← Адаб

Адаб · id 21554

التعازي [والمراثي والمواعظ والوصايا]

المبرد

Полный текст (252 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً عن غير مسألة. فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه مخاطراً، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع ما تملكه ما كافأته، ولا الذي بات يتململ على فراشه يعقب بين شفتيه أيجدني موضعاً لحاجته أم لا، لهو أعظم علي منةً مني عليه، إذا قضيتها له وفي هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولكن عن الزبير بن أبي بكر قال: كانت علته التي مات فيها في ضيعة له بقرب المدينة، فلما اشتدت علته قال لابنه عمرو: يا بني، قد ترى ما نزل بي، فقال له عمرو: يا أبه، لو حملت إلى المدينة. فقال: يا بني، إن الحركة تتعبني، وإن أهلي لا يبخلون علي بحملي على رقابهم ساعةً. يا بني، إن ضيعتي هذه متريف وليست بمال غلة، فإذا أنا مت ففرغت من دفني، فوجه مطيتك نحو معاوية فانعني له، فإنه سيسألك عن ديني ويتضمنه، فأعلمه أني قد علمت ذلك وجزه خيراً. ثم قل له: يا أمير المؤمنين، إن له ضيعةً أمر ببيعها للقضاء دينه، فإنه سيشتريها منك، فاسأله أن يكتب لك بمالها إلى المدينة فاقم بها ديني وعداتي. فلما دفن كانت مطايا عمرو موقوفةً فعزي عنه، وركب يريد معاوية من ساعته حتى ورد عليه فنعاه له فتفجع وقال: ما خلف من الدين فهو علي. فقال: يا أمير المؤمنين، قد علم ذاك فوصلتك رحم، ولكنه أمرني ببيع ضيعة له وهي الفلانية. قال: قد اشتريتها بدينه، وكتب له بالمال إلى المدينة،

стр. 107

فجاءه صعلوك من صعاليك قريش بصك على أبيه بعشرين ألف درهم، فيه شهادة مولىً له، فقال له: يا هذا، إني أعرف الخط وإني أنكر أن يكون لمثلك مثل هذا المال عليه، فدعا مولاه فقال له: أتعرف هذا؟ فشهد به؛ فقال له: ما سببه؟ فقال: إن أباك في وقت عزله وكان معاوية يوليه المدينة سنةً ويولي مروان ابن الحكم سنةً رآه وحده وقد ركب لبعض حاجاته، فسار معه حتى بلغها ورجع. فلما انتهى قال له: يا فتى، ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكني رأيتك مفرداً فأحببت أن أصل جناحك، فالتمس مالاً يهبه له فلم يحضره فقال لي: عجل علي بصحيفة، فكتب له بهذا ديناً عليه حالاً. فقال عمرو: إذن والله لا يأخذها إلا معجلةً منتقدةً. قال ابن دأب: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى يزيد بن عبد الملك فأوصه بالأمة خيراً فقال: وبم أوصيه؟ إني لأعلم أنه من بني مروان. ثم أمر بالكتاب إليه: أما بعد. فاتق، يا يزيد، الصرعة بعد الغفلة فلا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة. تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك والسلام.

стр. 108

ويروى أن هشام بن عبد الملك لما احتضر نظر إلى حشمه ولحمته يبكون، ففتح عينيه فاطلع في وجوههم ثم قال: جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما خلف وتركتم عليه ما اكتسب! ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! ولما احتضر معاوية أقبل على ابنة قرظة فقال: بكيني، فقالت: الهزج ألا أبكيه ألا أبكيه ... ألا كلّ الفتى فيه ثم قال لابنتيه: قلباني. فجعلتا تقلبانه لجنب بعد جنب فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وفي كبة النار. ثم أنشد: الكامل لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ ... وسقى الغوادي قبره بذنوب ثم قال ليزيد: إذا أنا قضيت فأحسن غسلي، واجعل في آخره مسكاً وكافوراً، وأحسن الصلاة علي ثم ادفني في لحدي ودعني وربي. فلما بلغ ابن عباس موته قال: الكامل جبلٌ تصدّع ثمّ مال بجمعه ... في البحر لا رتقت عليه الأبحر وصية الربيع بن خثيم وروى إسرائيل عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن مسروق الثوري عن منذر بن يعلى الثوري قال: أوصى الربيع بن خثيم: هذا ما أوصى الربيع بن خثيم: شهد أن لا إله إلا الله وكفى بالله شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً. إني رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً. وإني أوصي نفسي ومن أطاعني أن يعبد الله في العابدين، ويحمده في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين.

стр. 109

وصية جندب بن عبد الله البجلي وروى شعبة بن الحجاج عن يونس بن جبير قال: شيعنا جندب ابن عبد الله، فقلنا له: أوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله وبالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدي النهار، فاعلموا واعملوا به على ما كان من جهد وفاقة. فإن عظم بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن جاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك. واعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، واعلم أنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها. ولما حضرت الوفاة عمر بن هبيرة جزع وجعل يقول: لله در البغلات المسرجات الواقفات بأبواب السلطان. والله لوددت أني كنت راعي إبل مئة لرجل سيء الملكة. ولما احتضر إبراهيم بن يزيد النخعي جزع جزعاً شديداً وجعل يقول: نفسي أعز الأنفس علي. فقيل له: يا أبا عمران، أتجزع هذا الجزع من الموت؟ فقال:

стр. 110

وأي غرر أعظم مما أنا فيه، إنما أتوقع رسولاً من ربي إما بجنة وإما بنار. ويروى أن فتىً من الأعراب حضرته الوفاة، فنظر إلى أبيه وأمه يبكيان حواليه بكاءً ذريعاً، فقال: ما يبكيكما؟ فقالا له: إنا لنعلم أن للموت ما تلد الوالدة، ولكن لزهو كان فيك. فقال: آلله، ما يبكيكما إلا ذاك! فحلفا على ذلك فقال: فوالله الذي لا إله إلا هو ما يسرني أن إليكما من أمري ما إلى ربي. ويروى أن رجلاً من أبناء فارس احتضر فجزع فقيل له: ما بك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفراً بعيداً بلا زاد، ويقدم على حكم عادل بلا حجة، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس؟.

стр. 111

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي ولما احتضر المهلب بن أبي صفرة أوصى بنيه فقال: أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن تقوى الله تعقب الجنة، وإن صلة الرحم تنسىء في الأجل، وتثري المال، وتجمع الشمل وتكثر العدد، وتعمر الديار، وتعز الجانب. وأنهاكم عن معصية الله، فإنها تعقب النار، وإن قطيعة الرحم تورث القلة والذلة، وتفرق الجمع، وتذر الديار بلقعاً وتذهب المال، وتطمع العدو، وتبدي العورة. يا بني، قومكم قومكم! إنه ليس لكم عليهم فضل بل هم أفضل منكم إذ فضلوكم وسودوكم ووطؤوا أعقابكم، وبلغوا حاجاتكم لما أردتم، وأعانوكم، فلهم بذلك حق عليكم، وبلاء عندكم لا تؤدون شكره ولا تقومون بحقه. فإن طلبوا فأطلبوهم، وإن سألوا فأعطوهم، وإن لم يسألوا فابتدئوهم، وإن شتموا فاحتملوهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم ولا تغلق دونهم. يا بني، إني أحب الرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله.

стр. 112

يا بني، اتقوا الجواب وزلة اللسان، فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من زلته وينتعش منها، ويزل لسانه فيوبقه، وتكون فيه هلكته. يا بني، إذا غدا عليكم رجل أو راح فكفى بذلكم مسألةً وتذكرةً بنفسه. يا بني، ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم. يا بني، أحبوا المعروف، واكرهوا المنكر واجتنبوه، وآثروا الجود على البخل، واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه، في احتماله لها، وشكره والوفاء لصاحبها. يا بني، سودوا كباركم واعرفوا فضل ذوي أسنانكم تعظموا به، وارحموا صغيركم وقربوه وألطفوه واجبروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على يدي سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم بما قدرتم عليه، واصبروا للحقوق ونوائب الدهر. وعليكم في الحرب بالأناة، والتؤدة في اللقاء. وعليكم بالتماس الخديعة، في الحرب، لعدوكم، وإياكم والنزق والعجلة، فإن المكيدة والأناة والخديعة في الحرب أنفع من الشجاعة. واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن ظفر امرؤ وقد أخذ بالحزم قال القائل: قد أتى الأمر من وجهه، وإن لم يظفر قال: ما ضيع ولا فرط ولكن القضاء غالب. والزموا الحزم على أي الحالتين وقع الأمر،

стр. 113

والزموا الطاعة والجماعة، وإياكم والخلاف. تواصلوا وتآزروا وتعاطفوا، فإن ذلك يثبت المودة. وخذوا فيما أوصيكم به بالجد والقوة والقيام به تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وبآخرتكم إذا صرتم إليها ولا قوة إلا بالله. وليكن أول ما تبدؤون به إذا أصبحتم تعليم القرآن والسنن والفرائض، وتأدبوا بآداب الصالحين من قبلكم من سلفكم، ولا تقاعدوا أهل الدعارة والريبة، ولا يطمع في ذلك منكم طامع. وإياكم والخفة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه، وأدوا حق الله عليكم، فإني قد أبلغت إليكم في وصيتي، واتخذت لله الحجة عليكم.. وتوفي بمرو الروذ وولي خراسان أربع سنين. فقال نهار بن توسعة: الطويل ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات النّدى والحزم بعد المهلّب أقاما بمرو الرّوذ رهن ترابه ... وقد غيّبا عن كلّ شرقٍ ومغرب قال: ثم ولي بعد المهلب قتيبة بن مسلم فدخل عليه نهار بن توسعة وهو يعطي الناس، فلما رآه عرفه وقال: أنت القائل في المهلب ما قلت؟ قال:

стр. 114

بل أنا الذي أقول: الطويل وما كان مذ كنّا ولا كان قبلنا ... ولا هو فينا كائن كابن مسلم أعمّ لأهل الشّرك قتلاً بسيفه ... وأقسم فينا مغنماً بعد مغنم قال: إن شئت فأقلل، وإن شئت فأكثر، لا تصيب مني خيراً. يا غلام، حلق على اسمه فلزم بيته حتى ولي يزيد بن المهلب خراسان، فأتاه فدخل عليه وهو يقول: الطويل فإن يك ذنبي يا قتيبة أنّني ... بكيت أمرءاً قد كان في الجود أوحدا أبا كلّ مظلومٍ ومن لا أبا له ... وغيث مغيباتٍ أطلن التّلدّدا فشأنك إنّ الله إن سؤت محسنٌ ... إليّ فقد أبقى يزيد ومخلدا فقال له: احتكم، فقال: مئة ألف. ويقال: إن مخلد بن يزيد هو الذي أعطاه، لأن أباه كان قدمه خليفةً على خراسان. فكان يقول بعد موت مخلد: رحم الله مخلداً، ما ترك لي بعده من قول. وكان يزيد بن المهلب أوصى مخلداً ابنه، لما سار من خراسان إلى جرجان فاستخلفه على خراسان، أن قال له: يا بني، انظر هذا الحي من اليمن فكن فيهم كما قال أبو دؤاد الإيادي: الطويل إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الّذين بهم ترمي وكن لهذا الحي من بكر بن وائل كما قال امرؤ القيس: السريع يا راكباً قولا لإخواننا ... من كان من كندة أو وائل

стр. 115

إنّا وإيّاكم وما بيننا ... كموضع الزّور من الكاهل قال: ونمى إلي عن مسلمة بن علقمة قال: كتب مروان بن محمد إلى ولد المسور يعزيهم عن أبيهم: قد بلغ أمير المؤمنين الذي كان من نازل قضاء الله في المسور بن عمرو، وما اختار الله له من المصير إليه، فعند الله يحتسب أمير المؤمنين مصابه ونعم المتوفي توفاه الله من بينكم. وفي جود الله الخلف الكافي. وقد أعاضكم الله من رزيئتكم رأياً من أمير المؤمنين جميلاً، فيه حسن الخلف عليكم. فلتحسن ظنونكم بربكم وخليفتكم فإن الله لم يقبض ولياً له إلا أحسن خلافته في ولده وأهل لحمته. وتحدث يعقوب بن داود قال: عزي السائب بن الأقرع عن ابن له، فقال السائب: هكذا الدنيا تصبح لك سارةً، وتمسي عليك متنكرة. ثم تمثل: الطويل ألا قد أرى أن لا خلود وأنّه ... سينعق في داري غرابٌ ويحجل ويقسم ميراثي رجالٌ أعزّةٌ ... وتذهل عنّي الوالدات وتشغل وتحدث النضر بن إسحاق قال: ماتت امراة بكر بن عبد الله المزني فاشتد حزنه عليها، فنهاه الحسن فقال: يا أبا سعيد، إنها كانت مواتية، وكانت.. وكانت.. فقال له الحسن:

стр. 116

لا تيأس، فعند الله خير منها. فتتزوج أختها بعدها، فمر به الحسن بعد ذلك فقال: يا أبا سعيد، هذه خير من أختها. قال أبو الحسن المدائني عن الحسن الجفري قال: لما مات سعيد، أخو الحسن، حزن عليه الحسن وقال: إنه لأعز أهلي علي، ولأن يكون لي أحب إلي من أن أكون له. فعاتبه بعض إخوانه فقال الحسن: يا عبد الله، قد حزن يعقوب على ابنه يوسف فلم يعنفه الله بذلك. وقال عن كليب بن خلف: قال عبد الكريم المازني لعبد الله بن عبد الله بن الأهتم: كيف كان جزعك على أهل بيتك؟ فقال: ما ترك حب الغداء والعشاء في قلبي حزناً على أحد. وقال يزيد بن عياض بن جعدبة: كان عبد الله بن الزبير إذا أصابته مصيبة قال: قد قتل أبي وإمامي عثمان بن عفان فصبرت. وقال أبو عبد الرحمن العجلاني: أخبرنا إسماعيل بن يسار قال:

стр. 117

مات ابن لأرطاة بن سهية المري، من غطفان، فأقام على قبره حولاً يأتيه كل غداة فيقول: يا عمرو، إن أقمت حتى أمسي هل أنت رائح معي؟ ويأتيه عند المساء فيقول مثل ذلك، ثم ينصرف. فلما كان في رأس الحول تمثل: الطويل إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ثم انصرف عنه وهو يقول: الطويل وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكىً ومجزع هل أنت أبن ليلى إن نظرتك رائحٌ ... مع القوم أو غادٍ غداة غدٍ معي؟ فلو كان لبّي شاهداً ما أصابني ... شهيقٌ على قبرٍ بأحجار أجرع فما كنت إلاّ والهاً بعد زفرةٍ ... على شجوها بعد الحنين المرجّع متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو ترجع لإلفٍ فترتع على الدّهر فاعتب إنّه غير معتبٍ ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع وقال أبو محمد الكعبي: قال عمر بن الخطاب ﵁ حين استشهد أخوه زيد بن الخطاب باليمامة وحضره رجل من بني عدي بن كعب، فرجع إلى المدينة، فلما رآه عمر دمعت عينه ثم قال: أخلّفت زيداً ثاوياً وأتيتني وقال المثنى بن عبد الله بن عوف: كان عمر بن الخطاب ﵀ إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيداً فصبرت. وكان يقول: ما هبت الصبا إلا وجدت نسيم زيد.

стр. 118

وقال أبو الحسن: أخبرني من أثق به عن حكيم من الحكماء قال: مات أخ له فجزع عليه، فقال له قائل من أصحابه: اصنع بنفسك ما يصنعه بك الدهر. وأخبر عن أبي إبراهيم قال: قال عباد بن مخاشن: استشهد لي ابنان فجزعت عليهما. فقال له رجل: ثم ماذا؟ قال: كان جرحاً فبراً. وتحدث قال: لما مات معاوية دخل على يزيد أشراف أهل الشام، فلم يجتمع لأحد منهم تعزية مع تهنئة إلا عطاء بن أبي صيفي فإنه قال: يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة، ومنحت السياسة؛ فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على جميل العطية وقال الأصمعي: لما ماتت البانوقة، ابنة المهدي، اشتد جزعه عليها فحجب الناس، فتلطف شبيب بن شيبة فدخل عليه فقال:

стр. 119

يا أمير المؤمنين، والله لله خير لها منك، ولثواب الله خير لك منها. وإن أحق ما صبر عليه ما لم يقدر على دفعه. فكان هذا أول ما تسلى به، وأذن للناس. وقال جويرية بن أسماء: اشتكى ابن لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فجزع عليه. فلما مات لم يظهر منه مثل ما كان يظهر في مرضه. فقيل له في ذلك فقال: كان ذلك مني رحمةً له ورقة، فلما وقع القضاء رضيت وسلمت. وقال أبو الحسن: أصبح رجل من بني نهشل وقد موتت له عدة أباعر وشاء، فقال: لئن كانت المنية باتت تطيف بي ثم أصبحت، وقد زالت عني إلى شاتي وبعيري، ثم جزعت إني لجزوع ثم قال: مجزوء الكامل المرء يسعى سادراً ... حتّى يقال له تعاله وتحدث أبو الحسن المدائني، أو غيره، عن أبان بن تغلب النحوي قال: شهدت امرأةً من الأعراب وبين يديها ابن لها رجل وهو يجود بنفسه وعندها جماعة من قومها. فلما قضى وثبت إليه فغمضته وعصبته وترحمت عليه ثم تنحت إلى مجلسها فقالت: يا أبان، ما أحق من ألبس النعمة وأطيلت به النظرة ألا يعجز عن التوثق لنفسه من قبل حل عقدته والحلول بعقوته والحيالة بينه وبين نفسه. قال: فقال رجل من الأعراب ممن حضرها: إنا لم نزل نسمع أنما الجزع للنساء، فوأبيك لقد كرم صبرك، وما أشبهت للنساء؟! فقالت: ما ميز إنسان بين صبر وجزع إلا وجد بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما.

стр. 120

أما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة. وأما الجزع فغير معوض عوضاً مع مأثمه ولو كانا رجلين في صورة كان الصبر أولاهما بالغلبة على الحسن في الخلقة والكرم في الطبيعة. وقال أبان: حدثنا ابن السماك قال: جلسنا ننتظر جنازةً لتخرج إذ مر بنا أعرابي فوقف علينا فسلم ثم قال: إن أعظم المصيبة مصابكم برسول الله ﷺ ، عظم الله أجركم، ورحم ميتكم قال ابن السماك: فما يخيل إلي أني سمعت كلمات أوجز منهن: إنه صدر كلامه برسول الله ﷺ ، وعزانا، وترحم على ميتنا في كلمة واحدة. وقال أبان: سمعت بعض الأعراب يتلهف على حميم له ثم تنفس الصعداء وقال: أيهات! عتب الناس على الدهر فلم يعتب مستعتباً، ولم يرث لمتلهف عليه، ثم قال: كل امريء منا يجري في السوابق من حتم الله عليه. وتحدث الحرمازي رحمة الله عليه قال: كان مروان بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، من أحب ولد عبد الملك إليه، فتوفي في حياة عبد الملك، وكان أهل العلم بعبد الملك بن مروان يرون أنه لو بقي لثلث به في العهد. فكتب إلى عبد الملك بعض عمومته من بني الحكم وهو غائب يعزيه عنه ويسأله كيف كان صبره.

стр. 121

فكتب إليه بعد الملك: البسيط كتبت تسأل عن صبري لتعلمه ... على الرّزيّة بالمأمول مروان فقد صبرت بعون الله محتسباً ... لموعد الله من فوزٍ ورضوان ولو حزنت ولم أصبر لفرقته ... ما كان في فقده منهاة أحزاني وقال الحرمازي: كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام فعجل عليه سليمان فقال له: يا بن ملخن أمه، ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته وقال له: يا أبا عبد الملك، أخوك إمامك وله السن عليك. فقال: يا أبا حفص قتلتني. قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر. ومال لجنبه فمات. وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه، يزيد بن عبد الملك: الطويل أبا خالدٍ فارقت مروان عن رضىً ... وكان يزين الأرض أن تنزلا معا فسيروا فلا مروان للحيّ إن شكوا ... ولا الرّكب إن أمسوا مخفّين جوّعا قال: وبلغني أن عبد الملك أمرغاسله إذا فرغ من جهازه أن يؤذنه، ففعل، فكشف عن وجهه ثم قال: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحبه.

стр. 122

قال أبو الحسن: لما حضرت أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة وكان ولي عهد أبيه دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد ابن عقبة ورجاء بن حيوة قال: فجعل ينظر في وجهه وهو يفوق بنفسه فخنقته العبرة فردها ثم نظر إلينا فقال: إنه، والله، ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس عند ذلك أخياف، فمنهم من يغلب صبره جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه صبره، فذلك المغلوب الضعيف العقدة، وليست منكم حشمة، وإني أجد في قلبي لوعةً إن لم أبردها بعبرة خشيت أن تنصدع كبدي كمداً وأسفاً. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا تحبطن أجرك. قال سعيد بن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أراد من البكاء. فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين، افعل، فإني لا أرى بأساً ما لم تأت الأمر المفرط. فقد بلغني أن رسول الله ﷺ لما هلك إبراهيم اشتد وجده عليه فدمعت عيناه فقال: تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمحزونون يا إبراهيم. قال: وأرسل عينيه فبكى حتى ظننا أن نياط قلبه قد انصدع، فقال عمر: يا رجاء، هذا ما صنعت بأمير المؤمنين! فقال: دعه، يا أبا حفص، يقض من بكائه وطراً، فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى لخفت أن يأتي عليه، ثم رقأت عبرته فدعا بماء فغسل وجهه فأقبل علينا وقد قضى

стр. 123

الفتى، فأمر بجهازه وخرج يمشي أمام جنازته، فلما دفن وحثي عليه التراب وقف قليلاً ينظر إلى قبره ثم قال: الطويل وقفت على قبرٍ مقيمٍ بقفرةٍ ... متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب السريع كنت لنا أنساً فأوحشتنا ... فالعيش من بعدك مرّ المذاق ثم قال: أدن، يا غلام، دابتي، فركب ثم عطف برأس دابته إلى القبر ثم قال: البسيط فإن صبرت فلم ألفظك من شبعٍ ... وإن جزعت فعلقٌ منفسٌ ذهبا فقال عمر: يا أمير المؤمنين، بل الصبر، فإنه أقرب إلى الله وسيلة وليس الجزع يحيي من مات، وبالله العصمة والتوفيق. وقال الحسن بن عمارة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة قالت: لما مات عبد الله بن أبي بكر وجد عليه أبو بكر وجداً شديداً ثم دخل علي فقال: يا عائشة، والله لكأنما أخذ بأذن شاة من دارنا فأخرجت، فقلت: الحمد لله الذي عزم لك على رشدك، وربط على قلبك. قالت: ثم جاء بعد ذلك فقال: أي بنية، أتخافين أن تكونوا دفنتم عبد الله وهو حي؟. فقلت: استعذ بالله يا أبه. فقال:

стр. 124

أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أي بنية، إنه ليس أحد إلا وله من الشيطان لمة. فرثته عاتكة امرأته، وهي ابنة زيد بن عمرو بن نفيل فقالت: الطويل فآليت لا تنفكّ عيني سخينةً ... عليك وجلدي آخر الدّهر أغبرا وهذا يتصل بخبر ليس من هذا الباب. ولما مات عبد الرحمن بن أبي بكر لم تحضره عائشة، فأتت قبره فقالت: يا أخي، لو كنت شهدت وفاتك لم أزر قبرك ثم تمثلت: الطويل وكنّا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدّهر حتّى قيل لن نتصدّعا فلمّا تفرّقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا وحدثنا ابن عائشة، وحدثنيه غيره وحديثه أتم أن عائشة حضرت أبا بكر رحمة الله عليه وهو يقضي فقالت: هذا والله قوله: الطويل أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر فقال: أي بنية، لا تقولي كذا وقولي: وجاءت سكرة الموت بالحق وهكذا كان يقرؤها أبو بكر ﵀. قال الهلالي: كان أبو بكر الصديق، رحمة الله عليه، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله. وكان عثمان، ﵀، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله

стр. 125

وقال الهلالي: قيل لمعاوية: مات زياد، فقال: وارجلاه، ثم قال: الطويل أفردت سهماً في الكنانة واحداً ... سيرمى به أو يكسر السّهم كاسر وقال: لما هلك ابن معاذ بن جبل، كتب إليه رسول الله ﷺ : من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن أنفسنا وأهلينا وأموالنا ودائع الله جل ذكره وعواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، فأمرنا بالشكر إذ أعطانا، وبالصبر إذ ابتلانا، فكان ابنك من مواهب الله الهنية، ومن عواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم. وقد متعك الله به، في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، فالصلاة والرحمة والهدى، يا معاذ إن صبرت واحتسبت. فلا يذهبن جزعك أجرك فتندم على ما فاتك. فإنك لم قدمت على ثواب مصيبتك، قد أرضيت ربك وتنجزت موعوده علمت أن المصيبة قد قصرت عنك. واعلم أن الجزع لا يرد ميتاً ولا يدفع حزناً. فأحسن العزاء، وتنجز الموعود، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد. ولما مات مسمع جاء شبيب بن شيبة حتى أخذ بالباب الذي فيه ولده وأهله وبنو عمه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم قال: الكامل بكّوا حذيفة لن ترثّوا مثله ... حتّى تبيد قبائلٌ لم تخلق

стр. 126

قال الأصمعي: مر رجل على بعض مقابر العرب فإذا هو بشيخ قاعد على شفير قبر، وبين يديه فتية كأنهم الرماح يدفنون رجلاً، والشيخ يقول: الرجز أحثوا على الدّيسم من برد الثّرى ... قدماً أبى ربّك إلاّ ما ترى قال: فسألت الشيخ: من الميت؟ فقال: ابني. فقلت: فمن هؤلاء؟ قال: بنوه. وقال أبو جعفر الدمشقي: حدثنا أبو بكر السلمي عن المعافى بن عمران عن شهاب بن خراش عن عبد الرحمن بن عثمان قال: دخلنا على معاذ بن جبل وهو قاعد عند رأس ابن له يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا وانتحب بعضنا فزجره معاذ وقال: مه، فوالله لعلم الله برضاي بهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله ﷺ ، فإني سمعته يقول: من كان له ابن وكان عليه عزيزاً وبه ضنيناً، فصبر على مصيبته واحتسبه أبدل الله الميت داراً خيراً من داره، وقراراً خيراً من قراره، وأبد المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان. فما برحنا حتى قضى الغلام حين أخذ المنادي في النداء لصلاة الظهر، فرحنا نريد

стр. 127

الصلاة فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه ودخل بسريره غير منتظر لشهادة الإخوان ولا لجمع الجيران. قال: فلما بلغنا ذلك تلاحقناه فقلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا انتظرتنا حتى نفرغ من صلاتنا ونشهد ابن أخينا. فقال: أمرنا ألا ننتظر بموتانا ساعةً، ماتوا من ليل أو نهار. والإذن فيهم من نعي الجاهلية. قال: فنزل في القبر ونزل معه آخر فقلت: الثالث يا أبا عبد الرحمن، فقال: إنما يقول الثالث الذين لا يعلمون. فلما سوى عليه التراب أراد الخروج فناولته يدي لأنتشطه من القبر فأبى وقال: ما أدع ذلك لفضل قوة، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع أو استرخاء عند المصيبة. ثم أتى مجلسه فدعا بدهن فادهن بكحل فاكتحل وببردة فلبسها، وأكثر في يومه ذلك من التبسم، ينوي به ما ينوي، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. في الله خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك لكل ما فات. وقال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: من أصيب بمصيبة فدعا عليها ويلاً غضب الله عليه، ومن لطم عليها وجهاً احتجب الله عنه، ومن خرق عليها ثوباً خرق دينه ومزقه وبدده.

стр. 128

قال: فلما كان طاعون عمواس طعن معاذ في يده، فدخلنا عليه فرأيناه مغمىً عليه، باسطاً يده كأنه يصافح قوماً ويرحب بهم. فلما أفاق قلنا له: يا أبا عبد الرحمن، دخلنا عليك وكأنك تصافح قوماً وترحب بهم. فقال: أجل، شكرني ربي بصبري على ابني فأرسل إلي ملائكة من الكروبيين يشيعوني إلى قبري.

стр. 129

باب مراث من أشعار المحدثين قال أبو العباس: وقصدنا في وقتنا هذا لذكر مراث من أشعار المحدثين لننزل بها من خشونة أشعار القدماء إلى لطف المولدين لمشاكلة الدهر وملاحة القول لنمضي من ذلك شيئاً ثم نعود إلى أمرنا الأول إن شاء الله تعالى من أشعار قديمة ومواعظ حكيمة. وبالله الحول والقوة. قال مسلم بن الوليد يرثي الفضل بن سهل ذا الرئاستين: الطويل وهلت فلم أمتع عليك بعبرةٍ ... وأكبرت أن ألقى بيومك ناعيا فلمّا رأيت أنّه لاعج الأسى ... وأن ليس إلاّ الدّمع للحزن شافيا بعثت لك الأنواح فارتجّ بينها ... نوائح يندبن العلى والمساعيا أللبأس أم للجود أم لمقاومٍ ... من الملك يزحمن الجبال الرّواسيا فلم أر إلاّ قبل يومك ضاحكاً ... ولم أر إلاّ بعد يومك باكيا وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابناً له أصيب به بالبصرة وهو واليها. وكان فيما يؤثر عنه يستحق أن يرثي وأن يوصف، وشعره هذا يستحق أن يبكي القلوب،

стр. 130

ويستنزل الدموع لحسن لفظه، وصحة معناه، وشرف قائله، وأنه إذا سمع علم أنه عن نية صادقة. قال: الطويل نأى آخر الأيّام عنك حبيب ... فللعين سحٌّ دائمٌ وغروب دعته نوىً لا يرتجى أوبةٌ لها ... فقلبك مسلوبٌ وأنت كئيب يؤوب إلى أوطانه كلّ غائبٍ ... وأحمد في الغيّاب ليس يؤوب تبدّل داراً غير داري وجيرةً ... سواي وأحداث الزّمان تنوب أقام بها مستوطناً غير أنّه ... على طول أيّام المقام غريب تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره ... كباقي ضياء الشّمس حين تغيب خلا أنّ ذا يفنى ويبلى وذكره ... بقلبي على طول الزّمان قشيب كأن لم يكن كالدّرّ يلمع نوره ... بأصدافه لمّا تشنه ثقوب كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضّحى ... سقاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب كأن لم يكن زين الفناء ومعقل النّس ... اء إذا يومٌ يكون عصيب وريحان قلبي كان حين أشمّه ... ومؤنس قصري كان حين أغيب قليلاً من الأيّام لم يرو ناظري ... بها منه حتّى أعلقته شعوب كظلّ سحابٍ لم يقم غير ساعةٍ ... إلى أن أطاحته فطاح جنوب أو الشّمس لمّا عن غمامٍ تحسّرت ... مساءً وقد ولّت وحان غروب كأنّي به إذ كنت في النّوم حالمٌ ... نفى لذّة الأحلام عنه هبوب فلست خطوب الدّهر أحفل بعده ... ولو كان ما منه الوليد يشيب ولا لي شيءٌ عنه ما عشت لذّةٌ ... ولو نلت ما هبّت عليه هبوب وكان نصيب العين من كلّ لذّةٍ ... فأضحى وما للعين منه نصيب وكان وقد آزى الرجال بعقله ... فإن قال قولاً قال وهو مصيب بما تتهاداه الرّكاب لحسنه ... ويفحم منه الكهل وهو أريب

стр. 131

وكانت يدي ملأى به ثمّ أصبحت ... بعدل إلهي وهي منه سليب وكنت به في النّائبات إذا عرت ... وظهري ممتدّ القناة صليب بحال الّذي يجتاحه السّيل بغتةً ... فيفتقد الأدنين وهو حريب جمعت أطبّاء العراق فلم يصب ... دواءك منهم في البلاد طبيب ولم يملك الآسون دفعاً لمهجةٍ ... عليها لأشراك المنون رقيب سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا ... بعينيّ ماءً يا بنيّ يجيب وما لاح نجمٌ أو تغنّت حمامةٌ ... أو اخضرّ في فرع الأراك قضيب وأضمر إن أنفدت دمعي لوعةً ... عليك لها تحت الضّلوع وجيب حياتي ما كانت حياتي فإن أمت ... ثويت وفي قلبي عليك ندوب يعزّ عليّ أن تنالك ذرّةٌ ... يمسّك منها في الممرّ دبيب وما زال إشفاقي عليك عشيّةً ... حواك بها بعد النّعيم قليب وما زال إشفاقي عليك عشيةً ... وسادك فيها جندلٌ وجبوب فما لي إلاّ الموت بعدك راحةٌ ... وليس لنا في العيش بعدك طيب قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي ... أخوك، ورأسي قد علاه مشيب فأصبحت في الهلاّك إلاّ حشاشةً ... تذاب بنار الشّوق فهي تذوب تولّيتما في حجّةٍ فتركتما ... صدىً يتولّى تارةً ويثوب ولا رزء إلاّ دون رزئك رزؤه ... ولو فتّتت حزناً عليك قلوب وإنّي وإن قدّمت قبلي لعالمٌ ... بأني وإن أبطأت منك قريب وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه ... صباحٌ إلى قلبي الغداة حبيب

стр. 132

وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية يرثي أخاً له، يقال له علي بن ثابت وكان علي ناسكاً فاضلاً أديباً شاعراً: الوافر ألا من لي بأنسك أي أخيّا ... ومن لي أن أبثّك ما لديّا طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍ ... كذاك خطوبه نشراً وطيّا ولو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليّا بكيتك أي أخيّ بدرّ عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيّا وكانت في حياتك لي عظاتٌ ... وأنت اليوم أو عظ منك حيّا قال: أخذ هذا المعنى مما يؤثر عن بعض ملوك العجم أنه احتضر فحضره من يحضر الملوك من الحكماء حتى قضى. فقال ذلك الحكيم: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال أبو العتاهية أيضاً: الخفيف يا عليّ بن ثابتٍ أين أنتا ... أنت بين القبور حيث دفنتا يا عليّ بن ثابتٍ بان منّي ... صاحبٌ جلّ فقده يوم بنتا قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحرّكتني لها وسكنتا أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء وحضر ميتاً، فارتفع البكاء عيه حين قضى، فقال الحكيم: حركنا بسكونه.

стр. 133

وقال فيه أيضاً: مجزوء الخفيف صاحبٌ كان لي هلك ... والسّبيل الّذي سلك يا عليّ بن ثابتٍ ... غفر الله لي ولك كلّ حيٍّ مملّكٍ ... سوف يفنى وما ملك قال أبو العباس: وأنشدني أبو محمد التوزي لرجل من قيس يرثي ابنه: الطويل أجارتنا لا تجزعي وأنيبي ... أتاني من الموت المطلّ نصيبي بنيّ على عيني وقلبي مكانه ... ثوى بين أحجارٍ وبطن جبوب عجبت لإسراع المنيّة نحوه ... وما كان لو ملّيته بعجيب وما هدّ ركني أن سلبت جماله ... على أنّني أرثي لكلّ سليب صبرت على خير الفتوّ رزئته ... ولولا اتّقاء الله طال نحيبي وما جزعي من نازلٍ عمّ فجعه ... ومن ورد آباري وقصد شعيبي لعمري لقد دافعت موت محمّدٍ ... لو أنّ المنايا ترعوي لطبيب وكان كريحان العروس بقاؤه ... ذوى بعد إشراق الغصون وطيب فيا حزناً نغّصت قرب محمّدٍ ... وأيّ فتى نغّصت يوم ركوبي أغرّ طويل السّاعدين مشيّعٌ ... كسيف المحامي هزّ غير كذوب دعته المنايا فاستجاب لصوتها ... فلله من داعٍ دعا ومجيب فأصبحت أبدي للعدوّ جلادةً ... ويا لك من قلبٍ هناك كئيب يذكّرني نوح الحمام فراقه ... وإرنان أبكار النّساء وثيب ولي كلّ يومٍ عبرةٌ لا أفيضها ... لأحظى بصبرٍ أو بحطّ ذنوب أظلّ لأحداث المنون مفزّعاً ... كأنّ فؤادي في جناح طلوب

стр. 134

إذا شئت راعتني مقيماً وظاعناً ... مصارع شبّانٍ لديّ وشيب غدا سلفٌ منّا وهجّر رائحٌ ... على أثر الغادين قود جنيب وما نحن إلاّ كالخليط الّذي مضى ... فرائس دهرٍ مخطيءٍ ومصيب نؤمّل عيشاً في حياةٍ ذميمةٍ ... أضرّت بأبدانٍ لنا وقلوب وما خير عيشٍ لا يزال مفزّعاً ... بفوت نعيمٍ أو بموت حبيب قال أبو العباس: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير بن بكار الزبيري عن سليمان بن العباس السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس وكان ذلك بزمان خروج ملك بني أمية وانتقاله إلى بني العباس، قاصداً لعبد الله وحسن، ابني حسن، فاستنشده عبد الله من شعره فأنشدهم فقالوا: نريد من شعرك ما رثيت به قومك، وما كان من أمركم وأمر القوم فأنشدهم قوله: المتقارب تقول أمامة لمّا رأت ... نشوزي عن المنزل المنفس وقلّة نومي على مضجعي ... لدى هجعة الأعين النّعّس: أبي، ما عراك؟ فقلت: الهمو ... م عرين أباك فلا تبلسي عرين أباك فحبّسنه ... من الطّرد في شرّ ما محبس لفقد العشيرة إذ نالها ... سهامٌ من الحدث الموئس رمتها المنون بلا نصّلٍ ... ولا طائشاتٍ ولا نكّس بأسهمها الخالسات النّفوس ... متى ما تصب مهجةً تخلس

стр. 135

فصرعاهم في نواحي البلا ... د ملقىً بأرضٍ ولم يرسس تقيّ أصيب وأثوابه ... من العار والعيب لم تدنس وآخر قد رسّ في حفرةٍ ... وآخر طار فلم يحسس فكم من كوابٍ بواكي العيو ... ن حزناً ومن صبيةٍ بؤّس إذا ما ذكرنهم لم تنم ... صباح الوجوه ولم تجلس يرجّعن مثل بكاء الحما ... م في مأتمٍ قلق المجلس فذاك الّذي غالني فاصمتي ... ولا تسأليني وتستنحسي وفي ذاك أشياء قد ضفنني ... ولست لهنّ بمستحلس أفاض المدامع قتلى كدىً ... وقتلى بكثوة لم ترمس وبالزّابيين نفوسٌ ثوت ... وقتلى بنهر أبي فطرس أولئك قومٌ أذاعت بهم ... حوادث من زمنٍ متعس فذلّت قناتي لمن رامها ... وأنزلت الرّغم بالمعطس قال: فلما أتى عليها استبكى محمد بن عبد الله بن حسن، فنظر عبد الله إلى أخيه حسن فقال: مالك تنظر إلي! أما والله، لو كان ابنك على غير ما ترى لكان خيراً لنا ولك. فأقبل محمد على عمه بإظهار الشفقة على بن العباس ويقول إنهم ليسوا كبني أمية لقرب بني العباس من رسول الله ﷺ ، وقام الحسن إلى منزله فبعث إلى العبلي بخمسين ديناراً، وأمر له عبد الله، ومحمد وإبراهيم ابناه، كل واحد بخمسين ديناراً. وكانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مقتفية بالعبلي. وهند المذكورة هي امرأة عبد الله بن حسن، ومحمد وإبراهيم ولداها. فقال العبلي: الوافر أقام ثويّ بنت أبي عبيدٍ ... بخير منازل الجيران جارا أتاهم خائفاً وجلاً طريداً ... فصادف خير دور النّاس دارا إذا ذمّ الجوار نزيل قومٍ ... شكرتهم ولم أذمم جوارا

стр. 136

فقالت هند لعبد الله وابنيها محمد وإبراهيم: والله ما مدحكم بأفضل مما مدحني به فلتعطنه عني مثل ما أعطاه أحدكم. فأعطوه عنها خمسين ديناراً. فقال الزبير: إنما ينسب عبلياً من كان من ولد أمية الأصغر، وليس عبد الله هذا من ولده، إنما أمية عمه. يقال: فلان يقتفي بفلان إذا كان يؤثره، والقفية: الطعام يؤثر به الرجل واحداً يقدمه. ويقال للرجل يختار ويقصد بالبر: ألقيت قفيتي عليك. وقال أحد الأعراب الفصحاء: الطويل لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعيّ حييٍّ أنّ سيّدكم هوى أجل صادقاً والقائل الفاعل الّذي ... إذا قال قولاً أنبط الماء في الثّرى فتىً قبلٌ لم تعنس ألسّنّ وجهه ... سوى شهبٍ في الرّأس كالفجر في الدّجى أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أوّل من أتى ولم يجنها لكن جناها وليّه ... فأدى وآساه فكان كمن جنى وقال أيضاً يرثيه: الوافر ألا لهف الأرامل واليتامى ... ولهف الباكيات على حييّ لعمرك ما خشيت على حييّ ... متالف بين حجر والسّليّ ولكنّي خشيت على حييّ ... جريرة رمحه في كلّ حيّ

стр. 137

وقال امرأة من كندة ترثي إخوتها: الطويل أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم ... فماتوا وأطراف القنا تقطر الدّما ولو أنّهم فرّوا لكانوا أعزّةً ... ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما هوت أمّهم ماذا بهم يوم صرّعوا ... بجيشان من أسباب مجدٍ تصرّما وقال رجل من الخوارج يرثي عدداً منهم: الوافر ألا في الله لا في النّاس سالت ... بداوودٍ وإخوته الجذوع مضوا قتلاً وتشريداً وصلباً ... تحوم عليهم طيرٌ وقوع إذا ما اللّيل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدّنيا هجوع وقالت الكندية: البسيط لا تخبروا النّاس إلاّ أنّ سيّدكم ... أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا أعني فتىً لم تهبّ الرّيح رائحةً ... يوماً من الدّهر إلاّ ضرّ أو نفعا الواهب الألف لا يبغي لها ثمناً ... إلاّ من الله والحمد الّذي صنعا وقال أبو عبد الرحمن العتبي: البسيط قد كنت أبكي على من فات من سلفي ... وأهل ودّي جميعٌ غير أشتات والآن إذ فرّقت بيني وبينهم ... نوىً بكيت على أهل المودّات وما بقاء امريءٍ كانت مدامعه ... مقسومةً بين أحياءٍ وأموات وكان أبو عبد الرحمن وسيطاً في قريش، من ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان معدناً من معادن العلم بالأخبار جاهليتها وإسلاميتها وكان بالإسلامي أخبر. وتوالى له بنون موتاً. ورثاهم مراثي كثيرة نذكر بعضها مع ما في غيرهم من المراثي إن شاء الله.

стр. 138

فمن ذلك قوله: الكامل أضحت بخدّي للدّموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم والصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلاّ عليك فإنّه مذموم يا واحداً من ستّةٍ أسكنتهم ... حفراً تقسّم بينهم ورجوم لولا معالم روسهنّ لما اهتدى ... لحميمه بين القبور حميم وقال أيضاً: المنسرح كلّ لساني عن وصف ما أجد ... وذقت ثكلاً ما ذاقه أحد وأوطنت حرقةً حشاي فقد ... ذاب عليها الفؤاد والكبد إن أزمعت بالعزاء لجّ بها الشّ ... وق فنيران حرّها تقد ما عالج الحزن والحرارة في ال ... أحشاء من لم يمت له ولد فجعت بابنين ليس بينهما ... إلاّ ليالٍ ليست لها عدد فالنّفس تطوى على أحرّ من ال ... جمر وأدنى أرجائها الكمد وكلّ حزنٍ يبلى على قدم الدّ ... هر وحزني يجدّه الأبد ويروى عن الحسن البصري أنه قال: قدم علينا بشر بن مروان وهو أشرف الناس، وأجمل الناس، وأشب الناس، ابن خليفة وأخو خليفة، فلبث خمسة وأربعين يوماً ثم طعن في نيطه فمات. فخرج به إلى قبره والناس معه. وجاء سودان ثلاثة يحملون أسود، فدفن هذا وهذا. وخرجت إلى الصحراء ثم رجعت وقد انصرف عنهما، فلم أعرف قبر هذا من قبر هذا. قال أبو العباس: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك المعروف بالزيات وحدثني بهذا الحديث الذي أذكره غيره أيضاً أن محمد بن عبد الملك كانت له جارية وكان بها ضنيناً، وكان له منها ابن يقال له عمر وهو باق الآن، فماتت وابنها هذا صغير.

стр. 139

وسمعت أبا أيوب سليمان ابن وهب يتحدث بقطعة من خبر محمد بن عبد الملك في ضنه بابنه هذا. فرثاها ببيتين هما جاريان على ألسن الناس مشهوران: الطويل يقول لي الخلاّن لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟ على حال لم أحدث فأجهل عهدها ... ولم أبلغ السّنّ الّتي معها الصّبر ورثاها فقال شعراً يقرب من القلب، ويضطر إلى تصديقه، ويرتاح لعهد قائله، ويرحم لشكوى بثه وهو: الطويل ألا من رأى الطّفل المفارق أمّه ... بعيد الكرى عيناه تنسكبان؟ رأى كلّ أمٍّ وابنها غير أمّه ... يبيتان تحت اللّيل ينتجيان يرنّ بصوتٍ فضّ قلبي نشيجه ... وسحّ دموعٍ ثرّة الهملان وبات وحيداً في الفراش تحثّه ... بلابل قلبٍ دائم الخفقان ألا إنّ سجلاً واحداً إن هرقته ... من الدّمع أو سجلين قد شفياني فلا تلحياني إن بكيت فإنما ... أداوي بهذا الدّمع ما تريان وإنّ مكاناً في الثّرى خطّ لحده ... لمن كان من قلبي بكلّ مكان أحقّ مكانٍ بالزّيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران؟ فهبني عزمت الصّبر عنها لأنّني ... جليدٌ، فمن بالصّبر لابن ثمان؟ ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبةً ... ولا يأتسي بالنّاس في الحدثان ألا من أمنّيه المنى وأعدّه ... لعثرة أيّامٍ وصرف زمان؟ ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني وكفاني؟ فلم أر كالأيّام كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدّهر كيف رماني ولا مثل أيّامٍ فجعت بفقدها ... ولا مثل يومٍ بعد ذاك دهاني أعينيّ إلاّ تسعدا اليوم عبرتي ... فبئس إذن ما في غدٍ تعداني أعينيّ إن أنع السّرور وأهله ... وعهد الصّبا عندي فقد نعياني أعينيّ إن أبك البشاشة والصّبا ... فقد آذنا منّي وقد بكياني ألا إنّ بيتاً لم أزره لشدّ ما ... تلبّس من قلبي به وعناني ألا إنّ بيتاً لم أزره لعزّ ما ... تضمّن منه في الثّرى الكفنان وقال رجل من الأنصار يذكر امرأة كانت له، وكانت به برة، وله حافظةً إذا غاب، وسارةً إذا حضر، فأصيب بها: الطويل

стр. 140

ألا ما لهذا البيت ليس بذي أهل ... تنكّرت ما قد كنت تألف من قبلي أيا جارتا لا تبعدي خير جارةٍ ... لبعلٍ وأحناه على ولدٍ طفل فلو أنّني كنت العليل لأيقظت ... بنيها وما نامت ولا فعلت فعلي وقال رجل من بني شيبان يرثي معن بن زائدة: الطويل أحين ثوى معنٌ ثوى الجود والنّدى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا فيا قبر معنٍ أنت آخر خطّةٍ ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميّتٌ ... ولو كان حيّاً ضقت حتّى تصدّعا فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما عاد غيثٌ بعد جدواه مرتعا وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم. وشهرة أفعال سعيد وبعد صيته في عقله وأدبه، وجاهه وقدره، وكثرة معروفه وتمكنه من الخلفاء، تغني عن ذكر شيء من أفعاله: البسيط ما للسّماء عليه ليس تنفطر ... وللكواكب لا تهوي فتنتثر؟ وللبلاد ألا تسمو زلازلها ... والرّاسيات ألا تردى فتنقعر؟ إنّ النّدى وأبا عمروٍ يضمهما ... قبرٌ ببغداد يستسقى به المطر لله حزمٌ وجودٌ ضمّه جدثٌ ... ومكرماتٌ طواها التّرب والمدر يا طالباً وزراً من ريب حادثةٍ ... أودى سعيدٌ فلا كهفٌ ولا وزر أبكى عليك عيون الحيّ من يمنٍ ... ومن ربيعة ما تبكي له مضر كلّ القبائل قد ردّيت أرديةً ... من فضل نعماك لا يجزي بها شكر ما خصّ رزؤك لا قيساً ولا مضراً ... إنّ الرّزيّة معمومٌ بها البشر لو كان يبكي كتاب الله من أحدٍ ... لطول إلفٍ بكتك الآي والسّور

стр. 141

أبو الأرامل والأيتام ليس له ... إلاّ مراعاتهم همٌّ ولا وطر للهاربين مصادٌ غير مطّلعٍ ... وللعفاة جنابٌ ممرعٌ خضر من كلّ أفقٍ إليه العيس معملةٌ ... وكلّ حيٍّ على أبوابه زمر المصاد: رأس الجبل يتحصن فيه الخائفون، كما قال أوس بن حجر: الطويل إذا أبرز الخوف الكعاب فإنّهم ... مصادٌ لمن يأوي إليهم ومعقل مشيّعٌ لا يفوت الذّحل صولته ... وأكرم النّاس عفواً حين يقتدر لا يزدهيه لغير الحقّ منطقه ... ولا تناجيه إلاّ بالتّقى الفكر ثبتٌ على زلل الأيّام مضطلعٌ ... بالنّائبات لصعب الدّهر مقتسر سامي الجفوني يروق الطّرف منظره ... وأطهر النّاس غيباً حين يختبر الحلم يصمته والعلم ينطقه ... وفي تقى الله ما يأتي وما يذر لم تسم همّته يوماً إلى شرفٍ ... إلاّ حباه بما يسمو له الظّفر يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلاّ وهو معتذر يزيد معروفه كبراً ويرفعه ... أنّ الجسيم لديه منه محتقر وليس يسعى لغير الحمد يكسبه ... وليس إلاّ من المعروف يدّخر عفّ الضّمير رحيب الباع مضطلعٌ ... لحرمة الله والإسلام منتصر ما انفكّ في كلّ فجٍّ من ندى يده ... للنّاس جودان: محويٌّ ومنتظر لو هاب عن عزّةٍ أو نجدةٍ قدرٌ ... من البريّة خلقاً هابك القدر ليبك فقدك أطراف البلاد كما ... لم يخل من نعمةٍ أسديتها قطر وليبكك المرملون الشّعث ضمّهم ... من كلّ أوبٍ إلى أبياتك السّفر وذات هدمين تزجي دردقاً قزماً ... مثل الرّئال حباها البؤس والكبر ويبكك الدّين والدّنيا لرعيهما ... والبرّ والبحر والإعسار واليسر كفلت عترة أقوامٍ مهاجرةٍ ... عثمان جدّهم أو جدّهم عمر وقد نصرت وقد آويت محتسباً ... أبناء قومٍ هم آووا وهم نصروا

стр. 142

يا ربّ أرملةٍ منهم ومكتهلٍ ... أيتمته وهو مبيضٌّ له الشّعر لله شمل جميعٍ كان ملتئماً ... أضحى ليوم سعيدٍ وهو منتشر أمسى لفقدك ظهر الأرض مختشعاً ... بادي الكآبة واختالت بك الحفر أحياك عمروٌ ولولاه وإخوته ... عفا النّوال فلم يسمع له خبر ألهمتهم طوعه فانقاد رشدهم ... كلٌّ يراه بحيث السّمع والبصر كأنّهم كنفاه وهو بينهم ... بدر السّماء حوته الأنجم الزّهر بنو قتيبة نور الأرض نورهم ... إذا خبا قمرٌ منهم بدا قمر إذا تشاكهت الأيّام واشتبهت ... أبان أيّامك التّحجيل والغرر إمّا ثويت فما أبقيت مكرمةً ... إلاّ بكفّيك منها العين والأثر إنّ اللّيالي والأيّام لو نطقت ... أثنت بآلائك الآصال والبكر كان النّدى في شهور الحول مقتسماً ... بين البريّة فاغتال النّدى صفر قال: وكان سعيد عامراً لطرق الخير، عواداً على الأيتام والأرامل، وعلى أبناء المهاجرين والأنصار. وكان حسن العزاء، وكان يقدم من بنيه عمراً وسلماً فأتاه موت ابن له يقال له العباس في يوم مات سلم بحضرته، وكانت ميتة العباس بكرمان، قتله بها الخوارج، فذكر الحسن بن رجاء أنهم دخلوا عليه مع رجاء بن أبي الضحاك ليعزوه عنهما، فرأوا عنده من العزاء ما لو شهده من لم يعرف القصة لظن أنه المعزي. وحدثني ابن لموسى بن سعيد بن سلم أن سعيداً كان عنده قوم على الطعام في عقب موت سلم، فحدثهم حديثاً ثم قال لهم، واللقمة في يده: حدثني بهذا ابني سلم ﵀. ثم وضع اللقمة في فيه. وقال عبد الصمد فيه: الخفيف ربّ طفلٍ نعشته بعد يتم ... وفقيرٍ أغنيته بعد عدم كلّما عضّت الحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سلم: الطويل هريقا دماً إن أنفدت عبرةٌ تجري ... أبى الصّبر أنّ الرّزء جلّ عن الصّبر

стр. 143

ولا تجمدا عينيّ قد حسّن البكا ... وفرط الأسى فقد المغيّب في القبر ليغركما بالبثّ أن لست واقفاً ... من الصّبر يوماً بعد عمروٍ على عذر سلامٌ وسقيا من يد الله ثرّةٌ ... على جسدٍ بالٍ بلمّاعةٍ قفر جرت فوقه الأرواح أمناً لجريه ... وقد كنّ حسرى حين يجري كما تجري تولّى النّدى والبأس والحلم والتّقى ... فلم يبق منها بعد عمرٍ وسوى الذّكر فإن تطوه الأيّام لا تطو بعده ... صنائع منه لا تبيد على النّشر متى تلقه لا تلق إلاّ ممنّعاً ... حماه، مصون العرض مبتذل الوفر وأيّ محلٍّ لا لكفّيه نعمةٌ ... على أهله من أرض برٍّ ولا بحر وما اختلفت حالان إلاّ رأيته ... ركوب الّتي تسبي هيوب الّتي تزري ومن تكن الأوراق والتّبر ذخره ... فما كان غير الحمد يرغب في ذخر كلا حالتيه الجود أنّى تصرّفت ... به دول الأيّام في العسر واليسر وما عدمت يوماً لكفّيه أنعمٌ ... تضاف له منها عوانٌ إلى بكر وما انتسبت إلاّ إليه صنيعةٌ ... وما نطقت إلاّ به ألسن الفخر يرى غبناً يوماً يمرّ وليلةً ... عليه ولم يكسب طريقاً من الشّكر تغضّ له الأبصار عند اجتلائه ... وليس به إلاّ الجلالة من كبر ترى جهره جهر التّقيّ وسرّه ... إذا ما اختبرت السّرّ أتقى من الجهر ولم يصح من يومٍ ولم يمس ليلةً ... بغير اكتساب الحمد مشتغل الفكر وكانت تعمّ النّاس نعماء كفّه ... فعمّوا عليه بالمصيبة والأجر تناعاه أقطار البلاد تفجّعاً ... لمصرعه تبكيه قطراً إلى قطر تباشر بطن الأرض أنساً بقربه ... وأضحت عليه وهي خاشعة الظّهر ولم تك تسقى الأرض إلاّ بسيبه ... إذا ما جفا أقطارها سبل القطر إذا نشأت يوماً لكفّيه مزنةٌ ... أديل الغنى في كلّ فجٍّ من القفر هوى جبل الله الّذي كان معقلاً ... وعزّاً لدين الله، ذلاً على الكفر عجبت لأيدي الحتف كيف تغلغلت ... إليك وبين النّسر بيتك والنّسر وما كنت بالمغضي لدهرٍ على القذى ... ولا ليّنٍ للحادثات على القسر ولو دفع العزّ الحمام عن امريءٍ ... لما نال عمراً للحمام شبا ظفر

стр. 144

ألم تك أسباب الرّدى طوع كفّه ... تبين لصرفي ما يريش وما يبري إذا صاح داعي الرّوع سار أمامه ... لواءان معقودان بالفتح والنّصر يقسّم آجال العدى عزم بأسه ... بهنديّة بيضٍ وخطّيّةٍ سمر وما ذبّ إلاّ عن حمى الدّين سيفه ... ولا قاد خيل الله إلاّ إلى ثغر وقد كان يقري الحتف أعداء سلمه ... فأضحى قرى ما كان أعداءه يقري تولّى أبو عمروٍ فقلنا لنا عمروٌ ... كفانا طلوع البدر غيبوبة البدر وكان أبو عمروٍ معاداً حياته ... بعمروٍ، فلمّا مات مات أبو عمروٍ وكنّا عليه نحذر الدّهر وحده ... فلم يبق ما يخشى عليه من الدّهر وهوّن وجدي أنّ من عاش بعده ... يلاقي الّذي لاقى وإن مدّ في العمر وهوّن وجدي أنّني لا أرى أمرءاً ... من النّاس إلاّ وهو مغضٍ على وتر رمتنا اللّيالي فيك يا عمرو بعد ما ... حمدنا بك الدّنيا، بقاصمة الظّهر سأجزيك شكري ما حييت فإن أمت ... أبقّ ثناءً فيك يبقى إلى الحشر وأوثر حزني فيك دون تجلّدي ... وإسبال دمعٍ لا بكيءٍ ولا نزر قال أبو العباس: وكان مروان بن أبي الجنوب بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة مداحاً للخلفاء من لدن المهدي إلى أن قام محمد ولي عهد، ولم يبلغ خلافته. وكان مطبوعاً خطيباً في شعره، صحيح المعاني، قليل الإغماض صلب الكلام، وأعطاه المهدي فأكثر. وفي ذلك يقول: البسيط صدّقت يا خير مأمولٍ ومنتجعٍ ... ظنّي بأضعاف ما قد كنت أحتسب أعطيت تسعين ألفاً غير متبعها ... منّاً ولست بمنّانٍ لما تهب

стр. 145

فلما مات المهدي جزع عليه جزعاً شديداً، ورثاه بأشعار اخترنا منها قوله: الكامل لو خلّدت بعد الإمام محمّدٍ ... نفسي لما فرحت بطول بقائها كم قائلٍ لمّا أتاه نعيّه: ... ليت اللّيالي آذنت بفنائها إنّ البلاد غداة أصبح ثاوياً ... كادت تعود جبالها كصفائها ترك المسامع فقده مستكّةً ... وشجا النّفوس وحال دون عزائها فاليوم شاغبت النّفوس حرارةٌ ... كالنّار موصدةً على أحشائها واليوم أظلمت البلاد وربّما ... كشفت بغرّته دجى ظلمائها واليوم أصبحت الأرامل ولّهاً ... تدعو وما ظلمت بطول شقائها كانت تعوذ من الشّتاء إذا شتت ... بفنائه وتعيش في أذرائها وتبيت آمنةً لدى حجراته ... كحمام مكّة قطّناً وظبائها أفنى البكاء على الإمام محمّدٍ ... ماء العيون فأستعدت بدمائها لمّا استنار ببطن مكّة هلكه ... حنّ التّراب إليه من بطحائها فرحت بطون الأرض إذ كسيت به ... نوراً جلا ظلماتها بجلائها وبكت أمير المؤمنين ظهورها ... إذ غاب زين عشيّها وضحائها كانت خلافته خلافة رحمةٍ ... حتّى مضت أيّامه لمضائها ما مرّ من يومٍ عليه وليلةٍ ... إلاّ تدفّق كفّه بعطائها روّى الظّماء بوادياً وغوادياً ... عفواً بأرشية النّدى ودلائها عمّ الصّحاح بعدله وبعرفه ... وشفى المراض بسيفه من دائها وصلت جناحي من فواضل سيبه ... سبعون ألفاً راشني بحبائها فلأتبعنّ له المديح مراثياً ... يبقى على المهديّ حسن ثنائها أثني لأجزيه أيادي عرفه ... عندي ولست ببالغ لجزائها
следующие страницы →