← Адаб

Адаб · id 21559

بدائع البدائه

ابن ظافر الأزدي

Полный текст (232 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الباب الأول في بدائع بدائه الأجوبة فمن ذلك ما أخبرني به الشيخ الفقيه الأجل أبو محمد عبد الخالق ابن زيدان المسكي وكتب لي بخطه قال: أملى على الشيخ العلامة أبو محمد بن برى ﵀ قال: لقي عبيد بن الأبرص امرأ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال: ألق ما أحببت؛ فقال عبيد: ما حبة ميتة أحيت بميتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا فقال امرؤ القيس: تلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا فقال عبيد: ما السود والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تساسا فقال امرؤ القيس: تلك السحاب إذا الرحمن أرسلها ... روى بها من محول الأرض أيباسا فقال عبيد: ما مرتجاة على هول مراكبها ... يقطعن طول المدى سيراً وإمراسا فقال امرؤ القيس: تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباساً فقال عبيد:

стр. 2

ما القاطعات لأرضٍ لا أنيس بها ... تأتي سراعاً وما ترجعن أنكاساً فقال امرؤ القيس: تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناساً فقال عبيد: ما الفاجعات جهاراً في علانيةٍ ... أشد من فيلقٍ مملوءة باساً فقال امرؤ القيس: تلك المنايا فما يبقين من أحدٍ ... يكفتن حمقى وما يبقين أكياساً فقال عبيد: ما السابقات سراع الطير في مهلٍ ... لا تستكين ولو ألجمتها فاساً فقال امرؤ القيس: تلك الجياد عليها القوم قد سبحوا ... كانوا لهن غداة الروع أحلاساً فقال عبيد: ما القاطعات لأرض الجو في طلقٍ ... قبل الصباح وما يسرين قرطاساً فقال امرؤ القيس: تلك الأماني تتركن الفتى ملكاً ... دون السماء ولم ترفع به راساً فقال عبيد: ما الحاكمون بلا سمعٍ ولا بصرٍ ... ولا لسانٍ فصيح يعجب الناسا فقال امرؤ القيس: تلك الموازين والرحمن أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياساً ومثل هذا وإن تفاوت ما بين الأعصار ولم يكن من باب الألغاز ما ذكر أن الشريف أبا جعفر مسعود بن الحسن العباسي - وهو من ولد العباس - بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ويعرف بالبياضى - كان يتعشق قينةً ببغداد اسمها بدور، وتعرف بجارية بنت الملك، وفيها يقول: شكا القلب ظلمته في الحشى ... إلي فأسكنت فيه بدورا وكانت تنزل ببغداد في القطيعة، فاجتمع يوماً هو وأبو تراب هبة الله بن السريجي - وكان شاعراً - فقال بديهاً يخاطب الشريف: أسلوت حب بدور أم تتجلد ... وسهرت ليلك أم جفونك ترقد؟

стр. 3

فقال الشريف بديهاً: لا، بل هم ألفوا القطيعة مثلما ... ألفوا نزولهم بها فتبعدوا فقال أبو تراب: فإلام تصبر والفؤاد متيم ... ولظى اشتياقك في الحشى يتوقد! فقال الشريف: ما دام لي جلد فلست بجازعٍ ... إذ كان صبري في العواقب يحمد فقال أبو تراب: أحسنت، كتمان الهوى مستحسن ... لو كان ماء العين مما يجمد فقال الشريف: إن كان جفني فاضحي بدموعه ... أظهرت للجلساء أني أرمد فقال أبو تراب: فهب الدموع إذا جرت موهتها ... فيقال: لم أنفاسه تتصعد؟ فقال الشريف: أمشي وأسرع كي يظنوا أنها ... من ذلك المشي السريع تولد فقال أبو تراب: هذا يجوز ومثله مستعمل ... لكن وجهك بالمحبة يشهد فقال الشريف: إن كان وجهي شاهداً بهوىً فما ... يدرى إلى من بالمحبة أقصد فقال أبو تراب: قد رجم الناس الظنون وأجمعوا ... أن التي ذكرت إليها المقصد فقال الشريف: لو يجمعون كما زعمت لما رووا ... لي في سواها ما نظمت وأنشدوا فقال أبو تراب: قد كان حبك غيرها متحققاً ... والأمر يحدث الهوى يتجدد فقال الشريف: حقت حبي غيرها وجعلتها ... مظنونةً، ذا كله لى جيد فقال أبو التراب:

стр. 4

لو لم تقل ألفوا القطيعة جاز أن ... تنفى به بدر التمام وتجحد فقال الشريف: ما قلت لى جلد نفيت به الهوى ... عنى ولكن قلت: في تجلد فقال أبو التراب: فإلى متى هذا وطرف رقيبها ... مغضٍ وطيف خيالها متردد فقال الشريف: أنا دائباً أبغي الوصال فإن أبت ... منه على عاداتها فسأجهد فقال أبو التراب: اخضع وذل لمن تحب فليس في ... حكم الهوى أنف يشال ويعقد فقال الشريف: ذا لا يكون مع الحبيب وإنما ... مع ساقطٍ متحيلٍ يتعمد أنبأني الشيخان الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي والشيخ جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري المعروف بابن الحرستاني قاضي دمشق الآن - أيدهما الله تعالى - إجازة، قالا: أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عساكر الدمشقي قراءة عليه - ونحن نسمع - قال: أخبرنا أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد المتوكلي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح الفارسي، حدثنا محمد بن حميد الخراز، أخبرنا الصولي، حدثني أبو الفضل بل مخلد بن أبان، حدثنا إسحاق الموصلي، قال: حدثنا الأصمعي قال: أول ما تكلم به النابغة - يعني الذبياني - من الشعر، أنه حضر مع عمه عند رجل، وكان عمه يحب أن يحاضر به الناس، ويخاف أن يكون عيياً، فوضع الرجل كأساً في يده، وقال: تطيب نفوسنا لولا قذاها ... ونحتمل الجليس على أذاها فقال النابغة: قذاها أن صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها ومن ذلك ما روى أن جريراً دخل على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي - ولم يكن جرير رآه من قبل ذلك - فقال الوليد: أتعرف هذا يا جرير؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: هو ابن الرقاع، فقال جرير: شر الثياب الرقاع، فمن هو؟ قال:

стр. 5

هو رجل من عاملة، فقال جرير: هو من الذين قال الله فيهم: " عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية ". قال: ويلك يا ملعون! فأنشأ جرير يقول: يقصر باع العاملي عن الندى ... ولكن أير العاملي طويل فابتدر عدي فقال: أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول! فقال جرير: امرؤ لم أدر كيف أقول. فوثب عدي فأكب على رجل الوليد يقبلها ويقول: أجرني منه يا أمير المؤمنين. فالتفت الوليد إلى جرير وقال: وتربة عبد الملك لئن هجوته لألجمنك ولأسرحن عليك ولأطيفنك بدمشق. فيعيرك الشعراء بذلك، فخرج جرير فصنع قصيدته التي أولها: حي الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفراً غير مأنوس افتخر فيها بنزار وعدد أيامهم، وهجا قحطان، وعرض بعدي ولم يسمه، فقال: أقصر فإن نزاراً لا يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس وابن اللبون إذا مالز في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس ومن ذلك ما رواه عوانة بن الحكم ويحيى بن عنبسة القرشي قالا: اجتمع جرير والفرزدق عند بشر بن مروان، فقال لهما: إنكما قد تقارضتما الأشعار، وتطالبتما الآثار، وتقاولتما الفخار، وتهاجيتما؛ فأما الهجاء فلا حاجة لي فيه، ولكن جددا بين يدي فخراً، ودعا ما مضى، فقال الفرزدق: نحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوى بالسنام المناسما! فقال جرير: على مقعد الأستاه أنتم زعمتم ... وكل سنام تابع للغلاصم فقال الفرزدق: على محرثٍ للفرث أنتم زعمتم ... ألا إن فوق الغلصمات الجماجما فقال جرير: وأنبأتمونا أنكم هام قومكم ... ولا هام إلا تابع للخراطم فقال الفرزدق: فنحن الزمام القائد المقتدى به ... من الناس، ما زلنا فلسنا لهازما فقال جرير:

стр. 6

فنحن بنو زيد قطعنا زمامها ... فتاهت كسارٍ طائش الرأس عارم فقال بشر: يا جرير غلبته بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. ثم أحسن جائزتهما، وفضل جريراً. ومن ذلك ما ذكره ابن سلام في طبقات الشعراء قال: اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس عبد الملك، فأحضر بين يديه كيساً فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: ليقل كل منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيكم غلب فله الكيس، فبدر الفرزدق فقال: أنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران للجربى شفاء فقال الأخطل: فإن تك زق زاملةٍ فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء فقال جرير: أنا الموت الذي آتى عليكم ... فليس لهاربٍ مني نجاء فقال عبد الملك: خذ الكيس، فلعمري إن الموت أتى على كل شئ. ومن ذلك ما روى أن جريراً اجتمع مع الفرزدق في مجلس عبد الملك، فقال الفرزدق: النوار بنت مجاشع طالق ثلاثاً إن لم أقل بيتاً لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبداً، ولا يجد في الزيادة عليه مذهباً، فقال عبد الملك: ما هو؟ فقال: فإني أنا الموت الذي هو واقع ... بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله وما أحد يا بن الأتان بوائلٍ ... من الموت إن الموت لاشك نائله فأطرق جرير قليلاً ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثاً إن لم أكن نقضته وزدت عليه. فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة، فأنشد: أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس ... بكفيك يا بن القين هل أنت نائله أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله فقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك. فقال الفرزدق: فما ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار بطلاقها. فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها وقال في ذلك: ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقةً نوار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار

стр. 7

وقد أفضى الحال إلى ذكر خبر الكسعي الذي تمثل به الفرزدق في الندامة إذ الحديث شجون، واللسان غير مسجون، وهو أنه خرج يرعى إبلاً له في واد فيه حمض وشوحط، فرأى قضيب شوحطٍ نابتاً في صخرة صماء ملساء، فقال: نعم منبت العود، في قرار الجلمود. ثم أخذ سقاءه فصب ما كان فيه من ماء في أصله، فشربه لشدة ظمئه، وجعل يتعاهده بالماء سنة حتى سبط العود وبسق واعتدل فقطعه، وجعل يقومه، ويقوم أوده حتى صلح، فبراه قوساً وهو يرتجز، ويقول: أدعوك فاسمع يا إلهي جرسي يارب سددني لنحت قوسي وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... فإنها من لذتي لنفسي أنحتها صفراء لون الورس ... صلداء ليست كقسى النكس ثم يرى بقيته خمسة أسهم وهو يرتجز، ويقول: هن لعمري خمسة حسان ... يلذ للرامي بها البنان كأنما قومها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان إن لم يعقني الشؤم والحرمان ... أو يرمني بكيده الشيطان ثم أخذ قوسه وأسهمه، وخرج إلى مكمن كان مورداً لحمرٍ في الوادي، فوارى شخصه حتى إذا وردت رمى عيراً منها بسهم، فمرق منه بعد أن أنقذه، وضرب صخرة فقدح منها ناراً، فظن أنه قد اخطأ، فقال: أعوذ بالله العزيز الرحمن ... من نكد الجد معاً والحرمان مالي رأيت السهم فوق الصفوان ... يرمي شراراً مثل لون العقيان فأخلف اليوم رجاء الصبيان ثم وردت حمر أخرى فرمى عيراً فصنع سهمه كالأول وظنه أخطأ، فقال: أعوذ بالرحمن من شر القدر ... أأخطأ السهم لإرهاف الوتر أم ذاك من سوء احتيال ونظر ... وإنني عهدي لرام ذو ظفر مطعم بالصيد في طول الدهر ثم وردت حمر أخرى، فرمى عيراً منها بسهم ففعل سهمه كالأول، وظنه أخطأ فقال: يا حسرتا للشؤم والجد النكد ... قد شفني القوت لأهلي والولد والله ما خلقت في ذاك العمد ... لصعبتي من سبدٍ ولا لبد أذهب بالحرمان مع طول الأمد

стр. 8

ثم وردت أخرى حمر أخرى، فصنع كالأول، فقال: ما بال سهى يوقد الحباحبا ... وكنت أرجو أن يكون صائبا إذ أمكن العير وأبدى جانباً ... وصار ظني فيه ظناً كاذبا وخفت أن أرجع يومي خائبا ... إذ أفلتت أربعة ذواهبا ثم وردت أخرى، فصنع كالأول، فقال: أبعد خمسٍ قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها! أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها ولا أرجى ما حييت رفدها ... قد أعذرت نفسي وأبلت جهدها ثم خرج من مكمنه، فاعترضته صخرة، فضرب بالقوس عليها حتى كسرها، ثم قال: أبيت ليلتي، ثم آتي أهلي. فبات، فلما أصبح رأى خمسة حمرٍ مصرعة، ورأى أسهمه مضرجة بالدم، فندم على ما صنع، وعض على أنامله حتى قطعها وقال: ندمت ندامةً لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقتلت نفسي تبين لي سفاة الرأي مني ... لعمر الله حين كسرت قوسي وقد كانت بمنزلة المفدى ... لدي وعند صبياني وعرسي فلم أملك غداة رأيت حولي ... حمير الوحش أن ضرجت خمسي وقد روى في طلاق الفرزدق غير هذا، وليس هذا موضع ذكره. وروى الحاتمي في كتاب حلية المحاضرة وغيره قال: خرج جرير والفرزدق من العراق طالبي الرصافة لهشام بن عبد الملك وقد مدحاه، فلما كانا ببعض الطريق نزل جرير ليبول، فتلفتت ناقة الفرزدق، فضربها بالسوط وقال: علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي! متى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي ثم قال لرواتهما: الساعة يجئ ابن المراغة فأنشده البيتين، فينقضهما بأن يقول: تلفت إنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفأس الكهام متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام فرجع جرير، فوجد القوم يضحكون، فقال: ما الخبر؟ فقال أحد الرواة: يا أبا حرزة، إن أخاك أبا فراس وقع له كيت وكيت وأنشده البيتين الأولين، فارتجل البيتين الآخرين، فعجب القوم من ذلك الاتفاق، وقالوا: والله يا أبا حرزة، لهكذا زعم أنك

стр. 9

تقول، فقال: أو ما علمتم أن شيطاننا واحد! وروى أن معن بن أوس المزني كان قد قدم البصرة وجلس بالمربد ينشد الناس، فوقف عليه الفرزدق وقال: يا معن؛ من الذي يقول: لعمرك ما مزينة رهط معنٍ ... بأخفاف يطأن ولا سنام فقال معن: هو الذي يقول: لعمرك ما تميم أهل فلجٍ ... بأرداف الملوك ولا كرام فقال الفرزدق: حسبك، فإنما جربتك، فقال: قد جربت وأنت أعلم. فانصرف عنه الفرزدق. وروى مثل هذا أن خلف بن خليفة الشاعر كان قد سرق، فقطعت يده، فصنع كفاً وأصابع من جلود، واتفق أن مر بالفرزدق في بعض الأيام، فأراد العبث به، فقال: يا أبا فراس، من القائل: هو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الاداهم فقال الفرزدق: هو الذي يقول: هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدارٍ أو لطر دراهم فانصرف مخزياً. وروى لنا عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: كنت في مجلس عبد الملك والأخطل ينشده، إذ دخل الجحاف بن حكيم السلمي، فقطع الأخطل إنشاده، والتفت إليه وقال: ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليمٍ وعامر! قال: فنفض الجحاف يده في وجهه وقال: نعم سوف ننكيهم بكل مهندٍ ... وننكى عميراً بالرماح الشواجر وكان ذلك عقب مقتل عمير بن الحباب، م قال: لقد ظننت - يا بن النصرانية - أنك لا تجسر علي بهذا القول، ولو وجدتني أسيراً في يدك. فما برح الأخطل حتى حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. فقال: هبك أجرتني منه يقظة، فمن يجيرني منه مناماً! فضحك عبد الملك. قال علي بن ظافر: وجرى هذا القول يوم البشر على تغلب. ومن ذلك ما رواه أبو عبيدة وابن عائشة من سؤال عبد الملك ابن مروان عمر بن أبي ربيعة المخزومي عن مناقضته للفضل بن العباس اللهبى وغلبة الفضل عليه، فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش إذ دخل علينا الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، فوافقني وأنا أتمثل بهذا البيت:

стр. 10

وأصبح بطن مكة مقشعراً ... كأن الأرض ليس بها هشام فأقبل علي، وقال: يا أخا بني مخزوم، إن بلدة نتج بها عبد المطلب، وبعث منها رسول الله ﷺ ، واستقر بها بيت الله لحقيقة بألا تقشعر لهشام، وإن أشعر من هذا البيت وأصدق قول الذي يقول: إنما عبد منافٍ جوهر ... زين الجوهر عبد المطلب فأقبلت عليه وقلت: يا أخا بني هاشم، وإن أشعر من صاحبك الذي يقول: إن الدليل على الخيرات أجمعها ... أبناء مخزوم للخيرات مخزوم فقال: أشعر والله من صاحبك الذي يقول: جبريا أهدى لنا الخيرات أجمعها ... إذ أم هاشم لا أبناء مخزوم فقلت في نفسي: غلبني والله، ثم حملني الطمع في انقطاعه على مخاطبتي، فقلت: بل أشعر منه الذي يقول: أبناء مخزومٍ الحريق إذا ... حركت نيرانه ترى ضرما يخرج منه الشرار مع لهبٍ ... من حاد عن حره فقد سلما فوالله ما تلعثم إلى أن أقبل بوجهه وقال: أشعر من صاحبك يا أخا بني مخزوم الذي يقول: هاشم بحر إذا همى وطمى ... أخمد حر الحريق واضطرما واعلم وخير المقال أصدقه ... بأن من رام هاشماً هشما فقال: يا أمير المؤمنين! فتمنيت والله أن الأرض ساخت بي، ثم تجلدت وقلت: يا أخا بني هاشم، أشعر من صاحبك الذي يقول: أبناء مخزوم أنجم طلعت ... للناس تجلو بنورها الظلما تجود بالنيل قبل تسأله ... جوداً هنيئاً وتضرب البهما فأقبل على أسرع من البرق، وقال: أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول: هاشم شمس بالسعد مطلعها ... إذا بدت أخفت النجوم معاً اختار منها ربي النبي فمن ... قارعنا بعد أحمدٍ قرعا فاسودت الدنيا في عيني، وأدبر بي، وانقطعت فلم أحر جواباً، فقلت: يا أخا بني هاشم، إن كنت تفخر علينا برسول الله ﷺ ، فما تسعنا مفاخرتك، فقال: كيف لا أم لك! والله لو كان منك لفخرت به علي، فقلت: صدقت وأستغفر الله،

стр. 11

والله إنه لموضع الفخار ﷺ . وداخلني السرور لقطعة الكلام، ولئلا ينالني عجز عن إجابته فأفتضح، ثم إنه ابتدأ المناقضة فأفكر هنيهة، ثم قال: قد قلت فلم أجد بداً من الاستماع فقلت: هات، فقال: نحن الذين إذا سما لفخارهم ... ذو الفخر أقعده الزمان القعدد فافخر بنا إن كنت يوماً فاخراً ... تلق الألى فخروا بفخرك أفردوا قل يا بن مخزومٍ لكل مفاخرٍ ... منا المبارك ذو الرسالة أحمد ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم ... هيهات ذلك، هل ينال الفرقد! فحصرت وتبلدت، وقلت: لك عندي جواب فأنظرني، وأفكرت ملياً، ثم أنشأت أقول: لا فخر إلا قد علاه محمد ... فإذا فخرت به فإني أشهد أن قد فخرت وفقت كل مفاخرٍ ... وإليك في الشرف الرفيع المعمد ولنا دعائم قد بناها أول ... في المكرمات جرى عليها المولد من رامها حاشا النبي وأهله ... بالفخر غطمطه الخليج المزبد دع ذا ورح لغناء خودٍ بضةٍ ... مما نطقت به وغنى معبد مع فتيةٍ تندى بطون أكفهم ... جوداً إذا علج الحرون الأنكد يتناولون سلافةً عانيةً ... لذت لشاربها وطاب المقعد فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجابني بجوابٍ كان أشد على من الشعر، فقال: يا أخا بني مخزوم، أريك السها وتريني القمر! قال أبو عبد الله اليزيدي: يريد: أدلك على الأمر الغامض وأنت لم تبلغ أن ترى الأمر الواضح! وهو مثل ثم قال: تخرج من الفاخرة إلى شرب الخمر المحرمة. فقلت له: أما علمت - أصلحك الله - أن الله تعالى يقول في الشعراء: " وأنهم يقولون مالا يفعلون "؟ فقال: قد صدقت، وقد استثنى الله قوماً منهم فقال: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً "، فإن كنت منهم فقد دخلت في الاستثناء واستحققت العقوبة بدعائك إليها، وإن لم تكن منهم فالشرك بالله عليك أعظم من شرب الخمر. فقلت: أصلحك الله! لا أرى للمستجدي شيئاً أعظم من السكوت، فضحك وقال: أستغفر الله، ثم قام عني. فضحك عبد الملك حتى كاد يموت، ثم قال: يا بن أبي ربيعة، أما علمت أن لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق! ثم قضى حوائج عمر وصرفه. قال علي بن ظافر:

стр. 12

وأحسب الحكاية مصنوعة؛ لأن أشعارها ضعيفة. وروى ورقاء العامري أن الحجاج قال لليلى الأخيلية لما وفدت عليه: إن شبابك قد هرم فولى، واضمحل أمرك وأمر توبة بن الحمير فأقسم عليك إلا ما صدقتني، هل كان بينكما ريبة قط، أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قال لي مرة كلمة فيها بعض الخضوع فقلت له: وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا والله ما سمعت بعدها منه نغمة فيها ريبة حتى فرق الموت بيننا. فقال لها الحجاج. فما كان منه بعد ذلك؟ فقالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل، فاعل شرفاً، ثم اهتف بهذا البيت: عفا الله عنها هل أبيتن ليلةً ... من الدهر لا يسري إلي خيالها! فلما فعل الرجل ذلك، عرفت المعنى فقلت له: وعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... عزيز علينا حاجة لا ينالها ومن ذلك ما روى أبو صالح الفزارى قال: أقبل شقران مولى سلامان من البصرة بتمر قد امتاره، فلقيه ابن ميادة الرماح بن أبرد فقال ما هذا الذي معك؟ قال: تمر امترته لأهلي يقال له زب رباح، فقال ابن ميادة: كأنك لم تقفل لأهلك مرةً ... إذا أنت لم تقفل بزب رباح فقال شقران: فإن كان هذا زبه فانطلق به ... إلى نسوةٍ سود الوجوه قباح فغضب ابن ميادة، وانحنى عليه بالسوط يضربه، ثم انصرف معضبا. وكان المغيرة بن حبناء يهاجي زياداً الأعجم العبقسيوكان بالمغيرة وضح فقال فيه زياد يصف بياضه: عجبت لأبيض الخصيين عبدٍ ... كأن عجانه الشعري العبور فقيل له: يا أبا أمامة! لقد شرفته، ورفعت من قدره، إذ تقول كأن عجانه الشعرى، فقال: أو هكذا ظنكم! لأزيدنه شرفاً ورفعة، ثم صنع فيه من قطعة، فقال: لاتبصر الدهر منهم حارثاً أبداً ... إلا وجدت على باب استه قمرا واتفق أنهما اجتمعا يوماً بمجلس المهلب فجرى بينهما مهاترة، فقال المغيرة لزياد:

стр. 13

أقول له وأنكر بعض ما بي ... ألم تعرف رقاب بني تميم؟ فقال زياد: بلى لعرفتهن مقصراتٍ ... جباه مذلةٍ وسبال لوم فانقطع المغيرة. ومن ذلك ما ذكره المدائني قال: كان أرطاة بن سهية المرئى يهاجي الربيع بن قعنب، فاجتمعا يوماً للمهاترة والمناقضة، فقال أرطاة للربيع: لقد رأيتك عرياناً ومؤتزراً ... فما دربت أأنثى أنت أم ذكر! فقال الربيع: لكن سهية تدري إذ أتيتكم ... على عريجاء لما انحلت الأزر فانقطع ابن سهية. ويروى إن صح وجود مجنون بني عامر أنه لما تزوجت ليلى عظم ذلك عليه، واشتد همه وحزنه، وأراد ابن عمٍ له سفراً، وكان طريقه على منزل ليلى، فأتاه المجنون، وقال له: إذا مررت على منزل ليلى فارفع صوتك بهذا البيت قائلاً: أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما نهنهت للعين مدمعا فلما بلغ منزلها صنع ما سأله إياه، فخرجت ليلى إليه وقالت: بلى وجلال الله ذكراً لو أنه ... تضمنه صلد الصفا لتصدعا قال علي بن ظافرٍ: والصحيح أن هذين البيتين من قصيدة للصمة القشيري؛ ولكن نقلت هذه الحكاية من كتاب الأجوبة للقمى روى الحسن بن صاعد السكوني قال: حدثني حولان الأسدي قال: نزلنا على ماء يعرف بماء السيال، ونزل بجانب الماء حي آخر، فعلق رجل منا بامرأة من ذلك الحي، فلما أزمعنا الرحيل أخذ الرجل غلاماً منا فرواه هذا البيت وهو: وما بين ذا الحيين أن يتفرقا ... من الدهر إلا ليلة وضحاها حتى حفظه، وقال له: قم بإزاء ذلك البيت الذي فيه الجارية وردد هذا البيت، واحفظ ما يرد عليك، ففعل الغلام، وكانت الجارية جالسة وفي حجرها رأس أخ لها كبير تفليه، وأخ لها صغير يصلح شيئاً، فقالت: لقد كان في عيشٍ رخى لو أنه ... حوى حاجةً في نفسه فقضاها فقال أخوها الصغير: أما سمع المفلى لا در دره ... رسالة صبٍ بالسلام نحاها

стр. 14

فقال الكبير: لحى الله من يلحى المحب على الهوى ... ومن يمنع النفس اللجوج هواها ثم دعا الرجل فزوجه إياها. وحدث المدائني قال: كان بين يحيى بن زياد الحارثي وحماد الراوية ومعلى بن هبيرة، ما يكون مثله بين الشعراء والرواة من المنافسة، وكان معلى يحب أن يطرح حماداً في لسان بعض الشعراء، قال حماد: فقال لي يوماً يحضره يحيى بن زياد: أتقول لأبي عطاء السندي: قل: زج وجرادة ومسجد بني شيطان؟ قال علي بن ظافر: وكان أبو عطاء يرتضخ لكنةً سندية يجعل فيها الجحيم زاياً، والشين سيناً، والطاء والضاد ذالاً، والعين همزة، والحاء هاء - قال: قال حماد: فقلت: ما تجعل لي على ذلك؟ قال: بغلتي بسرجها ولجامها. قلت: وعدلها على يدي يحيى بن زياد. ففعل، وأخذت عليه بالوفاء موثقاً، وجاء أبو عطاء فجلس لينا وقال: مرهباً مرهباً؛ هياكم الله! فرحبنا به، وعرضنا عليه العشاء فأبى، وقال: هل من نبيذ؟ فأحضرناه، فشرب حتى احمرت عيناه، فقلت له: يا أبا عطاء، طرح علينا رجل أبياتاً فيها لغز، ولست أقدر على إجابته، ففرج عني، فقال: هات، فقلت: أبن لي إن سئلت أبا عطاءٍ ... يقيناً كيف علمك بالمعاني فقال مسرعاً: خبير آلم فاسأل تزدني ... بها دبا وآيات المثاني فقلت: فما اسم حديدةٍ في رأس رمح ... دوين الكعب ليست بالسنان؟ ٍ فقال: هو الزز الذي إن بات ضيفاً ... لقلبك لم يزل لك أو لتان فقلت: فرج الله عنك، تعني الزج فما صفراء تدعى أم عوفٍ ... كأن رجيلتيها منجلان؟ فقال: أردت زرادةً وأزن زناً ... بأنك ما قصدت سوى لساني فقلت: فرج الله عنك، وأطال بقاءك؛ تريد جرادة وأظن ظناً ثم قلت: أتعرف مسجداً لبني تميمٍ ... فويق الميل دون بني أبان؟ فقال: بنو سيطان دون بني أبانٍ ... كقرب أبيك من أبد المدان قال حماد: ورأيت عينيه قد احمرتا وعرفت الغضب في وجهه، فتخوفته فقلت: يا أبا عطاء، هذا مقام المستجير بك، ولك النصف مما أخذت، قال: فاصدقني، فأخبرته الخبر، فقال: أولى لك! قد سلمت وسلم لك جعلك، وانقلب يهجو معلى بن هبيرة، فأفحش. وروى العسكري هذه الحكاية على غير هذا السياق، فذكر أن حماد الراوية وحماد عجرد وحماد بن الزبرقان وبكر بن مصعب الزهري اجتمعوا فقالوا: لو بعثنا

стр. 15

إلى أبي عطاء السندي - ولم يذكر السبب الذي من أجله اقترح حماد على ابي عطاء ما اقترح - وذكر البيت الثاني: تزدني والقرآن بها عليمًابصيراً بالمقاطع والمباني وذكر البيت الثالث: فما اسم حديدةٍ في رأس رمحٍ ... دوين الصدر ليست بالسنان وذكر البيت الثامن: وذلك مسزداً أنساه قدماً ... بنو سيطان مأروف المكان مدح بشار بن برد يعقوب بن داود وزير المهدي فلم يعبأ به وحرمه فوفد عليه وطال مقامه ببابه وهو لا يأذن فأحس به في بعض الأيام فرفع بشار صوته فأنشد: طال الوقوف على رسوم المنزل فأجابه يعقوب مسرعاً: فإذا تشاء أبا معاذٍ فارحل فرحل بشار، فهجاه بقوله فيه وفي المهدي: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود وهجا أخاه صالح بن داود وكان قد ولى ولاية، فسقط به المنبر، فقال فيه من قطعة: هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك، فضجت من أخيك المنابر فلما اشتهر هجاؤه دخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا المشرك هجاك بما لا أستطيع أن أذكره؛ فلم يزل المهدي به حتى كتب له قوله: خليفة يزنى بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله غيره ... ودس موسى في حر الخيزران فجر ذلك إلى قتل بشار بن برد. وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب القيان والمغنين قال: كانت بالكوفة جارية مغنية يقال لها سعاد جارية السكوني، وكان مولاها من الظرفاء وفتيان طبقته، مروءة وحسن وعشرة ومساعدة، فحضرت سعاد في مجلسٍ فيه مطيع بن إياس وحماد عجرد، فقال مطيع: قبليني سعاد بالله قبلهواسأليني بها فديتك نحله فورب السماء لو قلت صل ... لوجهي جعلت وجهك قبله فقالت الجارية لحماد: اكفينه: ياعم، فقال يجيبه بديهاً: إن خلاً لها سواك وفيًا ... لا غدوراً بها ولا فيه مله

стр. 16

لايباع التقبيل بيعاً ولا ير ... شى ولا يجعل التعاشق عله فقال له مطيع: هذا هجاء؛ وما أرادت الجارية هذا كله، ولقد اشتفيت مني على لسان غيرك؛ فقال الجارية - وكانت ظريفة بارعة: صدق؛ ما أردنا أن نسبه؛ فقال حماد: أنا والله أشتهي مثلها من ... ك ببذل والبذل في ذاك حله فأجيبي وأنعمي وخذي البذ ... ل وأطفي لعاشقٍ منك غله قال: فرضي مطيع وخجلت الجارية. وقالت: أنا عائذة بكما من شركما فاكفيانيه، وخذا فيما جئتما له. حدث المدائني قال: كان عثمان بن شيبة مبخلاً، وكان حماد عجرد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حماد فقال له: أعني من غناك ببيت شعرٍ ... على فقري لعثمان بن شيبه فقال حماد مسرعاً: فإنك إن رضيت به خليلا ... ملأت يديك من فقرٍ وخيبه فقال الرجل: جزاك الله خيراً؛ فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عنه، وصنت ماء وجهي عن بذله. وروى إسماعيل بن يحيى اليزيدي عن أبيه قال: كنت جالساً أكتب كتاباً، فنظر فيه سلم الخاسر، فقال: أير يحيى أخط من كف يحيى ... إن يحيى بأيره لخطوط قال: فقلت مسرعاً: أم سلمٍ أدرى بذلك منه ... إنها تحت أيره لضروط ولها تحته إذا ما علاها ... أزمل من وداقها وأطيط ليت شعري ما بال سلم بن عمرٍو ... كاسف البال حين يذكر لوط! لايصلي عليه حين نصلي ... بل له عند ذكره تثبيط وذكر أبو مروان صاحب كتاب المقتبس في أبناء أهل الأندلس أن أبا المخشي عاصم بن زيد بن يحيى بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن زيد بن حماد العبادي، شاعر الأندلس في زمانه، كان خبيث اللسان، كثير الهجاء، وهو الذي قطع هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان لسانه؛ لأنه عرض به في قصيدة مدح بها أخاه أبا أيوب

стр. 17

المعروف بالشامي، وكان بين الأخوين تباعد مفرط، والبيت الذي عرض فيه قوله: وليس كمن إذا ماسيل عرفاً ... يقلب مقلةً فيها اعورار وكان هشام في إحدى عينيه نكتة بياض كجد أبيه هشام بن عبد الملك. ثم اتفق لأبي المخشي أن مدح هشاماً ووفد عليه على ماردة، وهو يومئذٍ يتولى حربها لأبيه، فلما مثل بين يديه قال له: يا عاصم، إن النساء اللاتي هجوتهن لمعاداة أولادهن وهتكت أستارهن، قد دعون عليك، فاستجاب الله لهن، فبعث عليك مني من يدرك منك ثأرهن وينتقم لهن. ثم أمر به فقطع لسانه، ثم نبت بعد ذلك وتكلم به. وكان أبو المخشي هذا يسكن بوادي شوس، وكان بين وبين ابن هبيرة مهاجاة شديدة، فاجتمعا يوماً للمناقضة فيه، فقال له ابن هبيرة وعيره بأن نسبه إلى النصرانية لأجل أن آباءه كانوا نصارى بقوله: أقلفتك التي قطعت بشوشٍ ... دعتك إلى هجائي وانتقالي! الانتقال: الشم، فقال أبو المخشي مسرعاً: سألت وعند أمك من ختاني ... جواب كان يغني عن سؤالي فقطعه. وعلى ذكر أبي المخشي وقطع لسانه، كان مالك رضوان الله عليه يفتي فيمن قطع لسان رجل عمداً بقطع لسانه من غير انتظار - ثم رجع لما انتهت إليه قصة أبي المخشي، وأنه نبت لسانه بعد أن قطع بمقدار سنة وأنه تكلم به، فقال: ينتظر سنة، فقد ثبت عندي أن رجلاً بالأندلس نبت لسانه بعد أن قطع في نحو هذه المدة. ونقلت من خط الفقيه أبي محمد عبد الخالق المسكي قال بشار لعنان: عنان يا منيتي ويا سكني ... أما تريني أجول في سككك حرمت منك الوفا معذبتي ... فعجلي بالسجل من صككك إني ورب السماء مجتهد ... في حل ما قد عقدت من تككك فقالت مجاويةً له: لم يبق مما تقول قافية ... يقولها قائل سوى عككك فقال: بلى وإن شئت قلت فيشلة ... تسكن الهائجات من حككك قال علي بن ظافر: عنا لم يدركها بشار، وإنما كان يشاغبها أبو نواس، ولهما في مثل هذا أخبار كثيرة وهذء القافية مما يعايا به.

стр. 18

كان بمصر رجل زجلي كثير الوسخ قذر الجلد والثوب، لا تكاد تفارقه قفة فيها كراريس، يعرف بالمفشراتي، ويلقب أديب القفة، وكان يصنع مقامات مضحكة فيها غرائب وعجائب، يزعم أنه يضاهي بها مقامات الحريري، وكان يقول: أنا موازنه في كل شيء حتى في اسمه ولقبه، هو أبو القاسم محمد، وأنا القاسم أبو محمد وهو ابن علي وانا ابن علي وهو الجريرى وانا الجريرى وهو البصري، ويجعل هذا من أوضح البراهين وأقوى الأدلة على مساواته في كل قصيدة. ومما أنشدنيه لنفسه - وأنا أذكره على سبيل الإطراف، فلقد كان عجيب الشأن - قوله: يا سابحاً في بركك ... وصائداً في شبكك لا تحقرن ككتي ... فككتي كككتك والككة: مركب من مراكب صعيد مصر ليس فيها مسمار. وروى أن أبا نواس خرج يوماً وهو مخمور إلى الكناسة فاستقبله أعرابي ومعه غنم فقال أبو نواس: أيا صاحب الذود اللواتي تسوقها ... بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما؟ فقال الأعرابي: أبيعكه إن كنت تبغى شراءه ... ولم تك مزاحاً بعشرين درهما فقال أبو نواس: أخذت هداك الله رجعى جوانبا ... فأحسن إلينا إن أردت تكرما فقال الأعرابي: أحط من العشرين خمساً لأنني ... أراك ظريفاً أخرجنها مسلما فقيل للأعرابي: أتدري من يكلمك منذ اليوم؟ فقال: لا، فقيل: أبو نواس؛ فرجع فلحقه، وحلف بصدقه غنمه إن لم يقبله. وروى أنه مر أعرابي ومعه نعجة وكبش وجمل صغير فقال أبو نواس لمن معه: ما رأيكم في تخجيله؟ فقالوا له: افعل، فقال بكم النعجة التي ... خلفها الكبش والجمل؟ فقال الأعرابي: بثلاثين درهماً ... جدداً أيها الأجل وروى أنه دخل على عنان، فكتب رقعة وناولها إياها فإذا فيها:

стр. 19

ماذا تقولين فيمن ... يريد منك نظيره؟ فكتبت تحتها عجلةً: إياي تعنى بهذا! ... عليك فاجلد عميره ثم ناولته الرقعة، فكتب تحتها عجلاً: أريد هذا وأخشى ... على يدي منك غيره فخجلت، وقالت: تعست وتعس من يغار عليك! وروى الجماز أنه دخل عليها قبل تعارفهما فأنشد: إن لي أيراً خبيثاً ... عارم الرأس فلوتا لو رأى الحر ببحرٍ ... عاد للغلمة حوتا أو رآه فوق جو ... لنزى حتى يموتا أو رآه جوف بيتٍ ... صار فيه عنكبوتا فقالت ارتجالا: زوجوا هذا بألفٍ ... وأظن الألف قوتا إنني أخشى عليه ... إن تمادى أن يموتا بادروا ما حل بالمسكين خوفاً أن يفوتا قبل أن ينعكس الحا ... ل فلا يأتي ويوتى فعجب الحاضرون منهما؛ واستظرف كل منهما صاحبه، ودامت صحبتهما بعد ذلك. وروى المدائني قال: اجتمع أبو نواس وإسماعيل بن نوبخت وأبو الشمقمق في بيت أذين - قال علي بن ظافر: هو عبد الله الجماز - فبينما هم عنده؛ إذ جاء أبو العتاهية يسأل عن ابن أذين - وكان بينه وبين أبي الشمقمق شر، فخبئوه من أبي العتاهية في بيت، ودخل أبو العتاهية، فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث، فظنه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت هذه؟ فقال: قريباً يا أبا إسحاق، فقل فيها شيئاً، فمد أبو العتاهية يده إلى الغلام، وقال: مددت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل؟ فصاح أبو الشمقمق من داخل البيت قائلاً: يرد في كفك ذا فيشةٍ ... تشفي جوىً في استك من داخل فقام أبو العتاهية مغضباً، وهو يطلب الباب، ويقول: أبو الشمقمق والله! وضحك القوم

стр. 20

حتى كادوا يهلكون! وذكر الخالديان في كتاب أخبار مسلم بن الوليد هذه الحكاية، وذكرها غيرهما بأبسط مما ذكراها، فكتبناها بلفظ الأكثر. قال دعبل بن علي الخزاعي: بينما أنا بباب الكرخ، إذ أنا بفتاة تسمى قرة، معروفة بظرفٍ وجمالٍ وشعر وأدب وغناء، وقد اجتازت، فتعرضت لها وقلت: دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض فقالت: وذا قليل لمن دهته ... بسحرها الأعين المراض فقلت: فهل لمولاى عطف قلبٍ ... أو للذي في الحشى انقراض؟ فقالت مسرعة من غير تلبث: إن كنت تبغي الوصال منا ... فالوصل في ديننا قراض قال دعبل: فلا أعلم أني خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها، وتختلس الأرواح ببلاغة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمها؛ مع تلاعة جيد، ورشاقة قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق، قبلها. فحار والله البصر، وذهل اللب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء أدنيت من النيران! ثم ثاب إلى عقلي، وراجعني حلمي، وذكرت قول بشار: لا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرةٍ ... والصعب يمكن بعدما جمحا هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد دون المسألة، وبذل قبل الطلبة! فنقلتها من تلك القافية، وقلت: أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق! فقلت مسرعة: ما للزمان تقول فيه وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق قال دعبل: فاستتبعتها - وذلك في زمن إملاقي - فقلت: ليس لي إلا بيت مسلم بن الوليد صريع الغواني؛ فصرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فقلت: أحمل إليك الخير؛ معي وجه مليح، تقل له الدنيا بما فيها؛ مع ما أنا فيه من ضيقة وعسر، فقال: والله لقد شكوت ما كدت أبادرك بشكواه! إيت بها. فلما دخلت قال: والله

стр. 21

ما أملك سوى هذا المنديل؛ فقلت: هو البغية، ناولنيه، فقال: خذه، لابارك لك الرحمن فيه! فأخذته فبعته بدينار وكسر، واشتريت به لحماً وخبزاً ونبيذاً، ثم صرت إليهما، فإذا هما يتساقطان حديثاً كأنه الدر، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته، فقال كيف يصلح طعام وشراب وجلوس، مع وجه مليح بعير نقل ولا ريحان ولا طيب! اذهب فألطف بتما ما كنت في أوله. قال: فخرجت، فاضطربت في ذلك حتى أتيت به؛ فألفيت باب الدار مفتوحاً، فدخلت فلم أر لهما، ولا لشيءٍ مما كنت جئت به أثراً. فأسقطت في يدي، وقلت: أرى صاحب الربع أخذهما، وبقيت متلهفاً حائراً، أرجم الظن، وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقعني على أثرٍ! ففعلت، ووقعت على سرداب، وإذا بهما قد نزلا فيه، وأنزلا معهما ما احتاجا إليه؛ فلما أحسست بهما، دليت رأسي، ثم صحت: مسلم! ثلاثا، فكان من إجابته أن غرد بصوته، وقال: بت في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف قال دعبل فقلت: ويلك! من يقول هذا؟ قال: من له في حر أمه ألف قرنٍ ... قد أنافت على علو مناف قال: فضحكا ثم سكتا، واستجلبت كلامهما، فلم يجيباني بشيء، وباتا في لذتهما، وبت ليلة يقصر عمر الدنيا عن ساعة منها طولاً وغما وهما، حتى أصبحت ولم أكد. فخرج إلى مسلم، وهي معه، فجعلت أشتمه وأفتري عليه، فلما أكثرت قال: يا أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، فعلى من تثرب يا قواد! فقلت: مهما كذبت علي، فما كذبت في الحمق والقيادة. وانصرفت وتركتهما. وذكر صاحب كتاب نجباء الأنباء أن الرشيد اطلع من مستشرفٍ له على قصره، فرأى ولده عبد الله المأمون يكتب على حائط وهو صغير، فقال للخادم: انطلق حتى تنظر ماذا يكتب عبد الله، واحرص على ألا يفطن لك، فذهب الخادم فتسلل حتى قام من خلفه، وهو مقبل على الحائط، فنظر وعاد إلى الرشيد، فأخبره أنه كتب: قل لابن حمزة ما ترى ... في زيرياجٍ محكمه؟ قال الخادم: إني تسللت عليه، حتى قمت من خلفه وهو لا يعلم لغلبة الفكر عليه، فقال له الرشيد، ارجع فسله عما يكتب، فسيقول لك: إني مفكر في التتميم على هذا البيت، فقل له: اكتب تحته:

стр. 22

قال ابن حمزة يا بني هزلت مجترئاً فمه فانطلق الخادم إلى الرشيد فكان ما ظنه الرشيد، ففعل الغلام ما أمره به، فأطرق المأمون قليلا؛ ثم قال، لولا أنك مأمور لم تنج من يدي. فرجع الخادم إلى الرشيد فأخبره فقال: نجوت. ثم دعا على بن حمزة الكسائي وقال له: من اين علم عبد الله أن الخادم مأمور؟ فقال الكسائي: علمه من قوله: هزلت مجترئاً فمه، إذ كان الخادم لا يقدر على مخاطبته بذلك إلا عن أمر. وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب الوزراء قال: ذكر أبو الفضل بن عبد الحميد في كتابه، أن الأحول المحرر، شخص مع محمد بن يزداد عند شخوص المأمون إلى دمشق، وأنه شكا يوماً إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلة ذات اليد، وسأله في أن يسأل له ابن يزداد أن يكلم المأمون في أمره فيبره بشيء. ففعل أبو هارون ذلك، ورأى محمد بن يزداد من المأمون طيب نفس، فكلمه له وعطفه عليه، فقال له المأمون: أنا أعرف الناس به، إنه لا يزال بخير ما لم يكن معه شيء، فإذا رزق فوق القوت بذرة أفسده ذلك، ولكن قد أمرنا له - لشفاعتك - بأربعة آلاف درهم. فدعا ابن يزداد بالأحول؛ فعرفه بما جرى ونهاه عن الفساد، وأمر له بالمال؛ فلما قبضه ابتاع غلاماً بمائة دينار، واشترى سيفاً ومتاعاً، أسرف فيما معه، حتى لم يبق معه شيء. فلما رأى الغلام ذلك أخذ كل ما كان في بيته وهرب، فبقي عرياناً بأسوأ حال، فجاء إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد فأخبره، فأخذ أبو هارون نصف طومار فكتب في آخره: فر الغلام فطار قلب الأحول ... وأنا الشفيع وأنت خير مؤمل ثم ختمه وقال له: امض إلى محمد بن يزداد، فمضى وأوصله إليه. فلما رآه محمد قال له: ما في كتابك؟ قال: لا أدري، قال: وهذا من حمقك، تحمل كتاباً لا تدري ما فيه! ثم فضه فلم ير شيئاً، فجعل ينشره وهو يضحك حتى انتهى إلى آخره، فوقف على البيت، فكتب تحته: لولا تعبث أحولٍ بغلامه ... كان الغلام ربيطةً في المنزل ثم ختمه، وناوله إياه، وأمره أن يرده إلى خليفته. فقال: الله الله في، جعلني الله فداك! ارحمني من الحالة التي قد صرت إليها. فرق له ووعده أن يكلم المأمون، فكلمه وشرح له الحال، ووصف له ضعف عقل الأحول ووهى عقدته، فأمر

стр. 23

المأمون بإحضاره؛ فلما مثل بين يديه، قال له: يا عدو الله! تأخذ مالي وتشتري به غلاماً حتى يفر منك! فارتاع لذلك وتلجلج لسانه، فقال: جعلني الله فداك! ما فعلت، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف أنك لم تفعل، فارتاع، وجعل ابن يزداد يأخذ بيده لذلك، والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها، ثم أمر بإجراء رزق واسع له كل شهر، ووصله مرة بعد مرة حتى أغناه الله، لأنه كان يعجبه خطه. أنبأنا الفقيه الحافظ التقى أبو محمد عبد الخالق المسكي إجازة أنبأنا الحافظ السلفي إجازة أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بعلان الكبير قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا النجيرمي أبو يعقوب، حدثنا المهلبي، قال: لما حضرت المأمون الوفاة، جلست عند رأسه جارية كان بها مشغوفاً، وقد أخذته غشية، فجعلت تبكيه، وأنشأت تقول: يا ملكاً لست بناسيه ... وليتني بالنفس أفديه فأفاق من غشيته، ونظر إليها، وأنشأ يقول: باكيتي من جزعٍ أقصرى ... قد غلق الرهن بما فيه ومن حسن الجواب بالشعر بديهاً ما روى طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى دار محمد بن عبد الملك الزيات يستدعيه، وقد كان المعتصم طلبه، فدخل المجلس ليلبس ثيابه، فرأى ابن دنقش في صحن الدار غلاماً، له روقة؛ فقال - وهو يظن أن محمد بن عبد الله لا يسمعه: وعلى اللواط فلا تلومن كاتباً ... إن اللواط سجية الكتاب فقال محمد مسرعاً: وكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الحلاق سجية الحجاب فاستحيا ابن دنقش، واعتذر بأن هذا شيء جرى على لسانه من غير قصد، فقال له محمد بن عبد الملك: إنما يحسن الاعتذار، إذا لم يقع قصاص. وذكر الصولي في كتاب الوزراء قال: حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال: دخل الحسن بن وهب على محمد بن عبد الملك وهو في بستان، وأقبل غلام لمحمد بن عبد الملك، حسن الوجه، فقال للحسن: أجز: كيف ترى هذا الغلام الذي ... أقبل يحكي البدر في المطلع فقال الحسن:

стр. 24

لا تسألني يا أبا جعفرٍ ... عن مثله في مثل ذا الموضع فقال أبو الجهم أحمد بن سيف وكان حاضراً: أتيت والله بها جملةًوخيمة المربع والمرتع فقال الحسن يعرض بأبي الجهم: إذا ما حامت العقبان يوماً ... تسترت الجوارح بالغياض فقال أبو الجهم يجيبه: ألم يخفق فؤادك يا بن وهبٍ ... لذكري دون رميك في عراضي وهل ثبتت عقاب في مكان ... إذا نسر تحامل في انقضاض! فأقسم عليها محمد بأن يمسكا، وأقبل يردد بيت الحسن الذي أوله: لا تسألني فقال: الحسن: نعم وإن أحببت يا سيدي ... فسرت ما أجملته فاسمع فقال محمد: إن كنت تهواه فخذه فقد ... جدت لك الآن به فاقطع فقال الحسن: إن كنت تهوى الصدق فأذن لهيخرج إذا حان خروجي معي قال: اخرج معه يا غلام، فأنت له. وروى علي بن الجهم قال: كنت يوماً عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة رابتها، فقالت: يا رب رامٍ حسنٍ تعرضه ... يرمي ولا أشعر أني غرضه فقلت: أي فتى لحظك ليس يمرضه ... وأي عهدٍ محكمٍ لا ينقضه! فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث. وكان أبو الفضل بن المضاء أحد أمراء بني الأغلب يخضب فأنشده يوماً أبو شراحيل شريح بن عبد الله بن غانم بن العاص يعرض به: لعمرك ما الخضاب إذا تولى ... شباب المرء إلا كالسراب فقال يعقوب يجيبه بديهاً: فلا تعجل رويدك عن قريبٍ ... كأنك بالمشيب وبالخضاب وذكر الصولي في كتاب الوزراء حدثني محمد بن العلاء السجزي قال: دخل

стр. 25

أبو ناضرة إلى عبيد الله بن سليمان، فقال: أيظعن في جملة الظاعنين ... غداً أم يقيم أبو ناضرة؟ فقال الوزير: يقيم يقيم على رغمه ... وتحلق لحيته الوافرة فقال عبيد الله بن الفرج، كاتب سر عبد الله سراً: ويصفع من غير ما حشمةٍ ... وتؤتى حليلته الفاجرة وذكر أبو عبد الله التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة قال: حدثني محمد بن الحسن البصري، قال: حدثني الهمداني الشاعر، قال: قصدت ابن الشملغاني في ما درايا، فأنشدته قصيدةً قد مدحته بها، وتأنقت فيها، وجودتها؛ فلم يحفل بها. فسكنت أغاديه كل يوم، وأحضر مجلسه إلى يتقوض الناس؛ فلا أرى للثواب طريقاً. فحضرته يوماً، وقد احتشد مجلسه، فقام شاعر؛ فأنشد نونية، إلى أن بلغ فيها إلى بيت هو: فليت الأرض كانت مادرايا ... وليت الناس آل الشلمغاني فعن لي في هذا الوقت هذا البيت، فقمت إليه مسرعاً: إذا كانت بطون الأرض كنفاً ... وكل الناس أولاد الزواني فضحك، وأمرني بالجلوس، وقال: نحن أحوجناك لهذا، وأمر لي بجائزة سنية، فأخذتها وانصرفت. وكان أبو عمر أحمد بن عبد ربه صديقاً لمحمد بن يحيى بن القلفاظ الشاعر ثم فسد ما بينهما وتهاجيا؛ وكان سبب الفساد بينهما أن ابن عبد ربه مر يوماً، وكان في مشيته اضطراب؛ فقال: يا أبا عمر؛ ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيتك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد! فعز على القلفاظ كلامه، وقال له: أتتعرض للحرم! والله لأرينك كيف الهجاء! ثم صنع قصيدة أولها: يا عرس أحمد إني مزمع سفرا ... فودعيني سراً من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك. وكان القلفاظ يلقبه بطلاس، لأنه كان أطلس لا لحية له؛ ويسمى كتابع العقد حبل القوم؛ فاتفق اجتماعهما مرة عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر؟ فقال مرتجلاً: حال لي طلاس عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه فبادره ابن عبد ربه، فقال:

стр. 26

إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمك من مائه فانقطع القلفاظ خجلاً. أنبأنا الشيخ النبيه الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي قال: أخبرني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه بن حزم، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسن، قال: وجدت بخط أبي قال: أمرنا الحاكم المستنصر بالله بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي وابني سعيد في دار الملك التي بقصر قرطبة، وأحضر من الكتاب نسخاً كثيرة، في جملتها نسخة القاضي منذر بن سعيد التي رواها بمصر عن ابن ولاد، فمر لنا صدر من الكتاب بالمقابلة، فدخل علينا المستنصر في بعض الأيام فسألنا عن النسخ، فقلنا له: إن نسخة القاضي التي كتبها بخطه محرفة، وأريناه مواضع مغيرة وأبياتاً مكسورة، وأسمعناه ألفاظاً مصحفة ولغات مبدلة. فعجب من ذلك وسأل أبا علي، فقال له نحو ذلك، واتصل المجلس بالقاضي، فكتب إلى المستنصر رقعة فيها: جزى الله الخليل الخير عنا ... بأفضل ما جزى فهو المجازي وما خطأ الخليل سوى المغيلي ... وعضروطين في دار الطراز فصار القوم زرية كل زارٍ ... وسخرية وهزأة كل هازٍ فلما دخلنا على المستنصر قال لنا: أما القاضي فقد هجاكم، وناولنا الرقعة بخط القاضي - وكانت تحت شيء بين يديه - فقرأناها وقلنا: يا مولانا نحن نجل مجلسك الكريم عن انتقاص أحدٍ فيه، لا سيما مثل القاضي في سنه ومنصبه، فإن أحب مولانا أن يقف على حقيقة ما استدركناه فليحضره وليحضره الأستاذ أبا علي، ثم نتكلم على كل كلمة استدركناها عليه؛ فقال: قد ابتدأكم والبادي أظلم، وليس على من انتصر لوم، قال أبي: فمددت يدي إلى الدواة وكتبت بين يديه: هلم فقد دعوت إلى البراز ... وقد ناجزت قرناً ذا نجاز ولا تمش الضراء فقد أثرت ال ... أسود الغلب تخطو باحتفاز وأصحر للقاء تكن صريعاً ... بماضي الحد مصقولٍ جراز رويت عن الخليل الوهم جهراً ... لجهلك بالحقيقة والمجاز دعوت له بخيرٍ ثم أخنت ... يداك على مفاخره العزاز

стр. 27

تهدمها وتجعل ما علاها ... أسافلها ستجزيك الجوازي جزى الله الإمام العدل عنا ... جزاء الخير فهو له مجازي به وريت زناد العلم قدماً ... وشرف طالبيه باعتزاز وجلى عن كتاب العين دجناً ... وإظلاماً بنورٍ ذي امتياز بأستاذ اللغات أبي علي ... وأخدانٍ بناحية الطراز بهم صح الكتاب وصيروه ... من التصحيف في ظل احتراز قال الحميدي: وأسقطنا نحن منها أبياتاً تجاوز الحد فيها. قال: ثم أنشدتها المستنصر بالله، فضحك وقال: قد انتصرت وزدت، وأمر بها فختمت ثم وجه بها إلى القاضي فلم تسمع له بعد كلمة. أنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي قال: نزلت من قرافة مصر أودع الشيخ الأجل أبي الحسين بن جبير، فقال لي: كنت على المجيء إليك. فقلت: همة سيدنا هي التي أتت بي، فسألني عن القرافة فقلت: هي موضع يصلح للخير وللشر، من طلب شيئاً وجده. فقال: خذ هذه الحكاية، قال لي بعض مشايخنا عن ابن الفرضي: كنت في موضع يتفرج فيه، وبت به، ثم أقبلت باكراً منه، فلقيني بعد من يقرأ علي، فقال: من أين أقبلت يا من لا نظير له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك فأجبته مسرعاً: من موضع تعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا قال بديع الزمان الهمذاني كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوماً، وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدةً يفضل فيها قومه على العرب، وهي: غنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمول وأذهلني عقار عن عقارٍ ... ففي است أم القضاة مع العذول فلست بتاركٍ إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول وضبٍ بالفلا ساعٍ وذئبٍ ... بها يعوي وليث وسط غيل يسلون السيوف لرأس ضب ... حراشاً بالغداة والأصيل إذا ذبحوا فذلك يوم عيدٍ ... وإن نحروا ففي عرسٍ جليل أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب القرم النبيل

стр. 28

لكان لهم بذلك خير فخرٍ ... وجيلهم بذلك خير جيل فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس - وكنت جالساً في زاوية من البهو فلم يرني - فقال أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك، قلت: وما هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك. فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول: أراك على شفا خطرٍ مهول ... بما أودعت لفظك من فضول تريد على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل! ألسنا الضاربين الجزى عليكم ... وإن الجزي أولى بالذليل متى قرع المنابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول! متى عرفت وأنت بها زعيمأكف الفرس أعراف الخيول! فخرت بملء ما ضغتيك هجراً ... على قحطان والبيت الأصيل وتفخر أن مأكولا ولبساً ... وذلك فخر ربات الحجول ففاخرهن في خد أسيلٍ ... وفرعٍ في مفارقها رسيل وأمجد من أبيك إذا تزيا ... عراة كالليوث على الخيول قال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟ قال: لو سمعت به ما صدقت. قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم قال: لا أرى أحداً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليها. قال العميد أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه المعروف بدمية القصر وعصرة أهل العصر جرى بين القاضي أبي سعيد علي بن عبد الله الناصحي وبين الحاكم أبي سعد دوست مبادهة، قال له القاضي: وما وصل الكتاب إلي حتى ... أجبت إلى الذي استدعاه مني فقال أبو سعد: جزاك الله عن مولاك خيراً ... وخفف ثقل هذا الشكر عني فقال القاضي: وأولى الشيخ عزاً مستفاداً ... وحقق فيه مأمولي وظني فقال أبو سعد:

стр. 29

وكم لك نعمة من غير ذكرٍ ... وكم لك منة من غير من وكان حسان بن عجل الكلبي المعروف بعرقلة أعور وكان يجلس على حانوت خياط بدمشق يعرف بأبي الحسين الأعرج، وكان له طبع في قول الشعر، فقال له عرقلة يوماً يداعبه: ألا قل للرقيع أبي حسينٍ ... أراني الله عينك مثل عيني فقال الأعرج مجاوباً له: ألا قل لابن كلبٍ لا ابن عجلٍ ... أراني الله رجلك مثل رجلي فخجل عرقلة من قوله وانصرف. الباب الثاني في بدائع بدائه الإجازة الإجازة أن ينظم الشاعر على شعر غيره في معناه ما يكون به تمامه وكماله. وقد يكون بين متعاصرين وغير متعاصرين؛ وهي مشتقة من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً إذا سقاه أو سقى له، فكأنهم شبهوا عمل الشاعر المجيز لعمل الشاعر المجاز شعره، بسقي الشخص للشخص، قال يعقوب بن السكيت: يقال للذي يرد الماء: مستجيز، وأنشد: وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز ... عبادة إن المستجيز على قتر قال أبو علي حسن بن رشيق مولى الأزد: ويجوز أن يكون من أجزت عن فلان الكأس إذا صرفتها عنه - دون أن يشربها - إلى من يليه، وكأنهم شبهوا الشاعر لما تعدى إتمام شعره بمجيز الكأس، قال أبو نواس: وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... لينهى أمير المؤمنين وأشربا فجوزها عني عصاراً ترى لها ... على الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا وقد ذكرنا أن الإجازة تكون بين عصرين وغير عصرين، ونحن الآن نجعلها لك في فصلين، ونذكر ما ورد في كل فصل من الأخبار على ترتيب الأعصار، وهو شرطنا في هذا الكتاب. الفصل الأول في إجازة الشاعر لمعاصره فمن هذا القسم ما تكون الإجازة فيه بقسيم لقسيم كما روى الزبير بن بكار قال: استنشد عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه - عمر بن أبي ربيعة فأنشده: تشط غداً دار جيراننا فبدره ابن عباسٍ، فقال: وللدار بعد غدٍ أبعد فقال له عمر: كذلك قلت، أصلحك الله! أفسمعته؟ قال: لا، ولكن

стр. 30

كذلك ينبغي أن يكون. وروى عمران بن عبد العزيز الزهري أن عمر بن أبي ربيعة شبب بزينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي، وكان سبب تشبيبه بها أن ابن أبي عتيق ذكرها له، فأطنب في وصفها بالحسن والجمال، فصنع فيها قصيدته التي أولها: يا خليلي من ملامٍ دعاني ... وألما الغداة بالأظعان فبلغ ذلك ابن أبي عتيق. فلامه في ذكرها، فقال له: لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن عندي عتيق ما قد كفاني لا تلمني فأنت زينتها لي فبدره ابن أبي عتيق فقال: أنت مثل الشيطان للإنسان فقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلته، فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك - ورب العزة - ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب مني وأصيب منه. ومن ذلك ما روى أبو عبيدة أن راكباً أقبل من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة. فقال: هل أحدث ابن المراغة بعدي من شيء؟ قال: نعم، قال: هات، فأنشد: هاج الهوى بفؤادك المهتاج فقال الفرزدق: فانظر بتوضح باكر الأحداج فأنشد الرجل: هذا هوى شغف الفؤاد مبرح فقال الفرزدق: ونوى تقاذف غير ذات خلاج فأنشد الرجل: إن الغراب بما كرهت لمولع فقال الفرزدق: بنوى الأحبة دائم التشحاج فقال الرجل: هكذا والله قال، أفسمعتها من غيري؟ قال: لا، ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أوما علمت أن شيطاننا واحد! ثم قال: أمدح بها الحجاج؟ قال: نعم. قال: إياه أراد. ومن ذلك ما اخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي أخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة، أنبأنا أبو صادق مرثد بن يحيى بن القاسم المديني، قال: كتبت إلى القاضي أبو الحسين علي بن محمد بن صخر الأزدي أن أبا القاسم عمر بن محمد بن سيف أذن لهم في الرواية عنه، أخبرنا أبو خليفة عن ابن سلام قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لابن عبد الأعلى: أتمم هذا البيت وأنت أشعر العرب: نروح ونغدو كل يومٍ وليلةٍ فقال مجيباً: وعما قليلٍ لا نروح ولا نغدو

стр. 31

ومن ذلك ما روى سلمة النميري قال: حضرت مجلس هشام بن عبد الملك، وبين يديه جرير والفرزدق والأخطل، فأحضرت بين يدي هشام ناقة، فقال متمثلاً: أنيخها ما بدا لي، ثم أرحلها أيكم أتمه كما أريد فهي له، فبدر جرير فقال: كأنها نقنق تعدو بصحراء فقال: لم تصنع شيئاً، فقال الفرزدق: كأنها كاسر بالدو فتخاء فقال: ولا أنت، فقال الأخطل: ترخى المشافر واللحيين إرخاء فقال: اركبها لا حملك الله! ومن ذلك ما روي أن بعض الشعراء قال لأبي العتاهية أجز برد الماء وطابا فقال أبو العتاهية: حبذا الماء شرابا ومن ذلك ما روي عن دعبل بن علي الخزاعي أنه قال: كنت أنا ومحمد بن وهيب نسمر عند معقل بن عيسى بن إدريس العجلي، أخي أبي دلف، فطلعت الثريا ليلةً، فقال: أما ترون الثريا فبدر محمد بن وهيب، فقال: كأنها عقد ريا ومن ذلك ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه قال: قلت: وصف الصد لمن أهوى فصد ثم أجبلت، فمكثت عدة ليالٍ لا أقدر على تمامه، فدخل علي عبد الله بن عمار التيمي، فرآني مفكراً، فقال لي: ما قصتك؟ فأخبرته، فقال في الحال: وبدا يمزح بالهجر فجد قال إسحاق: ثم تممتها بعد فقلت: ما له يعدل عني وجهه ... وهو لا يعدله عندي أحد! ومن ذلك ما روى محمد بن داود بن الجراح قال: كان أبو تمام حبيب بن أوس الطائي عند الحسن بن وهب، فدخل عليهما أبو نهشل بن حميد، فلما رآه أبو تمام، قال: أعضك الله أبا نهشل ثم قال للحسن: أجز فقال: بخد ريمٍ أبيضٍ أكحل ثم قال: أجز يا أبا نهشل، فقال: يطمع في الوصل فإن رمته ... صار مع العيوق في منزل وهذا أيضاً فيه إجازة بيت ببيت. ومن ذلك ما روي أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان وهو المنعوت بين ملوك الأندلس بالأمير صنع في بعض غزواته قسيماً، وهو: نرى الشيء مما يتقى فنهابه ثم أرتج عليه - وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائباً - فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم، فقال: ومالا نرى مما يقي الله أكثر فاستحسنه وأجازه وحمله استحسانه على أن استوزره ومن ذلك ما روى النميري قال: دخل أبي على المعتز بالله - وكان من جلسائه - فوقع بين الجلساء تنازع، فنهاهم حتى أضجروه؛ قال النميري: فقال له أبي: عادتك الصفح، والذنوب لنا فقال المعتز: كذاك فعل العبيد الملك قال القاضي الفقيه جمال الدين سمع الناس يذكرون حكايةً لا أتقلد صحتها، وهي أن أبا تمام لقي ديك الجن وهو طفل يلعب، ويدعي قول الشعر، فقال: إن كنت شاعراً كما تقول، فأجز: فرقوا بين من أحب وبيني فقال: أبعد أم أقرب؟ فقال أبو تمام بعد، فقال: مثل بعد السماك والفرقدين فقال له: قرب، فقال: مثل مابين حاجبي وعيني وذكر عبيد الله بن أحمد بن طاهر في تاريخه الذي ذيل به كتاب أبيه قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، أنه أول ما قال الشعر: حضر أبو الصقر

стр. 32

إسماعيل بن بلبل عند أبيه في مجلس فيه أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن ووالدي أحمد بن أبي طاهر وجماعة من أهل الأدب، فاستنشدني أبو الصقر شيئاً من شعري، فأنشدته، فاستنكره أبو الصقر، ثم قال: أريد أن أمتحنك في شيء تجيزه، فقلت له: ذلك لك، ففكر، ثم قال: أنت غلام شاعر خبيث فقلت من غير تلبث: أنت امرؤ بجوده يغيث يعجل ما يعطي ولا يريث لك القديم ولك الحديث فقال أبو عبد الله بن أبي فنن: اذهب يا غلام، فأنت أشعر الأولين والآخرين، ثم حضرت المائدة، وحضر عليها كباب رشيدي، فقال ابن أبي فنن: كباب رشيدي إذا ما رأيته ثم قال: أجز، فقلت: وإن كنت شبعاناً قرمت إلى الأكل ثم قال ابن أبي فنن: ما سمعت أحسن من هذا، ما لهذا الصدر عجز أولى به من هذا. وهذه الحكاية صدرها من باب الأجوبة وآخرها من هذا الباب. وذكر الرئيس هلال بن المحسن بن الصابي في كتاب الوزراء والكتاب قال: حدث أبو الفرج الأصفهاني قال: سكر الوزير المهلبي ليلة، ولم يبق بحضرته من ندمائه غيري؛ فقال له: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سراً؛ فاهجني الساعة جهراً؛ فقلت: الله في أيها الوزير، إن كنت قد ثقلت عليك، فمرني فلا أعود أجيبك أبداً، وإن كنت تريد قتلي فبالسيف أهون؛ فقال: دع هذا، فلا بد أن تهجوني - وكنت قد سكرت - فقلت: أير بغلٍ مكوكب فبدر فقال: في حرام المهلبي هات مصراعاً آخر، فقلت: الطلاق لازم لي، إن زدت على هذا كلمة. وروى عبد الجبار بن حمديس الصقلي قال: صنع عبد الجليل ابن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا: حاكت الريح من الماء زرد فأجازه كل بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له، فقال: أي درعٍ لقتالٍ لو جمد فحفظ القسيمان، ونسى ما عداهما. قال علي بن ظافر: وقد أنبأني الفقيه أبو محمد المسكي إجازة قال: كتب إلى الحافظ السلفي، أنشدني أبو الفضل أحمد بن عبد الكريم بن مقاتل المقري الصنهاجي بالإسكندرية: قال: أخبرني أبو محمد بن حمديس قال: كنا مع المعتمد بن عباد بحمص الأندلس، فمر على أضاة، قد راح عليها الصبا، فأثبت على وجهه الماء مثل الزرد، فقال: نسج الريح على الماء زرد وطلب الإجازة من شعرائه فلم يجبه أحد،

стр. 33

فقلت أنا: أي درع لقتالٍ لو جمد فاستحسن ذلك مني؛ وكنت وقت الإنشاد رابعاً فجعلني ثانياً، وأمر لي بجائزة سنية. قال علي بن ظافر: والحكاية الأولى منصوصة في ديوان ابن حمديس الذي دونه لنفسه، وهو موجود في أيدي الناس. والحكاية الثانية رويناها من هذا الطريق، وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الموصوف فقال: نثر الجو على الترب برد ... أي در لنحور لو جمد فتناقض المعنى بقوله: البرد، وقوله: لو جمد؛ إذ ليس البرد إلا ما جمده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد: لو دام جموده، فيصح ويبعد عن التحقيق. ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة: ولربما سلت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا طبعته لجياً فذابت صفحة ... منه ولو جمدت لكان مهندا قال علي بن ظافر: وقد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت أصف روضاً: فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كن بلورا وهذا المعنى مأخوذ عن قول علي بن التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة: ألؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط وهذا المعنى كثير للقدماء، قال: قال علي بن الرومي من قطعة في العنب الرازقي: لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور أنبأنا الشيخان الأجل العلامة أبو اليمن تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر سماعاً، قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري؛ حدثني أبي، قال: سمعت بكار بن علي الرياحي بدمشق يقول: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى هنا، جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك في أن نمضي إليه ونسلم عليه! فأجبت وقمت معه؛ حتى أتينا إلى منزله، وكان ينزل دائماً إذا قدم في سوق القمح، وكان بين يديه دكان قطان، وفيها رجل أعمى، فوقفت به عجوز كبيرة، فكلمها بشيء وهي منصتة له، فقال المجدي في الحال: منصتة تسمع ما يقول فقال عبد المحسن في الحال: كالخلد لما قابلته الغول فقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد! أتيت بتشبيهين في نصف بيت. أعيذك بالله! قال علي بن ظافر

стр. 34

وأخبرني من أثق به - هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال بما معناه، قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للتنزه بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقاً، فرأى شجرة تين قد أينعت وأزهرت، وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت في يده، فأصابها، وثبتت في أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول لا حق به، فقال: أجز: كأنها فوق العصا فأجاب مسرعاً: هامة زنجي عصى فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية. قال علي بن ظافر وأخبرني أيضاً أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا، أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد، ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر من أرباب المهن من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته، والنيل قد جر على مده ذيلاً، وأعاد نهاره ليلاً، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده فقال: كم بين زندٍ وزند فقال: ما بين وصلٍ وصد فعجب من سرعة ارتجاله مع مضيه في عمله واستعجاله، وجذب يضبعه، وبالغ في الإحسان إليه غاية وسعه. وأخبرني أيضاً أنه دخل سرقسطة، فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه ولحم خرفانه بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال: لحم سباط الخرفان مهزول فقال: يقول للمفلسين: مه زولوا وأخبرني الشيخ الأجل الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد القرطبي أيده الله قال قال أبو محمد عبد المؤمن بن علي صاحب قرطبة والمغرب يوماً في مجلسه، وقد عوفي من مرضه: الحمد لله رب العالمين على ثم طلب إجازته من أهل المجلس، فلم يجبه أحد، فقال أبو العباس ابن حيوس: برء الإمام الذي في الآمنين علا قال لي الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن دحية: صنع شيخنا قاضي الجماعة أبو العباس بن مضاء إجازة له: برء الإمام الذي في الناس قد عدلا ثم عمل فيها أبياتاً وأخبرني الأجل شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير الصدر الكبير نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور أدام الله عزه قال أخبرني البهاء الحسن بن علي بن محمد الخراساني المعروف بابن الساعاتي قال: سايرت

стр. 35

الفقيه مرتضى الدين نصر الشيرازي - رحمه الله تعالى - فجرى في الحديث ما أوجب أن قال: إن هذي النفوس للموت تسعى واستجازني، فقلت: فإذا قيل مات لم يك بدعا وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي بن الديباجي الكاتب قال أنشدني القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله تعالى: إذا مت مهجوراً فلا عاش عاشق قال: وقد أعياني إتمامه على هذا النمط من الجناس، فقلت: ولا طار للأحباب بعدي طارق فقال: إنما مرادي أن يكون الجناس متصلاً مثل الأول فقلت: وبعدي للأحباب لا طار طارق قال علي بن ظافر سايرت في بعض أسفاري سنة ثلاث وستمائة ابن الحرستاني، وأنا عائد من ميا فارقين إلى ماردين، وكان الشتاء كلباً، والبرد قوياً، والوحل شديداً، فلقينا في تلك العقاب عشاً، فقال: عقاب في ثناياها عقاب واستجازني، فقلت للوقت: فما هي بالعذاب بل العذاب قال علي بن ظافر وبتنا ليلة بالقرافة، فرأى بعض أصحابنا الزهرة، وقد قارنت المشتري، وهما مشرقان في حندس الظلماء، فأفرط في استحسانها، فقال أبو الفضل الوجيه جعفر بن جعفر الحموي: مقارن الزهرة والمشتري فقلت: كالزج واللهذم في السمهري فأفرط الجماعة في استحسانه، ثم وقع لي أن أشبههما بلهذمٍ من ذهب وزجٍ من فضة لاصفرار الزهرة وشدة بياض المشتري، فقلت: أما ترى المشتري وقد قارن الز ... هرة يبغي دنو مقترب كصعدةٍ زجها ولهذمها ... ذاك لجين، وذا من الذهب قال علي بن ظافر اجتمعت أنا والقاضي الأعز أبو الحسن علي ابن المؤيد العساني ﵀ يوماً بالرصد، فرأينا شعاع الأصيل فوق بياض الماء، فقلت له: أجز: أذكت الشمس على الماء لهب فقال: فكست فضته منها ذهب وقلت له يوما أجز طار نسيم الروض من وكر الزهر فقال: وجاء مبلول الجناح بالمطر وذكر أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج حكاية مطبوعة قال: جلست في دكان أبي لقمان الصفار - وكان يتهم في شعره - مع جماعة من الشعراء، وأبو لقمان والدركادوا الشاعر يلعبان بالشطرنج، ونحن نضحك لما يجري بينهما من غريب المهاترة، فقال الدركادوا: أجز يا أبا لقمان:

стр. 36

حيتان حبك في طنجير بلوائي فقال أبو لقمان: وفحم وجهك في كانون أحشائي فقال له أحمد بن إبراهيم الكموني: أحسنت يا أبا لقمان، قسيمك خير من قسيمه؛ فزهي أبو لقمان وقال: أدافع في بديع الشعر، وهذا شعري في الهتف. وإنما لم أورد هذه الحكاية مرتبة في نظام الحكايات المتقدمة على ترتيب الأعصار والأزمنة، إذ كان حقها أن تكون بين الحكايات المنسوبة إلى أبي الفرج والمهلبي والمنسوبة إلى ابن حمديس؛ لأنها ليست من بدائع البدائه، ولم أر إخلاء الكتاب منها لما فيها من الحلاوة. ومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت كما يروى لنا أن الرشيد هارون - رحمه الله تعالى - صنع قسيما وهو: الملك لله وحده ثم أرتج عليه، فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم الجماز، فقال أجيزوا - وأنشدهم القسيم - فبدر الجماز فقال: وللخليفة بعده فقال له الرشيد: زد، فقال: وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده فقال له الرشيد: أحسنت ولم تعد ما في نفسي؛ وأجازه بعشرة آلاف درهم. وذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: استزارني أحمد بن سعيد الدمشقي وأنا صغير، وسأل أبي أبا الحسن الإذن لي في المسير إليه، وأخبره أن أحمد بن أبي طاهر وأبا طالب بن مسلمة وعلي بن مهدي وجماعة من أهل العلم والأدب عنده؛ فأذن له فصرت إليه، فصادفت عنده أبا الحسن جحظة فلما أردنا القيام إلى صفة في داره للأكل لبس الجماعة نعالهم، وبقي جحظة بغير نعلٍ، فسمعته يقول: يا قوم من لي بنعل فقلت: في بيت تصحيف نعل فضحكت الجماعة وغضب الدمشقي؛ فقلت: وليس ذا قول جد ... لكنه قول هزل فضحك، وتعجب القوم من بديهتي. قال علي بن ظافر صنع المتوكل علي بن الأفطس صاحب بطليوس من بلاد الأندلس قسيما، وهو: الشعر خطة خسف وأرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون، أحد وزراء دولته وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال: لكل طالب عرف للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف وقد أنبأني الشيخ الأجل الحافظ العلامة ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن الحسن بن دحية الكلبي إجازة عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه، عن الحافظ أبي القاسم خلف بن يوسف

стр. 37

الشنتريني - عرف بابن الأبرش - عن أبي الحسن بن بسام في كتاب الذخيرة؛ أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وبهذا الإسناد قال ابن بسام ذكر أبو علي الحسين بن الغليظ المالقي، قال: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي ونحن على جرية ماء، أجز: شربنا على ماء كأن خريره فقال مبادراً: بكاء محب بان عنه حبيبه فمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيبه وبه أيضاًما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال اجتمع ابن عبادة وعبد الله ابن القابلة السبتي بالمرية فنظر إلى غلام وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال: ابن عبادة: أجز: انظر إلى البدر الذي لاح لك فقال ابن القابلة: في وسط اللجة تحت الحلك قد جعل الماء سماءً له ... وصير الفلك مكان الفلك قال علي بن ظافر: وكل ما أسنده إلى ابن بسام فبهذا الإسناد. ومنها إجازة قسيم بقسيم وأكثر من بيت أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن الكندي وجمال الدين بن الخراساني عن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو بكر بن المرزوقي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العسكري، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، أخبرني جعفر بن قدامة، حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوماً على نبت جارية مخفرانة - وكانت حسنة الوجه والغناء - فقلت لها: قد قلت مصراعاً فأجيزيه، فقالت لي: قل، فقلت: يا نبت حسنك يعشي بهجة القمر فقالت: قد كاد حسنك أن يبتزني بصري ثم وقفت أفكر، فسبقتني، فقالت: وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر فزاد فكري، فبادرتني، فقالت: فهل لنا منك حظ في مواصلةٍ ... أو لا فإني راضٍ منك بالنظر فقمت عنها خجلاً، ثم عرضت بعد ذلك على المعتمد؛ فاشتراها بمشورة علي بن يحيى بثلاثين ألفاً. وذكر أحمد بن الطيب، عن بعض الكتاب، أنها عرضت بعد ذلك على المعتمد فامتحنها في الغناء، فرضي بما ظهر منها، وكان أول ما غنته

стр. 38

لحناً غريباً - والشعر في المعتمد - فقالت: سنةً وشهراً قابلا بسعود فطرب المعتمد وتبرك بغنائها. ثم قال لأحمد بن حمدون: قارضها، فقال: وهبت نفسي للهوى فقالت: فجار لما أن ملك فقال: فصرت عبداً خاضعاً فقالت: يسلك بي حيث سلك فأمر المعتمد بابتياعها، فاشتريت بثلاثين ألفاً. وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال روى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب - فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء الأولياء إلي -: الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد: مرض الجفون ولثغة في المنطق فقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت: سببان جرا عشق من لم يعشق من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت: أبو جعفر كاتب شاعر ... مليح سنى الخط حلو الخطابة تملأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملؤه بالكتابة له عرق ليس ماء الجباه ... ولكنه رشح ماء الجنابة جرى الماء في سفله جرى لينٍ ... فأحدث في العلو منه صلابة

стр. 39

قال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها يقول: إيهٍ أبا جعفر المرجى ... ما بال طيري خلاف طيرك! أهديت رقراقة المعاني ... لم أهد أمثالها لغيرك فلم تمرها ولم تمرني ... ولم تمرها بفضل ميرك فصار شعري لديك بكراً ... قد يئست من فلاح أيرك وذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي في كتابه: دمية القصر وعصرة العصر قال: حدثني الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدت بحضرة أبي كامل مفرج بن دغفل الطائي: صهل الكميت فقلت مالك تصهل فغيره بعض الحاضرين فقال: نعب الغراب فقلت مالك تنعب فقال أبو كامل بديهاً: أنأى أليفك أم لحالٍ ترهب أم بت تخبرنا بفرقة جيرةٍ ... قد آن في شعبان أن يتشعبوا عزموا على ترك النفوس ورابهم ... ماء يسيل على لظى يتلهب وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن سعيد السرقطي، عن عبد الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، قال: قصد ابن جاخ الشاعر فخر الدولة أبا عمرو عباد بن محمد بن عباد، فلما وصل إليه، قال: أجز: إذا مررت بركب العيس حييها فقال ابن جاخ في الحال: يا ناقتي فعسى أحبابنا فيها ثم زاد فقال: يا ناق عوجي على الأطلال عل بها ... منهم غريباً يراني كيف أبكيها أم كيف أرفض طيب العيش بعدهم ... أم كيف أسكب دمعاً في مغانيها إني لأكتم أشواقي وأسترها ... جهدي ولكن دموع العين تبديها وذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر صنع المعتمد على الله بن عباد - رحمه الله تعالى - قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو: سعد السعود يتيه فوق الزاهي

стр. 40

ثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولد عبد الله الرشيد: وكلاهما في الحسن متناه ومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍ ... قد جل في العليا عن الأشباه لا زال يخلد فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواه وكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة أحد رؤساء المغرب الأوسط تنزه مع جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن سوار الأشبوني، ورجل يسمى بأبي موسى، خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له: وشاعرٍ أثقل من جسمه ثم استجاز ابن سوار فقال: تأتني معانيه على حكمه يهجو ولا يهجى فهل عندكم ... ظلامة تعدي على ظلمه؟ لسانه في هجوه حية ... منية الحية في سمه أما أبو موسى ففي كفه ... عصا ابنه والسحر في نظمه يصيب سر المرء في رميه ... كأنما العالم في علمه وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره ﵀ قال أخبرني الشيخ أبو الحسن على بن عمر المفسر الأندلسي، قال: كتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان ابن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسم الأخير منهما، وهما: خليلي أبا بحرٍ وما قرقف اللمىبأعذب من قولي: خليلي أبا بحر أجز غير مأمور قسيماً نظمته ... تأمل على بحر المياه حلى الزهر فأجازه بقوله: كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر وقد ضحكت للياسمين مباسم ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر وأصغت من الآس النضير مسامع ... لتسمع ما تتلوه من سور الشعر قال: وهذان الرجلان من الفضلاء في عصرنا هذا. ومنها إجازة بيت ببيت فمن ذلك ما روى يونس بن حبيب، قال: لما بنى يوسف بن زياد داره بالساحة صنع طعاماً، ودعا أصحابه فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل، ثم خرجوا فتغدوا عنده، وركبوا المهاليج والمقاريف والبغال، واجتازوا بحارثة بن بدر الغداني
следующие страницы →