناهما
وقال الفرزدق أيضاً يرثي ابنين له ماتا في مدة يسيرة: الطويل
بفي الشامتين التّرب إن كان مسّني ... رزيّة شبلي مخدرٍ في الضّراغم
стр. 72
وما أحدٌ كان المنايا وراءه ... وإن عاش أيّاماً طوالاً بسالم
أرى كلّ حيٍّ لا تزال طليعةً ... عليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكّرني ابنّي السّماكان موهناً ... إذا ارتفعا فوق النّجوم العواتم
وقد رزيء الأقوام قبلي بنيهم ... وإخوانهم فأقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهما ... وعمرو بن كلثومٍ شهاب الأراقم
وقد كان مات الأقرعان وحاجبٌ ... وعمروٌ أبو عمروٍ وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍ ... ومات أبو غسّان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهم ... عشيّة بانا، رهط كعبٍ وحاتم
فما ابناك إلاّ من بني النّاس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم
ويقال: خنين.
وماتت امرأة له أيضاً وبها جمل، فقال: الطويل
وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارمٍ ذو حفيظةٍ ... لو أنّ المنايا أرجأته لياليا
وقال بعض الشعراء يعزي رجلاً عن ابنه: الكامل
اصبر لكّلّ مصيبةٍ وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
وإذا ذكرت محمّداً ومصابه ... فاذكر مصابك بالنّبّي محمّد
وقال الحكمي وأحسن جداً: الطويل
طوى الموت ما بيني وبين محمّدٍ ... وليس لما تطوي المنيّة ناشر
لئن أوحشت مّمن أحبّ منازلٌ ... لقد أنست مّمن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيءٌ عليه أحاذر
стр. 73
وهذا يشبه قول التيمي في يزيد بن مزيد: الوافر
لقد عزّى ربيعة أنّ يوماً ... عليها مثل يومك لا يعود
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياداً: البسيط
صلّى الإله على قبرٍ وطهّره ... عند الثّويّة يسفى فوقه المور
زفّت إليه قريشٌ نعش سيّدها ... فالجود والحزم فيه اليوم مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعةٌ ... وإنّ من غرّت الدّنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تغشى وتعطي المال من سعةٍ ... إن كان بابك أضحى وهو مهجور
فالنّاس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنّما نفخت فيها الأعاصير
وقال خليد عينين يرثي المنذر بن الجارود العبدي وكانت بحرية ابنة المنذر تحت عبيد الله بن زياد، ومات المنذر بالسند في موضع يقال له قصدار: السريع
بحريّ، قومي فاندبي منذراً ... وابكي ابن بشرٍ سيّد الوافدين
وأبكي أبا الأشعث لمّا ثوى ... بالهند لم يقفل مع القافلين
جاور قصدار وأكنافها ... تسفي عليه الرّيح مور الدّرين
في جدثٍ عافٍ، بمهجورةٍ ... ناءٍ عن الزّوّار والعائدين
فأصبح المجد بها ثاوياً ... بين صفاً صمٍّ وصخرٍ رزين
لله قصدارٌ وأكنافها ... أيّ فتى دنيا أجنّت ودين
قد علمت نفسي فما أمترى ... حقّاً سوى الظّنّ وقول اليقين
стр. 74
ما الحيّ والميّت فيما ترى ... من حدث الدّهر وريب المنون
إلاّ كغادٍ راح أصحابه ... أو رائحٍ في أثر المغتدين
مات بها الجود وأودى النّدى ... وانقطع الخير عن السّائلين
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: البسيط
نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمراً عظيماً فاصطبرت له ... وقمت فيهم بأمر الله يا عمرا
فالشّمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ ... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقال بكير بن معدان اليربوعي يرثي يحيى بن مبشر، وكان قتل بمسكن مع مصعب بن الزبير: السريع
صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ غفورٌ وشفيعٌ مطاع
لمّا عصى المصعب أصحابه ... أدّى إليه الكيل صاعاً بصاع
أمّ عبيد الله محزونةٌ ... ما نومها بعدك إلا الرّواع
يا فارساً، ما أنت من فارسٍ ... موطّأٍ البيت رحيب الذّراع
قوّال معروفٍ وفعّاله ... عقّار مثنى أمّهات الرّباع
لا تخرج الأضياف من بيته ... إلاّ وهم منه رواءٌ شباع
من يك لا ساء فقد ساءني ... ترك أبينيك إلى غير راع
وحدثنا بعض جلساء القحذمي، وذكر امرأة من الأعراب، فقال: كان لها أربعة بنين، وكان يمر بها إخوة أربعة غادون لشأنهم، وكانت تأنس بهم لمشاكلتهم بنيها في العدد والأسنان، ثم أصيب بنوها جميعاً إما بطاعون أو ما يشبهه فاجتنبها الإخوة الأربعة إبقاءً
стр. 75
عليها من الحزن إذا رأتهم، ثم عزموا عزمةً على المرور بها مرحاً وبغياً. فلما رأتهم ذرفت عيناها وتمثلت: الكامل
لن يلبث القرناء أن يتفرّقوا ... ليلٌ يكرّ عليهم ونهار
فاعتل أحدهم فمات، فغبر الثلاثة لا يقربونها، ثم فعلوا فلما رأتهم تمثلت: السريع
كلّ بني أمٍّ وإن أكثرت ... يوماً يصيرون إلى واحد
فلم يلبث واحد منهم أن مات. وغبر الاثنان لا يقربانها، ثم اجتازا بها على نحو ما فعلوا من المرح والدالة، فلما رأتهما قالت: الوافر
وكلّ أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
فمات أحدهما فاجتنبها الباقي دهراً. ثم مر بها فتمثلت: السريع
والواحد الفرد كمن قد مضى ... ليس بمتروكٍ ولا خالد
فقال: أقيليني جعلني الله فداك، فإني والله غير عائد.
قال أبو العباس: وهذان بيتان قديمان لا يعرف قائلهما. ويروى أن أبا بكر الصديق ﵀ كان ينشدهما، فبعض الناس يقول: هما له: مجزوء الكامل
تنفكّ تسمع ما حيي ... ت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجا ... ء مغيّباً والموت دونه
стр. 76
وقال وضاح اليمن: المنسرح
يا موت ما إن تزال معترضاً ... لآملٍ دون منتهى الأمل
لو كان من فرّ منك منفلتاً ... إذن لأوشكت رحلة الجمل
وقال معن بن أوس المزني: الطويل
ألم تعلمي عمراً وسفيان بعده ... وضمرة أمسى فاتني ومسافع
أولئك لا أنتنّ كانوا فوارسي ... بهم كنت أستخشي العدا وأدافع
فأصبحت أرقي الشّامتين رقاهم ... ليربو طفلٌ أو ليجبر ظالع
وصانعت في أشياء لو أنّهم معي ... لباعدت حتّى تستقيد التّوابع
قال: وحدثني الرياشي في إسناد قال: أنشد عروة بن الزبير قوله بهم كنت أستخشي العدا وأدافع، فقال عروة: فهلاً قال: فبالله، أستخشي العدا وأدافع ولا ينكسر عليه شعره قال الرياشي: وأنشد عبد الله بن عمر قول حسان بن ثابت: المنسرح
يأبى لي السّيف واللّسان وقو ... مٌ لم يضاموا كلبدة الأسد
فقال: هلا قال: يأبى لي الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 77
وقال محمد بن حرب الهلالي: أتى حيان بن سلمى العامري قبر عامر بن الطفيل ولم يكن شهده فقال: أنعم صباحاً أبا علي، والله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من من النجم، وأجرأ من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن يصيروا قبر أبي علي ميلاً في ميل.
وقال محمد بن علي المنسوب إلى أمه الحنفية: أيها الناس، إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوماً جديداً من عمره إلا بآخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أم أية شربة ليس معها شرق؟ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة، وغداً لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر، يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها. فما بقاء الفرع بعد أصله؟ أين الذين كانوا أطول منا أعماراً وأبعد منا آمالاً؟ أتاك يا بن آدم ما لا ترده، وذهب عنك ما لا يعود إليك. فلا تعدن عيشاً منصرفاً عيشاً مالك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من أجلك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك، ودع ما سواها، واستغن بالله يغنك.
ومما يستحسن من قول متمم بن نويرة الدال على صحة عقله وتمكن الحزن من قلبه، وقلة نسيانه أخاه، أنه كان لا يمر بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته، ففي ذلك يقول: الطويل
стр. 78
وقالوا أتبكي كلّ قبرٍ رأيته ... لقبرٍ ثوى بين اللّوى والدّكادك
فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا ... ذروني فهذا كلّه قبر مالك
ومن هذه المختصرات قول هشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وكان له إخوة جماعة فمات أكبرهم، وكان يقال له: أوفى ثم مات ذو الرمة، وكان يقال له: غيلان فقال هشام: الطويل
تسلّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين بالماء مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
فاختصر هذا اختصاراً يوفر على كل واحد منهما نصيبه من الحزن.
стр. 79
ويروى من غير وجه أن حسان بن ثابت دخل على النابغة الذبياني فتلقته الخنساء خارجةً من عنده، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: الكامل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
فقال: إنك لشاعر وإن أخت بني سليم لبكاءة.
قال أبو العباس: فمما قدمناه من شعرها واستحسناه من تخلصها قولها: المتقارب
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النّدى؟
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السّيّدا؟
فجعلته ساد حدثاً ووكدت ذلك وزادت فيه وأوضحته بأن قالت:
طويل العماد عظيم الرّما ... د ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا يأيديهم ... إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الّذي فوق أيديهم ... من المجد ثمّ نما مصعدا
يكلّفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الزّاد أن يحمدا
فقرنت له المجد بالحمد.
ويقال:
стр. 80
بل صح أنه كان من دعاء سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج: اللهم ارزقني مجداً وحمداً فإنه لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال.
وكان سبب ميتة أخيها صخر أنه شهد حرباً فأبلى فيها وتقدم، فحمل عليه رجل من القوم فطعنه في خاصرته، فتحامل في الجراحة فجوي منها ولم يفصد فخرج منها كمثل اليد، وأضنته حولاً أو حولين لا ينبعث، فسمع من يسأل امرأته عن علته، وأين بلغت منه، فقالت امرأته قولاً يدل على البرم به، والملل لصحبته: لا حي يرجي، ولا ميت فيحتسب.
والتفت إلى أمه فإذا دموعها تجري فقال: الطويل
أرى أمّ صخر ما تجفّ دموعها ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةً ... عليك، ومن يغترّ بالحدثان
فأيّ أمريءٍ ساوى بأمٍّ حليلةً ... فلا عاش إلاّ في شقاً وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
فلما رأى ذلك برم بتلك الخراجة من جنبه، فأشاروا بقطعها ففعل، فلما قطعها يئس من نفسه، ففي ذلك يقول: الطويل
أجارتنا إنّ المنون قريب ... من النّاس كلّ المخطئين تصيب
كأنّي وقد أدنوا إليّ شفارهم ... من البزل أحوى الصّفحتين نكيب
أجارتنا لا تسأليني فإنني ... مقيمٌ لعمري ما أقام عسيب
قال أبو عبيدة: وعسيب: جبل معروف، فقبره هناك معروف المكان.
قوله من البزل:
стр. 81
يعني: كأني بعير قرم من الإبل قد كوي لداء به، فيقول: أحللت ذاك المحل لقطع ذلك اللحم وكيه، وجعله أحوى الصفحتين، وهما الجنبان، لتتابع الهناء عليه ضناً به والنكيب والأنكب واحد، وهو الحامل، وذلك مما يوصف به الفحل أنه يحمل نشاطاً وتكبراً.
وكانت الخنساء تقول الأبيات اليسيرة، فلما أصيبت بأخيها صخر جدت وأجادت، وجمعت نفسها وشهرت. فمما يستحسن من شعرها قولها في قصيدة أولها: البسيط
يا عين جودي بدمعٍ منك تغزار ... وأبكي لصخرٍ بدمعٍ منك مدرار
وقولها
إنّي أرقت فبتّ اللّيل ساهرةً ... كأنّما كحلت عيني بعوّار
والعوار والعائر سواء، وهو المستأخذ، أشد الرمد وأغلبه، كما قال القائل: البسيط
بأعينٍ لم يصبها عائر الرّمد
وكما قال الراعي: البسيط
غضّاً كما نظر المستأخذ الرّمد
أرعى النّجوم وما كلّفت رعيتها ... وتارةً أتغشّى فضل أطمار
إنّي سمعت فلم أبهج به خبراً ... مخبّراً جاء ينثو جمع أخبار
قالوا: ابن أمّك أمسى في الضّريح وقد ... شدّوا عليه بأعوادٍ وأحجار
اذهب فلا يبعدنك الله من رجلٍ ... ترّاك ضيمٍ وطلاّبٍ بأوتار
قد كنت تحمل قلباً غير مؤتشبٍ ... مركّباً في نصابٍ غير خوّار
الخوار: الضعيف.
стр. 82
وحدثني رجل من بني هاشم عن سعيد بن سلم الباهلي. قال: كنت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد في سفر، فسأل عما حمل معه من الثلج، فاستقل ما ذكر له فاغتاظ واحتد، فتركته حتى سكن غربه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إني أقول كلاماً والله ما أريد به ملقاً ولا تنبيهاً على نفسي لأني فطنت إلى ما لم يفطن إليه من سواي، وما أقوله إلا بالنصيحة المحضة. فقال: هات. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قسمت الدهر شطرين، شطراً للحج، وشطراً للغزو؛ والمسافر يرد على ضروب من المياه، وسفرك أكثر من حضرك، فلو أن أمير المؤمنين عود نفسه الخشونة شيئاً فمتى احتاج إليها لم تنكرها النفس لتلك العادة. قال: فأطرق ثم قال: يا سعيد، بنصح قلت: ولكنا نلبس العافية ما لبستنا، فإن اضطررنا رجعنا إلى أصل غير خوار.
رجع الشعر
مثل السّنان كضوء البدر صورته ... جلد المريرة حرٌّ وابن أحرار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقةٌ ... وما أضاءت نجوم اللّيل للسّاري
ولن أسالم قوماً كنت حربهم ... حتّى تعود بياضاً حلكة القار
أبلغ خفافاً وعوفاً غير تقصرةٍ ... عميد قومٍ نداءً غير أسرار
والحرب قد سعرت حرباً مذكّرةً ... شهباء تفري بأنيابٍ وأظفار
شدّوا المآزر حتّى تستقيد لكم ... وشمّروا إنّها أيّام تشمار
وابكوا فتى الحيّ لاقته منيّته ... وكلّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدار
كأنّهم يوم راموه بجمعهم ... راموا الشّكيمة من ذي لبدةٍ ضار
стр. 83
والشكيمة: شدة النفس وصحة العزيمة. والشكيمة. الحديدة المعترضة في اللجام.
حتّى تفرّجت الآلاف عن رجلٍ ... مجدّلٍ خرّ كرهاً غير مختار
تجيش منه فويق الثّدي مزبدةٌ ... بعاندٍ من نجيع الجوف ثوّار
لو منكم كان فينا لم ينل أبداً ... حتّى تلاقوا أموراً ذات آثار
أعني الّذين إليهم كان منزله ... هل تعرفون ذمام الضّيف والجار؟
تعاقب خفاف بن ندبة وعوفاً لأنهما هرباً عنه وهما من المعدودين من الفرسان. وكان خفاف من فرسان العرب وأدرك الإسلام فأسلم.
لا صلح حتّى تكرّوا الخيل عابسةً ... تعدو وترمي بمهراتٍ وأمهار
فتغسلوا عنكم عاراً تجلّلكم ... غسل الجواري حيضاً عند أطهار
قال: هذا مثل وقالت أيضاً ترثي صخراً: المتقارب
ألا ما لعينك أم مالها ... لقد أخضل الدّمع سربالها
فأقسمت آسى على هالكٍ ... وأسأل نائحةً ما لها
أبعد ابن عمرو بن آل الشري ... د حلّت به الأرض أثقالها
معنى حلت به الأرض أثقالها: من الحلية: أي زينت به أثقالها، تعني الموتى. قال الله : وأخرجت الأرض أثقالها قالوا: يعني الموتى.
لعمر أبيه لنعم الفتى ... تحشّ به الحرب أجذالها
أي توقد به الحرب أجذالها. والجذل: أصل الشجرة. فضربته مثلاً لشدة الاتقاد، وأنه صاحب ذلك.
стр. 84
حديد السّنان ذليق اللّسان ... يجاري المقاريض أمثالها
وخيلٍ تكدّس مشي الوعو ... ل نازلت بالسيف أبطالها
بمعتركٍ بينهم ضيّقٍ ... مجرّ المنيّة أذيالها
تقابلها فإذا أدبرت ... بللت من الطّعن أكفالها
الأكفال: واحدها كفل وهو الردف من الرجل والمرأة.
تهين النّفوس وهون النّفوس ... غداة الكريهة أوفى لها
يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: رب منية سببها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت.
ورجراجةٍ فوقها بيضها ... عليها المضاعف زفنا لها
تعني بقولها: زفنا لها أي جئنا نمشي إليها هوناً.
ككرفئة الغيث ذات الصّبير ... ترمي السّحاب ويرمى لها
الكرفئة واحدة الكرافيء وهو تكاثف الغيم واسوداده.
قال: وحدثنا المازني بإسناد آخره رؤبة بن العجاج قال: خرجت مع أبي، نريد الوليد بن عبد الملك، فأهدي لنا جنب من لحم عليه كرافيء الشحم ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي تنتحان منه حتى رجعنا. وإنما شبهه لكثرة الشحم وركوب بعضه على بعض بكرفئة الغيم.
وداهيةٍ جرّها جارمٌ ... تبيل الخواصر أحبالها
كفيت ابن عمروٍ لم تستعن ... ولو كان غيرك أدنى لها
وعيرانةٍ كأتان الثّمي ... ل غادرت بالخلّ أوصالها
قولها: وعيرانة تعني: ناقةً تشبه بالحمار الوحشي. وأتان الثميل: صخرة تكون في الحوض معروفة. والثميل: بقية الماء. فتقول هي صلبة كصلابة هذه الصخرة. والخل: الطريق في الرمل. فتقول: غادرتها هناك لشدة السير.
إلى ملكٍ لا إلى سوقةٍ ... وذلك ما كان إكلالها
ومحصنةٍ من بنات الملو ... ك قعقعت بالرّمح خلخالها
стр. 85
وقافيةٍ مثل حدّ السّنا ... ن تبقى ويهلك من قالها
نطقت ابن عمروٍ فسهّلتها ... ولم ينطق النّاس أمثالها
فإن تك مرّة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها
فزال الكواكب من فقده ... وجلّلت الشّمس أجلالها
هممت بنفسي كلّ الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
لأحمل نفسي على آلةٍ ... فإمّا عليها وإمّا لها
ومما يؤثر ويقتفى من قولها: البسيط
أقذىً بعينك أم بالعين عوّار ... أم أوحشت أن خلت من أهلها الدّار
وينشد بعضهم: قذىً بعينك، وهو أقوم للبيت، وزيادة الألف في قولها: أقذىً؟ أبلغ. ولا ضرورة فيه ولكنه مخزوم.
تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ثكلت ... ودونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتةٍ في صرفها غيرٌ ... والدّهر في صرفه حولٌ وأطوار
يا صخر ورّاد ماءٍ قد تناذره ... أهل المياه فما في ورده عار
وهذا بيت يسأل عنه كيف تناذره أهل المياه ولا عار فيه. فالمعنى أنها تعني الموت.
مشي السّبنتى إلى هيجاء معضلةٍ ... له سلاحان: أنيابٌ وأظفار
يقال لكل جريء الصدر: سبندى وسبنتى بالتاء والدال، والأغلب عليه النمر.
عبل الذّراعين قد تخشى بوادره ... عند الوقيعة للأقران هصّار
فما عجولٌ على بوٍّ تطيف به ... لها حنينان: إعلانٌ وإسرار
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبالٌ وإدبار
يوماً بأوجد منّي حين فارقني ... صخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرار
وإنّ صخراً لوالينا وسيّدنا ... وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علمٌ في رأسه نار
العلم ها هنا: الجبل، وكذلك قال المفسرون في قول الله جل وعز: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام. ومنه قول جرير: الرجز
стр. 86
إذا قطعن علماً بدا علم
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرٍ ... ضخم الدّسيعة في الّلأواء صبّار
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبته ... كأنّ تحت طيّ اليرد أسوار
ليبكه مقترٌ أفنى حلوبته ... دهرٌ وحالفه بؤسٌ وإقتار
ورفقةٌ حار هاديهم بمهلكةٍ ... كأنّ ظلمتها في الطّخية القار
لم تره جارةٌ يمشي بساحتها ... لريبةٍ حين يخلي بيته الجار
فقولها: كأنه علم في رأسه نار أحد ما قدمت به.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: أما رضيت أن تجعليه علماً حتى جعلت في رأسه ناراً. ذاك رسول ﷺ ، يريد: البيان والدلالة.
وقال عمر في قول الخطيئة: الطويل
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد
كذب الخطيئة. تلك نار موسى ﷺ . وهذا من نوادر الشعر.
وقالت أيضاً: الوافر
كأنّ العين خالطها قذاها ... بعوّارٍ فما تقضي كراها
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرٍ ... إذا ما النّاب لم ترأم طلاها
قولها إذا ما الناب لم ترأم طلاها: الطلا: الصغير من أولاد الوحش والنعم، ويقال ذلك في الآدميين، وإنما تريد زمن الصر والبرد.
حلفت بربّ صهبٍ معملاتٍ ... إلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمروٍ عليه ... لقد رزئت بنو عمروٍ فتاها
فتى الفتيان ما يعلى مداه ... ولا يكدي إذا بلغت كداها
стр. 87
يقال: أكدى، إذا أقل، وأصل ذلك في البئر تحفر، فإذا بلغ منها إلى حجر أو كدن استصعب على الحافر. وقيل: قد بلغت كديتها وجمعها كدى فلا يخرج من التراب إلا اليسير، فلذلك قيل للذي يعطي قليلاً: أكدى. قال الله جل وعز: وأعطى قليلاً وأكدى. فقالت: إذا بلغ الجهد من الناس لم يكن عطاؤه قليلاً ولا نزراً.
له كفٌّ يشيد بها وكفٌّ ... تحلّب ما يجفّ ثرى نداها
فمن للضّيف إن هبّت شمالٌ ... مزعزعةٌ يجاوبها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدباً ... إلى الحجرات بارزةً كلاها
يقول: لا شحم عليها.
هنالك لو نزلت بآل صخرٍ ... قرى الأضياف شحماً من ذراها
هذا على مخاطبتين. قالت: هنالك لو نزلت للذي تخاطبه ثم خبرته فقالت: قرى الأضياف فتأويل هذا على ضربين، أحدهما على حذف المفعول كأنها قالت: لو نزلت به لرأيته يقري الأضياف، ويكون على أنها جعلته وغيره على مخاطبتين، تتحول من إحداهما إلى الأخرى كقول الله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة، وكقول عنترة: الكامل
شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسراً عليّ طلابك ابنة مخرم
ومثل هذا كثير جداً.
أمطعمكم وحاملكم تركتم ... لدى غبراء منهدمٍ رجاها
стр. 88
ترى الشّمط الجحاجح من سليمٍ ... تبلّ ذرى مدامعها لحاها
ليبك الخير صخراً من معدٍّ ... ذوو أحلامها وذوو نهاها
وخيلٍ قد لفقت بجمع خيلٍ ... فدارت بين كبشيها رحاها
محافظةً ومحميةً إذا ما ... نبا بالقوم من جزعٍ لظاها
وقالت: الوافر
ألا يا عين فانهملي بغزر ... وفيضي عبرةً من غير نزر
ولا تعزي عزاءً بعد صخر ... فقد غلب العزاء وعيل صبري
لمرزئةٍ كأنّ الجوف منها ... بعيد النّوم يسعر حرّ جمر
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخر ... لعانٍ عائلٍ علقٍ بوتر
وللأضياف إن طرقوا هدوّاً ... وللكلّ المبرّ وكلّ سفر
إذا نزلت بهم سنةٌ جمادٌ ... أتى بالدّرّ لم يكسع بغبر
كان من شأنهم، إذا أجدبت السنة أو خافوا الجدب، أن تنضح الضروع بالماء البارد ليبقى اللبن فيها ادخاراً واستعداداً وبخلاً من بعضهم. فلذلك يقول الحارث ابن حلزة: السريع
لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنّك لا تدري من النّاتج
الغبر: بقية اللبن، وغابر كل شيء: باقيه. ويقول: لا تبخل فتحبس لبنك، فإنك لا تدري لمن يكون ذلك اللبن، ألك أم لوارثك أم لمغير عليك.
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإنّ شرّ اللّبن الوالج
وكل مردود مكسوع.
هنالك كان غيث حياً وعزّاً ... لمن أرسى إليه غير وعر
وأحيا من مخبّأةٍ كعابٍ ... وأشجع من أبي شبلٍ هزبر
стр. 89
هريت الشّدق رئبالٍ إذا ما ... غدا لم تنه غدوته بزجر
تدين الخادرات له إذا ما ... سمعن زئيره في كلّ فجر
غياثٌ إن تأوّبه غريبٌ ... لعسرٍ في الحوادث أو ليسر
إذا ما الوفد حلّ إلى ذراه ... تلقّاهم بوجهٍ غير بسر
تفرّج بالنّدى الأبواب عنه ... ولا يكتنّ دونهم بستر
دهتني الحادثات به فأضحت ... عليّ همومه تغدو وتسري
وقالت أيضاً: البسيط
يا عين مالك لا تذرين تسكابا ... إذ راب دهرٌ وكان الدّهر ريّابا
فابكي أخاك لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاك إذا جاورت أجنابا
وابكي أخاك لخيلٍ كالقطا قطفٍ ... فقدن لمّا ثوى سبياً وإنهابا
يعدو به سابحٌ نهدٌ مراكله ... مجلببٌ من سواد اللّيل جلبابا
حتّى يصبّح قوماً في ديارهم ... فيسلبوا دون صفّ الموت أسلابا
هو الفتى الكامل الحامي حقيقته ... مأوى الغريب إذا ما جاء منتابا
يهدي الرّعيل إذا جار السّبيل بهم ... نهد التّليل لزرق السّمر ركّابا
المجد خلّته والجود علّته ... والصّدق حوزته إن قرنه هابا
ركّاب مفظعةٍ، حمّال مضلعةٍ ... إن خاف معضلةً سنّى لها بابا
شهّاد أنديةٍ، هبّاط أوديةٍ ... حمّال ألويةٍ للوتر طلاّبا
سمّ العداة وفكّاك العناة إذا ... كان الوغى لم يكن للموت هيّابا
قال أبو العباس: والجود علته أي أن الناس إذا سئلوا اعتلوا في الجود بالعلل، فجعلته هو علته الجود، كما قال الله جل وعز: النار وعدها الله الذين كفروا معناه: الوعد النار.
стр. 90
وقالت أيضاً ترثي أخاها معاوية بن عمرو: الوافر
هريقي من دموعك واستفيقي ... وصبراً إن أطقت ولن تطيقي
وقولي إنّ خير بني سليمٍ ... وفارسهم بصحراء العقيق
ألا هل ترجعنّ لنا اللّيالي ... وأيّامٌ لنا بلوى الشّقيق
وإذ فينا معاوية بن عمروٍ ... على أدماء كالجمل الفنيق
فبكّيه فقد ولّى حميداً ... أصيل الرّأي محمود الصّديق
فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشةٍ أتيت ولا عقوق
ولكنّي رأيت الصّبر خيراً ... من النّعلين والرّأس الحليق
وكانوا في الجاهلية إذا بالغوا في الجزع حلق النساء رؤوسهن، ولطمن خدودهن بالنعال.
وقال عبد مناف بن ربيع الهذلي يذكر أختيه: البسيط
إذا تأوّب نوحٌ قامتا معه ... ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
ألا يا لهف نفسي بعد عيشٍ ... تولّى بعده عيشٌ أنيق
وإذ يتحاكم الحكّام فينا ... إلى أبياتنا وذوو الحقوق
وإذ فينا فوارس كلّ هيجٍ ... إذا فزعوا وفتيان الخروق
الخروق جمع خرق، وهو المتسع من الأرض، وذلك قول رؤبة ابن العجاج: الرجز
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
أي المتسع. وقال بعض المفسرين في قول الله جل وعز: إنك لن تخرق الأرض قال: تبلغ قطريها. والقول الفاشي إنما هو تنقبها بأجمعها إلى حيث بلغت.
стр. 91
إذا ما الحرب صلصل ناجذاها ... وفاجأها الكماة لدى المضيق
وكان من خبر مقتل معاوية بن عمرو، وكان أخا خنساء لأبيها وأمها، وكان صخراً أخاها لأبيها وكانت بصخر أمس لفضله على معاوية، ولم يكن معاوية متخلفاً بل كان لاحقاً في السؤدد بأخيه، أو دويبه شيئاً. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حدثني أبو بلال وربما قال: أبو بلال سهم بن أبي بن العباس بن مرداس قال: غزا معاوية بن عمرو بن الشريد، أخو خنساء، مرة وفزارة، ومعه خفاف بن ندبة فاعتوره هاشم ودريد المريان، ابنا حرملة، فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله. فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به فشد على مالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة فقتله وقال: الطويل
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمداً على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي ... لأبني مجداً أو لأثأر هالكا
علوى: اسم فرسه.
أقول له والرّمح يأطر متنه ... تأمّل خفافاً إنّني أنا ذالكا
فلما بلغ صخراً قتل أخيه، أتى مرة في الشهر الحرام فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده، فقال: أيكما قتل معاوية؟ فسكتا، فقال الصحيح للجريح: مالك لا تجيبه؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة، وشد عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فقد أدركت بثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك.
стр. 92
قال: فما فعلت فرسه السماء؟ قال: ها هي تيك، ردوها عليه، فردوها. فلما أتى صخر قومه قالوا: اهجهم. قال: ما بيننا أجل من القذع، لو لم أكفف عن هجائهم إلا رغبةً بنفسي عن الخنا لكففت. وقال: الطويل
وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومني ... ألا لا تلوميني كفى اللّوم ما بيا
تقول: ألا تهجو فوارس هاشمٍ ... ومالي إذ أهجوهم ثمّ ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرةً ... وحيّيت رمساً عند ليّة ثاويا
إذا ما امرؤٌ أهدى لميتٍ تحيّةً ... فحيّاك ربّ النّاس عنّي معاويا
وهوّن وجدي أنّني لم أقل له ... كذبت، ولم أبخل عليه بماليا
ثم زاد عليها بيتاً بعدما أوقع بهم فقال:
وذي إخوةٍ قطّعت أرحام بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا
ثم غزاهم في العام المقبل فلما دنا وعلا السماء قال: إني أخاف إذا طلعت أن يعرفوا طلعة السماء، فحمم غرتها، فلما أشرف على أداني القوم قالت امرأة لابنها: هذه، والله، السماء. فنظر إليها فقال: السماء غراء، وهذه بهيم،
стр. 93
فلم يشعروا إلا والخيل دوائس، وقتل صخر دريداً وأصابوا في مرة، فقال: الكامل
ولقد قتلتكم ثناء وموحداً ... وتركت مرّة مثل أمس المدبر
ولقد دفعت إلى دريدٍ طعنةً ... نجلاء تزغل مثل غطّ المنخر
قوله: تزغل أي تفيض بسجال الدم. قال ابن أحمر يعني القطاة إذا مجت الماء في حوصلة فرخها: السريع
فأزغلت في جيده زغلةً ... لم تخطيء الجيد ولم تشفتر
والإيزاغ مثل الإزغال.
وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج غازياً، فلما كان في بلاد جشم بن بكر ابن هوازن، نزل فأخذ صفنته ويقال صفنه وخلا لحاجته بين الشجر ورأى غفلته قيس ابن الأسوار الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت إن وأل. فلما قعد لحاجته تستر له بين الشجر حتى إذا كان خلفه أرسل عليه معبلةً ففلق قحقحه، وهو العصعص الذي عليه عجب الذنب، فقالت الخنساء: الوافر
فدىً للفارس الجشميّ نفسي ... وأفديه بمن لي من حميم
فداك الحيّ حيّ بني سليمٍ ... بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشمٍ أقررت عيني ... وكانت لا تنام ولا تنيم
стр. 94
وكان هاشم من أشد العرب، وله يقال: مشطور الرجز
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الملوك حوله مغربله
يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له
فقالت الخنساء ترثيه وأخاها صخراً: الوافر
بكت عيني وعاودت السّهودا ... وبتّ اللّيل جانحةً عميدا
لذكرى معشرٍ ولّوا وخلّوا ... علينا من خلافتهم فقودا
فكم من فارسٍ لك أمّ عمروٍ ... يحوط سنانه الأنس الحريدا
الحريد: البعيد
كصخرٍ أو معاوية بن عمروٍ ... إذا كانت وجوه القوم سودا
يردّ الخيل داميةً كلاها ... جديرٌ يوم هيجا أن يصيدا
يكبّون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تصمت الأمّ الوليدا
فتابع بينهم وردٌ فأضحوا ... مع الهلاّك قد لحقوا ثمودا
وقالت أيضاً ترثي صخراً: الطويل
ألهفي على صخرٍ لكلّ عظيمةٍ ... إذا الخيل من طول القياد اقشعرّت
إذا الخيل شكّت في السّريح وطابقت ... طباق الكلاب في الهراش وصرّت
يقال: شك الفرس والبعير وغير ذلك من الظهر إذا ظلعت ظلعاً خفيفاً كما قال ذو الرمة: البسيط
......................... ... كأنّه مستبان الشّك أو جنب
стр. 95
وإنما هذا من الخيلاء في هذا الموضع. وطابقت أي وقعت أرجلها مكان أيديها وصرت آذانها.
وخيلٍ تنادى لا هوادة بينها ... مررت بها دون السّوام ومرّت
كأنّ مدلاًّ من أسود تبالةٍ ... يكون لها حيث أستدارت وكرّت
شددت عصاب الحرب إذ هي مانعٌ ... فألقت برجليها مريّاً ودرّت
وكان أبو حسّان صخرٌ يصدّها ... ويرغثها بالرّمح حتّى أقرّت
وكانت إذا ما حالبٌ يستدرّها ... تقته بإيزاغٍ دماً واقمطرّت
اقمطرت: معناه اشتدت وقالت أيضاً ترثيه: الطويل
أمن حدث الأيّام عينك تهمل ... تبكّي على صخرٍ وفي الدّهر مذهل
ألا من لعينٍ لا تجفّ دموعها ... إذا قيل تفنى تستهلّ فتحفل
على ماجدٍ ضخم الدّسيعة سيّدٍ ... له سورةٌ في قومه ما تحوّل
قال: السورة ها هنا: الدرجة من الملك والقدرة العالية، من ذلك قول النابغة: الطويل
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ... ترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب
ويقول الرجل: سرت، فمعناه: ارتفعت وعلوت. قال العجاج: الرجز
يا ربّ ذي سرادقٍ محجور ... سرت إليه من أعالي السّور
وقال الأخطل يصف خمراً خرجت حين فتح مبزلها: البسيط
لمّا أتوها بمصباحٍ ومبزلهم ... سارت إليه سؤور الأبجل الضّاري
стр. 96
فما بلغت كفّ امريءٍ متناولٍ ... من المجد إلاّ حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحةً ... وإن كثرت إلاّ الّذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثّرى دمث الرّبى ... تبعّق فيه الوابل المتهلّل
بأجزل سيباً من نداك ونعمةً ... تعمّ بها بل سيب كفّك أجزل
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ ... من الذلّ لا يؤذى ولا يتذلّل
من القوم مغشيّ الرّواق كأنّه ... إذا خاف صبحاً خادرٌ متبسّل
شرنبث أطراف البنان ضبارمٌ ... له في عرين الغاب عرسٌ وأشبل
هزبرٌ هريت الشّدق رئبال غابةٍ ... مخوف اللّقاء كاليء العين أنجل
أخو الجود معروفٌ له الجود والنّدى ... حليفان ما قامت تعارٌ ويذبل
стр. 97
باب وصايا
قال أبو العباس: ونذكر وصايا يؤثر بعضها عن أهل الدين وبعضها عن أهل الآداب والطبائع المحمودة. وقد تجتر إلى أنفسها غير ذلك من سائر الوصايا. ثم نعود إن شاء الله تعالى إلى التعازي بالمنثور والموصوف. وبالله الحول والقوة، ونشوبه بشيء من الاعتبار:
وصية أبي بكر الصديق
﵀
قال فطر بن خليفة عن عبد الرحمن بن سابط قال: أوصى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب ﵀ حين استخلفه فقال: إني مستخلفك، وأوصيك بتقوى الله يا عمر، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل. واعلم أنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة وأنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق. ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا. ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً.
إن الله جل ذكره ذكر أهل الجنة بحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم فقل إني لأخاف ألا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار بسوء أعمالهم، فإذا ذكرتهم فقل إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء. وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغباً راهباً لا يتمنى على على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة. فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولست بمعجزه.
стр. 98
وصية عمر بن الخطاب
﵀
قال فطر بن خليفة وغيره: دعا عمر بن الخطاب ﵁ عند موته عبد الله بن عمر فقال: أي بني: إذا قام الخليفة بعدي فائته فقل إن عمر يقرأ عليك السلام ويوصيك بتقوى الله لا شريك له، ويوصيك بالمهاجرين الأولين خيراً: أن تعرف لهم سابقتهم. ويوصيك بالأنصار خيراً: أن تقبل من محسنهم وتتجاوز عن مسيئهم. ويوصيك بأهل الأمصار خيراً، فإنهم غيظ العدو وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم. ويوصيك بأهل البادية خيراً، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام: أن تأخذ من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم. ويوصيك بأهل الذمة خيراً: أن تقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم.
стр. 99
وصية علي بن أبي طالب
﵀
قال لوط بن يحيى: حدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب أسأل عنه حين ضربه ابن ملجم لعنه الله. فقمت ولم أجلس لمكان ابنة له دخلت عليه وهي مستترة، فدعا الحسن والحسين رحمهما الله فقال: إني أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء منها زوي عنكما. قولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضالع، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً، ولا تأخذ كما في الله لومة لائم.
ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال له: فهمت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم. قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما ثم قال: وأوصيكما به فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباه كان يحبه فأحباه.
стр. 100
وصية معاوية بن أبي سفيان
﵀
قال عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب: لما ثقل معاوية، بعث إلى يزيد وهو في ضياعه، فأتاه غلام له يقال له عجلان، فأخبره بثقل أبيه، فأقبل وقد قال في ذلك شعراً: البسيط
جاء البريد بقرطاسٍ يخبّ به ... فأوجس القلب من قرطاسه جزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قال: الخليفة أمسى مثبتاً وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنّ أغبر من أركانها انصدعا
ثمّت ملنا إلى عيسٍ مزمّمةٍ ... نغشى الفجاج بها لا نأتلي سرعا
لسنا نبالي إذا بلّغن أرحلنا ... ما مات منهنّ بالبيداء أو ظلعا
حتّى دفعنا لرأس النّاس كلّهم ... هدياً، وخيرهم فعلاً ومصطنعا
من لم تزل نفسه توفي على شرفٍ ... توشك مقادير تلك النّفس أن تقعا
لمّا انتهينا وباب الدّار منصفقٌ ... لصوت رملة ريع القلب فانقلعا
قال: فلما دخل على معاوية خلا به وأخرج عنه أهل بيته وقال: يا بني قد جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي، ما أنت صانع بهذه الأمة بعدي؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك. قال يزيد: آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردة ومضى والأمة عنه راضون؟. قال:
стр. 101
لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي مصر الأمصار وجند الأجناد، وفرض الأعطية، وجبى الفيء وقاتل العدو، ومضى والأمة عنه راضون؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه ﵇، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمك عثمان بن عفان الذي أكل في حياته، وورث في مماته، واحتمل الوزر على ظهره؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به واقتلهم عليه. قال: يا يزيد، انقطع منك الرجاء وأظنك ستخالف هؤلاء جميعاً فتقتل خيار قومك وتغزو حرم ربك بأشابات الناس فتطعمهم لحومهم بغير الحق فتدركك ميتة فجاءة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت. يا يزيد أما إذا لم تصب الرشد فإني قد وطأت لك الأمور، وذللت لك أهل العز، وأخضعت لك رقاب العرب، وكفيتك الرحلة والترحال، وجمعت لك ما لم يجمعه واحد، وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا ثلاثة نفر: الحسين ابن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وتخلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن. وما أظنه يقاتل عليها إلا أن تأتيه عفواً. وأما الذي يجثم جثوم الأسد ويروغ روغان الثعلب، فإن أمكنته الفرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعل فاستمكنت منه فقطعه إرباً إرباً إلا أن يلتمس منك صلحاً، فإن فعل فاقبل منه واحقن دماء قومه تقبل قلوبهم إليك.
стр. 102
وأما الحسين بن علي فإن له رحماً وحقاً وولادة من رسول الله ﷺ ولا أظنه أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت عليه فاصفح عنه. فإني لو كنت صاحبه صفحت وعفوت عنه قم عني. وصلى عليه عمرو بن العاص.
стр. 103
وصية أبي عبيدة بن الجراح
تحدث لوط بن يحيى أبو مخنف قال: لما طعن أبو عبيدة بن الجراح بالأردن وبها قبره دعا من حضره من المسلمين فقال: إني أوصيكم بوصية إن قبلتموها لم تزالوا بخير: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا وحجوا واعتمروا، وتواصلوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرءاً لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون. إن الله كتب الموت على بني آدم، فهم ميتون، وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم ميعاده. والسلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته. يا معاذ بن جبل، صل بالناس.
ومات ﵀، فقام معاذ بن جبل إلى الناس فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحا، فإن عبداً لا يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له. من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي أن يهجر أخاه أكثر من ثلاث، والذنب في ذلك عظيم. إنكم، أيها المسلمون، قد فجعتم برجل ما أزعم أني رأيت عبداً أبر صدراً، ولا أبعد من الغائلة وأشد حباً للعافية، ولا أنصح للعامة منه. فترحموا عليه ﵀، ثم احضروا للصلاة عليه.
стр. 104
قال: ولما احتضر معاذ بن جبل قال لوط بن يحيى: حدثنا الصعب ابن زهير عن شهر بن حوشب قال: أتى آت معاذ بن جبل عند موته فقال: يا معاذ، أوصني بما ينفعني قبل أن تفارقني، فلعلي أحتاج إلى سؤال الناس بعدك، فلا أجد فيهم مثلك. قال معاذ: بلى، صلحاء الناس بحمد الله كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين. خذ عني ما آمرك به: كن من الصائمين بالنهار، والمستغفرين بالأسحار، والذاكرين الله على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تعقق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، وصل رحمك لله، وكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. وأنا لك بالجنة زعيم. ثم مات ﵀. فصلى عليه عمرو بن العاص.
وصية عبد الملك بن مروان
﵀
وأوصى عبد الملك بن مروان حين حضرته الوفاة فقال لبنيه: أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية وجنة واقية. والتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وأحصن كهف، وأزين حلية. ليعطف الكبير منكم على الصغير وليعرف الصغير منكم حق الكبير مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور. فإنكم إذا فعلتم ذلك كنتم للعز خلقاء، وهابتكم الأعداء. إياكم والتباغي والتحاسد فإن بهما هلك الملوك الماضون، وذوو العز المتكبرون. انظروا يا بني، مسلمة بن عبد الملك فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به. وأكرموا الحجاج، فإنه الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم قحم تلك القناطر. كونوا أولاداً أبراراً، وفي الحرب أحراراً، وللمعروف مناراً، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدة. ثم رفع رأسه إلى الوليد فقال: لا ألفينك يا وليد، إذا وضعتني في حفرتي تعصر عينيك كما تفعل الأمة، بل شمر واتزر، والبس جلد نمر، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بالسيف هكذا. أوصيك بأخيك عبد الله بن عبد الملك وبعمر بن عبد العزيز خيراً. لا تعزلهما ولا تستبدل بهما. وأوصيك بابن عمنا هذا خيراً يعني علي بن عبد الله بن العباس. فأما الحجاج فلست تستغني عنه.
ثم أرسل إلى خالد وعبد الله، ابني يزيد بن معاوية. فلما جلسا قال: ما تقولان: أأقيلكما بيعة الوليد؟ قالا: معاذ الله يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لقتلتكما على حالي هذه. قوما. فقاما فخرجا. ثم دعا بقداح بعدة ولده فأمر بها فجمعت ثم دفعها إلى الوليد فقال: اكسرها. فلم يقدر على ذلك. ثم دفعت إلى آخر، ثم آخر، حتى استقراهم جميعاً، فأعياهم كسرها، فأمر بها ففرقت، ثم دفع إلى كل واحد منهم قدحاً وأمره بكسره ففعل، فقال: هكذا أنتم بعدي، إن اجتمعتم لم يكسر أحد، وإن تفرقتم كسرتم. وقال: احفظوا عني هذه الأبيات: الكامل
انفوا الضّغائن عنكم وعليكم ... عند المغيب وفي الحضور الشّهّد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مدّ في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدّهر ألّف بينكم ... بتواصلٍ وتراحمٍ وتودّد
حتّى تلين قلوبكم وجلودكم ... لمسوّدٍ منكم وغير مسوّد
إنّ القداح إذا أجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنقٍ وكسرٍ أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدت ... فالوهن والتّكسير للمتبدّد
فلما توفي سجاه الوليد، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: لم أر مثلها مصيبةً ولا مثلها نعمة. فقد الخليفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على عظم المصيبة. والحمد لله رب العالمين، على عظيم النعمة. ثم دعا الناس إلى بيعة، فبايع الناس ولم يتخلف أحد. فسمع أحد ولد عبد الملك يبكي ويقول: مات، والله، أمير المؤمنين. فقال: ويلك لا تقل هكذا، ولكن قل كما قال أخو بني أسيد أوس بن حجر: الطويل
إذا مقرمٌ منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وأوصى أبو قيس بن صرمة الأنصاري ولده عند موته فقال: الخفيف
يا بنيّ، الأرحام لا تقطعوها ... وصلوها قصيرةً من طوال
واتّقوا الله في ضعاف اليتامى ... ربّما يستحلّ غير الحلال
اعلموا أنّ لليتيم وليّاً ... عالماً يهتدي بغير السّؤال
يا بنيّ، الأيّام لا تأمنوها ... واحذروا مكرها وكرّ اللّيالي
واعلموا أنّ مرها لنفاد ال ... خلق ما كان من جديدٍ وبال
واجمعوا أمركم على البرّ والتق ... وى وترك الخنا وأخذ الحلال
وأنبأنا أبو عبد الرحمن قال: أنبأنا أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: جاء أبو جهم بن حذيفة العدوي، وهو يومئذ ابن مئة سنة، إلى مجلس لقريش، فأوسعوا له عن صدر المجلس وقائل يقول: بل كان عروة بن الزبير مكان أبي جهم فقال. يا بني أخي، أنتم خير لكبيركم من مهرة لكبيرهم. قالوا: وما شأن مهرة وكبيرهم؟ قال: كان الرجل منهم إذا كبر وضعف أتاه ابنه أو وليه فعقله بعقال ثم قال: قم. فإن استتم قائماً وإلا حمله إلى محبس لهم يجرى على أحدهم فيه رزقه حتى يموت. قال: فجاء شاب منهم إلى أبيه ففعل ذلك، فلم يستتم قائماً، فحمله فقال: أي بني إلى أين؟ قال: إلى سنة آبائك، فقال: أي بني لا تفعل، فوالله لقد كنت أوعدك فلا أحقك، وأماشيك فما أبذك وأسقيك الدأدأة قال: وكانت العرب تقول: إذا سقي الغلام اللبن وهو قائم كان أسرع لشبابه فقال الفتى: لا جرم، والله، لا يذهب بك، فاتخذتها مهرة سنة.
وأخبر عبد الرحمن بن إسرائيل عن أشياخه قال: لما حضرت الوفاة سعيد ابن العاصي قال: يا بني، أيكم يكفل عني ديني؟ قال عمرو بن سعيد: علي دينك يا أبه. كم هو؟
стр. 105
قال: ثمانون ألف دينار. قال: وفيم استدنتها؟ قال: في كريم سددت خلله، أو لئيم اشتريت عرضي منه، ثم قال سعيد: هذه خصلة وبقيت خصلتان. قال: ما هما يا أبه؟ قال: يا بني لا تزوجن بناتي إلا من الأكفاء ولو بفلق خبز الشعير. قال: أفعل. قال: يا بني، ذهبت خصلتان وبقيت خصلة. قال: وما هي يا أبه؟ قال: يا بني، إن فقد إخواني وجهي فلا يفقدوا معروفي. قال: أفعل يا أبه. قال: يا بني ما زلت أعرف الكرم في حماليق عينيك وأنت يحرك بك في مهدك حتى بلغت ما أرى. يا بني، ما شاتمت رجلاً مذ كنت رجلاً، ولا زاحمت ركبتاي ركبته ولا كلفت من يرتجيني أن يسألني فيبذل وجهه ويرشح جبينه رشح السقاء، إذن، والله، فما وصلته.
стр. 106
يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً عن غير مسألة. فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه مخاطراً، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع ما تملكه ما كافأته، ولا الذي بات يتململ على فراشه يعقب بين شفتيه أيجدني موضعاً لحاجته أم لا، لهو أعظم علي منةً مني عليه، إذا قضيتها له وفي هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولكن عن الزبير بن أبي بكر قال: كانت علته التي مات فيها في ضيعة له بقرب المدينة، فلما اشتدت علته قال لابنه عمرو: يا بني، قد ترى ما نزل بي، فقال له عمرو: يا أبه، لو حملت إلى المدينة. فقال: يا بني، إن الحركة تتعبني، وإن أهلي لا يبخلون علي بحملي على رقابهم ساعةً. يا بني، إن ضيعتي هذه متريف وليست بمال غلة، فإذا أنا مت ففرغت من دفني، فوجه مطيتك نحو معاوية فانعني له، فإنه سيسألك عن ديني ويتضمنه، فأعلمه أني قد علمت ذلك وجزه خيراً. ثم قل له: يا أمير المؤمنين، إن له ضيعةً أمر ببيعها للقضاء دينه، فإنه سيشتريها منك، فاسأله أن يكتب لك بمالها إلى المدينة فاقم بها ديني وعداتي. فلما دفن كانت مطايا عمرو موقوفةً فعزي عنه، وركب يريد معاوية من ساعته حتى ورد عليه فنعاه له فتفجع وقال: ما خلف من الدين فهو علي. فقال: يا أمير المؤمنين، قد علم ذاك فوصلتك رحم، ولكنه أمرني ببيع ضيعة له وهي الفلانية. قال: قد اشتريتها بدينه، وكتب له بالمال إلى المدينة،
стр. 107
فجاءه صعلوك من صعاليك قريش بصك على أبيه بعشرين ألف درهم، فيه شهادة مولىً له، فقال له: يا هذا، إني أعرف الخط وإني أنكر أن يكون لمثلك مثل هذا المال عليه، فدعا مولاه فقال له: أتعرف هذا؟ فشهد به؛ فقال له: ما سببه؟ فقال: إن أباك في وقت عزله وكان معاوية يوليه المدينة سنةً ويولي مروان ابن الحكم سنةً رآه وحده وقد ركب لبعض حاجاته، فسار معه حتى بلغها ورجع. فلما انتهى قال له: يا فتى، ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكني رأيتك مفرداً فأحببت أن أصل جناحك، فالتمس مالاً يهبه له فلم يحضره فقال لي: عجل علي بصحيفة، فكتب له بهذا ديناً عليه حالاً. فقال عمرو: إذن والله لا يأخذها إلا معجلةً منتقدةً.
قال ابن دأب: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى يزيد بن عبد الملك فأوصه بالأمة خيراً فقال: وبم أوصيه؟ إني لأعلم أنه من بني مروان. ثم أمر بالكتاب إليه: أما بعد. فاتق، يا يزيد، الصرعة بعد الغفلة فلا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة. تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك والسلام.
стр. 108
ويروى أن هشام بن عبد الملك لما احتضر نظر إلى حشمه ولحمته يبكون، ففتح عينيه فاطلع في وجوههم ثم قال: جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما خلف وتركتم عليه ما اكتسب! ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! ولما احتضر معاوية أقبل على ابنة قرظة فقال: بكيني، فقالت: الهزج
ألا أبكيه ألا أبكيه ... ألا كلّ الفتى فيه
ثم قال لابنتيه: قلباني. فجعلتا تقلبانه لجنب بعد جنب فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وفي كبة النار. ثم أنشد: الكامل
لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
ثم قال ليزيد: إذا أنا قضيت فأحسن غسلي، واجعل في آخره مسكاً وكافوراً، وأحسن الصلاة علي ثم ادفني في لحدي ودعني وربي. فلما بلغ ابن عباس موته قال: الكامل
جبلٌ تصدّع ثمّ مال بجمعه ... في البحر لا رتقت عليه الأبحر
وصية الربيع بن خثيم
وروى إسرائيل عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن مسروق الثوري عن منذر بن يعلى الثوري قال: أوصى الربيع بن خثيم: هذا ما أوصى الربيع بن خثيم: شهد أن لا إله إلا الله وكفى بالله شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً. إني رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً. وإني أوصي نفسي ومن أطاعني أن يعبد الله في العابدين، ويحمده في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين.
стр. 109
وصية جندب بن عبد الله البجلي
وروى شعبة بن الحجاج عن يونس بن جبير قال: شيعنا جندب ابن عبد الله، فقلنا له: أوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله وبالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدي النهار، فاعلموا واعملوا به على ما كان من جهد وفاقة. فإن عظم بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن جاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك. واعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، واعلم أنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.
ولما حضرت الوفاة عمر بن هبيرة جزع وجعل يقول: لله در البغلات المسرجات الواقفات بأبواب السلطان. والله لوددت أني كنت راعي إبل مئة لرجل سيء الملكة.
ولما احتضر إبراهيم بن يزيد النخعي جزع جزعاً شديداً وجعل يقول: نفسي أعز الأنفس علي. فقيل له: يا أبا عمران، أتجزع هذا الجزع من الموت؟ فقال:
стр. 110
وأي غرر أعظم مما أنا فيه، إنما أتوقع رسولاً من ربي إما بجنة وإما بنار.
ويروى أن فتىً من الأعراب حضرته الوفاة، فنظر إلى أبيه وأمه يبكيان حواليه بكاءً ذريعاً، فقال: ما يبكيكما؟ فقالا له: إنا لنعلم أن للموت ما تلد الوالدة، ولكن لزهو كان فيك. فقال: آلله، ما يبكيكما إلا ذاك! فحلفا على ذلك فقال: فوالله الذي لا إله إلا هو ما يسرني أن إليكما من أمري ما إلى ربي.
ويروى أن رجلاً من أبناء فارس احتضر فجزع فقيل له: ما بك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفراً بعيداً بلا زاد، ويقدم على حكم عادل بلا حجة، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس؟.
следующие страницы →